MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers




العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة من الإبرام إلى النقض - مقاربة قانونية وقضائية

     

زين الدين محمد
باحث في سلك الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
إطار سابق بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية



ملخص المداخلة باللغة العربية:
تهدف هذه الدراسة إلى البحث في طبيعة العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة (الأطباء المتخصصون) بالقطاع العمومي الصحي. فهناك من يعتبر الرابطة أو العلاقة ذات صبغة نظامية وتنظيمية، كما أن هناك من يعتبرها رابطة ذات صبغة تعاقدية وفق قواعد قانونية خاصة خلاف ما ينص عليه النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. كما أن هناك من يعتبر بأن هذه الرابطة تتسم بطابع خاصا تنهل من خصائص الرابطة النظامية وكذا التعاقدية.
وعلى ضوء ذلك سنحاول مقاربة الموضوع من خلال مرتكزاته القانونية والتنظيمية، بالإضافة إلى التكييف القضائي لهذه الرابطة من خلال التطبيقات القضائية التي راكمتها المنازعات المتصلة بإبرام ونقض هذه الرابطة الوظيفية.
ملخص المداخلة باللغة الفرنسية:
Cette étude vise à analyser la nature de la relation fonctionnelle des cadres médicaux spécialisés du secteur public de santé. En effet, ce lien peut être de nature statutaire et réglementaire, ou contractuelle conforme aux normes juridiques spéciales contrairement à celles prévues par le statut général de la fonction publique. Comme elle peut avoir une portée spécifique qui s'inspire d’une part des spécificités de la relation statutaire, et de la relation contractuelle d’autre part. Par ailleurs, on a démontré l’adaptation Judiciaire de cette relation à travers les décisions des tribunaux cumulés dans le cadre du contentieux relatif à la conclusion et la résiliation de cette relation fonctionnelle.
الكلمات المفاتيح:
رابطة وظيفة؛ عقد؛ التزام، طبيب مقيم، إبرام ، نقض.



نسخة للتحميل

العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة من الإبرام إلى النقض - مقاربة قانونية وقضائية
 

مقدمة:

تم تأسيس نظام الوظيفة العمومية بالمغرب على شاكلة نظام الوظيفة العمومية الفرنسية، في إطار علاقة وظيفية نظامية تمكن موظفي الدولة من امتياز الاستقرار الوظيفي، وهو خيار حكمته الكثير من الدواعي أهمها السياق الاستعماري وحداثة نشأة الإدارة العمومية، بالإضافة إلى الاعتبار المرتبط بالظرفية التاريخية، حيث لم يكن تبني خيار العلاقة التعاقدية مناسب آنذاك.
وترتكز الوضعية النظامية للموظف عموما على وجود نظام أساسي للموظفين[1]، كما ترتكز على السلطة الانفرادية للإدارة في تحديد العلاقة القانونية مع موظفيها، وتفضي هذه العلاقة إلى قابلية وضعية الموظف للتبديل والتغيير، كما تفضي إلى عدم إمكانية تنازل الموظف عن أي عنصر من عناصر النظام الأساسي، بالإضافة إلى حضر كل تسوية او اتفاق سواء من قبل الإدارة أو الطرفين.
إلا أنه ومع بداية العقد الأخير من الألفية الثانية، بدأت الرابطة النظامية تتخللها بوادر الرابطة التعاقدية، من خلال المرسوم رقم 2.91.527 الصادر في 21 من ذي القعدة 1413 (13 ماي 1993) المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين[2] بالمراكز الاستشفائية حسب ما وقع تغييره وتتميمه[3]. باعتبار هذا المرسوم الاساس القانوني الذي ينظم وضعية طلبة الطب خلال مرحلة تكوينهم لتحضير ديبلوم التخصص الطبي، والذي تم بموجبه إلزام الطبلة المقيمين في المراكز الاستشفائية الجامعية[4] بتوقيع التزام بقضائهم مدة  8 ثماني سنوات بخدمة الإدارة بعد حصولهم على الديبلوم المذكور.
لكن مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة بدأ القطاع الصحي العمومي يعرف نزيف حاد جراء مغادرة الأطر الطبية المتخصصة لأسلاك الوظيفية العمومية، عن طريق استقالات فردية وأخرى جماعية، مما دفع وزارة الصحة إلى رفض الاستجابة للطلبات المتزايدة على الاستقالة من الأسلاك الوظيفية، وهو ما جعل الأطباء يلتجؤون إلى القضاء الإداري الذي تأرجحت مواقفه بين الثبات والتحول في معرض نظره في مشروعية قرارات وزير الصحة الرافضة لطلبات الاستقالة، حيث استقر قبل سنة 2016 على موقفه القاضي بتخويل الأطر الطبية المتخصصة إمكانية فسخ التزامها بخدمة الإدارة وعدم اجبارها على إتمام مدة الالتزام ( 8 سنوات بخدمة الإدارة)، بشرط إرجاع المبالغ المالية عن سنوات مدة الالتزام التي تعاقد الطبيب على ضوئها، إلا أنه سرعان ما تراجع القضاء الإداري عن ذلك الموقف لفائدة الإدارة في أواخر سنة 2016. [5]
من هذا المنطلق، وارتباطا بالنقاش الفقهي القضائي حول العلاقة الوظيفية التي تربط الأطر الطبية المتخصصة بوزارة الصحة، الذي اتخذ طابعا اشكاليا بارزا، كان من المناسب بمكان في هذا المقال تسليط الضوء عليه من خلال النظر في طبيعة العلاقة الوظيفية لهذه الفئة من العاملين في المرفق الصحي من الإبرام إلى النقض، بالتالي: هل هي رابطة تنظيمية أم تعاقدية، أم تجمع ما بين خصائص العلاقة التنظيمية والتعاقدية؟ وكيف قاربها القاضي الإداري المغربي؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية سنحاول معالجتها من خلال مبحثين أساسيين:
المبحث الأول: سيتم تخصيصه لتناول الجوانب القانونية لمقاربة إشكالية الموضوع، من خلال المرتكزات التشريعية والتنظيمية.
المبحث الثاني: سنتعرض فيه لمآلات العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة وذلك بالوقوف على تكييف القضاء الإداري ومحكمة النقض لهذه الرابطة الوظيفية في الإبرام (الانعقاد) والنقض (الفسخ والتحلل من الالتزام).

المبحث الأول: المقاربة القانونية للعلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة.

ترتكز المقاربة القانونية لإبرام ونقض العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة على مقتضيات تشريعية (مطلب أول) وأخرى تنظيمية (مطلب ثاني).

المطلب الأول: المرتكزات التشريعية لإبرام ونقض العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة.

لمقاربة العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة من جانب نشوئها وإبرامها، يقتضي الامر استحضار مقتضيات الفصل الثاني من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية[6]، الذي  يعرف  الموظف بأنه كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة. كما يستدعي بالأساس استحضار مقتضيات الفصل الثالث من نفس القانون الذي يعتبر  دستور العلاقة النظامية بالوظيفة العمومية المغربية،  حيث أنه على ضوئه يعد: الموظف في حالة قانونية ونظامية إزاء الإدارة، بهذا يمكن للإدارة ان توظف أشخاص يصيرون موظفين في إطار رابطة نظامية وتنظيمية تحدد حقوق وواجبات طرف هذه الرابطة نصوص تشريعية وأخرى تنظيمية[7]، مستبعدة في ذلك مقتضيات الفصل السادس المكرر[8] ، الذي يخول للإدارة حق  تشغيل أعوانا بموجب عقود، وفق الشروط والكيفيات المحددة بموجب مرسوم.
وبإمعان النظر في المرتكزات القانونية التي تتأسس عليها الرابطة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة نجدها تتأسس على، النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وكذا النظام الأساسي الخاص بهيئة الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات[9] بالإضافة إلى المرسوم رقم 2.91.527 المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية، فضلا عن المرسوم المحدد لشروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية[10].
أما فيما يخص الجانب الأخر للرابطة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة والمتمثل في نقضها أو فسخها، فسنسلط الضوء عليها من خلال الآلية التي اختارتها هذه الفئة من العاملين في المرفق الصحي العمومي، حيث أن غالبية الأطباء المتخصصين تنهج في سبيل تحللها وفسخ رابطتها الوظيفية على ألية الاستقالة من الاسلاك الوظيفية، حيث يعتبر حق الموظف في تقديم استقالته مثل سائر الحقوق المقررة لفائدة الموظف والمكرس من طرف مختلف تشريعات الوظيفة العمومية ومنه التشريع المغربي.
إلا أن هذه الاستقالة تخضع لضوابط معينة نظمها القانون، حيث يكون على الطبيب المختص واجب التقيد بها ضمانا لحسن سير المرفق العام بانتظام واطراد الذي يعتبر مبدأ دستوريا أقره الدستور في الفصل 154 .
وغني عن البيان بأنه تطبيقا للفقرة الأولى من الفصل 77 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، "فإن الاستقالة لا تنتج إلا عن طلب كتابي - إذ لا يعتد بالطلب الشفوي- يعرب المعني بالأمر في طلبه من غير غموض عن رغبته في مغادرة أسلاك إدارته أو مصلحته بكيفية غير التي يحال بها على التقاعد.
ونتيجة لذلك، وارتباطا بإشكالية الموضوع، فإنه إذا تقدم طبيب بطلب الاستقالة وفق ضوابطها فإنها تؤدي إلى حذفه من أسلاك الوظيفية العمومية وإلى فقد الصفة الوظيفية بأسلاك الإدارة، وبقبول هذه الاستقالة من طرف الإدارة يجعلها غير مستدركة، أي لا يمكن طلب العدول والتراجع عنها.
من خلال ما تم تناوله يتضح بأن المرتكزات التشريعية التي تم بسطها مقتضياتها سلفا، تجعل طبيعة الرابطة الوظيفة للأطر الطبية المتخصصة بوزارة الصحة لا تخرج عن كونها رابطة نظامية تنظيمية بامتياز. مما يستدعي معه سبر جوانب هذه الرابطة من خلال التطرق للمرتكزات التنظيمية التي تحكمها لعلنا نجد ما قد يغير طبيعة الوصف المتوصل إليه بشأن هذه العلاقة أو يخف منه أو يضعه في دائرة العلاقة التعاقدية. لذلك سنتطرق إليها بشيء من التفصيل في المطلب المولي.

المطلب الثاني: المرتكزات التنظيمية لإبرام ونقض العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة.

يمكن تناول المرتكزات التنظيمية لإبرام ونقض العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة في إطار فترتين مختلفتين اعتبرت سنة 2016 فاصلة بينهما.
الفقرة الأولى: الفترة الممتدة ما بين سنة 1993 وسنة 2016.
بالرجوع إلى مقتضيات المادة 27 من المرسم رقم 2.91.527 السالف الذكر، نجد بأنها تنص على أن المقيمين الذي ليست له صفة موظف أو أجير بمؤسسة عامة أو خاصة، يتقاضى تعويضا عن المهام يحدد مبلغه الشهري ب 2.000 درهم. بيد أن المقيمين الذين أمضوا الالتزام بالعمل مع وزارة التربية الوطنية ووزارة الصحة بصفة مدرسين باحثين أو أطباء للصحة العمومية طوال مدة لا تقل عن 8 سنوات إما بعد نجاحهم في مباراة توظيف الأساتذة المساعدين وإما بعد حصولهم على شهادة التخصص يتقاضون تعويضا عن المهام مبلغه الشهري 3.000 درهم خلال السنة الأولى والثانية من العمل بصفة مقيم و4.700 درهم خلال السنوات الثالثة والرابعة والخامسة باعتبار التخصص ورعيا لأحكام المادة 23 من نفس المرسوم السالف الذكر.
 ويواصل المقيمون الذين لهم صفة موظف قبض الأجرة المقررة لدرجتهم طوال مدة عملهم بصفة مقيمين ويجب عليهم إمضاء التزام بالعمل المنصوص عليه في الفقرة 2 من هذه المادة.
ومع نهاية الالفية الثانية ( أي  خلال سنة 2000) تم تعديل المقتضيات التنظيمية المتعلقة بالتزام المقيمين بالمراكز الاستشفائية الجامعية من خلال إتمام المرسوم رقم 2.91.527  بالمادتين 27 المكررة  و 32 المكررة[11]،  حيث تنص المادة 32 المكررة على أنه يعتبر المقيمون الذين لم يحترموا الالتزام الذي أمضوه طبقا للمادتين 27 و27 مكررة أعلاه، ملزمين بإرجاع مجموع المبالغ التي استفادوا منها بموجب هذا المرسوم. ويفرض نفس الإجراء على المقيمين من بينهم الذين ينقطعون عن التكوين إما بمحض إرادتهم وإما بسبب إقصائهم بصفة نهائية في إطار إجراء تأديبي، ماعدا المقيمين المتوفرين على صفة موظف أو موظف متدرب شريطة إتمامهم مدة 8 سنوات من العمل على الأقل ابتداء من تاريخ استئنافهم للعمل بالإدارات التابعين لها. وفي حالة نقض الالتزام بعد تنفيذ جزئي له فإن إرجاع المبالغ يحتسب على أساس الفترة المتبقية للعمل بمصالح الإدارات العمومية الملتزمين إزائها. ومع انتهاء هذه الفترة تم سن مقتضيات تنظيمية جديدة بما يتناسب مع تطور وضع وموارد المنظومة الصحية المغربية، وهم ما سنتعرض له في الفقرة الموالية لتتبع ومقاربة طبعة العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة.
الفقرة الثانية: فترة ما بعد سنة 2016.
عقب  انتهاء منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة ( بالتحديد خلال سنة 2016)  استفحل وضع  القطاع الصحي العمومي بسبب نزيف استقالة الأطر الطبية المتخصصة في هجرة شبه جماعية إلى القطاع الخاص أو إلى العمل خارج أرض الوطن (أوروبا وكندا ...) لما يوفره القطاع الخاص من فرص وإمكانات لا تتوفر في العمل الوظيفي العمومي، مما دفع وزارة الصحة إلى استمرارها في رفضها لطلبات استقالة الأطباء لضمان تحقيق الالتزامات والمضامين الواردة في المواثيق الدولية التي تؤكد على حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسدية والعقلية، كما امتثلت لأحكام الدستور الذي يلزمها بتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية والتغطية الصحية.
وتبرر وزارة الصحة قرارات رفضها طلبات فسخ الأطباء المتخصصين لرابطتهم الوظيفية، من خلال مبرر النقص الحاد الذي تعرفه الوزارة على مستوى أعداد وتخصصات الأطر الطبية، حيث تتحجج وزارة الصحة بأن من شأن الموافقة على طلبات الاستقالة المرفوعة إليها من قبل الاطباء، أن من شأن ذلك الإخلال بأحد الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور وفي مقدمتها الحق في التغطية والعناية الصحية المنصوص عليها في الفصل 31 منه، فضلا عن المساس بالمبادئ التي تحكم سير المرافق العامة في أداء خدماتها والمتجلية أساسا في المساواة والاستمرارية المقررين في الفصل 154 من الدستور.
هذا الوضع حتم على مدبري القطاع الصحي العمومي تعديل المقتضيات التنظيمية وذلك بتشديدها من خلال تغيير المادة 27 المكررة والمادة 32 المكررة حيث أصبحت تنص المادة 32 المكررة على أنه: لا يمكن للمقيمين الذين أمضوا على التزام بالعمل طبقا للمادتين 27 و27 مكررة أعلاه، التحرر من هذا الالتزام إلا بعد الموافقة الصريحة للإدارة المعنية، وفقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. وفي حالة موافقة الإدارة، يتعين على كل مقيم معني إرجاع مجموع المبالغ التي استفاد منها بموجب هذا المرسوم، إضافة إلى المبالغ التي تغطي نسبة من تكلفة التكوين الذي تلقاه المعني بالأمر والتي تعادل مجموع المبالغ التي تقاضاها خلال فترة تكوينه ولا يسري مفعول التحرر من الالتزام، في كل الأحوال، إلا بعد أن يدلي كل طبيب معني بالأمر بما يفيد أداءه الفعلي لمجموع المبالغ المذكورة، لدى المصالح المختصة.
أما فيما يتعلق بالمقيمين الذين ينقطعون عن التكوين إما بمحض إرادتهم وإما بسبب إقصائهم بصفة نهائية في إطار إجراء تأديبي، فيلزمون: - بإرجاع ضعف مجموع المبالغ التي استفادوا منها بموجب هذا المرسوم، بالنسبة لغير الموظفين والمستخدمين؛ أما بالنسبة للذين يتوفرون على صفة موظف أو مستخدم، فيلزمون بقضاء مدة ثماني سنوات من العمل على الأقل ابتداء من تاريخ استئنافهم للعمل بالإدارات التابعين لها، تحت طائلة تطبيق مقتضيات الفقرتين الأولى والثانية أعلاه.
والملاحظ من خلال الفصل المذكور أنه وإن كان قد أتاح إمكانية نقض الالتزام لفائدة الموظفين والتحلل منه مقابل إرجاع مجموع المبالغ التي استفادوا منها خلال الفترة التي قضوها تحت إشراف الوزارة، إلا أن الإمكانية المذكورة تبقى معلقة على الإرادة المنفردة للإدارة التي تتمتع بسلطة تقديرية واسعة في قبول طلبات الاستقالة من عدمه، حتى وإن ثبت استكمال المدة المتفق عليها في عقد الالتزام مراعية في ذلك حاجات وضرورات المرفق العمومي التي لا يمكن الاستغناء عنها.
اعتبارا لما تم تناوله يتضح بأن المرتكزات التنظيمية التي تم التطرق لها سلفا، فإن تكييف طبيعة الرابطة الوظيفة للأطر الطبية المتخصصة بوزارة الصحة تتسم بالبعد التعاقدي، مما يخفف من وطأة الرابطة النظامية وفق منظر المقتضيات التشريعية المحيطة بإشكال بهذا الموضوع. وعلى هذا الأساس، يبدو من الضروري إمعان النظر كذلك في طبيعة هذه الرابطة من زاوية التطبيقات القضائية المرتبطة بموضوع هذه الدراسة، وفق مقاربة قضائية نتطرق لها من خلال المبحث الموالي.

المبحث الثاني: المقاربة القضائية للعلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة.

ترتكز المقاربة القضائية لإبرام ونقض العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة على التطبيقات القضائية لقضاء الموضوع (مطلب أول) وكذا التطبيقات القضائية لمحكمة النقض (مطلب ثاني).

المطلب الأول: مآلات إبرام ونقض العلاقة الوظيفية وفق قضاء الموضوع.

بعد بيان الجوانب القانونية المتوسل بها في مقاربة هذا الموضوع، والتي تظل عاجزة عن بلوغ إجابات واضحة لإشكال طبيعة العلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة، يتبين بأنه من المتعين تناول التطبيقات القضائية المتعلقة بانحلال هذه الرابطة، حيث نجد بأنها أسست لتوجهين مختلفين، توجه مقيد السلطة التقديرية للإدارة والقاضي بعدم أحقيتها في رفض طلبات استقالة الأطباء المتخصصين (فقرة أولى) وتوجه أخر مؤيد لهذه السلطة الداعم لرفض فسخ التزام الرابطة الوظيفية للأطباء (فقرة ثانية).
فقرة أولى: الاتجاه المقيد للسلطة التقديرية للإدارة في رفض استقالة الأطباء المتخصصين.
في معرض المنازعات المتعلقة بطعن الأطباء المتخصصين في قرارات رفض استقالاتهم ذهب القاضي الإداري في حكم للمحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أنه: إذا كان طلب الاستقالة متوقف على قرار السلطة الإدارية التي لها حق التسمية فإنها لا تتمتع بسلطة مطلقة في هذا الشأن إذ ألزمها المشرع في الفصل 77 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية بأن تتخذ قرارها بقبول أو برفض طلب الاستقالة داخل غضون شهر واحد من تاريخ تسلم الطلب. وأن التزام جهة الإدارة الصمت في شأن طلب الاستقالة المقدم إليها لأزيد من ستين يوما من تاريخ تسلمها الطلب يعد قرار متسم بعيب مخالفة القانون يستوجب الحكم بإلغائه[12]
وفي حكم أخر صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش، قضت من خلاله بأنه يمكن للمقيمين المتوفرين على صفة موظف، كما هو الشأن بالنسبة للطاعن (الطبيب الذي يحضر ديبلوم التخصص الطبي)، نقض الالتزام الذي يربطهم بالإدارة شريطة إرجاع مجموع المبالغ التي استفادوا منها بموجب المرسوم المذكور، وبذلك فالالتزام بقضاء ثمان سنوات من العمل لدى وزارة الصحة لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال مانعا من موانع قبول الاستقالة[13].
 وهو التوجه الذي أكدته محكمة النقض في قرارها عدد 918 الصادر بتاريخ 2011/12/08 في الملف عدد 2010/1/4/937 حيث ذهبت فيه في تعليل قضائها إلى أن الفصل 32 مكرر لا يلزم الموظف المقيم بالاستمرار في شغل الوظيفة طيلة مدة الثمان سنوات بل كل ما في الأمر أنه أعطى للإدارة في حالة نقض الالتزام الحق في استرجاع المبالغ التي أدتهاوهو التوجه الذي أكدته محكمة النقض في العديد من قراراتها[14].
وحيث انه باستقراء التطبيقات القضائية أعلاه، يتبين أنها تقيد سلطة الإدارة وتسمح للطبيب المقيم المتوفر على صفة موظف أو موظف متدرب بنقض الالتزام بالعمل لدى الإدارة قبل انقضاء المدة المتفق عليها شريطة ارجاعه لهذه الأخيرة مجموع المبالغ المؤداة لفائدته.
وعلى هذا الأساس وعلى ضوء التطبيقات القضائية، يتضح أنه يمكن للطبيب المقيم (المتخصص) نقض الالتزام بالعمل لدى الإدارة قبل انقضاء مدة 8 سنوات المتفق عليها شريطة إرجاعه للمبالغ المؤداة له من قبل الإدارة، بحسب الفترة المتبقية من المدة المذكورة، وبهذا فإن سلطة الإدارة تبقى مقيدة في اتجاه قبول طلبات استقالة الأطر الطبية المتخصصة مما يظهر البعد التعاقدي لهذه الرابطة على ضوء هذا الموقف القضائي.
فقرة ثانية: الاتجاه المؤيد للسلطة التقديرية للإدارة في رفض استقالة الأطباء المتخصصين.
لقد استمر القضاء على موقفه بالقضاء لفائدة الأطباء المتخصصين  بإمكانية الفسخ والتحلل من التزامهم الوظيفي بخدمة الإدارة إلى حدود سنة 2016 التي عرفت تعديل[15] المرسوم رقم 2.91.527 السالف الذكر[16] وذلك بتشديد البنود التعاقدية في مواجهة الأطر الطبية المتخصصة كما سبق التعرض لذلك في معرض الحديث عن المرتكزات التنظيمية المتعلقة بإبرام ونقض العلاقة الوظيفية، حيث تم إقرار مقتضيات أشد صرامة يلزم على ضوئها الأطباء المتخصصين ليس فقط بإرجاع المبالغ المالية مقابل ما تبقى من مدة 8 سنوات، وإنما بإرجاع مجموع المبالغ المالية التي تقاضاها الطبيب المتخصص وضعفها إذا لم يتم مدة التزامه. وعلى هدي ذلك غيرت محكمة النقض موقفها. وأصبحت تقضي لفائدة الإدارة (وزارة الصحة) بتأييد قرارات وزير الصحة برفض استقالة الأطباء المتخصصين لكن قضاء الموضوع بقي متمسك بموقفه المقيد لسلطة الإدارة.
ومن الأحكام القضائية التي قضت بإقرار السلطة التقديرية للإدارة ورفض استقالة الأطباء نتناول حكم المحكمة الإدارية بالرباط، التي قضت بأن قبول الاستقالة من المسائل التي تدخل ضمن السلطة التقديرية للإدارة ولا رقابة بشأنها إلا إذا ثبت غلوها في إعمال السلطة أو انحرافها بها.
وفي حكم مماثل قضت نفس المحكمة بأن الإدارة برفضها للاستقالة تكون قد مارست سلطتها في تقدير حاجيات المرفق تبعا للمصلحة العامة، وما يتطلبه من وجود موارد بشرية كافية لإشباع حاجات المرتفقين ضمانا للحق في الصحة كحق دستوري طبقا للفصل 31 من الدستور تتحمل الدولة من خلال الوزارة الوصية على قطاع الصحة واجب الإيفاء به من خلال تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين منه على قدم المساواة تحت طائلة تحمل تبعات المسؤولية الإدارية عن أي إخلال به إداريا وبشريا وماليا .[17]
وقد ذهب  القاضي الإداري كذلك باعتباره قاضي المشروعية، إلى أنه اعتبارا  لمبدأ الموازنة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة الذي  يفرض مناهضة كل تعسف سواء من قبل المواطن أو الإدارة، ثبت له جليا أن الأضرار  التي  سيتحملها المرفق  من عدم قدرته على تغطية الطلب الصحي بالنظر للخصاص الفادح في  العرض الطبي والأطر الطبية المتخصصة والتي  أنفق عليها الكثير في سبيل تكوينها وتأهيلها علميا وتطبيقيا ستنعكس بالضرورة سلبا على صحة المواطنين و أمنهم الطبي، وهي مخاطر تلحق بالمصلحة العامة للدولة أشد الأضرار  وأفدحها، ولا شك أنها بطبيعتها وحكم عموميتها أضرار لا تتناسب البتة في فداحتها مع ما قد يلحق المدعي من أضرار  ذاتية خاصة به، مما يفرض  تغليب المصلحة العامة والتضحية بأي مصلحة أدناها تتعارض معها تتعلق بالمصلحة الخاصة.
وقد خلصت المحكمة المذكورة، إلى أن التفسير السليم للمادة 32 من المرسوم رقم 527-91-2 المتعلقة بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين المقيمين بالمراكز الاستشفائية يقتضي أن الالتزام بالعمل مدة ثمان سنوات لا يرتب فقط جزاء إرجاع المبالغ المستفاد منها خلال مدة التكوين و إنما جزاء خاصا يتعلق بالمصلحة العامة وليس بالمصلحة الخاصة يتمثل في رفض الإنهاء  التعسفي للعمل الوظيفي بإرادة منفردة، طالما أن من التزم بشيء لزمه ،وأن الاتفاق يقوم مقام القانون بالنسبة لمنشئيه والقول بخلاف ذلك يعني  تفريغ الإدارة من كل الأطر المتخصصة وانهيار منظومة الأمن الصحي التي يعتبر الكادر الطبي  أهم أسباب نجاحها [18].
غير أن المادة 32 المكررة من المرسوم 2.91.527 السالف الذكر، وإن كانت قد أتاحت هذه الإمكانية لفائدة الموظفين، إلا أن مثل هذه المسائل يرجع أمر تقييمها للإدارة وحدها التي تتمتع بسلطة تقديرية واسعة في قبول طلبات الاستقالة من عدمها، حتى وإن ثبت استكمال المدة المتفق عليها في عقد الالتزام، محتكمة في ذلك لمتطلبات المرفق العمومي ومستلزمات المصلحة العامة التي لا يمكن الاستغناء عنها،
ونسجا على نفس المنوال، قضت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم صادر عنها بتاريخ 16/02/2012 في الملف رقم 417/5/2011 ق ش بما يلي: "قبول الاستقالة من المسائل التي تدخل ضمن السلطة التقديرية للإدارة ولا رقابة بشأنها إلا إذا ثبت غلوها في إعمال السلطة أو انحرافها بها، والإدارة برفضها للاستقالة تكون قد مارست سلطتها  في تقدير حاجيات المرفق تبعا للمصلحة العامة، وما يتطلبه من وجود موارد بشرية كافية لإشباع حاجات المرتفقين ضمانا للحق في الصحة كحق دستوري طبقا للفصل 31 من الدستور تتحمل الدولة من خلال الوزارة الوصية على قطاع الصحة واجب الإيفاء به من خلال تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين منه على قدم المساواة، تحت طائلة تحمل المسؤولية الإدارية عن أي إخلال به إداريا وبشريا وماليا".
من هذا المنطلق، إذا كان قضاء الموضوع قد قارب طبيعة العلاقة الوظيفية للأطباء المتخصصين بوزارة الصحة، وسجل من خلالها موقفين متباينين، موقف يؤيد للسلطة التقديرية للإدارة في إبرام ونقض هذه العلاقة، وموقف آخر مقيد لها، فيتبين معه بأنه  لم يحسم في طبيعة تلك الرابطة، حيث نجده في بعض أحكامه  يغلب تارة خصائص العلاقة النظامية وتارة أخرى يرجح خصائص الرابطة التعاقدية التي ترتكز على المقتضيات التعاقدية المضمنة في المرسوم رقم 2.91.257 المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية الجامعية. مما يستوجب معه التعرض لمآلات هذه الرابطة الوظيفية من خلال تطبيقات قضاء محكمة النقض. وهو ما سنختم به هذه الدراسة في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: مآلات إبرام ونقض العلاقة الوظيفية وفق قضاء النقض.

إذا كان قضاء الموضوع - الإداري- قد أفرز موقفين متباينين من خلال جملة الاحكام والقرارات التي راكمها في معرض بته في المنازعات القضائية المتصلة بوضعية الأطر الطبية المتخصصة بوزارة الصحة، فإن تطبيقات قضاء النقض المغربي بدورها أسست لموقفين متقابلين، كانت سنة 2016 نقطة انعطاف لتوجه محكمة النقض. وعلى هذا الأساس سنتعرض للتوجهين قضائيين بين مقيد للسلطة التقديرية للإدارة في رفض استقالة الأطباء (فقرة أولى) وآخر مؤيد لها (فقرة ثانية).
فقرة الأولى: الاتجاه المقيد للسلطة التقديرية للإدارة في رفض استقالة الأطباء المتخصصين.
بالرجوع إلى التطبيقات القضائية التي من خلالها قيدت محكمة النقض سلطة الإدارة في تقدير رفض التحلل من الرابطة الوظيفية للأطباء المتخصصين والحكم لفائدتهم بأحقيتهم في الاستقالة من وزارة الصحة استنادا إلى البنود التعاقدية لمرسوم المقيمين السالف الذكر، نجد بأن قرار محكمة النقض قضى بأنه "يكفي الطبيب الذي لا يريد الاستمرار في العمل في القطاع الحكومي لمدة ثمان سنوات بعد تخرجه أن يقدم استقالته ويرجع المبالغ المالية التي استفاد منها دون أي شرط آخر. حيث لا يحق للإدارة ان تتمسك بسلطتها التقديرية في تدبير الموارد البشرية لرفض طلب الاستقالة.[19]
 وفي قرار آخر لمحكمة النقض، قضت من خلاله بأن: "إن المقتضيات الخاصة بوضعية الأطباء الخارجيين والداخليين المقيمين بالمراكز الاستشفائية الواردة في مرسوم 527-91-2 الصادر بتاريخ 13/5/1993، لا تمنع الطبيب المقيم من تقديم استقالته متى شاء طبقا لقانون الوظيفة العمومية، ويبقى للإدارة، في حال نقضه الالتزام التعاقدي بالاستمرار في شغل الوظيفة العمومية لمدة معينة، الحق في مطالبته بإرجاع المبالغ التي استفاد منها تبعا للتعاقد المذكور. كما أنه غير ملزم بسلوك مسطرة اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء عند رفض الإدارة طلب استقالته، إذ هي مجرد ضمانة إضافية لحماية حقوق الموظف في مواجهة الإدارة، وبالتالي جاز له التنازل عنها وعدم التمسك بها.[20] " وقد استمرت محكمة النقض على هذا الموقف إلى حدود سنة 2016 الذي ستراجعه في قراراتها الحديثة، سنتطرق لها في الفقرة الموالية.
جدير بالذكر من خلال حيثيات قرار محكمة النقض السالف الذكر، أن موقف قضاء النقض غلب البنود التعاقدية في معرض نظرها في المنازعة المتصلة بانحلال رابطة الأطباء المتخصصين، وقض على أساساه بالاستجابة لفائدة الطبيب المتخصص، وهو الذي يستدعي مواصلة النظر في باقي التطبيقات القضائية لهذا الموضوع من خلال التعرض لها في إطار الاتجاه المؤيد للسلطة التقديرية للإدارة في رفض استقالة الأطباء المتخصصين.
 
فقرة ثانية: الاتجاه المؤيد للسلطة التقديرية للإدارة في رفض استقالة الأطباء المتخصصين.
خلافا للموقف المقيد لسلطة الإدارة في تقدير رفض استقالة الأطباء المتخصصين، شهدت سنة 2016 تحولا جذريا لموقف محكمة النقض، حيث تراجعت عن موقفها لفائدة الإدارة، وذلك عقب التعديل الذي أجري على مرسوم الطلبة المقيمين سنة 2016.
 و من  جملة هذه القرارات نذكر على سبيل المثال، ما جاء في القرار التالي:  بأن المادة المذكورة ( 32 المكررة من المرسوم رقم 2.91.257 ) تؤكد بأنه لا يمكن منح الاستقالة إلا بعد موافقة الإدارة وفقا لمقتضيات الفصلين 77 و78 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، والتي يتعين أن تسري على المطلوب في النقض باعتباره الإطار القانوني المنظم للاستقالة داخل الوظيفة العمومية كيفما كانت وضعية الموظف، وبالتالي فمن خلال الفصلين 77 و78 المشار إليهما أعلاه فإن المقصود بالاستقالة هو تعبير أو إعراب الموظف عن رغبته في ترك الوظيفة بإرادته وبصفة نهائية قبل بلوغ السن المقررة قانونا للإحالة على التقاعد، وباعتبار كون العلاقة التي تربط الموظف بالإدارة هي علاقة نظامية، أي بمقتضى نصوص تنظيمية وتشريعية، فإنه لا يجوز للطبيب أن ينهي علاقته بالإدارة بإرادته المنفردة، بل لا بد من الخضوع للضوابط والشروط التي تحكم آلية الاستقالة، وأن تتم على الشكل التالي:
-  تقديم طلب الاستقالة كتابيا عن طريق السلم الإداري يعبر به الطبيب المتخصص من غير غمرض عن رغبته في مغادرة اسلاك إدارته نهائيا؛
- تبت السلطة التي لها حق التعيين والتي يجب عليها أن تتخذ قرارها في ظرف شهر ابتداء من تاريخ التوصل بالطلب.
-  للإدارة سلطة تقديرية في قبول أو رفض الطلب تبعا لما تقتضيه مصلحة المرفق الذي يعمل به الطبيب.
 لذا، وحيث أن التوقيع على التزام بالعمل لمدة ثمان سنوات بعد التخرج والحصول على دبلوم التخصص طبقا للمرسوم قم 527-91-2 الصادر بتاريخ 1993/05/13 الخاص بوضعية الأطباء الخارجيين الداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية، وأنه وبغض النظر عن الالتزام المذكور فتقديم الاستقالة وفقا لمقتضيات الفصلين 77 و78 المشار إليهما أعلاه يتم على أساس العلاقة التي تربط الموظف بالإدارة، والتي هي علاقة نظامية، وأن للإدارة في هذا الإطار سلطة تقديرية في القبول أو رفض الطلب تبعا لما تقتضيه المصلحة العامة ومصلحة المرفق الذي يعمل فيه الموظف[21]
وهذا ما أكدته كذلك المادة 32 مكررة من المرسوم رقم 527-91-2 بتاريخ 13 ماي 1993 المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية المغير والمتمم بموجب المرسوم رقم 990-15-2 الصادر بتاريخ 12 يوليوز 2016 المومأ إليـه أعلاه، كما أن تعليل القرار الاستئنافي المطعون فيه بكون المادة 32 المذكورة لا تعد مانعا من تقديم الاستقالة بل تضع على عاتق طالب الاستقالة التزاما وحيدا يتمثل في إرجاع المبالغ المالية التي استفاد منها خلال فترة التكوين، وبالتالي يبقى تعليلا منعدم الأساس القانوني وفاسدا مما يوازي انعدامه، وذلك لعدة اعتبارات هي:
- عدم اعتبار المحكمة للظروف التي في إطارهـا وضـع المطلوب في النقض في إطار الأطباء الاختصاصيين؛
- حالة الخصاص المهول الذي تعاني منه مستشفيات وزارة الصحة؛
- كون رفض طلب الاستقالة الضمني كان لضرورة المصلحة العامة ولسد الخصاص المذكور؛
 ولأن مقتضيات المادة 32 مكررة لا يمكنها أن تلغي مقتضيات الفصلين 77 و78 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية التي يتعين أن تسري على المطلوب في النقض باعتباره موظفا عموميا وباعتبارها الإطار القانوني المنظم للاستقالة داخل الوظيفة العمومية كيفما كانت وضعية الموظف، كما لم تراع المحكمة مبدأ الموازنة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة،
 وجدير بالذكر  حسب ما اتجهت إليه المحكمة بأن الإطار القانوني المؤطر للنازلة والالتـزام الموقع إذا كان من الضروري اعتماده في إطار الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود، (العقد شريعة المتعاقدين) فإنه ينص على وجوب تنفيذ الالتزامات المتبادلة، فيتعين تطبيقا لذلك أن يفي المطلوب في النقض بالتزامه اتجاه الإدارة بالعمل لمدة ثمان سنوات، وتكون جميع طلبات استقالته خلال هذه المدة مرفوضة ما دامت الإدارة قد أوفت بالتزامها، لما عملت على تكوينه ووفرت له جميع الظروف الملائمة لذلك، بل وعينته ومكنته من أجوره بعد التوظيف كما أن تعديل المادة 32 مكررة قد اعتمد تطبيق مقتضيات الفصلين 77 و78 المذكورين أعلاه، وأنه لا يمكن إرجاع مصاريف التكوين إلا في حالة موافقة الإدارة على منح الاستقالة، مما يناسب نقض القرار .
خاتمة:
إنا المقاربة القانونية والقضائية للعلاقة الوظيفية للأطر الطبية المتخصصة من الإبرام إلى النقض كما تم التعرض لها من خلال هذه الدراسة، تبين بأن هذه الرابطة تحكمها مقتضيات تشريعية وأخرى تنظيمية، ميزت هذه العلاقة، التي لم تنفرد بالطابع النظامي التنظيمي ولا الطابع التعاقدي، بل أخذت من خصائص العلاقتين معا ، مما استعصى على الجانب القضائي الثبات على موقف محدد في تطبيقاته القضائية، فتارة يقضي لفائدة الأطر الطبية وتارة أخرى لفائدة الإدارة، كما أن قضاء الموضوع لازال متمسك بأحقية الأطباء في تقديم استقالاتهم على ضوء المادة 32 المكررة من المرسوم رقم 2.91.257 رغم كون قضاء النقض قد تراجع على موقفه منذ سنة 2016 والذي يعد حاليا موقف متباين لموقف المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية في ربوع البلاد. مما يطرح سؤال تحقيق الأمن القضائي لهذه الفئة من العاملين في المرفق العمومي الصحي ومصير حقها في نقض رابطتها الوظيفية والتحلل منها وبالتالي مغادرة الأسلاك دون المساس بالمصلحة العامة أو مصلحة الأطر الطبية المتخصصة بوزارة الصحة في إطار علاقة نظامية تعاقدية.
وختاما، لابد من الإشارة إلى أن مدبرو القطاع الصحي العمومي يسعون إلى الخروج من هذا الوضع الذي تعاني منه المنظومة الصحية لا سيما النقص الحاد في الموارد البشرية، وذلك من خلال اعتزامهم العمل على إخراج فئة العاملين في الميدان الصحي من دائرة تطبيق النظام الأساسي العام للوظيفية العمومية بموجب القانون رقم 39.21 الصادر بتاريخ 26 يوليو 2021. والذي قد يعيد النظر في طبيعة العلاقة الوظيفية للعاملين بالقطاع العمومي الصحي، لا سيما الأطر الطبية والطبية المتخصصة وكذا الأطر الشبه طبية، للخروج من أزمة شح الموارد البشرية وتدبير خصوصيات المرحلة والانتظارات المعلقة على هذا القطاع، لا سيما مع ورش الحماية الاجتماعية التي سيتولى بالأساس قطاع الصحة والحماية الاجتماعية تنزيله.
لائحة المراجع:
الكتب المتخصصة:
  • محمد اشنيفخ، الوظيفة العمومية المغربية، الطبعة الأولى، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع- الرباط سنة 2020.
الدوريات والمجلات:
  • مجلة الوكالة القضائية للمملكة، العدد الأول، ماي 2018.
  • خديجة أمعيوة، استقالة الموظف في ضوء الاجتهاد القضائي، مرفق الصحة نموذجا، المجلة المغربية للإدارة المحلية، عدد 131 سنة 2016.
  • عبد الخالق علاوي، مقالة بعنوان: هل لا زالت علاقة الموظف بالإدارة علاقة نظامية وتنظيمية، المجلة المغربة للإدارة المحلية، عدد 157 سنة .2021
القوانين والمراسيم:
  •  الظهير الشريف رقم 1.58.008 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، صدر في الجريدة الرسمية عدد 2372 بتاريخ 21 رمضان 1377 (11 أبريل 1958)، حسب ما وقع تغييره وتتميمه.
  • الظهير الشريف رقم 1.16.62 الصادر في 17 من شعبان 1437 (24 ماي 2016) بتنفيذ القانون رقم 70.13 المتعلق بالمراكز الاستشفائية الجامعي حسب ما وقع تغييره وتتميمه.
  • المرسوم الملكي رقم 143.67 الصادر بتاريخ 20 ذي القعدة 1386 (2 مارس 1967) بشأن حالة الخارجيين والداخليين والمدربين بالمركز الصحي الجامعي بالرباط.
  • المرسوم رقم 2.91.527 الصدر في 21 من ذي القعدة 1413 (13 ماي 1993) المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية الجامعية.
  • المرسوم رقم 2.92.459 الصادر في 22 من ذي القعدة 1413 (14 ماي 1993) بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.91.527 المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية.
  • المرسوم رقم 651-99-2 الصادر في 25 من جمادى الآخرة 1420 (6 أكتوبر 1999) بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات، حسب ما وقع تغييره وتتميمه.
  • المرسوم رقم 2.00.352 صادر في 2 ربيع الآخر 1421 (5 يوليو 2000) بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.91.527 الصادر في 21 من ذي القعدة 1413 (13 ماي 1993) المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية.
  •  المرسوم رقم 621-11-2 الصادر في 28 من ذي الحجة 1432 (25 نوفمبر 2011) بتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية.  
  • المرسوم رقم 2.15.990 الصادر في 7 شوال 1437 (12 يوليو 2016) بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.91.527 بتاريخ 21 من ذي القعدة 1413 (13 ماي 1993) المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية
الأحكام والقرارات القضائية:
  • حكم المحكمة الإدارية بالرباط، تحت رقم 1493 بتاريخ 29 أكتوبر 2011.، غير منشور
  • حكم رقم 210 الصادرة عن المحكمة الإدارية بمراكش، بتاريخ 25 يونيو 1997، حكم غير منشور.
  • حكم رقم 2094، صادر بتاريخ 03/12/2009. ملف عدد 243/4/2009، حكم غير منشور.
  • الحكم عدد 467 صادر بتاريخ 18 /10/2016 ملف عدد 349/7110/2016، حكم غير منشور.
  •  قرار عدد 1/241 بتاريخ 2015/02/05 في الملف الإداري رقم 2014/1/4/3568، غير منشور.
  • قرار عدد 279 صادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، بتاريخ 2014/03/12 في الملف عدد 2013/12/1745.
  • حكم رقم 869، صادر عن المحكمة الإدارية بالربط، مؤرخ في 7 مارس 2013، ملف رقم 2013/5/28 ، حكم غير منشور.
  •   حكم رقم: 1764 صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ: 10/5/2012 ملف رقم: 431/5/2011.، غير منشور.
  • القرار عدد 344- 1 الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بتاريخ 25-02-2016 في الملف رقم 302-4-1-2016، غير منشور.
  •   قرار محكمة النقض عدد 918 الصادر في 8 دجنبر 2011 في الملف الإداري عدد 937/4/1/2011 منشور بالمنصة الخاصة بأحكام النقض: https://juriscassation.cspj.ma/
  •   القرار الإداري عدد: 172/1 الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والمؤرخ في 22/02/2018 ملف إداري رقم 1853/4/1/2017.
 
الهوامش
 
[1]  عبد الخالق علاوي، مقالة بعنوان: هل لا زالت علاقة الموظف بالإدارة علاقة نظامية وتنظيمية، المجلة المغربة للإدارة المحلية، عدد 157 2021
[2]  قبل سنة 1993 كان يطلق على الطلبة المقيمون "المدربين بالمركز الصحي"، وذلك بموجب المرسوم الملكي رقم 143.67 الصادر بتاريخ 20 ذي القعدة 1386 (2 مارس 1967) بشأن حالة الخارجيين والداخليين والمدربين بالمركز الصحي الجامعي بالرباط.
[3] المرسوم رقم 2.91.527 صدر في 21 من ذي القعدة 1413 (13 ماي 1993) يتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية الجامعية، ينظم وضعية طلبة الطب أثناء تحضير ديبلوم التخصص الطبي.
[4] المركز الاستشفائي الجامعي: هو مؤسسة عمومية ذات شخصية معنوية واستقلال مالي، يخضع لوصاية وزارة الصحة. محدثة بموجب الظهير الشريف رقم 1.16.62 الصادر في 17 من شعبان 1437 (24 ماي 2016) بتنفيذ القانون رقم 70.13 المتعلق بالمراكز الاستشفائية الجامعية، وتتولى هذه المراكز تقديم خدمات متخصصة في مجال العلاجات، كما تشكل مرجعا استشفائيا من المستوى الثالث في سلسة العلاجات بالنسبة للمؤسسات الصحية العمومية والخاصة في مجاله الترابي، كما يضطلع بمهام التكوين التطبيقي العام والمتخصص للطلبة والطلبة الباحثين في الطب والصيدلة وطب الأسنان بالقطاعين العام والخاص. بالإضافة إلى مساهمة هذه المراكز في مجال البحث العلمي والابتكار في مجال الصحة.
[5] خديجة أمعيوة، استقالة الموظف في ضوء الاجتهاد القضائي، مرفق الصحة نموذجا، المجلة المغربية للإدارة المحلية، عدد 131 سنة 2016 ص 44.
 
[6][6]  الظهير الشريف رقم 1.58.008 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 2372 بتاريخ 21 رمضان 1377 (11 أبريل 1958)، حسب ما وقع تغييره وتتميمه،
[7]  محمد اشنيفخ، الوظيفة العمومية المغربية، الطبعة الأولى، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع- الرباط سنة 2020. ص 28 .
[8] الفصل السادس المكرر، الذي تم إدراجه ضمن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وذلك بموجب المادة الثانية من القانون رقم 05-50 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 10-11-1 بتاريخ 14 ربيع الأول 1432 (18 فبراير 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5944 بتاريخ 15 جمادى الآخرة 1432 (19 ماي 2011) ص 2630.
[9]  المرسوم رقم 651-99-2 الصادر في 25 من جمادى الآخرة 1420 (6 أكتوبر 1999) بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات، حسب ما وقع تغييره وتتميمه.
[10]  المرسوم رقم 621-11-2 الصادر في 28 من ذي الحجة 1432 (25 نوفمبر 2011) بتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية.  
 
[11] المادة 32 المكررة من مرسوم رقم 2.00.352 الصادر في 2 ربيع الآخر 1421 (5 يوليو 2000) بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.91.527 الصادر في 21 من ذي القعدة 1413 (13 ماي 1993) المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية.
[12] الحكم عدد 2094، صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 03/12/2009. ملف عدد 243/4/2009، حكم غير منشور.
[13] الحكم عدد 467   صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 18 /10/2016 ملف عدد 349/7110/2016، حكم غير منشور.
[14]  قرار محكمة النقض عدد 1/241 بتاريخ 2015/02/05 في الملف الإداري رقم 2014/1/4/3568، هذا التوجه تبنته أيضا محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش في عدة قرارات منها القرار عدد 279 بتاريخ 2014/03/12 في الملف عدد 2013/12/1745.
[15]  مرسوم رقم 2.15.990 صادر في 7 شوال 1437 ( 12 يوليو 2016 ) بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.91.527 بتاريخ 21 من ذي القعدة 1413 ( 13 ماي 1993 ) المتعلق بوضعية الطلبة الخارجيين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية.
[16]  مجلة الوكالة القضائية للمملكة، العدد الأول، ماي 2018، صفحة 18.
[17] حكم عدد 869، صادر عن المحكمة الإدارية بالربط، مؤرخ في 7 مارس 2013، ملف رقم 2013/5/28 ، حكم غير منشور.
 
[18]  حكم عدد: 1764 صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ: 10/5/2012 ملف رقم: 431/5/2011،  غير منشور.
[19] قرار محكمة النقض عدد 344- 1 الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 25-02-2016 في الملف رقم 302-4-1-2016، غير منشور.
[20]  قرار محكمة النقض عدد 918 الصادر في 8 دجنبر 2011 في الملف الإداري عدد 937/4/1/2011 منشور في المنصة المخصصة لنشر قرارات محكمة النقض: https://juriscassation.cspj.ma/
[21]  قرار محكمة النقض عدد: 172/1 الصادر عن الغرفة الإدارية والمؤرخ في 22/02/2018 ملف إداري رقم 1853/4/1/2017 غير منشور.
 



الاربعاء 5 يونيو 2024

تعليق جديد
Twitter