Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الطعون العادية وفق قانون المسطرة المدنية المغربي


     

للباحث بومكوسي معمرو

عضو هيئة الإدارة بموقع العلوم القانونية



الطعون العادية وفق قانون المسطرة المدنية المغربي
لما كان الهدف الأسمى الذي ترمي إليه جل التشريعات والقوانين هو تهيئ العدالة والإنصاف وضمان احترام المتقاضين لمؤسسة القضاء، فإن المشرع المغربي وعلى غرار باقي التشريعات الحديثة أوجد عدة وسائل كفيلة لتحقيق هذا الهدف، ومن هذه الوسائل طبعا طرق الطعن في الأحكام.

ويقصد بطرق الطعن الوسائل التي من خلالها يمكن للأفراد الدفاع عن حقوقهم أمام القضاء، إذ بموجبها يمكنهم المطالبة بمراجعة الأحكام الصادرة عن محاكم دنيا أمام محاكم أعلى منها درجة أو بمراجعة المحاكم للأحكام التي سبق أن أصدرتها ضدهم( ).

وتقوم
فكرة الطعن في الأحكام على اعتبارات موضوعية عملية وأخرى فلسفية ونفسية، فالاعتبارات الموضوعية ترتكز على احتمال خطأ القاضي في فهم أو تطبيق القانون. ولذلك لابد من إيجاد وسائل لإصلاح أخطاء القضاء. أما الاعتبارات النفسية فتتوجه إلى معالجة سلوك المحكوم عليه الذي لا يقبل الحكم الصادر ضده، إذ من النادر أن يرضخ المحكوم عليه ويرضى بالحكم.

أما الاعتبارات الفلسفية فأساسها أن فتح المجال للطعن في الأحكام بالمراجعة والتعديل يمكن أن يحقق أكبر قدر من العدالة النسبية لا المطلقة.

هذه الاعتبارات مجتمعة هي التي تتحكم في سياسة المشرع القضائية عند تنظيمه للطرق وإجراءات الطعن في الأحكام فتضيق أو تتسع هذه الطرق وتيسر أو تشدد إجراءاتها حسب مدى اقتناع المشرع بهذه الاعتبارات والمبادئ التي تقوم عليها فكرة الطعن في الأحكام. ذلك أنه من المبادئ المقررة في فقه المسطرة أن إبطال الأحكام أو إلغائها لا يكون عن طريق إقامة دعاوي الإبطال المقررة بالنسبة للعقود، وإنما لابد لإبطال حكم أو إلغائه من سلوك طريق من طرق الطعن المحددة التي قنن المشرع قواعدها وآجالها وإجراءاتها ، بحيث إذا استنفذت هذه الطرق، أو انقضت مواعيدها ، أو لم تحترم إجراءاتها، أصبحت الأحكام بمنأى من كل إلغاء أو تعديل وأصبح المساس بها مستحيلا( ).

وهكذا تبرز لنا أهمية تناول موضوع طرق الطعن وإن كانت هذه الدراسة ستقتصر على طرق الطعن العادية أي التعرض والاستئناف. ومن تم نتساءل عن مدى فعالية الأحكام المنظمة لطرق الطعن العادية في قانون المسطرة المدنية؟ وإلى أي حد استطاع القضاء المغربي تفعيل المقتضيات القانونية المنظمة لهذه الطرق وتغطية النقص التشريعي في هذا المجال؟

سنحاول الإجابة عن هذه الإشكاليات من خلال مبحثين الأول سنخصصه للتعرض في حين سنتناول في الثاني الاستئناف.

المبحث الأول: التعرض


لقد نظم المشرع المغربي التعرض –باعتباره طريق من طرق الطعن العادية- في الفصول 130 إلى 133 من قانون المسطرة المدنية. محددا مجال إعمال هذا الطريق من طرق الطعن، والإجراءات التي يبقى لزاما على الشخص الذي يرغب فيه تقديم تعرضه احترامها قصد تمكينه من إنتاج آثاره.
ومن تم سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين، سنعالج في المطلب الأول ماهية التعرض على أن نخصص المطلب الثاني لإجراءات التعرض وآثاره.

المطلب الأول: ماهية التعرض.


إذا كان المشرع المغربي قد أحجم عن إعطاء تعريف للتعرض فقد حاول بعض الفقه تحديد المقصود بهذا الطريق من طرق الطعن العادية، مبرزين في ذات الوقت الخصوصيات والمميزات التي ينفرد بها عن باقي طرق الطعن لاسيما الاستئناف وتعرض الغير الخارج عن الخصومة.
ولئن كان التعرض طريق من طرق الطعن، كان من الطبيعي تحديد مجال لأعماله حيث لا يجوز التعرض خارج هذا المجال وذلك تحقيقا للغاية التي شرع من أجلها الطعن بهذا الطريق من طرق الطعن.

الفقرة الأولى: المقصود بالتعرض وتمييزه عن باقي طرق الطعن


التعرض طريق عادي يرفعه المحكوم عله غيابيا إلى نفس المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي لا إلى محكمة أعلى، وذلك بقصد إرجاع القضية أمام نفس القاضي الذي سبق له أن بث فيها لإعادة النظر في الحكم الأول الصادر في حقه بصورة غيابية( ).
والحكم الغيابي هو الذي يصدر على المدعى عليه، والذي لم يحضر رغم استدعائه طبقا للفصول 37 و38 و39 من قانون المسطرة المدنية على أن المشرع استثنى في الفقرة الرابعة من الفصل 47 من نفس القانون المدعى عليه الذي توصل بالاستدعاء بنفسه، وكان الحكم قابلا للاستئناف، ففي هذه الحالة يكون الحكم بمثابة حضوري اتجاه الأطراف المتخلفة.
وينبغي التمييز في الحكم الغيابي بين الذي انبنى على عدم حضور المدعى عليه أمام المحكمة، وبين عدم تقديمه لمذكرات دفاعه للمحكمة، فبالنسبة للحالة الأولى يتحقق الغياب بتخلف المدعى عليه شخصيا لأن المسطرة شفوية، أما بالنسبة للثانية فلا يتحقق الحضور أو الغياب بحضور الشخص أو بغيابه وإنما تقديم المذكرات التي تعبر عن حضوره وهذا بالنسبة للمسطرة الكتابية( ).
والعبرة في اعتبار الحكم غيابيا قابلا للطعن بالتصرف ليس للوصف الذي تعطيه له المحكمة التي أصدرت الحكم بل لقواعد المسطرة التي تحدد متى يصدر الحكم غيابيا ومتى يكون حضوريا، وهذا ما أكده المجلس الأعلى، إذ جاء في إحدى حيثياته قرار صادر عنه ما يلي:"لكن حيث إن الطبيعة الغيابية والحضورية للحكم لا تتوقف على وصف المحكمة له ولكن على طبيعة الحكم نفسه، فإذا أخطأ القاضي في وصفه للحكم فإن ذلك لا يترتب عنه بطلان الحكم المذكور، ولكن يفتح المجال أمام المعني بالأمر للطعن فيه حسب وصفه الحقيقي"( ).
ويتميز التعرض عن تعرض الغير الخارج من الخصومة في كون هذا الأخير لا يمكن استعماله إلا من طرف الشخص المتضرر بسبب حكم لم يستدع إليه ، بينما لا يفتح التعرض إلا في وجه الطرف الذي استدعي وتخلف من الحضور( ).
كما يتميز التعرض عن الاستئناف في الوجوه التالية:
• التعرض جائز مهما كانت قيمة النزاع ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، أما الاستئناف فلا يكون إلا إذا كان المدعى به في الدعوى الأصلية يتجاوز نصاب معين.
• التعرض يرفع أمام المحكمة نفسها التي أصدرت الحكم، أما الاستئناف فيرفع إلى محكمة أعلى في دائرة المحكمة التي أصدرت الحكم لتصحيح ما في الحكم من خطأ.
• التعرض ليس من شأنه أن يحدث تغييرا في مركز الخصوم، فمن كان منهم مدعيا يبقى كذلك وما كان مدعى عليه ظل في مركزه. أما في الاستئناف فالأمر قد يكون عكس ذلك. إذا كان الاستئناف مرفوعا ممن كان مدعى عليه في أول درجة، إذ يصبح بمثابة مدع (مستأنف) في الاستئناف.

الفقرة الثانية: مجال التعرض.


إذا كان الأصل أن جميع الأحكام الغيابية التي لا تقبل الاستئناف يمكن الطعن فيها بالتعرض كان هذا المبدأ ترد عليه مجموعة من الاستثناءات، إذ ينفى القانون على عدم جواز الطعن بالتعرض في بعض الأحكام رغم أنها غيابية.

أولا: الأحكام القابلة للتعرض.


تنص الفقرة الأولى من الفصل 130 من قانون المسطرة المدنية على أنه: "لا يجوز التعرض على الأحكام الغيابية الصادرة عن المحكمة الابتدائية إذا لم تكن قابلة للاستئناف وذلك في أجل عشرة أيام من تاريخ التبليغ طبقا لمقتضيات الفصل 54..."
من خلال مقتضيات هذا النص يتضح أن :
-الأحكام الغيابية الصادرة عن المحاكم الابتدائية والقابلة للتعرض هي الاحكام التي تصدر بصورة انتهائية عن المحاكم الابتدائية هي التي لا تتجاوز قيمتها ثلاثة آلاف درهم حسب ما ينص عليه الفصل 19 من قانون المسطرة المدنية، أما تلك التي تتجاوز قيمتها ثلاثة آلاف درهم فلا يمكن سلوك التعرض بشأنها مادامت قابلة للاستئناف.
ويترتب عن ذلك، أنه كلما كان الطعن بالاستئناف مفتوحا، كان التعرض مغلقا وعلى عكس ذلك كلما كان الطعن بالاستئناف مغلقا، جاز الطعن بالتعرض.
- إن قرارات محاكم الاستئناف الغيابية، تكون دوما وأبدا قابلة للتعرض بالرغم من جواز الطعن فيها بالنقض، لأن المبادئ العامة للقانون لا تسمح بحلول طرف الطعن غير العادية مادام الباب مفتوحا لسلوك طرف الطعن العادية( ).
وهذا ما أكده المجلس الأعلى، إذ جاء في إحدى حيثيات القرار الصادر عنه بتاريخ 19/04/1995 ما يلي: "إذا كان الفصل 153 عن قانون المسطرة المدنية ينص على أن الأوامر الاستعجالية الغيابية لا تقبل الطعن بالتعرض، فإن المبدأ أن القرارات الاستئنافية الغيابية، بما فيها القرارات الباتة في أمر استعجالي تكون قابلة للطعن بالتعرض. محكمة الاستئناف لما اعتبرت القرارات الغيابية الاستثنائية غير قابلة للتعرض...تكون قد أخطأت في تطبيق القانون وعرضت قراراتها للنقض".( )
وفي نفس الاتجاه ذهب المشرع المصري ، إذ تنص المادة 290 من اللائحة الشرعية على أنه: "تقبل المعارضة في كل حكم صادر في الغيبة ماعدا الأحكام المعتبرة بمثابة حضورية صادرة في مواجهة الخصوم بمقتضى هذه اللائحة فإنه لا يجوز الطعن فيها إلا بطريق الاستئناف."( )

ثانيا: الأحكام غير القابلة للتصرف


ليست كل الأحكام الغيابية قابلة للطعن فيها بالتعرض، فقد يمنع القانون الطعن في بعض الأحكام الغيابية بهذا الطريق من ذلك:
أولا الأوامر الاستعجالية نظرا لصدورها دائما بمثابة حضورية (الفقرة 3 من الفصل 113 من قانون المسطرة المدنية)، والقرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف بشأن التحفيظ العقاري (الفقرة الأولى من الفصل 48 من ظهير 24 شتنبر 1917)، والأحكام الصادرة عن المحكمين، و الأحكام الغيابية الصادرة عن حكام الجماعات والمقاطعات،اذ ان هذه الأحكام لا تقبل أي طعن عاديا كان أو غير عادي طبقا لمقتضيات الفصل 20 من ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات و المقاطعات وتحديد اختصاصاتها، والأحكام التي تعتبر حضورية بالرغم من صورها غيابيا بمقتضى نص صريح (الفصول 48و329و344 ق.م.م).وأخيرا القرارات التي تصدر عن المجلس الأعلى بصورة غيابية (الفصل 378 من قانون المسطرة المدنية).
فعملا بمقتضيات الفصل الأخير، جاء في إحدى حيثيات القرار الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 8 غشت 1996 مايلي: إن القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى إثر استئناف أحكام المحاكم الإدارية لا تقبل الطعن بالتعرض.
إن طلب إيقاف التنفيذ المبني على هذا التعرض الغير المقبول يكون بدوره غير مقبول"( )
ثانيا: لا يقبل التعرض مرتين طبقا لما نص عليه الفصل 137 من قانون المسطرة المدنية، إذ ينص على أنه : "لا يقبل تعرض جديد من الشخص المتعرض الذي حكم عليه غيابيا مرة ثانية".
وهذه قاعدة معروفة عند الفقهاء يعبرون عنها بقولهم: "لا يجوز تراكم اعتراض فوق اعتراض" فلا يجوز التعرض للمرة الثانية في الحكم الذي قد يصدر غيابيا في التعرض المرفوع أولا لما في ذلك من مماطلة وتأبيد للخصومة.( )
وفي نفس الاتجاه، إذ أكد المشرع المصري على عدم جواز قبول التعرض في الحكم الغيابي الصادر في التعرض سواء من المتعرف أو من غيره.
فإذا كان المشرع المصري نص صراحة على عدم قبول التعرض مرة ثانية حتى من غير المتعرض، فإن صياغة الفصل 133 عن القانون المسطرة المدنية تطرح إشكال في هذا الإطار، فهل يقتصر عدم قبول التعرض على الشخص الذي سبق ان استعمل نفس الطريق؟أم انه لايقبل حتى التعرض المقدم عن قبل الغير ضد الحكم الغيابي الصادر في التعرض؟.
بخصوص هذا الإشكال، استقر القضاء المغربي على عدم قبول التعرض على حكم صدر في التعرض حتى ولو كان من شخص غائب متعرض عليه لأن هذا الغائب سبق أن كان حاضرا في الدعوى التي صدر فيها الحكم غيابيا ووقع عليه التعرض.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض القوانين ألغت التعرض نهائيا كمجلة المرافعات المدنية والتجارية التونسية، وقانون المرافعات الليبي الذين ألغيا التعرض كطريق من طريق الطعن مادام من حق المحكوم عليه غيابيا أن يستأنف الحكم الغيابي الصادر ضده.( )

المطلب الثاني: إجراءات التعرض وأثاره.


يخضع التعرض كغيره من طرق الطعن لمجموعة من الإجراءات التي ينبغي التقيد بها من لدن الشخص الراغب في التعرض على الحكم الصادر في غيبته حتى يحضى بالقبول الذي تترتب عنه آثار معينة.

الفقرة الأولى: إجراءات التعرض.

لقد حدد المشرع المغربي في الفصول المنظمة للتعرض الشكل الذي يجب أن يقدم فيه ، كما حدد أجالا معينا لتقديمه، وذلك تحت طائلة عدم القبول.

أولا: أجل التعرض.


يجب أن يطعن في الأحكام والقرارات الغيابية قبل فوات ميعادها، وهذا المعياد حدده قانون المسطرة المدنية بعشرة أيام تبتدئ من تاريخ تبليغ الحكم للطاعن تبليغا صحيحا وفق ما نص عليه الفصل 54 من قانون المسطرة المدنية.

ولكي يقع التبليغ صحيحا يجب أن يكون وفق مقتضيات الفصل المذكور بأن يكون مرفوعا بنسخة تحتوي على النص الكامل للحكم ومصادق على مطابقتها للأصل وأن يرسل التبليغ ويسلم طبق الشروط المحددة في الفصول37 و38 و39 من قانون المسطرة المدنية، وإذا تعلق الأمر بتبليغ إلى قيم وقع ذلك ضمن المقتضيات المشار إليه في الفصل 441من قانون المسطرة المدنية( )، ومن جهة أخرى يجب إشعار المعني بالأمر في التبليغ بأنه سيقع حرمانه من التعرض إذا انصرم الميعاد دون القيام برفعه (الفصل 130 من قانون المسطرة المدنية)( ).
وهذا ما أكده القضاء المغربي، إذ جاء في إحدى حيثيات قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29 دجنبر 1986 مايلي: يجوز التعرض على الأحكام النيابية خلال عشرة أيام من تاريخ التبليغ يجب أن ينبه الطرف المعني في وثيقة التبليغ وإلى أن انتهاء الأجل المذكور يسقط حقه في التعرض (الفصل 130 من قانون المسطرة المدنية).
تنبيه المتعرض بالأجل إجراء يتعلق بالنظام العام يؤدي الإخلال به إلى بطلان التبليغ( )
كما جاء في إحدى حيثيات قرار محكمة الاستئناف بوجدة الصادر بتاريخ 12/12/2005 مايلي: "حيث أن المحكمة وبعد إطلاعها على مقال الطعن بالتعرض وما أثاره المتعرض عليه تبين لها من خلال غلاف التبليغ المرفق بمقال الطعن، أن المتعرض بلغ بالحكم بتاريخ 16/1/2005 وأنه بغض النظر عن مصادفة اليوم المذكور ليوم الأحد الذي هو يوم عطلة فإنه في جميع الأحوال لا يحتسب اليوم المذكور ويبتدئ سريان الأجل اليوم الموالي أي 17/1/2004 ينتهي يوم 27/1/2005 وذلك أنه طبقا للفصل 512 من قانون المسطرة المدنية فإن جميع الآجال المنصوص عليها في هذا القانون كاملة... وأن ما تمسكت به الطاعنة بكونها لم تبلغ إلا يوم 19/1/2005 ادعاء مجرد من يزكيه لأن المعول عليه ما دون بغلاف التبليغ..... وحيث أن تقديم الطعن بتاريخ 28/1/2005 حسب الثابت من مقال الطعن يجعله غير مقبول شكلا لوقوعه خارج الأجل القانوني المحدد في 10 أيام طبقا للفصل 130 من قانون المسطرة المدنية"( ).
وإذا كان التعرض مقبول داخل عشرة أيام من تاريخ التبليغ، فهل يجوز تقديم التعرض من طرف من يهمه الأمر قبل التوصل بالتبليغ؟
بخصوص هذا الإشكال، نجد القضاء المغربي استقر على أن رفع التعرض من طرف المتغيب قبل توصله بالتبليغ جائز.( )

ثانيا: تقديم مقال التعرض


أحال الفصل 131 من قانون المسطرة المدنية بشأن تقديم مقال التعرض واستدعاء المدعي الأصلي للحضور بالجلسة إلى الفصول 31و37و38و39 من قانون المسطرة المدنية.
وهكذا فإن مقال التعرض يخضع لنفس القواعد المتعلقة بالمقالات الافتتاحية للدعوى، فيجوز تقديمه في شكل مقال مكتوب عليه من طرف المدعي أو وكيله أو في صورة تصريح يدلي به المدعي شخصيا أمام أحد أعوان كتابة الضبط الذي يحرر به محضر أو يوقع عليه المدعي أو يشار على عدم إمكانية التوقيع.
ويجب أن يتضمن مقال التعرض أو محضره الأسماء العائلية والشخصية والصفة والمهنة والموطن أو محل إقامة المدعي والمدعى عليه، وإن اقتضى الحال اسم وصفة وموطن نائب المدعي( )
بالإضافة إلى ذلك يجب أن يضمن المقال موضوع التعرض، بإيجاز الأسس القانونية والوسائل المعتمد عليها في التعرض كما يجب أن ترفق به المستندات التي ينوي المدعي استعمالها عند الاقتضاء.( )
وفي حالة تعدد الأطراف المتعرف عليهم، وجب وضع المقال في عدد من النسخ ولعدد الخصوم. ويطرح في هذا الصدد إشكال يتعلق بالجزاء المترتب عن عدم احترام هذا المقتضى القانوني؟.
بخصوص هذا الإشكال وأمام سكوت المشرع المغربي، ذهب بعض الفقه إلى القول أن عدم إرفاق المقال لعدد النسخ المعادل لعدد المدعى عليهم يترتب عنه عدم قبول الطلب( ).
ويتم وضع المقال كتابة الضبط لدى المحكمة التي صدر عنها الحكم الغيابي أو يصرح به أمام كاتب للضبط محلف.
وتسجل القضايا في سجل حسب وصولها وتاريخها مع بيان أسماء الأطراف وكذا تاريخ الاستدعاءات ثم يطبع عليها وعلى الأوراق التي تصاحبها بطابع يشير إلى تاريخ وصولها.
ويلزم أداء الرسوم القضائية المفروضة على تقديم التعرض ومبلغها خمسون درهم أمام المحكمة الابتدائية ومائة درهم أمام محكمة الاستئناف والا عد التعرض غير مقبول.
ويبلغ التعرض بنفس الطرق المنصوص عليها في الفصول 37و38و39 من قانون المسطرة المدنية إذ يوجه إما بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط أو أحد الأعوان القضائية-المفوضين القضائيين حاليا- أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الأشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية، ويسلم إلى الشخص نفسه أو في موطنه إلى أقاربه أو خدمه أو لكل شخص آخر يسكن معه، وينبغي أن يتم التسليم في غلاف مختوم لا يحمل إلا الاسم الشخصي والعائلي وعنوان سكن الطرف وتاريخ التبليغ متبوعا بتوقيع العون وطابع المحكمة( )

الفقرة الثانية: آثار التعرض


إذا قدم التعرض داخل الأجل القانوني المحدد لذلك، وفقا الإجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، ترتب عليه أثاران هما أثر موقف (أولا) وأثر ناشر (ثانيا).

أولا: الأثر الموقف.


ينص الفصل 132 من قانون المسطرة المدنية على أنه : "يوقف التعرض التنفيذ، ما لم يأمر بغير ذلك في الحكم الغيابي" .
من خلال مقتضيات هذا الفصل، يتضح أن التعرض الواقع طبقا للقانون يترتب عليه وقف التنفيذ الحكم الصادر غيابيا، ذلك أن التعرض هو طريق من طرق الطعن العادية، وهذه الأخيرة موقفة للتنفيذ، وعليه فإن عملية التنفيذ متى بدء الشروع فيها يتعين الأمر بإيقافها ما دام التعرض قد قدم داخل الأجل القانوني.
على أنه يمكن تنفيذ الحكم إذا كان مشمولا بالنفاذ المعجل وفقا للفصل 147، ويجد هذا الاستثناء مبرراته في ضرورة حماية الحقوق ذات الطابع الاستعجالي والتي لا تتحمل التأخير. بيد أن المشرع مع ذلك تنبه إلى أن تنفيذ هذا الحكم قبل أوانه العادي، قد يتضمن مجازفة بحقوق المحكوم المحكوم عليه، فأعطاه مكنة المطالبة بوقف تنفيذ الحكم المشمول بالنفاذ المعجل القضائي وحده دون الحكم المشمول به بقوة القانون( )، حيث يجوز إيقاف تنفيذ الحكم الغيابي ولو كان مشمولا بالتنفيذ المعجل، إذا تقدم المعني بالأمر بطلب إلى المحكمة المصدرة للحكم يرمي من خلاله إلى إيقاف التنفيذ، إذ في هذه الحالة على غرفة المشورة أن تبث في هذا الطلب طبقا للفصل 147 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء فيه: "غير أنه يمكن تقديم طلبات إيقاف التنفيذ المعجل بمقال مستقل عن الدعوى الأصلية أمام المحكمة التي تنظر في التعرض أو الاستئناف.
تستدعي المحكمة بمجرد ما يحال عليها هذا المقال، الذي يجب أن لا يضاف إلى الأصل، الأطراف للمناقشة والحكم في غرفة المشورة، حيث يمكن لهم أن يقدموا ملاحظاتهم شفويا أو كتابيا ، ويجب أن تبث المحكمة داخل ثلاثين يوما...".
ويثور في هذا الصدد إشكال حول ما إذا كان لطالب إيقاف التنفيذ أن يتقدم بطلبه الرامي إلى وقف التنفيذ قبل البدء في عملية التنفيذ ذاتها أو بصيغة أخرى هل يمكن للمحكمة المختصة في هذه الحالة أن تصرح بعدم قبول هذا الطلب وتمتنع عن النظر فيه من الناحية الموضوعية؟ أم على العكس من ذلك فإنها تملك سلطة البث في وقف التنفيذ استنادا إلى وجود مصلحة قائمة في تقديمه؟.
بخصوص هذا الإشكال ذهب بعض الفقه( ) إلى القول بإمكانية تقديم الطلب إيقاف تنفيذ الحكم ولو قبل الشروع في عملية التنفيذ، وذلك استنادا على المصلحة المحتملة في توخي خطر التنفيذ وهو خطر قابل لأن يقع في أي لحظة و من ثم يعد الطلب مقبولا. وفي هذا الإطار جاء في إحدى حيثيات قرار محكمة الاستئناف بمراكش الصادر بتاريخ 8فبراير1989مايلي: "حيث إن طالب الإيقاف مهدد بخطر تنفيذ الحكم الابتدائي الذي يمكن أن يتم من ساعة الى أخرى مما يكون معه الطلب مقبولا شكلا"( ).
إلا أننا لا نتفق مع هذا الاتجاه، ذلك أن المصلحة المبررة لقبول الدعوى هي المصلحة القائمة والحالة، كما أنه لا الحكم بإيقاف التنفيذ قبل الشروع في عمليات التنفيذ. ذلك أنه في حالة التسليم بالاتجاه المذكور يتعين من المحكمة الحكم بمنع التنفيذ وليس بإيقافه. كما يطرح غي هذا السياق إشكال آخر حول الحالة التي يرفع فيها طلب ايقاف التنفيذ قبل تمام التنفيذ وبعد البدء فيه، ولكن التنفيذ يصل إلى نهايته قبل الفصل في طلب الإيقاف، فهل يحكم بعدم قبول الدعوى على أساس أن التنفيذ قد تم ولم يبق للطالب مصلحة في الإيقاف؟ ام يتعين الحكم في موضوع الطلب؟
انقسم الفقه بخصوص هذه الإشكالية إلى اتجاهين، حيث ذهب اتجاه الأول إلى القول بأن تمام التنفيذ يجعل المنازعة غير مسموعة حتى ولو حصل التنفيذ بعد رفع المنازعة، لأنه يجعلها غير ذات موضوع على اعتبار أن التنفيذ الذي تم لا يتصور وقفه( )، في حين ذهب اتجاه ثاني إلى القول بوجوب الحكم في الموضوع، وسند هذا الرأي أن تقدي الدعوى من حيث كونها مقبولة أو غير مقبولة، يرجع فيه إلى يوم رفعها، ومادام رفع المنازعة كان وقت لم يكن فيه التنفيذ قد تم فلا أثر لتمام التنفيذ بعدئذ على قبول المنازعة( ).
وهذا الاتجاه هو الذي استقر عليه المجلس الأعلى، فقد جاء في حيثيات القرار الصادر بتاريخ 15/7/1977 مايلي: "الحكم بإيقاف التنفيذ معناه وجوب العدول عن القيام بأي إجراء من إجراءات التنفيذ في الحالة التي لم يلجأ فيها بعد إلى التنفيذ، بينما يعني وجوب إرجاع الأمور إلى الحالة التي كانت عليها قبل التنفيذ أو الشروع فيه في حالة ما إذا شرع في التنفيذ أو أتم التنفيذ كلا أو جزءا"( ).
ونحن بدورنا نأيد هذا الاتجاه، ذلك أن العبرة لقبول الدعوى هو بوقت رفعها، فإذا تأخر البث فيها لا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل ذنب تأخير البث لطالب الإيقاف الذي لايد له في ذلك.
ويشترط لقبول طلب الإيقاف أن يقع الطعن في حكم المأمور بتنفيذه معجلا تعرضا، وأن تضم نسخة من مقام التعرض إلى طلب الإيقاف،و إلا كان غير مقبول شكلا.
وتبقى لغرفة المشورة أن ترفض الطلب أو أن تقرر إيقاف التنفيذ المعجل إلى أن يقع البث في الجوهر، كما يجوز لها أن تأمر بإيقاف التنفيذ المذكور لمدة معينة أو تعليق متابعة التنفيذ كليا أو جزئيا على تقديم كفالة من طالبه (الفقرة الخامسة من الفصل 147 من قانون المسطرة المدنية)( ).

ثانيا: الأثر الناشر للتعرض.


لم يشر المشرع المغربي لهذا الأثر لا في نصوص قانون المسطرة المدنية القديمة ولا في نصوص قانون المسطرة المدنية الحالية، ومع ذلك فإن الفقه المغربي يرى أن التعرض يفتح باب المناقشة من جديد أمام المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي المتعرض عليه، وينشر الدعوى من جديد ويحق بكل طرف أن يبدي ما عنده من حجج ودفوع كما يفتح باب الطلبات العارضة للأطراف، لأن التعرض بخلاف الاستئناف لا يغير المراكز القانونية لأطراف النزاع، وتقبل فيه الطلبات الجديدة من كانت مرتبطة بالطلب الأصلي كما تقبل فيه طلبات الإدخال والتدخل( ).
كما أن محكمة التعرض، وتبعا للأثر الناشر للتعرض تتمتع بكامل السلطات التي تتمتع بها محكمة الأساس من حيث اتخاذ جميع إجراءات التحقيق التي تراها مفيدة للفصل في النزاع( ).
وهذا ما أكده المجلس الأعلى، إذ جاء في إحدى حيثيات القرار الصادر عنه بتاريخ 25/2/2003 مايلي: "التعرض كطريق طعن عادي وإن كان يطرح الخصومة من جديد أمام المحكمة التي يحق لها بحث النزاع بأكمله، فان ذلك مقيد بأن يتم ضمن شروط نفسها التي كانت ممنوحة للمحكمة مصدرة الحكم المتعرض عليه() .
وعلى كل حال، فمن المتفق عليه أن الحكم الغيابي لا يسقط بمجرد الطعن فيه بالتعرض وإنما يظل قائما حتى يلغى أو يعدل بحكم جديد في التعرض.

المبحث الثاني: الاستئناف


يعرف بالاستئناف بأنه أحد طرق الطعن العادية، -يستهدف به رافعه تعديل الحكم فيما قضى به ضده، وذلك بإعادة طرح النزاع على محكمة أعلى درجة من تلك التي أصدرت الحكم.
وهكذا ولتوسع أكثر في هذا الموضوع ارتأينا تقسيمه على مطلبين، سنخصص الأول لنطاق الاستئناف والإجراءات المتبعة بخصوصه، على أن نتطرق في الثاني لأنواعه وآثاره.

المطلب الأول: نطاق تطبيق الاستئناف وإجراءاته.


تقتضي منا دراسة هذا المطلب البحث في مجال ونطاق تطبيق الاستئناف (الفقرة الأولى) وكذلك في الإجراءات والمساطر المتبعة بخصوصه (الفقرة الثاني).

الفقرة الأولى: نطاق تطبيق الاستئناف.


إن القاعدة العامة هي جواز استئناف أحكام الدرجة الأولى، أي الأحكام الصادر عن المحكمة الابتدائية بوصفها محكمة أولى درجة، ولكن المشرع يحدد نصابا للاستئناف- يتحدد بقيمة الدعوى- ويورد عليه استثناء حيث يجوز استئناف بعض الأحكام بصرف النظر على النصاب( )، وعموما فالأحكام قابلة للاستئناف هي :
أولا: الأحكام التي تتجاوز قيمة النزاع فيها 3000 درهم( )، وهذا ما أكده الفصل 19 من ق.م.م جاء فيه "... وابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف في جميع الطلبات التي تتجاوز هذا المبلغ –أي مبلغ 3000درهم-"، وبالتالي فالأحكام التي تقل قيمة النزاع عن 3000درهم لا تقبل الاستئناف، وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف بالرباط في قرار لها حيث جاء فيه: "بمقتضى الفصل 19 ق.م.م فإن الاستئناف المرفوع في مواجهة حكم الابتدائي بت في المسؤولية التقصيرية في إطار طلب تعويض في مبلغ أقل من 3000درهم، هو استئناف غير مقبول من الناحية الشكلية" ( ).
ثانيا: الأحكام التي لا يمكن تقدير أو تحديد قيمة النزاع فيها( )، وهو ما يستفاد من الفصل 12 من ق.م.م. حيث جاء فيه "يبث ابتدائيا إذا كانت قيمة موضوع النزاع غير محددة"، وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى في قرار له: "لئن كان مقال الدعوى يتعلق بالنفقة لأقل من 3000درهم، فإن ارتباطها بالدفع بالطلاق المسقط بالنفقة وبالرد عن هذا الدفع بإدعاء الإرجاع وهي طلبات غير محددة يجب البث فيها بالقبول أو الرفض، فإن الحكم الصادر في هذا النزاع يكون قابلا للاستئناف، وإن فصل في دعوى النفقة فقط دون أن يتناول الدفوع التي أثيرت حولها"( ). وما يستنتج من هذا القرار أنه وإن كانت قيمة النزاع بخصوص دعوى النفقة محددة ولا يقبل بخصوصها الاستئناف لأنها اقل من 3000درهم، لكن ارتباطها بطلبات أخرى غير محددة القيمة تجعل قيمة النزاع في مجموعها غير محددة، وهنا نشير إلى أن العبرة أثناء تحديد قيمة النزاع أو الدعوى بالطلبات مجتمعة لا بأجزائها ، وهو ما يجعل الحكم الصادر في القضية اعلاه يقبل الاستئناف.
ثالثا: الأحكام التمهيدية الصادرة قبل الفصل ف الجوهرة تقبل هي الأخرى الطعن بالاستئناف من ذلك مثلا الأحكام التي تقضي بإجراء خبرة أو معاينة أو أداء يمين، لكن شريطة أن تكون الأحكام الفاصلة في الجوهر والمرتبطة بها قابلة للاستئناف، وأن يكون الطعن في هذه الأحكام التمهيدية في وقت واحد مع الأحكام الفاصلة في الجوهر،وضمن نفس الآجال، هذا ويجب ألا يقتصر مقال للاستئناف صراحة على الحكم الفاصل في الموضوع فقط بل يتعين ذكر الأحكام التمهيدية التي يريد المستأنف الطعن فيها بالاستئناف( )، وهذا ما أكده الفصل 140 من ق.م.م، وصار على نهجه الاجتهاد القضائي، حيث صدر في هذا الشأن قرار المجلس الأعلى فيه: "لا يمكن استئناف الأحكام التمهيدية إلا في وقت واحد مع الحكم الفاصل في الجوهر (الفصل 140)، هذه القاعدة من النظام العام..."( )
وكذلك أيضا قرار لمحكمة الاستئناف بالبيضاء جاء فيه :"استئناف الحكم القضائي بإجراء خبرة لتقويم الكراء غير مقبول بناء على مقتضيات الفصل 140 من ق.م.م الذي ينص على أنه لا يمكن استئناف الأحكام التمهيدية إلا في وقت واحد مع الأحكام الفاصلة في الموضوع وضمن نفس الآجال"( ).
رابعا: الأحكام التأويلية أو التفسيرية التي تصدرها المحكمة لتفسير حكم معين ولا يمكن استئنافها إلا إذا كانت الأحكام موضوع التأويل نفسها قابلة للاستئناف.
خامسا: إلى جانب كل هذا تدخل أيضا ضمن نطاق الاستئناف، الأحكام التي تسجل باتفاق الأطراف وتثبت العقود القضائية المقامة بينهم، غير أن ذلك يقتصر على الحالة التي يكون فيها وجود هذا الاتفاق موضوع نزاع، بالإضافة كذلك إلى الأحكام التي تدخل ضمن العمل الولائي للمحكمة، كما هو الحال مثلا بالنسبة للأحكام الصادرة في المنازعات من طرف المتصرفين الخارجين عن الخصومة، وأيضا الأوامر المبنية على طلب، لكن استئناف هذه الأوامر لا يكون إلا في حالة الرفض وهذا ما يتبين من خلال الفقرة الثانية من الفصل 148 من ق.م.م( ).
سادسا: الأحكام القضائية الصادرة في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية والمعاشات الممنوحة في نطاق الضمان الاجتماعي، وهو ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 21 من ق. م. م، ونشير هنا إلى أن هذه الأحكام تعتبر ابتدائية، أي تقبل الاستئناف بغض النظر عن قيمة الدعوى( ).

الفقرة الثانية: إجراءات الاستئناف وقواعدها


بداية لا بد من الاشارة الى ان طلب الاستئناف لا يمكن أن يقدم إلا من شخص تتوافر فيه شروط الادعاء من صفة ومصلحة وأهلية، وذلك ضد شخص كان طرفا أو ممثلا في الدعوى الابتدائية وله مصلحة تتأثر بهذا الاستئناف( ).
هذا دون إغفال الأشخاص الذين يحق لهم التدخل في الاستئناف والذين حصرتهم المادة 144 من ق.م.م في الذين لهم الحق في استعمال تعرض الغير الخارج عن الخصومة( )، لكن كل ما قيل أعلاه لا يمكن أن يتم إلا باحترام مجموعة من الإجراءات من بيانات المقال، وكيفية تقديم هذا الأخير، وميعاده، وإجراءات النظر فيه (أولا) مع ضرورة الالتزام ببعض القواعد التي تحكم الاستئناف (ثانيا).

أولا: مقال الاستئناف وإجراءات النظر فيه:


انطلاقا من مقتضيات الفصلان 141 و142 ق.م.م،فإنه يجب أن يقد طلب الاستئناف بمقال مستوف لمجموعة من الشروط، وهكذا فإنه يتعين أن يتضمن المقال الاستئناف الاسم العائلي والشخصي وصفة أو مهنة وموطن أو مكان إقامة كل من المستأنف أو المستأنف عليه، وكذا اسم وصفة وموطن الوكيل عند الاقتضاء، وإذا تعلق الأمر بشركة يذكر في المقال اسمها وعنوانها ومركزها( )، وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قرار له، حيث قضى "يتعرض للنقض قرار محكمة الاستئناف التي قبلت المقال الاستئناف المقدم إليها رغم مخالفته لنص الفصل 142 من ق.م.م، بخلوه من بيان صفة المستأنف أو مهنته، وموطنه أو محل إقامته"( ). هذا ويجب أن يتضمن المقال الاستئنافي أيضا بيان موضوع الحكم المستأنف، تاريخه والمحكمة التي أصدرته، وأن يبين إلى جانب ذلك وقائع الدعوى والأشياء التي يعيبها على الحكم( )، مع إرفاقه بالمستندات التي يريد الطالب استعمالها بالمقال، وهنا نستحضر قرارا للمجلس الأعلى جاء فيه: "إن مجرد تقديم طلب الاستئناف الخالي من البيانات الإلزامية المنصوص عليها في الفصل 142 ق.م.م. والمتعلقة بذكر الوقائع وأسباب الاستئنافي يؤدي إلى البطلان( ).
وإذا تعدد المستأنف عليهم، وجب غرفاق المقال بعدد النسخ الكافية والمطالبة لعدد الأطراف المستأنف عليهم وذلك من أجل تسهيل مهمة كتابة ضبط محكمة الاستئناف بخصوص التبليغ الذي ستقوم به لمختلف الأطراف( )، كما ينبغي على المستأنف إرفاق مقاله بنسخة من الحكم المطعون فيه، على أن عدم الإدلاء بهده النسخة لا يترتب عليه عدم قبول الاستئناف مادام المشرع يلزم كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف بطلبها من المحكمة الإبتدائية مصدرة الحكم( )، وهو ما أيده المجلس الأعلى في قرار له جاء فيه ... إن المحكمة التي صرحت بعدم قبول استئناف المستأنف بعلة أنه لم يرفق مقاله بنسخة من الحكم المستأنف رغم إشعاره، تكون قد خالفت مقتضيات الفصل 142 ف.م.م وعرضت قرارها للنقض"( ).
وإلى جانب البيانات السابق ذكرها يجب أداء الرسوم القضائية الواجبة والمفروضة على مقالات الاستئناف داخل أجل الاستئناف وذلك تحت طائلة عدم القبول( )، وهو ما يستشف من الفصل 528 ق.م.م، وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى "من الثابت أن الطاعنة التي بلغت بالحكم الابتدائي قد صرحت باستئنافه أمام كتابة الضبط داخل الأجل، إلا أنها لم تؤيد الوجيبة القضائية عن هذا الطعن إلا بعد انصرام أجل الاستئناف، ولهذا كانت المحكمة على صواب حين طبقت الفصل 528 من ق.م.م وصرحت بعدم قبول الاستئناف"( )
وهكذا وباستجماع المقال الاستئنافي لمجموع هذه البيانات التي تعتبر من النظام العام( )، يتم وضعه بكتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم المطعون فيه( )، وذلك داخل الأجل المنصوص عليه قانونا( )، ومن طرف المحامي أو من له الإذن بالتقاضي( )، وبعد وضع هذا المقال، تقوم المحكمة الابتدائية المصدرة الحكم بإحالة المقال مع ملف القضية على كتابة ضبط محكمة الاستئناف، ويقوم الرئيس الأول لهذه المحكمة بتعيين مستشار مقرر يسلم له ملف القضية في ظرف 24 ساعة، ويقوم هذا المقرر بدوره بإصدار قرار بتبليغ نسخة من مقال الاستئناف إلى الطرف المستأنف ضده مع تنبيهه إلى وجوب تقديم مذكرات دفاعه قبل الجلسة التي يحدد له تاريخها، وإذا عرضت القضية في الجلسة الأولى دون تقديم المستأنف ضده لمستنتجاته الكتابية، صدر الحكم في الدعوى غيابيا، أما إذا قدمها فإن المحكمة تأمر بإرجاع القضية إلى المستشار المقرر الذي يتعين عليه اتخاذ كافة الإجراءات لجعل القضية جاهزة للحكم فيها، فإذا انتهى من التحقيق، وأدلى الأطراف بكل ما لديهم من وسائل الدفاع، أصدر المستشار المقرر أمرا بتخليه عن الملف، وحدد تاريخ الجلسة، وبلغ هذا الأمر للأطراف( ).

ثانيا: منع تقديم الطلبات الجديدة في الاستئناف:


حسب الفقرة الأولى من الفصل 143 ق.م.م فإنه يمنع تقديم أي طلب جديد أثناء النظر في الاستئناف باستثناء طلب المقامة أو كون الطلب الجديد لا يعدو أن يكون دفاعا عن الطلب الأصلي، وهكذا يعتبر طلبا جديد، كل طلب يؤدي إلى تحوير موضوع النزاع أو الزيادة فيه، أو إحداث تعديل في صفة الخصوم، وبالتالي لا يستطيع المستأنف –مثلا- الذي سبق أن طلب في المقال الابتدائي أداء الكراء والتعويض عن التماطل، وحكم له بالأداء وحده واستأنف الحكم مطالبا بالتعويض، فإنه لا يقبل منه إضافة طلب الإفراغ في المرحلة الاستئنافية ولو حدثت أسبابه بعد صدور المستأنف( ) وفي هذا الصدد قرر المجلس الأعلى بأن : "المقصود بالطلب الجديد في المرحلة الاستئنافية هو الطلب الذي من شأنه أن يحول موضوع النزاع أو يدخل زيادة عليه..."( )
والغاية من منع تقديم طلبات جديدة في طور الاستئناف الحرص على أن تكون القضية واحدة، لأن من شأن هذه الطلبات الجديدة أن تحور القضية وتخرجها من إطارها الأصلي الذي يختلف عن الصورة الأصلية التي قدمت بها، هذا فضلا عن أن ذلك يفوت درجة من درجات التقاضي، إذ من المفيد للأطراف النظر في الطلب على درجتين( )، إلى جانب ذلك لابد من الإشارة إلى أن قاعدة المنع هاته، تقوم على مبادئ تحكم نظام الطعن بالاستئناف كمبدأ ثبات النزاع الذي يعني أن النزاع ينبغي أن ينتقل بكافة عناصره من المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف دون تغيير أو تبديل، وكذا مبدأ سيادة الخصوم وحريتهم في الدفاع، وهو ما يعني أن الخصومة المدنية ملك لأطرافها ولا يجوز بالتالي للقاضي التدخل في تغيير عناصرها( ).
لكن رغم كل هذه الاعتبارات المهمة التي كانت وراء منع تقديم طلبات جديدة في الاستئناف فإن المشرع، وضع استثناءات على هذه القاعدة وسمح بتقديم طلبات جديدة ، والتي نذكر من بينها طلبات المقاصة والدفاع عن الطلب الأصلي (الفصل 143 ق.م.م./1)، طلبات الفوائد وربع العمرة والكراء والملحقات الأخرى المستحقة منذ صدور الحكم المستأنف (الفقرة الثانية من الفصل 143 ق.م.م)، طلب تعويض الأضرار الناتجة بعد صدور الحكم المستأنف (الفصل 143 ق.م.م)( )،
هذا ولا يفوتنا أن نشير على أنه لا يمكن للشخص أن يباشر الاستئناف مرتين، وهذا المبدأ أكده الاجتهاد القضائي في العديد من القرارات، فمحكمة الاستئناف بالبيضاء تقضي في قرار لها بأن "الطعن لا يمارس إلا مرة واحدة"( ) وأيضا محكمة الاستئناف بالرباط التي جاء في قرار لها بأن "الطعن بالاستئناف يمارس مرة واحدة"( ) .

المطلب الثاني: أنواع الاستئناف وآثاره


بعدما تم الحديث في المطلب الأول من هذا المبحث عن نطاق تطبيق الاستئناف والإجراءات المسطرية المتبعة بخصوصه، سنستكمل دراستنا بالتطرق إلى أنواع الاستئناف والآثار المترتبة عنه وذلك على الشكل التالي:

الفقرة الأولى: أنواع الاستئناف


بعد ما يتم التمييز بخصوص أنواع الاستئناف ما بين استئناف أصلي وفرعي، لكن وبما أن المقتضيات المتعلقة بالاستئناف الأصلي هي نفسها المتعلقة بالاستئناف عموما، سنحاول إلقاء نظرة على الأنواع الأخرى من الاستئناف، ونقصد هنا الاستئناف الفرعي (أولا) والاستئناف المثار (ثانيا) والاستئناف المقابل (ثالثا).

أولا: الاستئناف الفرعي:


في البداية لابد من الإشارة إلى أن الاستئناف الأصلي يقصده ذلك الاستئناف الذي يتقدم به المحكوم عليه في المرحلة الابتدائية لتلافي الحكم المضر بمصالحه، فيكون بذلك هو المستأنف، أما الاستئناف الفرعي فهو الذي يتقدم به المستأنف عليه الذي سبق أن حكم لفائدة ابتدائيا ولو جزئيا( )، وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى في قرار له "الاستئناف الفرعي هو الذي يكون ناتجا عن الاستئناف الأصلي وردا عليه وهو لا يتناول موضوع النزاع برمته وإنما يقتصر بقية الطلبات التي وقع إغفالها أو رفضها".( )
ونشير إلى أن المشرع المغربي نص على الاستئناف الفرعي في فصل وحيد ويتيم هو الفصل 135 ق.م.م الذي جاء فيه "يحق للمستأنف عليه رفع استئناف فرعي في كل الأحوال ولو كان قد طلب دون تحفظه تبليغ الحكم..."
وهكذا ولدراسة هذا النوع من أنواع الاستئناف سنتطرق وبشكل موجز للنقط التالية:
1-شروط الاستئناف الفرعي: لا يمكن اعتبار استئنافا ما، استئناف فرعيا إلا بتوافر مجموعة من الشروط. فمن جهة أولى فإنه لابد من وجود استئناف أصلي حتى يتم الحديث عن استئناف فرعي، إذ ومما لاشك فيه أن هذا الأخير لا يتصور وجوده منطقيا بمعزل عن الاستئناف الأصلي الذي ينبني عليه( ).
فالاستئناف الفرعي يتوقف على قبول الاستئناف الأصلي، فإذا أبطل الاستئناف الأصلي لعيب في الجوهر أو في الشكل، يجب أن يسقط الاستئناف الفرعي كذلك( )، وعلى العكس من ذلك فإن الاستئناف الفرعي يظل قائما في حالة ما إذا تنازل المستأنف الأصلي عن استئنافه، لأن هذا الأخير لا يملك حق التصرف وحده في مجموع الدعوى حتى يلغيها بمحض إرادته( )، وفي هذا الصدد صدرت العديد من القرارات عن المجلس الأعلى، من بينها القرار الذي قضى فيه ّتكون المحكمة قد خرقت الفصلين 135 و120 من ق.م.م عندما صرحت بسقوط الاستئناف الفرعي نتيجة تنازل المستأنف الأصلي عن استئنافه( )، دون إغفال أن هناك جانب من الفقه( ) يرى بأن تنازل المستأنف الأصلي عن استئنافه يؤدي إلى سقوط الاستئناف الفرعي نظرا لرابطة التبعية التي تجمع بين الاستئنافين من حيث الوجود والزوال.
ومن جهة ثانية يشترط للطعن بالاستئناف الفرعي عدم قبول المستأنف عليه للحكم الابتدائي المطعون فيه، لأنه يفترض أن المستأنف عليه إذا قبل الحكم الابتدائي فقد رضي به واكتفى بما جاء في جميع مقتضياته، وبالتالي تنازل ضمنيا عن الطعن فيه من جديد( ). لكن بالرغم من ذلك فإنه في حالة ما إذا قبل المستأنف عليه الحكم الابتدائي المطعون فيه فإنه هنا يجب التمييز بين حالتين، الأولى تتمثل في حالة ما إذا تم القبول سابقا على رفع الاستئناف الأصلي فهنا يعتبر قبول الاستئناف الفرعي أمرا بديهيا، ولو سبق أن تنازل المستأنف عليه عن مباشرة الاستئناف الأصلي( ).
وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى في قرار له: "تكون محكمة الاستئناف قد طبقت الفصل 13 ق.م.م تطبيقا خاطئا عندما لم تقبل استئناف المكتب الشريف للفوسفاط الذي سبق له أن استأنف الحكم الابتدائي ثم تنازل عن هذا الاستئناف وتقدم باستئناف فرعي بعد تبليغه بمقال استئناف خصمه"( )، أما الحالة الثانية فتتمثل فيما إذا تم القبول بعد رفع الاستئناف الأصلي وهنا لا يقبل الاستئناف الفرعي وعلة ذلك ان القبول السابق عن الطعن يعتبر قبولا معلقا على شرط عدم الطعن في الحكم بالاستئناف.أما إذا حدث هذا الطعن فقد زالت مبررات هذا القبول.( )
وإلى جانب هذه الشروط فإنه ولقبول الاستئناف الفرعي يجب أن يتم تقديمه من قبل المستأنف عليه وحده إما شخصيا وإما بالوكالة أو النيابة عنه، على أنه يقبل من طرف غير المستأنف عليه في حالة التضامن وعدم قبول النزاع للتجزئة، مع إلزامية رفع هذا الاستئناف قبل قفل باب المناقشة، لأن تقديمه بعد ذلك يؤدي إلى تأخير القضية ويكون بذلك مخالفا لمقتضيات الفصل 135 ق.م.م( )، هذا ونشير إلى أن الاستئناف الفرعي لا يرفع إلا في مواجهة المستأنف الأصلي، ولا يجوز تبعا لذلك رفعه ضد الخصوم الآخرين، إلا إذا كان هناك تضامن بين هؤلاء الخصوم وبين المستأنف الأصلي أو إذا كان النزاع غير قابل للتجزئة( ).
2- إجراءات الاستئناف الفرعي وميعاده: بخصوص الإجراءات نجد المشرع المغربي لم يبين طريقة رفع الاستئناف الفرعي، لكن ما يجري به العمل في محاكم الاستئناف هو أن المستأنف عليه يعمد إلى تضمين استئنافه الفرعي بمذكرته الجوابية التي تشكل في نفس الوقت ردا على مقال الاستئناف الأصلي، واستئنافا لشق الحكم الذي أضر بمصالحه، ويتم الإدلاء بها أمام المحكمة المستأنف لديها الحكم وتبلغ للطرف الآخر أو لمجرد وكيله بالجلسة.( )
أما فيما يتعلق بميعاد أو آجال الاستئناف الفرعي فإن هذا الأخيرلا يخضع للميعاد المقرر قانونا لمباشرة الاستئناف الأصلي وبذلك يجوز تقديمه حتى بعد فوات الميعاد المذكور –أي أجل 30 يوما- بشرط ألا يتسبب في تأخير الفصل في القضية( ). لكن، وبما أن المشرع لم ينص بشكل صريح عن هذه الآجال فإن هناك اختلافا حول اللحظة التي يبتداء منها جواز رفع استئناف فرعي، فذهب رأي( ) على أنه من الضروري تقديم الاستئناف الفرعي قبل صدور الأمر بالتخلي، وقد زكى هذا الرأي قرار للمجلس الأعلى جاء فيه "إن القانون يعطي الحق للمستأنف عليه في رفع استئناف فرعي في كل الأحوال... وأن لا يرفع بعد الأمر بالتخلي"( )، أما الرأي الثاني( ) فيسمح بممارسته ولو بعد صدور الأمر بالتخلي.

ثانيا: الاستئناف المثار :


إذا كان إقرار الاستئناف الفرعي قد أملته محاولة إحداث نوع من التوازن بين طرفي الدعوى، فإن الاستئناف المثار جاء لفائدة كل شخص تبتت مصلحته في عدم تغيير الحكم موضوع الاستئناف ولو كان غير طرف في المرحلة الاستئنافية( ).
وهكذا فهذا النوع من الاستئناف يكون له محل في حالة وجود ثلاثة أطراف على الأقل أمام المحكمة الابتدائية وذلك نظرا لتعدد وتداخل العلاقات القانونية في النزاع موضوع الدعوى، ومثال ذلك أن يمثل أمام قاضي المحكمة الابتدائية ضامن أو أكثر بالإضافة على طرفين النزاع أو أن ترفع دعوى مسؤولية ضد أكثر من شخص، ففي مثل هذه الحالات قد يرفع من خسر الدعوى استئنافا أصليا ضد أحد أطراف الدعوى متجاهلا إعلان آخرين من الممكن أن يضر بمصالحهم الحكم المحتمل صدوره من محكمة الاستئناف، ضمن حق الضامن الذي لم يعلن في الاستئناف رغم سبق مثوله إلى جانب المستأنف عليه أمام محكمة أول درجة أن يخشى احتمال تصعيد مسؤولية المستأنف فما هي وسيلته للدفاع عن مصالحه أمام هذا الخطر المحتمل؟.
كما هو معلوم فليس من حقه في هذه الحالة أن يرفع استئنافا فرعيا، لأن هذا النظام محجوز في يد المستأنف عليه وحده والضامن هنا لم يعلن في الاستئناف الأصلي، كما أن الضامن قد يتعذر عليه رفع استئناف أصلي نظرا لانقضاء ميعاد الاستئناف، هذا ولا يحق له ايضا أن يتدخل أمام محكمة الاستئناف، لأن نظام التدخل قاصر على من لم يكن طرفا في الخصومة الاصلية.
وهكذا وحفاظا على مصالح هذا الشخص خول له القانون استعمال الاستئناف المثار أو ما يسمى أيضا بالاستئناف الذي تسبب فيه الاستئناف الأصلي، ويستنتج هذا من عبارة الفصل 135 ق.م.م "ويكون كل استئناف نتج عن الاستئناف الأصلي مقبولا في جميع الأحوال"، ويخضع هذا الاستئناف عادة لنفس قواعد الاستئناف الفرعي شريطة الا يكون سببا في تأخير الفصل في الاستئناف الأصلي( )، وكما يلاحظ فبالرغم من أهمية هذا النوع من الاستئناف في حسن سير العدالة فانه لم يحظ باهتمام تشريعي مواز لأهمية، الشيء الذي يطرح أكثر من علامة استفهام أمام هذا القصور التشريعي.

ثالثا: الاستئناف المقابل:


يقصد بالاستئناف المقابل، ذلك الاستئناف الذي يرفعه أحد أطراف الدعوى مستقلا عن الاستئناف الأصلي وداخل الأجل القانوني للاستئناف، وقبل قبول الحكم ويفتح له ملف مستقلا، وبواسطة هذا الاستئناف يرد المستأنف عليه على الاستئناف الذي رفعه المستأنف، وبالتالي يكون هذا الاستئناف في صورة استئناف أصلي ثاني، لكن ولحسن سير العدالة، أو بطلب من أحد الخصوم تقرر محكمة الاستئناف ضم الملفين، فيكون كل منهما استئنافا أصليا الا أن الاستئناف الأقدم تاريخا يسمى استئنافا أصليا والآخر يسمى استئنافا مقابلا( ).
ويختلف الاستئناف المقابل عن الاستئناف الفرعي في عدة أمور، فمن جهة أولى نجد الاستئناف المقابل مستقل عن الاستئناف الأصلي فلا يتأثر بزواله، عكس الاستئناف الفرعي الذي يبقى تابعا له، ومن جهة ثانية فالاستئناف المقابل يتناول موضوع الحكم برمته وليس كالاستئناف الفرعي الذي لا يتنازل إلا الجانب الذي أضر بمصلحة المستأنف عليه، كما يختلف عنه في الآجال( ).

الفقرة الثانية: الآثار المترتبة عن الاستئناف


يرتب الاستئناف أثرين اثنين، أولهما يتمثل في كون الاستئناف يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، وثانيهما يتمثل في أنه ينقل النزاع من المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف.

أولا: الأثر الموقف:


نصت على هذا الأثر الفقرة الأخيرة من الفصل 134 ق.م.م حيث جاء فيها: "يوقف أجل الاستئناف، والاستئناف نفسه داخل الأجل القانوني التنفيذ عدا إذا أمر بالتنفيذ المعجل ضمن الشروط المنصوص عليها في الفصل 147"، وهكذا فالاستئناف المقدم بصورة قانونية يؤدي إلى وقف تنفيذ الحكم الابتدائي المطعون فيه، وهي مسألة بديهية لأن طرق الطعن العادية توقف التنفيذ.
وتجدر الإشارة إلى أن الأثر الموقف يبدأ من إيداع مقال الاستئناف بسجل المحكمة داخل الأجل القانوني، ويمتد هذا الأثر إلى حين بت محكمة الاستئناف في القضية، فإن أصدرت قرارها بالتأييد فالحكم المستأنف –أي الحكم الابتدائي- يسترجع قوته التنفيذية من جديد، وإذا قضت بإلغاء الحكم فهذا الأخير يصير عديم المفعول، ويحل محله القرار الاستئنافي الجديد( ).
وينصب الأثر الموقف على مجموع منطوق الحكم أيا كانت طبيعة الحكم، سواء كان فاصلا في الموضوع أو حكما تمهيديا بشرطة أن يستأنف مع الحكم الفاصل في النزاع.

ثانيا: الأثر الناقل:


يقصد بالأثر الناقل أن الاستئناف ينقل النزاع من المحكمة الابتدائية الى محكمة الاستئناف، ويشمل النقل كل عناصر الدعوى الواقعية منها والقانونية، ويترتب على الأثر الناقل للاستئناف أن المستأنف لا يمكنه أن يقدم أي طلب جديد أمام محكمة الاستئناف لم تنظر فيه المحكمة الابتدائية مع مراعاة الاستثناءات المقررة في هذا الصدد، كما لا يمكنه أن يدخل أي شخص جديد في الدعوى لم يكن مدخلا أمام المحكمة الابتدائية( )، كما يترتب عنه أيضا أن قضاة المحكمة الابتدائية يفقدون الاختصاص في النزاع المستأنف وبالتالي ليس لهم أن ينظروا من جديد في النزاع المذكور.( )
وبالإضافة على هذا ينتج عن الأثر الناقل نشر الدعوى أمام محكمة الاستئناف إذ تنتقل كل الاختصاصات إلى مستشاريها فيصبحون ذوي الاختصاص في القيام بكل الإجراءات اللازمة للبحث والتحقيق في القضية، وهنا لابد من بيان بعض النقد:
1- يجب على محكمة الاستئناف أن تنقيد في نظرها للدعوى بالأسباب المثارة في عريضة الاستئناف، ولا تملك الرجوع إلى دفوعات كانت مثارة ابتدائيا، وسكت عنها الخصم في الاستئناف ماعدا الدفوعات المتعلقة بالنظام العام.
2-إذا فسخت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي، وجب عليها التصدي للنزاع والحكم في جوهره إذا كانت القضية جاهزة للحكم فيها (الفصل 146 ق.م.م) أما إذا لم تكن الدعوى جاهزة للحكم فإنه يتعين على محكمة الاستئناف إرجاع الملف إلى محكمة الدرجة الأولى.
3- أن حق محكمة الاستئناف في التصدي لجوهر النزاع يشترط فيه أن تكون محكمة الدرجة الأولى التي فسخ حكمها مختصة ابتدائيا للنظر في الدعوى، فإذا لم تكن مختصة، اقتصرت محكمة الاستئناف على إلغاء الحكم على أن يبقى لمن يهمه الأمر رفع الدعوى من جديد إلى المحكمة المختصة( ).

خاتمة:


في الختام ومن خلال هذه الدراسة التي حاولنا من خلالها معالجة طرق الطعن العادية بمختلف جوانبها يمكن القول بأن هذه الطرق تكتسي أهمية بالغة نظرا لما توفره من حماية لحقوق الدفاع من جهة، ومن جهة ثانية لما تضمنه من تكافؤ بين المراكز الاجرائية للخصوم.
ومن أجل الوقوف على أهمية هذه الطرق وبغية الاحاطة بكل ما يرتبط بها، قمنا بربط الجانب النظري في هذه الدراسة للجانب العملي والتطبيقي المتمثل في القرارات والاجتهادات القضائية التي تساهم بشكل كبير في تفسير النصوص القانونية المنظمة لهذه الطرق.
ومهما يكن من أمر فإن طرق الطعن العادية ورغم فعاليتها فإنها لا زالت تعتريها بعض النواقص وتعترضها بعض الاشكاليات التي تثار أثناء التطبيق والتي كانت محل جدل فقهي وقضائي حيث لم يتم الاستقرار بشأنها على اتجاه موحد الأمر ومن تم يبقى الأمل معقودا على المشرع المغربي للتدخل لسد هذا الفراغ التشريعي حتى يتم تحقيق الهدف المنشود من إيجاد هذه الطرق في الطعن المتمثل أساسا في حماية حقوق الأفراد.

لائحة المصادر والمراجع:

1- الكتب:

 أحمد أبو الوفا، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، بيروت 1995
 أحمد خليل متطلبات إيقاف التنفيذ أمام محكمة التنفيذ ومحاكم الطعن في المواد المدنية والتجارية، دار الجامعة الإسكندرية 1996 .
 إدريس العلوي العبدلاوي: الوسيط في شرح قانون المسطرة المدنية، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء1972
 أدولف رييولط، المسطرة المدنية في شروح، تعريب إدريس ملين، (دون ذكر الطبعة ودار النشر)
 سعيد الفكهاني ومن معه: التعليق مع قانون المسطرة المدنية المغربي في ضوء الفقه والقضاء، الجزء الأول: الدار العربية للموسوعات، الطبعة الثالثة 1995-1996
 الطيب الفصايلي، الوجيز في القانون القضائي الخاص، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، 1999
 الطيب بلمقدم، الطعون المدنية في التشريع المغربي، الجزء الأول مطبعة ديديكو،سلا، طبعة 1996.
 عبد العزيز توفيق، شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي، الجزء الأول، نطبعة النجاح جديدة، الطبعة الثانية1998
 عبد العزيز حضري، القانون القضائي الخاص، طبعة 1999
 عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الخامسة 2008.
 محمد أحمد عابدين: الوسيط في طرف الطعن على الأحكام المدنية والتجارية والشرعية، دار الفكر الجامعي.
 محمد عبد الشافي إسماعيل، الاستئناف الفرعي في المواد الجنائية، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى1997.
 نبيل إسماعيل عمر، الطعن بالاستئناف وإجراءاته في المواد المدنية والتجارية، منشأة المعارف الإسكندرية، طبعة 1980


2- الأطروحات والرسائل الجامعية :

 حكيم الفرجاني، الاستئناف الفرعي في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون المدني المعمق، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق-الرباط أكدال، السنة الجامعية 2005-2006.


3- المقالات:
 عبد اللطيف التجاني، "الاستئناف المثار" مقال منشور بمجلة القصر، العدد 01، 2002
 محمد الصديقي "الاستئناف في ق.م.م "مقال منشور بمجلة المحاماة، العدد 13/1978.
 محمد الفلالي، "الأحكام التمهيدية وآثارها" مجلة رابطة القضاة، العددان 2و3 السنة 17، أبريل، شتنبر 1982 .
 محمد بلهاشمي، "الاتجاه الجديد في فهم وتطبيق الفصل 142 من ق.م.م "مقال منشور بمجلة المحامي عدد 03، السنة الثانية.
 نور الدين الجزولي، "الاستئناف التبعي" مقال منشور بمجلة المحامي، العدد16، السنة 10-1990.
 يونس الزهري: مقال بعنوان "مسطرة وقف تنفيذ الاحكا م القضائية المشمولة بالنفاذ المعجل القضائي،" مجلة المحاكمة ، العدد 2/2007.




4- المجلات والسلسلات القانونية :

 الحسين البوعيسي، كرونولوجيا الاجتهاد القضائي في قانون المسطرة المدنية، الطبعة الثانية 2004، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء.
 مجلة الإشعاع العدد 16.
 مجلة المحاكم المغربية عدد 12
 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 39
 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 53-54
 مجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 40.
 مجلة قضاء مجلس الأعلى عدد 26
 مجلة محاماة عدد 12
 النشرة الإخبارية للمجلس الأعلى، العدد 14/2004.
 وزارة العدل، طرق الطعن سلسلة الدلائل والشروع القانونية رقم 1 ، نشر والطبع جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية بالرباط






الفهرس:

مقدمة: 1
المبحث الأول: التعرض 3
المطلب الأول: ماهية التعرض. 3
الفقرة الأولى: المقصود بالتعرض وتمييزه عن باقي طرق الطعن 3
الفقرة الثانية: مجال التعرض. 5
المطلب الثاني: إجراءات التعرض وأثاره. 9
الفقرة الأولى: إجراءات التعرض. 9
الفقرة الثانية: آثار التعرض 13
المبحث الثاني: الاستئناف 17
المطلب الأول: نطاق تطبيق الاستئناف وإجراءاته. 17
الفقرة الأولى: نطاق تطبيق الاستئناف. 17
الفقرة الثانية: إجراءات الاستئناف وقواعدها 20
المطلب الثاني: أنواع الاستئناف وآثاره 24
الفقرة الأولى: أنواع الاستئناف 25
الفقرة الثانية: الآثار المترتبة عن الاستئناف 30
خاتمة: 33
لائحة المصادر والمراجع: 34
الفهرس: 37



الخميس 10 ماي 2012


تعليق جديد
Twitter