Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



القرائن كدليل للإثبات في المسائل الجنائية


     


د عبد العزيز خنفوسي.
أستاذ جامعي دائم.
كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الدكتور "مولاي الطاهر" بسعيدة، الجزائر.



القرائن كدليل للإثبات في المسائل الجنائية

 
 
مقدمة:

     لقد تميزت الجريمة عبر تاريخ المجتمعات بالتطور المتنامي واللامتناهي من حيث الوسائل التي يستخدمها المجرمون عند قيامهم بذلك، وفي مقابل ذلك حرصت الدول على أن تقوم بالحفاظ على أمن الأفراد وسكينتهم العامة عبر وضع التشريعات العقابية على الأفعال الإجرامية التي تؤدي إلى انتهاك حرمة الإنسان والتعدي على خصوصيات حياته الشخصية، إلا أن ذلك لم يجد نفعا واستلزم الأمر تطوير الوسائل التي من خلالها يتم التحقيق في الجرائم وإثباتها على مرتكبيها بتدوين الإجراءات اللازمة لذلك.
     وأمام تطور آليات وقواعد التحقيق الجنائي في مجال الجرائم، ومن أجل فعالية ملاحقة المجرمين كان لابد من الوصول إلى الحقيقة وهي إدانة مرتكب الجريمة بإثباتها عن طريق جميع وسائل الإثبات استعمالا في المواد الجزائية.
    وعليه تعد القرائن إحدى وسائل الإثبات التي يمكن أن يلتجأ إليها القاضي الجزائي، ويستند عليها كدليل إثبات في حكمه الجزائي، وفي سبيل ذلك رأينا من الضرورة القصوى أن نفتح نافذة حول موضوع القرائن ودورها الفعال في مجال الإثبات الجنائي من خلال التطرق إلى تعريفها وذكر أنواعها، دورها في تعزيز أدلة الإثبات، حجيتها في المسائل الجنائية.

أولا: تعريف القرائن في القانون الوضعي والفقه الإسلامي.

القرينة هي ما يستخلصه القاضي أو المشرع من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول(1)، فالقاضي والمشرع يستخدم وقائع يعلمها ليستدل بها على وقائع أخرى.
ومن ثمّ كان الإثبات بالقرائن هو وسيلة غير مباشرة من وسائل الإثبات باعتبار أن المحكمة لا تتوافر لديها أدلة إثبات على الواقعة المنسوبة للمتهم، وإنما تستنبط حدوثها من الوقائع الأخرى التي أحاطت بها، وتؤدي إلى هذا الاستنتاج بحكم اللزوم العقلي.
وكما عرّفها القانون الفرنسي في المادة (1349) بأنها:" النتائج التي يستخلصها القانون أو القاضي من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة"
"Les préemptions sont des conséquences que la loi ou le Magistrat tire d'un fait connu à un fait un connu".   
وقد عرفت محكمة النقض المصرية القرائن في حكمها الصادر بتاريخ 14/03/1990 الفاصل في الطعن رقم 190 س55 ق كما يلي:" من المقرر- في قضاء هذه المحكمة- أن القرينة هي استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة معلومة بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين فإنها لا تصلح مصدرا للاستنباط".
أما في الفقه الإسلامي، فإنّ العنصر المشترك بين مختلف التعريفات هو أنها عرّفت القرينة بالإمارة أو العلامة التي تدل على شيء مجهول على سبيل الظن، فالقرينة مأخوذة كما سبق من المقارنة والمصاحبة، فقد تكون دلالتها قوية أو ضعيفة على حساب قوة المصاحبة وضعفها، وقد ترقى إلى درجة القطع أو تهبط إلى درجة الاحتمال البعيد جدا، بحيث تصبح لا يعبأ بها والمرجع في ضبطها إلى قوة الذهن والفطنة واليقظة(2).

ثانيا: التصنيفات المتعددة للقرائن.

ومن خلال هذه التعريفات الخاصة بالقرينة سواء الواردة منها في القانون الوضعي أو الفقه الإسلامي، فإنها جاءت متفقة على أن القرائن نوعان:
  1. قرائن قانونية: أي التي ينص عليها القانون وينظمها المشرع سواء عبّر عنها بالنتائج، أو الإمارات كقرينة نشر القانون في الجريدة الرسمية الذي يفترض علم الناس به، أو مباشرة الإجراء الباطل في مواجهة المتهم ومحاميه دون اعتراض منه قرينة على الرضا به، وبالتالي يصحح البطلان المتعلق بالخصوم.
  2. قرائن قضائية: يستنتجها القاضي من الحادثة أو الواقعة المعلومة لمعرفة الواقعة المجهولة، وهي تخضع لقوة الذهن وفطنة القاضي مراعيا في ذلك أنّ الواقعة المكوّنة للقرينة ثابتة الوقوع، ولا تحتمل النقاش أو التأويل والحرص في الاستنتاج والاستنباط على استخدام الأسلوب المنطقي السليم، بحيث يكون استنتاج الواقعة المجهولة المراد إثباتها من الواقعة المعلومة متناسقا مع باقي ظروف الواقعة والأدلة الأخرى (نقض مصري 30 ماي1967 مجموعة الأحكام، س 18، رقم 137).
غير أنّ الاستنتاج الذي يقوم به القاضي لا يكون واحدا، وإنما يخضع لمميزات كل دليل، لذلك نجد فرقا في الاستنتاج بين القرائن والشهادة من جهة، وبين القرائن والدلائل من جهة ثانية.
فالفرق بين القرائن وشهادة الشهود أنّ إثبات الأولى يكون غير مباشر، لأنه عبارة عن استنتاج واقعة من أخرى، أما الثانية فالأصل فيها أنها تنصب مباشرة على نفس الواقعة المطلوب إثباتها، وقد تكون الواقعة بدورها غير مباشرة فتستمد منها قرينة من القرائن.
أما الفرق بين القرائن والدلائل، فإنّ الاستنتاج في الأولى يكون في وقائع تؤدي بالضرورة إليها وبحكم اللزوم العقلي، ومن ثمّ يصح أن تكون القرائن وحدها دليلا كافيا للإدانة ولو في قتل عمد ما دام الرأي المستخلص منها مستساغا (نقض مصري 27/14/1951 أحكام النقض س.3 رقم 85، ص 225)، في حين أنّ الثانية لا يكون الاستنتاج فيها لازما، بل قد يُفسر على أكثر من وجه ومن ثمة لا تكفي للإدانة وإن كانت تكفي لاتخاذ إجراءات التحقيق الابتدائي كالقبض، والتفتيش، والحبس الاحتياطي، أما قانون الإجراءات الجزائية فقد أشار إلى هذه الدلائل عندما نص على الجناية والجنحة المتلبس بها.
فمثلا أجاز القانون لقاضي التحقيق أن يُصدر أمرا بإحضار المتهم، وذلك لمحاولة معرفة الحقيقة بما يتوفر لديه من معلومات عن الجريمة، فإذا رفض المتهم الحضور جاز لقاضي التحقيق إصدار الأمر بإحضاره عن طريق القوة العمومية حسب نص المادة (116 من ق.إ.ج.ج المعدل والمتمم)، فهذا الرفض يُعتبر من الدلائل التي تُستنبط منها قرائن تبرر إصدار مثل هذا الأمر. وكما قد يرى قاضي التحقيق في أقوال الشهود أو تحريات الشرطة القضائية من القرائن الكافية ما يُبرر ذلك في مواجهة المتهم الغائب أو الهارب(3).
أما في الشريعة الإسلامية، فهي تنتظم في نوعين اثنين كما في القانون الوضعي،       وهي القرائن الشرعية الثابتة التي نص عليها النص القرآني صراحة، والتي تقابل في القانون الوضعي ما يسمى بالقرائن القانونية، وهي ملزمة للقاضي، ودوره فيها يقتصر على مدى التحقق من انطباق القرينة الشرعية على الواقعة ثم يعملها متى توافرت شروطها، مثل قوله تعالى:( وجاؤوا على قميصه بدم كذب، قل بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، وقوله تعالى:( واستبقا الباب وقدّت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يُسجن أو عذاب أليم، قال هي راودتني عن نفسي، وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما رأى قميصه قدّ من دُبر قال هذا من كيدكن إنّ كيدكن عظيم).
ومنها أيضا ثبوت الولد بالنكاح لقوله صلى الله عليه وسلم:" الولد للفراش والعاهر الحجر".
أما القرائن الشرعية التي من استنباط واجتهاد الفقهاء نجد: قرينة حمل من لا زوج لها وسيد على الزنا، وقرينة الرائحة على شرب الخمر، وقرينة وجود المسروق تحت ثياب السارق قرينة على السرقة، وهي تقابل القرائن القضائية في القانون الوضعي أو الموضوعية كما سمّاها الدكتور "رؤوف عبيد" (Présomption de fait)(4).
فالقرائن بجميع أنواعها (القانونية، القضائية، الشرعية، الاجتهادية، القاطعة،  الضعيفة... الخ) في الشريعة الإسلامية أو القانون الوضعي لها مكانة مرموقة في الإثبات، سواء تناولها النص القرآني والسنة النبوية، أو نصّ عليها المشرع الوضعي، أو يستخلصها القاضي من ظروف الدعوى وملابسات القضية، ومؤشراتها المختلفة في اتجاه ترجيح الإدانة من عدمه تمثل علما قائما بذاته لا يخضع لترتيب معين، وإنما لفطنة القاضي وذكائه وعلمه الخاص وثقافته وبعد نظره.
         فالقرائن مهما كان نوعها تُمهد الطريق للقاضي لصياغة اقتناعه في الدعوى وبناء الحكم الجزائي، فقد تكون عبارة عن آثار يتركها الجاني كالبصمات، أو صادرة من المجني عليه تُضبط على ملابس أو جسم الجاني كبقع الدم مثلا، أو مستخلصة من مسرح الجريمة كالوصول إلى الأسلحة المستعملة في ارتكابها، وهذا يعني أنه وطبقا لمبدأ حرية القاضي في الاقتناع والإثبات وتساوي الأدلة وتساندها وعدم تفضيل دليل على آخر، فإنّ القرائن شأنها شأن وسائل الإثبات الأخرى تخضع لتقدير القاضي(5)، وحتى وفي إطار القانون المدني الذي يغلب عليه طابع الإثبات المقيد حسب نص المادة (340 من ق.م.ج المعدل والمتمم):" يترك لتقدير القاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون، ولا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة".
ولكن رغم هذه السلطة فإنّ الدليل يجب أن يكون متساندا مع غيره من الأدلة، أي أن يكون بينهم جميعا ارتباط غير قابل للفصل، بحيث تؤدي في مجموعها إلى النتيجة التي قررها في الموضوع ولا يشوبها خطأ في الاستدلال ولا تناقض ولا تخاذل.
غير أنه يمكن للقاضي أن يُؤسس اقتناعه على أساس قرينة واحدة بشرط أن يكون حكمه مسببا بحيث لا يتعارض مع العقل والمنطق، كما يقول "بونييه":" إن قرينة واحدة يمكن أن تكون قاطعة بينما في بعض الحالات لا تتوافر ثلاث أو أربع قرائن على أية قوة في الإثبات". وفي قرار محكمة النقض الفرنسية ورد فيه ما يلي:" إنه من المنطقي المقبول أن تؤخذ بعين الاعتبار أي إمارة أو قرينة، وأن يتخذ القاضي دليله الحاسم منها أو من سلوك المدعى عليه خلال التحقيق والمحاكمة، أو من تناقضه في أقواله أو تردده أو كذبه".
كما أكدت على ذلك محكمة النقض المصرية بقرارها الذي جاء فيه:" لمحكمة الموضوع أن تأخذ بالدليل المباشر وغير المباشر من أي موطن تراه ما دام له أصل ثابت في الدعوى، ولها أن تأخذ بالقرائن وتستخلصها من الوقائع المطروحة عليها بغير رقابة من المحكمة العليا ما دام استخلاصها سائغا عقلا، ومستمدا من وقائع ثابتة اطمأن لها، فلا جُناح للمحكمة في حكمها المطعون فيه إذا عوّلت على بعض أقوال سُمعت على سبيل الاستدلال بغير حلف اليمين" (نقض مصري 18 ماي 1955، مجموعة القواعد ج1، رقم 7).
ونستنتج مما تقدم أنّ حق المتهم في الامتناع عن التصريح، وإن كان حق من حقوق الدفاع المرتكزة أساسا على قرينة البراءة، فإنه بالمقابل نجد أن القاضي حرا عند اعتماده دليلا معينا كالقرائن يكون قابلا للتقدير وخاضعا لاجتهاده، فإنه يمكن للقاضي إذا ما توفرت لديه الأدلة الكافية والقرائن المستخلصة بطريقة منطقية منسجمة مع العقل والمنطق أن تجعله لا يعتد بامتناع المتهم عن التصريح، ولا يعير له اهتماما خصوصا القانونية منها التي تجعل القاضي يستخلص نتيجة معينة من أوضاع قانونية محددة تفترض قيام الجريمة في مجملها، بل في أغلب الأحيان تقوم على عنصر واحد فقط، وهو افتراض قيام الركن المعنوي للجريمة، واستخلاصه من السلوك المادي للمتهم، وهو ما يقلب عبء الإثبات ويجعله على عاتق المتهم، بحيث تُعفى النيابة العامة في هذه الحالة من إثبات الركن المعنوي وتكتفي بإثبات الركن الشرعي والمادي للجريمة فقط، وهذا لأنه كما سبق وأن تقدم أنّ الشيء الذي يدفع القاضي إلى الحكم بالبراءة ليس هو التزام المتهم الامتناع عن التصريح، وإنما عدم كفاية الأدلة، ومن ثمة فإنّ وجود الشهود خصوصا شهود الرؤية، ووجود آثار وبصمات مع حرية القاضي في الاقتناع من شأنه أن يؤثر في هذا الحق ويجعله من دون فائدة بالنسبة للمتهم، وبالتالي يؤدي إلى ميل القاضي نحو الإدانة وإهدار قرينة البراءة ومعها حق المتهم في الامتناع عن التصريح، وعليه فإنه يجب على المتهم أمام تضافر الأدلة وتناسقها من الناحية الواقعية في الدعوى المرفوعة أن يتكلم ويدافع عن نفسه بشتى الطرق وبأية وسيلة، سواء بنفسه أو بواسطة محاميه، لأنّ القاضي بحسب دوره الايجابي وحريته في تحصيل الدليل له أن يناقش أدلة الدعوى ويحللها ويفحصها، فهو لا يكتفي بما يقدمه المتهم لإيضاح الحقيقة، لأنه يفترض عليه العمل على إخفائها وإنكارها تهربا من العقاب، وكذلك الاستناد إلى مبدأ عدم جوازية أن يصطنع الشخص لنفسه دليلا(6).
وما تجدر الإشارة إليه أنّ الإثبات بالقرائن بالنسبة لحق المتهم في الامتناع عن التصريح يكون في كل مراحل الدعوى الجزائية، سواء أمام قاضي التحقيق أو قاضي الحكم، واعتمادا على مبدأ تضافر وتساند الأدلة في الدعوى، حيث تصبح في مجموعها مشكلة لاقتناع القاضي وواضحة فيما قصده الحكم ورتّب عليه من نتائج، ومبدأ تساوي الأدلة في الإقناع، وكذلك مبدأ عدم اصطناع الشخص دليلا لنفسه، ومبدأ حرية القاضي في الاقتناع كلها تؤثر في حق المتهم الامتناع عن التصريح، بالإضافة إلى طريق الخبرة الذي جاء به التقدم العلمي في مجال الدليل المادي، فكل هذا من شأنه أن يجعل هذا الحق من دون جدوى بالنسبة للمتهم، ولكن كيف تؤثر الخبرة في نفعية هذا الحق بالنسبة للمتهم؟

ثالثا: دور القرائن في تعزيز أدلة الإثبات الجنائي.

       تساهم القرائن بدور ملموس في الإثبات ويبرز ذلك جليا في تعزيزها لأدلة الإثبات المباشرة المتمثلة بصفة أساسية في الاعتراف وشهادة الشهود والمعاينة والخبرة، استجواب المتهم والتفتيش، وكذا دورها في تعزيز الأدلة الغير مباشرة خاصة أمام سلطة التحقيق.
 
01/ القرائن التي تعزز الأدلة المباشرة.

      ففي مجال الاعتراف لا يعد دليلا يستند عليه وحده في الإدانة إذ يشترط أن يطابق الحقيقة والقاضي له حرية في تقدير قيمة الاعتراف أو العدل عنه(7)، حيث أن جميع القرائن المستخلصة من مناقشة مختلف ظروف وملابسات القضية يمكن أن تؤكد اعتراف المتهم أو تنفيه على الوجه الذي يتفق مع الحقيقة وفقا للتصور المنطقي والعقلي، وللمحكمة المختصة أن تأخذ بالاعتراف الصادر من المتهم في أي مرحلة من مراحل الدعوى حتى ولو عدل عنه في جلسة الحكم، فمثلا: إقرار المتهم بأنه هو الذي قتل الضحية بالمسدس فإذا أقيم الدليل على اعتراف المتهم بالمعاينات المادية والشهود وضبط السلاح في المكان الذي أدلي به المتهم والتأكد من استعماله عن طريق الخبرة كلها قرائن تؤكد صحة الاعتراف.
      أما فيما يخص الشهادة فهي تتمثل فيما سمعه أو رآه، وأن الدور المهم الذي تقوم به القرائن بالنسبة لها تتمثل في مساندتها وتعزيزها أو نفيها، فالقرائن كما يصفها القانون الانجليزي بأنها أكثر صدقا من الشهود، وهذا لأنها شاهد صامت لا يعرف الكذب والذي يشير بكل حواسه إلى مرتكب الجريمة، فمن سلطة القاضي أن يدعم اقتناعه بقرائن واضحة وله تقرير قوتها من الوقائع المعروضة عليه، وإن حسن تقدير القاضي وتقييمه للشهادة يستدعي إلمامه بالدراسات النفسية والاجتماعية التي تساعده في كشف الجوانب النفسية لشخص الشاهد ومدى صدقه أو كذبه، وبالتالي القرائن القضائية تبقى الوسيلة الأكثر فعالية في تقدير وتقييم الشهادة من طرف القاضي.
     كما للخبرة أيضا دورا مؤثرا وبارزا باعتبارها مصدر الكثير من القرائن التي يتم استنتاجها من الدلائل المادية، حيث نجد أن مخابر الشرطة العلمية أصبحت اليوم تلعب دورا كبيرا في مجال تحقيق ذاتية الآثار المادية في مجال الإثبات الجنائي خاصة في مجال تحقيق ذاتية الآثار المادية ، أي الدلائل المادية المضبوطة في مكان مسرح الجريمة ، وكذا تحديد مدى قيام المسؤولية عن طريق الخبرات النفسية والعقلية والطبية بصفة عامة.
     وبالتالي يمكن القول بأن العلاقة بين الخبرة والقرائن علاقة قضائية تتجلى في أن الخبرة تلعب دورا حاسما من خلال دراسة وفحص الكثير من الدلائل المادية، كما أن لها دورا آخر فيما يتعلق بالدلائل المعنوية من خلال الخبرات النفسية والعقلية وتحديد مدى المسؤولية الجنائية التي يتحملها الجاني.
    وللمعاينة دور هام في مسائل الإثبات الجنائي، إذ تمثل الشاهد الصادق على وقائع ثابتة من خلال الوقوف على مكانة الجريمة والتعرف على طريقة ارتكاب الجريمة، ومن خلالها يتم تبيان الصورة الحقيقية للواقعة أمام محكمة الموضوع بما تتضمنه من معلومات على مسرح الجريمة، وما فيه من أدوات وآلات وآثار مادية ويمكن في بعض الأحيان الالتجاء إلى إعادة تمثيل الجريمة، حيث أن معاودة المتهم وقيامه بإعادة تمثيل ارتكاب الجريمة يمكن القاضي المحقق من استنتاج قرائن تضفي على اقتناعه مصداقية مستقاة من الميدان.
    فإذا كان القاضي ملزم بإتباع الشروط المطلوبة قانونا في إجراء المعاينة وتحرير محضر الانتقال، إلا أنه على العكس من ذلك يتمتع بسلطة واسعة في تقرير ما تسفر عنه المعاينة، إذ أنه يخضع في تقدير نتائج المعاينة لما يمليه عليه ضميره وقناعته الشخصية، ويتم ذلك أيضا بالنسبة لاستخلاصه للقرائن القضائية.
    وفي استجواب المتهم، فإن الهدف من الاستجواب الذي يقوم به قاضي التحقيق هو مواجهة المتهم بأدلة قائمة ضده بهدف الوصول إلى الاعتراف بالوقائع المنسوبة عليه طبقا لنص المادة 100 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري المعدل والمتمم، ومن خلاله يستطيع القاضي الوصول إلى مجموعة من القرائن تؤكد مدى انتساب الواقعة للمتهم أو عدم انتسابها إليه.
     وأخيرا نجد أن التفتيش هو الآخر يعد من أهم إجراءات جمع الأدلة المادية للجريمة مثل ضبط المخدرات لدى المشتبه فيه، ولا يمكن القيام بعملية التفتيش إلا إذا توافرت هناك دلائل وقرائن توحي بأن المشتبه فيه فعلا له صلة بالوقائع المرتكبة، أي لا بد من توفر شرط وجود قرائن توحي بأنه إذا تمت عملية التفتيش، فإنه يمكن العثور على الأدلة المادية للجريمة(8).

02/ القرائن التي تعزز الأدلة الغير المباشرة.

    باعتبار أن قاضي التحقيق قاضي إثبات ونفي، فالقرائن التي يستخلصها القاضي أثناء بحثه لا بد أن يكون هناك ارتباط بين الوقائع المطروحة للبحث والنتائج المراد الوصول إليها.
    فالأثر المادي كالبصمات التي يتركها الجاني أو ما يوجد على ثياب المتهم من دم وشهادة الشهود بمشاهدة المتهم بمكان الجريمة وقت ارتكاب الوقائع كل ذلك يوحي بصلة الجاني بالوقائع المنسوبة إليه، فإذا تبين للقاضي ارتباطها بالوقائع المطروحة عليه تأكد إثبات واقعة القتل ويصبح الاتهام للجاني، أما إذا تعددت القرائن وتنافرت وأصبح من غير المنطق والعقل انطباقها على الوقائع المطروحة، فإن على قاضي الموضوع استبعاده والحكم ببراءة الجاني بشرط أن يكون الحكم معللا تعليلا كافيا(9).

رابعا: حجية القرائن في المسائل الجنائية.

يرى القانون الانجليزي أن القرائن لا يمكن أن تكذب مثلما يكذب الشهود ، إذ كثيرا  ما تكون القرائن في الواقع هي أصدق دليل من الشهود، وهذا باعتبارها حوادث صامتة لا تعرف الكذب.
وبالرجوع إلى قانون الإجراءات الجزائية الجزائري المعدل والمتمم، ومن خلال تفحص المواد المتعلقة بقواعد الإثبات الجنائي نجد أنها تعطي الحرية للقاضي الجزائي في تكوين اقتناعه الشخصي من أي دليل يراه مناسبا لحل القضية المعروضة عليه، وفي هذا الصدد يمكن القول بأنه يمكن للقاضي الجزائي أن يكون اقتناعه الشخصي من القرائن إذا تبين بأنها هي الدليل الوحيد على نسب الواقعة الإجرامية إلى المتهم، وله في ذلك واسع النظر والتقدير في الأخذ أو عدم الأخذ بهذه القرائن كدليل إذا لم يقتنع بها كل الاقتناع، وبالرجوع  إلى قانون الإجراءات الجزائية  الجزائري المعدل والمتمم نجد أن المشرع الجزائري قد أشار في نص المادة 212 منه على أنه:" يجوز إثبات الجرائم بأي طريق من طرق الإثبات ما عدا الأحوال التي ينص فيها القانون على غير ذلك، وللقاضي أن يصدر حكمه تبعا لاقتناعه الخاص.
      ولا يسوغ للقاضي أن يبني قراره إلا على الأدلة المقدمة له في معرض المرافعات والتي حصلت المناقشة فيها حضوريا أمامه"، وعليه يستفاد من نص هذه المادة أنه يجوز إثبات الجرائم بجميع طرق الإثبات.
     ومن جهة أخرى نجد أن المادة 213 من نفس القانون قد أوكلت مسألة تقدير جميع عناصر الإثبات إلى حرية القاضي الجزائي بنصها على ما يلي: " الاعتراف شأنه كشأن جميع عناصر الإثبات يترك لحرية تقدير القاضي".
      لكن ما يظهر على نص المادة 212 السابقة الذكر أنها أشارت في فقرتها الأولى إلى استثناء يلزم القاضي بأن يتقيد بجملة من الأدلة محددة على سبيل الحصر في بعض الجرائم المذكورة في قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم، والتي منها جريمة الزنا التي تلزم القاضي بأن يعتمد إلا على وسائل الإثبات المقررة قانونا، وهي المحضر في حالة التلبس بالجريمة، أو الاعتراف أمام القضاء أو الاعتراف المدون بموجب وسائل صوتية ومستندات كتابية.
      كما توجد كذلك حالات ينص القانون فيها على القرائن القانونية القاطعة، والتي من خلالها يكون القاضي الجزائي ملزم بالحكم طبقا لتلك القرائن ولا يجوز الحكم خلافا لها، وهذا استنادا على أي وسيلة أخرى من وسائل الإثبات سواء كانت قرائن قضائية أو غيرها، وأما بالنسبة لإثبات المسائل الجنائية المتعلقة بالدعوى العمومية نجد أن القاضي ملزم بإتباع طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص(10)، ومثال ذلك: أن إثبات عقد الأمانة في جريمة خيانة الأمانة يستلزم إثباته وفق القواعد المدنية، وفي جريمة الزنا يجب إثبات عقد الزواج المبرم بين الطرفين.
       ومما يمكن استخلاصه في هذا المقام عن القرائن هو أن قانون الإجراءات الجزائية الجزائري المعدل والمتمم قد ساوى بين بعض القرائن القضائية وبقية وسائل الإثبات الأخرى، وأعطاها نفس الأهمية من خلال ثلاثة نواحي أساسية هي:

أ/ حرية القاضي الجزائي في الاستعانة بجميع وسائل الإثبات.
ب/ حرية القاضي الجزائي في تقدير جميع عناصر الإثبات.
ج/ شمولية حالة الاستثناءات وعدم قصرها على وسائل محددة قانونا مهما كانت أهمية العناصر الأخرى الموجهة للإثبات من الناحية العلمية.
 

الخاتمة:

    في الأخير يمكن لنا القول بأنه للقرائن دور هام ومجال خصب في الإثبات الجنائي، وهذا لأنها مبنية على وقائع ملموسة ولها تأثير من بداية الخصومة إلى نهايتها، حيث يتجلى لنا ذلك من عدة زوايا هي:
      01/ لها دور ايجابي في حبس المتهم من أجل استجوابه في الوصول إلى الحقيقة.
      02/ تعتبر القرائن السبيل الوحيد في إحقاق الحق وإقامة العدل بين الأفراد إذا انعدمت أدلة الإثبات الأخرى.
      03/ تجعل للقضاة حرية اختيار الدليل وحرية استنباطه، إلا أن لها أثر سلبي في تطاول القضاة الضعفاء في الاستنباط، وهذا لأن القاضي يصيب أحيانا ويخطئ أحيانا أخرى لكونه بشر غير معصوم من الخطأ.
     04/ القرائن طريق من طرق الإثبات في المواد الجنائية، وهذا إذا توافرت الشروط والضوابط التالية:
          أ/ التحليل السليم والفحص العميق للدلائل، والآثار الموجودة والمحيطة بالجريمة، وذلك بالاعتماد على ما توصل إليه البحث العلمي من علوم ثابتة وتوظيفه في مجاله، وهذا كعلم البصمات، التحاليل العلمية المختلفة بما فيها تحاليل الدم واللعاب والشعر والحمض النووي.
        ب/ الاستقصاء في جمع المعلومات والدلائل الكافية لصحة الواقعة الثابتة.
        ج/ أن تتوفر في القاضي شروط الاستنباط الصحيح، والاستنتاج السليم، ويعتمد ذلك على قوة ذكائه ورزانة نظره، ودقة فهمه للواقع والواقع الثابتة في حق المجني عليه، خاصة وأن القانون الوضعي لا يتدخل في استنباط القاضي الجنائي، الأمر الذي يدفعنا إلى طرح التساؤل التالي: من المسؤول عن الخطأ القضائي؟
 

الهوامش والمراجع:

(1)- أنظر: مسعود زبدة، القرائن القضائية، موفم للنشر والتوزيع، الجزائر، 2001، ص:28.
(2)- أنظر: أحمد إبراهيم بك، طرق الإثبات الشرعية، ط3، مطبعة القاهرة الحديثة، مصر، 1985، ص:25.
(3)- أنظر: نجيمي جمال، إثبات الجريمة على ضوء الاجتهاد القضائي، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2011، ص: 370.
(4)- أنظر: محمد أحمد محمود، الوجيز في أدلة الإثبات الجنائي، ط1، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، مصر، 2002، ص: 135.
(5)- أنظر: موسى مسعود، حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته- دراسة مقارنة-، ط1، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، ليبيا، 1998، ص: 75.
(6)- أنظر: طواهري إسماعيل، النظرية العامة للإثبات في القانون الجنائي الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 1994، ص، ص: 73،72.
(7)- أنظر: حلاوة رأفت، الإثبات الجنائي وأدلته، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1996، ص: 168.
(8)- أنظر: منصور محمد منصور الحفناوي، الوسائل العلمية في ميزان الإثبات الشرعي، ط1، مطبعة الأمانة، مصر، 1991، ص:98.
(9)- أنظر: بطيمي حسين، القضاء بالقرائن، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 1998، ص، ص: 43،42.
(10)- أنظر: يوسف محمد المصارود، الإثبات بالقرائن في المواد المدنية والتجارية، ط1، دار مكتبة الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1996، ص:110.
 
 

الاربعاء 11 سبتمبر 2013


تعليق جديد
Twitter