Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



العربية، لغة للمحاكم فقط


     

بقلم : إدريس فجر
دكتور في الحقوق



العربية، لغة للمحاكم فقط

1- توجد اللغة العربية اليوم في وضعية لا تحسد عليها، وهي تخوض معركة بقاء ووجود في وجه الغزو الأجنبي ، ليس بالدبابات والطائرات وكتائب المشاة ، وإنما بواسطة اللغة والثقافة والفن ، والدولة لها انشغالات ومآرب على الواجهات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية وليس بوسعها أن تضع رهن إشارة اللغة العربية الإمكانيات الضرورية والميزانية الكافية للنهوض بها وحتى تخرج من الزاوية التي تم حشرها فيها وتتمكن من تبوؤ المكانة الرفيعة التي جعلها الدستور من نصيبها ، ونتمنى أن يكون لها معهد للدراسات مثل الذي تتوفر عليه شقيقتها الأمازيغية بحي الرياض بالرباط وهو روعة في الهندسة والفن المعماري وتم تصميمه في شكل هرم يذكرنا بأهرامات القاهرة الخالدة ، واللغتان العربية والأمازيغية يجب أن يتصفا أيضا بصفة الخلود والقوة والإشعاع
 
2- لكن الواقع عنيد ويقول عكس ذالك ويبدد أحلامنا ،فمثلا في البرنامج الشيق الذي قمته القناة الأولى ليلة 5 أبريل 2012استضافت الممثلة البارعة أقريو واخواتها الممثلات اللواتي لا يقلن براعة عنها ، استضافت اذن المفكر الاقتصادي والسياسي علي بنعمور الذي لا زال المغاربة يتذكرون نضاله في صفوف المعارضة الاتحادية في برلمان 1977 ورئاسته لجمعية بدائل ، ومما قاله في هذا البرنامج أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمغرب ولكن الوضع الذي تحتله يسائلنا جميعا و لابد من العمل على تطويرها ، لكن كيف ؟ جوابه كان كالآتي : لا بأس إن اقتبست اللغة العربية شيئا ما من اللغات الأجنبية ، ومن الأمازيغية ، ومن الدارجة ، ومن الفصحى ، وكأن المشكل في نظره يكمن  في تعلم اللغة وليس في عدم استعداد البعض ليتعلم اللغة العربية وفق قواعدها الأصيلة الموروثة منذ مآت السنين ، بينما هم  يسعون  إلى تعلم الصينية أو التركية لإبرام صفقاتهم التجارية ، ولهذا يرى بعض المنظرين أن خلاص اللغة العربية أمام الغزو الثقافي الأجنبي هو أن تتحول إلى  الدارجة أو إلى ((كوكتيل )) من اللغات المختلفة كما جاء في برنامج الفنانة أقريو، فبمثل هذه الحلول لن ننقذ اللغة العربية ، بل سنجعلها مدعاة للضحك والسخرية بعد عشرات السنين من الإهمال
 
 3- من لاتاريخ له لا ذا كرة له ، ومن لا لغة رسمية أو وطنية له لا هوية له ، وحينما أرى الكتب العربية معروضة في مكتبة شهيرة بوسط المدينة ب"لاكاف " يعني  القبو، أي(( تحت ))، أما الكتب باللغة الأجنبية فهي معروضة "فوق" وفي أحسن الرفوف ،وفي معرض الكتاب لسنة 2010لم تعرض هذه المكتبة ولو كتابا واحدا بالعربية واقتصرت على الكتب الأجنبية ، النشرة باللغة الأجنبية  تذيعها قناة "دوزيم"على الساعة 9 إلا ربع ولا يتابعها إلا حفنة من المواطنين الذين يحسنون اللغة الأجنبية  ، أما النشرة باللغة العربية بنفس القناة  فتذاع في وقت متأخر من الليل لما ينام المعربون (*)،اجتماعات ممثلي الإدارات المركزية للوزارات بالرباط لا تتم باللغة العربية ، ومن يتكلم فيها باللغة العربية يظهر وكأنه آت من كوكب آخر ،المريخ ربما ، وهذا رغم أنف الوزير الأول السابق عباس ومنشوره الشهير الذي حث فيه  الإدارات العمومية على استعمال اللغة الرسمية في عملها اليومي لكن بدون جدوى ،حتى اجتماعات الملاكين الشركاء في  إطار  نظام الملكية المشتركة تتم باللغة الأجنبية  بنسبة 99بالمئة و1 بالمائة باللغة الدارجة، المركز السينمائي لاعتبارات عملية يفضل استعمال اللغة الأجنبية  ،الأزواج الشباب يتباهون بالحديث مع أبنائهم ليس بلغة الأم  والوطن ولكن باللغة الأجنبية  وعمرهم لم يتجاوز بعد 4 سنوات وهم لازالوا في روض الأطفال  "لي كريش"، رجال ونساء الأعمال يفضلون اللغة الأجنبية الأولى أو الثانية  ، وبهذا أصبح ترتيب لغتنا العربية أو الأمازيغية هو الرتبة 3 أو 4 إلخ...نكتفي بهذا القدر من الأمثلة والوقائع التي تدل على الوضع المتدني الذي توجد فيه اللغة العربية ،أفبعد كل هذا نتساءل هل هويتنا كمغاربة مهددة أم لا؟ ومتى ستقوم حكومة بنكيران بتفعيل المقتضيات الدستورية الجديدة حول حماية اللغتين العربية و الامازيغية ؟ نحن  لسنا ضد استعمال اللغة الأجنبية  كلغة للتواصل و  للعمل وجلب المعرفة وأنا شخصيا كثيرا ما استعمل اللغة الأجنبية  في أبحاثي،  لكن لست "مريضا"باللغة الأجنبية إلى درجة الإدمان ، لأن لغة الضاد و الوطن والدين لها حق علينا بعد أن تعرضت للعديد من الانتكاسات
 
3- لقد عانت اللغة العربية من تداعيات فشل التعريب في التعليم  منذ أن كان يوسف بلعباس  وزيرا للتعليم ، يضاف إلى ذالك فشل تعريب الإدارة العمومية و لاسيما المركزية منها وفي المؤسسات العمومية أيضا  ، وحتى فشل الدولة في تشغيل الشباب الجامعي المعطل تتحمل وزره اللغة العربية المسكينة لأن هؤلاء الشباب لا يتقنون لغة أجنبية التي هي مفتاح أبواب التشغيل في نظر خصوم هذه اللغة ، أما مقاولات القطاع الخاص فهي قلعة اللغات الأجنبية بامتياز رغم أن الكثير من قياديي المنظمة المهنية لأرباب المقاولات يتقنون جيدا لغة الضاد ، ولم يفلح منشور الوزيرين الأولين : اليوسفي سنة 1998، والفاسي سنة 2008  ، في تحسين وضع اللغة العربية في هذه القطاعات الاقتصادية والإدارات العمومية ، ولو نجح هذان المنشوران في مهمة التعريب لكنا حقيقة أمام معجزة ، لأن مشاكل استعمال وفرض اللغة العربية متعددة واستعصى حلها منذ عقود ، ، فكيف لمجرد منشور أن ينجح فيما أخفق فيه الدستور حاليا أي جعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية ، وفي بلد تنتشر فيه نسبة كبيرة من الأمية ، وغالبية المغاربة لا يحسنون إلا لغة واحدة ... العربية ، وبالكاد يعرف لغة أجنبية ، ولهذا فالسواد الأعظم من هذه الفئة له مشاكل مع اللغة الأجنبية التي تستفيد من وضع مهيمن  في الشارع والعمل والإدارات والإعلام الاقتصاد ، ولا سيما بعد أن تمت خوصصة بعض المنشآت الاقتصادية منذ سنة 1988 ، وحده القضاء المغربي تخلص من هذه الهيمنة أو التبعية للغة الأجنبية وبأعجوبة في آخر شهر دجنبر من سنة 1965 ، فكان تعريبه فلتة من فلتات هذا الزمان ، فانعم به و أكرم
 
4- إن تعريب الإدارة العمومية والمؤسسات العمومية وباقي المرافق الاقتصادية الأخرى لن يتحقق  ، يا سادة، بواسطة منشور وزاري  لاحول ولا قوة له ، لأنه بكل بساطة من يهدد وجودك بأسلحة الدمار الشامل من غير المجدي أن تتصدى له ببندقية صيد عتيقة ، بل تعريب هذه القطاعات لن يتم  إلا  بإصدار نص تشريعي أي قانون يصوت عليه  البرلمان يحدد فيه آليات و آجال تنفيذه ، ولنا في تجربة تعريب قطاع القضاء خير دليل .
يقول الأستاذ جان بول رازون أحد قيدومي مهنة المحاماة بالمغرب قبل أن يستقيل منها ، بأنه في سنة 1965 بفضل مبادرة بعض البرلمانيين الذين كانوا يمارسون مهنة المحاماة صوت البرلمان يوم 26 يناير 1965  على على قانون تم بموجبه توحيد محاكم المملكة في أول عملية جادة لإصلاح القضاء بالمغرب ، لكن هذا القانون لم يقتصر على التوحيد فحسب بل امتد نطاق تطبيقه حتى إلى مغربة أطر وقضاة المحاكم ، وكذا تعريب القضاء أي جعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية بالمحاكم للقيام بالإجراءات ، والمرافعة ، والمداولة ، وتحرير الأحكام ، و كانت وراء القانون  لتدافع عنه نخبة من المحامين البرلمانيين الذين كانوا ينتمون سياسيا إلى الأحزاب الوطنية ، ونفذ هذا القانون بوطنية صادقة وزير العد ل المرحوم الأستاذ عبد الهادي بوطالب ، وأغلب الظن أن هذا القانون لو تأخر بعض السنوات أو بضعة شهور ما كانت عملية تعريب القضاء لترى النور وبالشكل الذي خرجت به من العدم إلى الوجود
وتخيلوا معنا انه لو لا تعريب القضاء لكانت اللغة الأجنبية التي على بالكم هي لغة العمل بالمحاكم النائية ومراكز القضاة المقيمين بالبوادي والهضاب والجبال والقرى، وأغلب ساكنتها أميون لا يعرفون حتى العربية وبالأحرى اللغة الأجنبية ، ويتنازعون على قضايا بسيطة تقل قيمتها عن 1000 درهم ، أو تتعلق بالأسرة و النفقة وقد يتنازعون  حتى على ديك رومي أو كوخ  ، فهل هذه القضايا تحتاج فعلا إلى لغة شيكسبير أو موليير ؟
 
5- رأفة بالمتقاضي الجاهل أو الأمي أصدر المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)اجتهادا رائدا أنصف بموجبه كل متعاقد أمي لم يكن يعرف  اللغة التي يحرر بها العقد الذي وقع ليه ( قرار مدني بغرفتين بتاريخ 15 دجنبر 1976 تحت رقم 777) وغالبا ما يكون العقد محررا بلغة أجنبية ، ولا ينبغي التراجع عن هذا الاجتهاد مهما كانت الذرائع والحيثيات نظرا لما يوفره الاجتهاد الصادر سنة 1976 من مصلحة عامة وحماية قانونية  للمتعاقد الطرف الضعيف لغويا وثقافيا ، وهو ما ينسجم مع ما هو سائد في بعض الدول الغربية قانونيا وقضائيا ، ذالك أننا كثيرا ما ننتقد الأجانب في تعاليقنا وتدخلاتنا ، ونعتبرهم أناسا يريدون الاستحواذ والسيطرة على كل شيء عندنا بما فيها مجالات اللغة والثقافة ، ولكن العيب فينا وليس فيهم لأننا نحن الذين تنازلنا عن لغتنا وثقافتنا واستسلمنا لهم ، أما المسئولون في  هذه الدول المنافسة لنا لغويا وثقافيا فهم في بلدانهم حكماء وعقلانيين ومنطقيين مع الأجانب المتواجدين على أرضهم ويتفهمون حرص هؤلاء الأجانب على لغتهم التي لا يعرفون غيرها وهوما قد يتسبب لهم في مشاكل في العمل ومع الادارة وغيرهما ، فمثلا نجد أن قانون الشغل بفرنسا ينص على أن عقد العمل يكون محررا باللغة الفرنسية ، ولما يكون الأجير أجنبيا من المغرب أو الجزائر أو السنيغال ...يحرر له عقد بلغته بناء على طلبه ، وعند التعارض بين اللغتين أي بين الفرنسية والأجنبية يحتج على الأجير بالعقد المحرر بلغته هو (المادة 121/1) صدق أو لاتصدق ، هذه سمة من سمات النزاهة الفكرية لدى مشرع هذه المادة
هذا عندهم ، أما عندنا يقع الاحتجاج على المغربي المستهلك أو المتعاقد بصفة عامة بعقد محرر بلغة أجنبية ، ولو كان هذا المغربي يجهل حتى العربية لغة وتحريرا ، وبالأحرى اللغة الأجنبية ومن تم كانت الحكمة البليغة لاجتهاد المجلس الأعلى الصادر في سنة 1976 والمشار إليه  آنفا هذا في انتظار أن تتخذ الدولة قرارات حاسمة ترد للغتين العربية والأمازيغية اعتبارهما وتخلصهما من هيمنة اللغات الأجنبية
 
6- فالرئيس الموريتاني السابق ولد الطيع يقول في مذكراته((نجاة العرب)) بأن العرب ذهبت ريحهم وازدادوا ضعفا لما  فرطوا في لغتهم الفصحى ،وهو حكم أو تقييم سياسي فيه الكثير من التعميم وقد يكون صحيحا جزئيا ، لأنه في الحقيقة  وإن لم نكن متفقين مع إخواننا العرب في المشرق في كل  سياساتهم خلال العشرين سنة الأخيرة، ولا ينفقون بعض الملايير من البيترودولار لنشر اللغة العربية،فإنهم مع ذالك في معظمهم  متمسكون ولو شكليا  باللغة العربية ولا يهملونها ويجعلونها دائما في الصدارة في حياتهم العامة والخاصة وفي المؤتمرات والندوات والمؤسسات  ، وربما هذا  راجع إلى كونهم مدركين إلى أن ما هو اخطر في الغزو الثقافي و اللغوي هو إن يصبح العربي يفكر بعقلية الرجل الغربي الذي يتحدث بتلك  اللغة ، ولا تصبح عندئذ اللغة الأجنبية وسيلة للتواصل والبحث العلمي والتقدم فحسب ، وإنما تصبح شيئا آخرلا قدر الله .
7- وفي الختام نود أن نتوجه بالحديث إلى حكومة بنكيران من جهة والى بعض السفارات والقنصليات العامة ، فبالنسبة للحكومة لقد حان الوقت مع بعض التأخير في الاهتمام باللغتين العربية والأمازيغية وفق مضامين الدستور الجديد ، هذا ملف يجب أن تكون له الأولوية في آجندا الحكومة ولا يقل أهمية  عن الملفات الأخرى كمحاربة الفساد واقتصاد الريع ونشر مأذونيات رخص النقل وحقوق الانسان  ، لأن اللغة الرسمية هي لغة الوطن والدين والأسرة والهوية وتاريخ وجغرافية العالم العربي من المحيط إلى الخليج ومن فرط فيها خسر كل هذه الأشياء، والأمم الصاعدة المجاورة للوطن العربي ما كانت لتحقق إقلاعها الأقتصادي والاجتماعي من غير أن تهتم بلغتها الوطنية ، ولهذا  ومن أجل حماية اللغة العربية  لابد من إعداد مشروع قانون تعرضه الحكومة على البرلمان للتصويت عليه يقضي بترسيخ التعريب في الإدارات العمومية والمؤسسات العمومية وفي القطاع الخاص وبتغريم كل من يخالف هذا القانون ، وعند  التحضير لهذا القانون على حكومة بنكيران أن تفتح نقاشا وطنيا حول الإشكاليات التي يثيرها استعمال اللغة الأجنبية ، وما يعانيه المواطنون العاديون من حرمانهم من استعمال لغتهم الرسمية ، مع التطرق إلى العوائق التي تحول دون أن تتبوأ اللغة العربية أو الأمازيغية المكانة اللائقة بها دستوريا واجتماعيا، وما هي وسائل رد الاعتبار لهما  إلى أن يسودا كافة مناحي الحياة اليومية ، ولماذا لا تنجز هذه الحكومة دراسة تبين بالأرقام مناصب العمل التي يمكن أن توفرها عملية تعريب الإدارة والاقتصاد بنوعيه العام والخاص ؟
أما بالنسبة لبعض السفارات والقنصليات العامة نقول لهم طبعوا علاقتكم باللغة العربية والأمازيغية والناطقين بهما ، وفي هذا الصدد  نود التذكير بواقعة لا يمكن أن نمر عليها مرور الكرام وهو انه في ذروة الحراك العربي أو الربيع العربي مع مطلع سنة 2011كانت القناة التلفزية : ال ب.ب.سي عربية، وقناة فرانس 24 عربية هي المصدر الرئيسي لتزويد المواطن العربي بالأخبار وليس قناة الجزيرة نيت ، ولا قناة فرانس 2، ولا ت.ف.1 ، وهذه الواقعة لها أكثر من دلالة ، فهاتان القناتان لهما جمهور عريض باللسان العربي أكثر ممن يتكلمون باللسان  الأجنبي فرنسي أو انجليزي كان .
 
ونحن لما نطرح على بساط النقاش  كل هذه الإشكاليات حتى لاتظل اللغة العربية لغة الشارع والمحاكم فقط ، وهي اللغة الرسمية دستوريا ...يا حسرة.     
 
 
 
ـــــــــــــــــــــ
(*) حررت هذه المقالة في 3أبريل 2012 ، وقبل تغيير قناة دوزيم لمواقيت نشرة اخبارها



تاريخ التوصل: 13 ماي 2012
تاريخ النشر: 15 ماي 2012

الثلاثاء 15 ماي 2012


تعليق جديد
Twitter