Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





الضمانات التأديبية للموظف


     

أحمد الساقوط
طالب باحث بماستر القضاء الإداري
كلية الحقوق – السويسي - سلا



الضمانات التأديبية للموظف
 
 
 
مقدمة:

يعتبر الموظف في مرافق الدولة في وضعية نظامية اتجاه الإدارة أو المرفق الذي يعمل لديه، ومن ثمة تقع عليه عدة التزامات إدارية أو وظيفة منها ما يرتبط بالجانب الأخلاقي ومنها ما يرتبط بأداء الوظيفة المسندة إليه، فالجانب الأول يوجب على الموظف أن يتحلى بأخلاق مثالية من شأنها أن تصون كرامة الوظيفة أو الجهاز الإداري الذي ينتمي إليه كأن لا يضع نفسه موضع الريبة والشبهات. والجانب الثاني من هذه الالتزامات يقتضي القيام بالعمل وفقا للضوابط القانونية المعمول بها، وأن يحترم رؤساءه وألا يفشي الأسرار الوظيفية التي تصل لعلمه بحكم وظيفته، وأن يحافظ على الأموال العمومية التي يعهد بها إليه وذلك باحترام القواعد والأحكام المالية التي تنظم النفقات العمومية.[1]
ذلك أن الوظيفة العمومية هي خدمة وطنية شريفة تناط بالقائم عليها مجموعة من الواجبات يتحملها كمقابل للحقوق المعترف له بها، لاجتناب كل ما من شأنه أن يجعلهم مدخل العقوبات. هذا وإن قوانين الوظيفة العمومية تقرر بعض المقتضيات المحددة لواجبات الموظفين والمستخدمين. كما تقرر بعض الجزاءات التأديبية عن مخالفة الالتزامات الوظيفية التي قد تصل إلى درجة المساءلة الجنائية، وقد نص المشرع المغربي في الباب الثالث من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية[2] عن حقوق وواجبات الموظفين في الفصول 13 إلى 20، حيث ألزم الموظف باحترام سلطة الدولة والتقيد بشروط ممارسة الحق النقابي ومنع عليه ممارسة أي نشاط مهني يدر عليه مدخولا إلا بموجب قرار استثنائي، كما أوجب المشرع على الموظف كتمان السر المهني وأقر مسؤوليته خلال القيام بالأعمال والمهام المسندة إليه، وكل إخلال بالواجبات الأخلاقية والوظيفية المفروضة على الموظف في المرفق العام تشكل مخالفة تأديبية تعرضه للتأديب.
من هنا يمكننا التساؤل حول الضمانات التي حولها المشرع للموظف من أجل الدفاع عن حقوقه، وكذا إسهامات القضاء لسد الفراغ القانوني خلال سريان المسطرة التأديبية ضد الموظف؟
ولمعالجة الموضوع، سنعتمد على التصميم التالي:

 
التصميم
 
المبحث الأول: الضمانات السابقة لإحالة الموظف على المجلس التأديبي
المطلب الأول: إشعار الموظف بالمخالفة المنسوبة إليه
المطلب الثاني: حق الاطلاع على الملف التأديبي
المبحث الثاني: الضمانات المواكبة لتوقيع العقوبة التأديبية
المطلب الأول: حق الدفاع أمام المجلس التأديبي
المطلب الثاني: ضمانات الموظف أمام المجلس التأديبي
خاتمة
 

المبحث الأول:
الضمانات السابقة لإحالة الموظف على المجلس التأديبي

 
إذا كان للإدارة كامل الحرية في تحريك مسطرة تأديب الموظف عند إخلاله بواجباته المهنية، أو ارتكابه لفعل أو تصرف اعتبرته حسب سلطتها التقديرية خطأ، فإن ليس لها الحق في إحالة الموظف المتهم على المجلس التأديبي دون احترام مجموعة من المقتضيات. بمعنى أنه قبل إقدام الإدارة على إحالة الموظف على المجلس التأديبي يقتضي عليها ضرورة إشعار الموظف المعني بالأمر بما هو منسوب إليه من مخالفات (مطلب أول) وتمكينه من الاطلاع على ملفه الإداري وإعداد الدفاع (مطلب ثاني).

المطلب الأول: إشعار الموظف بالمخالفة المنسوبة إليه

يعرف الفقيه Delaubadère فإنه يعتبر أن قاعدة حق الدفاع تعطي الحق للعني بالأمر في أن يكون على علم بكل تدبير مزمع اتخاذه، وكذا أسبابه ليتسنى له تقديم دفاعه.[3]
أما الأستاذ محمد الأعرج فيعرف قاعدة المواجهة بأنها ذلك التصرف الذي توجه الإدارة بمقتضاه إشعارا إلى المعني بالأمر لإخباره رسميا، بالإجراء الذي تنوي اتخاذه في حقه.[4] بمعنى ضرورة أن تحيط الإدارة المعني بالأمر بما تنوي اتخاذه في مواجهته بهدف تدارك الموقف وتصحيح وضعه وإعداد دفاعه.
 
أولا: أن تكون التهمة محددة وشاملة

تقضي أحكام الشريعة الإسلامية أن حق الدفاع لا يكون له فعالية وتأثير إلا إذا أحيط المتهم علما بالوقائع المنسوبة إليه من خلال إخطاره بكافة الوقائع المتعلقة بالتحقيق حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه إذا كان هناك مساس بأحد الحقوق المشروعة للمتهم.
فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لايوقع عقوبة على متهم إلا بعد الإحاطة علما بالتهمة المنسوبة إليه، وأمثلة ذلك كثيرة منها ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا، فقلت يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس إليك الخصمان فلا تقضي حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين له القضاء، قال: فما زلت قاضيا: أو ما شككت في قضاء بعد.
فهذا الحديث النبوي الشريف يوضح أنه لكي يمارس المتهم حقه في الدفاع عن نفسه، ينبغي أن يكون على بينة من الوقائع المسندة إليه والأدلة والقرائن القائمة ضده، وهذا يقتضي أن يقوم المحقق بإحاطته علما بها. ففي هذا الحديث تنبيه من الرسول صلى الله عليه وسلم بضرورة تمكين المدعي عليه من العلم بالادعاءات المقامة ضده وسماع وجهة نظره للوقوف على حقيقة الأمر.[5]
ويعد مجلس الدولة الفرنسي أول من كفل ضمانة المواجهة بالتهمة المنسوبة للموظف بالرغم من عدم وجود نص قانوني يقرها، حيث ذهب في قضية  veuve Trompier إلى أنه طبقا للمبادئ العامة للقانون المطبقة حتى في حالة غياب نص قانوني، فالجزاء لا يمكن توقيعه قانونا دون أن يحاط صاحب الشأن بالاتهامات الموجهة إليه حتى يعد دفاعه، وأنه يجب تبعا لذلك أن يخطر صاحب الشأن مقدما بأسس الاتهامات المنسوبة إليهن بحيث يتمكن من أن يبدي في هذا الموضوع جميع الملحوظات التي يقدر ضرورتها.
إذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد كفل هذه الضمانة للموظف فقد سلك القضاء المصري والمغربي نفس المسار، حيث أصبحت المواجهة تعتبر من بين الأسس الجوهرية لضمان حق الدفاع.[6] ومن خلال منطوق الفصول من 65 إلى 75 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المغربي نجدها لم تشر إلى قاعدة حق الإخطار المسبق، ومع ذلك تبقى قاعدة المواجهة أصلا من أصول حق الدفاع.[7]
ومن شروط المواجهة، أن تكون التهمة واضحة ولا يشوبها أي غموض، خصوصا وأن التهمة في الوظيفة العمومية تعني المخالفة التأديبية، وهذه الأخيرة كما هو معلوم مصطلح فضفاض وغير دقيق، فقانون الوظيفة العمومية لم يحصر التصرفات التي قد تصدر من الموظف والتي تشكل مخالفة تستوجب التأديب، لذلك فأثناء مواجهة الموظف بالتهمة، لا بد من وضعه أمام صورة دقيقة المعلم حول ما هو متهم به[8]، وإلا فسوف يكون الاتهام فضفاضا، وبالتالي سيتعذر عليه تحديد المنسوب إليه.

ثانيا: الإخطار المسبق بالمخالفات المنسوبة للموظف

لايجوز الاكتفاء بمواجهة الموظف دون أن تخطره الإدارة بنيتها الحقيقية، بمعنى يقتضي ذلك إعلام الموظف المعني بالأمر بالمخالفات المنسوبة إليه، وتاريخ انعقاد المجلس التأديبي وإخطاره بإمكانية الاطلاع على ملفه التأديبي وتعيني محامي لمؤازرته خلال انعقاد المجلس التأديبي، ويجب أن تكون المهلة الفاصلة بين انعقاد المحاكمة التأديبية وتاريخ الاستدعاء كافية لإعداد دفاع المعني بالأمر، ويمكن أن يكون الاستدعاء بوسائل التبليغ المحددة في الفصل 36 وما يليه من قانون المسطرة المدنية.[9]
علما أنه في حالات عديدة يتم تطبيق قاعدة الإخطار المسبق من خلال نماذج عديدة منها الخطابات الموصي عليها المصحوبة بالعلم اليقيني الشخصي أو غيرها من الوسائل التي تقدر الإدارة مدة تناسب اتباعها، وفي الغالب يتخذ الإخطار شكل رسالة مكتوبة موجهة من الإدارة إلى المعني به، إلا أنه ليس هناك ما يمنع أن يتخذ الإخطار شكل برقية تلغرافية أو مكالمة هاتفية طالما إن كان ذلك ممكنا، وقد يتحقق العلم بالإجراء باطلاع المعني وتوقعه بما يفيد العلم بذلك.
وأيا كان شكل الإخطار، يتعين أن يتضمن العناصر الكافية لتحقيق العلم بإجراء أي تحقيق علم الشخص المعني يقينا بالقرار، مع مراعاة المهلة الزمنية المعقولة لعلمه، وهو الأمر الذي يؤكد عدم قابلية الإخطار المسبق الخروج عليه أو مخالفته، اللهم إلا في الحالات التي يوجد فيها نص تشريعي صريح على خلاف ذلك.
وبالترتيب على ما سبق، فإن القضاء الإداري لم يتردد في تقرير الإلغاء للقرارات الإدارية الصادرة بالمخالفة للقيد الخاص بالإخطار المسبق، باعتباره إجراءا جوهريا يتعين مراعاته قبل إصدار الإدارة لقراراتها.
بالنظر إلى أهمية الإخطار، كضمانة إجرائية، يضع القاضي الإداري على عاتق الإدارة إثبات أن المعني بالأمر استلم بالفعل الإخطار، باعتبار أن الإخلال بهذا الإجراء هو إخلال بالمشروعية.
وهكذا، قضى القاضي الإداري بإلغاء القرار المطعون فيه "لأن هذا الأخير خال من المشروعية، لأنه لم يحترم الضمانات التأديبية المتمثلة في سابق الإخطار...."، كما جاء في حكم آخر "...إن الإخطار لم يقع بصفة قانونية، وأن المقتضيات القانونية لم تحترم من طرف الإدارة، مما جعل المقرر المطعون فيه مشوبا بالشطط في استعمال السلطة".[10]
كذلك جاء في قرار للغرفة الإدارية "وحيث أن هذا الأخير خال من المشروعية، لأنه لم يحترم الضمانات التأديبية المتمثلة في سابق الإخطار..."، كما جاء في حكم آخر "...إن الإخطار لم يقع قانونا، وأن المقتضيات القانونية لم تحترم من طرف الإدارة، مما يجعل القرار المطعون فيه مشوبا بالشطط في استعمال السلطة".[11]
إن القاضي الإداري يشترط احترام حق الإخطار المسبق حتى في حالة غياب نص قانوني، لذلك نجده قد ألغى عدة قرارات مطعون فهيا بسبب عدم احترام هذا الإجراء.

المطلب الثاني: حق الاطلاع على الملف التأديبي

إذا ما أخطرت الإدارة المعني، فإن النتيجة المترتبة على ذلك أنه يتعين عليه المبادرة للاطلاع على المطاعن الموجهة ضده، وقد يتحقق هذا الاطلاع بصورة مكتوبة، كما قد يتم بصورة شفوية، ويجب على الإدارة في هذه الحالة تمكين المعني من الاطلاع على الملف كاملا.
هذا الحق يمكن الموظف من التعرف على التهم المنسوبة إليه ومن شأن ذلك أن يسمح له بإمكانية الحوار مع الإدارة للدفاع عن حقوقه، لذا فإن السلطة الإدارية مطالبة بتبليغ الملف إلى المعني به، وهذا يعتبر بمثابة إنذار مسبق قبل إصدار العقوبة على المتهم، أما إذا امتنعت هذه السلطة عن ذلك فإن كل عقوبة تأديبية تصبح غير مشروعة بحيث يمكن إلغائها من طرف القضاء.[12]
فإذا ما تأكد القاضي من خرق هذه الضمانة فإنه عادة ما يلغي القرار، وهو ما تنبه له مجلس الدولة الفرنسي عندما جعل أمر تفحص الملف أمرا جوهريا حيث لا يمكن تعطيله لأي سبب كان كالإدعاء مثلا بعدم وجود ملف.[13] فقد جاء في حيثيات المحكمة الإدارية بالرباط. وحيث أنه بالرجوع إلى الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، يتبين انه نص على أن "للموظف المتهم الحق في أن يطلع على ملفه الشخصي بتمامه وعلى جميع الوثائق الملحقة به، وذلك بمجرد ما تقام عليه دعوى التأديب ويمكنه أن يقدم للمجلس التأديبي، ملاحظات كتابية أو استفهامية وأن يستحضر بعض الشهود وأن يحضر معه مدافعا باختياره وللإدارة أيضا حق إحضار شهود ".[14]
وهذا ما أكده المشرع الفرنسي في القانون الصادر بتاريخ 22/04/1905 في فصله 65: "حيث ورد أنه في حالة متابعة الموظف بعقوبة تأديبية له الحق في الإطلاع على ملفه الشخصي وكذا الوثائق الملحقة به.
ويتم الاطلاع على الملف التأديبي من طرف المعني بالأمر شخصيا أو من طرف محاميه ولو تضمن الملف المذكور معلومات ذات طابع سري، وفي ذلك ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في أحد قاراتها إلى أن منع محامي الطاعن من الاطلاع على ملف الإداري بدعوى أنه سري ودون أن يمكن هذا الأخير من أن يدافع عن نفسه  معززا في هذا الشأن بمساعدة المحامي الذي اختاره بهذه المهمة يشكل إخلالا جوهريا بحقوق الدفاع، وفي قرار حديث لها ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن ضمان حق المتهم تأديبيا في الدفاع عن نفسه يقتضي تمكينه من تحقيق دفاعه ومنحه أجلا كافيا ومقبولا لتحضير دفاعه بصفة شخصية أو بواسطة محاميه وأن عدم احترام ذلك يشكل إخلالا بالضمانات الأساسية ويعرض القرار التأديبي للإلغاء.
وهذه القاعدة تخول للموظف حق الاطلاع على الملف في الأجل المعقول لإعداد دفاعه، فقد لا يكفي الأجل الذي تمنحه سلطة التأديب لإعداد الدفاع، وبالتالي فإن عدم كفاية الأجل كانعدامه تماما، كما أنه إذا كان الموظف خارج البلد يكون الاطلاع بمقر القنصلية التابعة لبلده.[15]
ولقاعدة الاطلاع على الملف شروط وضوابط بحيث لاتتم هذه العملية إلا وفق مجموعة من الإجراءات تتمثل في:
1-تقديم الموظف المتهم بطلب إلى الإدارة يعلن فيه عن رغبته في الاطلاع على الملف.
2-يكون الاطلاع سريا وشخصيا مع إمكانية تخويل هذا الحق للمحامي الذي ينوب عنه.
3-شرط الاطلاع الكامل بمعنى العلم الكامل بمحتويات الملف.
4-الاطلاع على الملف يكون داخل مقر الإدارة التابع لها الموظف المتهم.
 
المبحث الثاني: الضمانات المواكبة لتوقيع العقوبة التأديبية

إن القرارات الإدارية التي تتضمن عقوبات تأديبية لا تكون شرعية إلا إذا تمكن الأفراد من إبداء ملاحظاتهم حول الإجراء الذي يعنيهم ومن تقديم وسائل دفاعهم والإدلاء بحججهم حول الوقائع المنسوبة إليهم (المطلب الأول). كما أن هناك من الضمانات ما يرتبط بحياد المجلس التأديبي وبالقرار التأديبي، الذي يجب أن يكون معللا بتوفره على عناصر واقعية وقانونية أدت لإدانة المتابع تأديبيا (المطلب الثاني).

المطلب الأول: حق الدفاع أمام المجلس التأديبي

يشكل حق الدفاع ضمانة أساسية للموظف، ورغم كون هذا الحق منصوص عليه في القانون، فإنه يعتبر من المبادئ العامة، التي ولو لم يرد نص بشأنها فإن الإخلال بها يؤدي إلى اعتبار القرار الإداري مشوبا بعدم المشروعية الموجبة للإلغاء.[16] ولحق الدفاع مقتضيات هامة نوردها في نقطتين أساسيتين:

أولا: حق الحضور أمام المجلس التأديبي

إن المقصود بحق الحضور هو استدعاء الموظف المعني بالقرار للحضور أمام المجلس التأديبي وعدم انعقاد المجلس التأديبي من أجل البت في الملف إلا بحضور المعني بالأمر، فحضور هذا الأخير إجراء أساسي لأنه سيمكنه من الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات المنسوبة إليه. ولا شك أن لهذا الإجراء ضوابط تنظمه، ولاشك أيضا أن القضاء حريص على حماية هذا الحق، وتتمثل هذه الضوابط في:
-يقتضي حضور الموظف المتهم أمام المجلس التأديبي استدعاءه من طرف السلطة التأديبية التي تبعث بالاستدعاء إلى محل إقامة الموظف المتهم.
-توصل المعني بالأمر بنفسه بالاستدعاء والتوقيع عليه.[17]
-استدعاء الموظف المتهم من أجل سماع أقواله داخل أجل معقول
-للموظف الحق في الحضور شخصيا جلسة التأديب، وله أن يكلف أحد من زملاءه الموظفين لينوب عنه إذا ما تعذر عليه ذلك لسبب من الأسباب.
هناك حالات يبث فيها المجلس التأديبي غيابيا، وفي حالة الموظف الموقوف عن العمل بسبب الاعتقال وصدر في حقه حكم قضائي نهائي قضى بسجنه لمدة طويلة، وبالتالي لا يمكن للإدارة انتظار خروجه من السجن للبث في ملفه ما دام الحكم الصادر ضده يقضي باتخاذ عقوبة العزل في حقه، وحالة الموظف الذي تخلف عن حضور المجلس التأديبي لمرتين متتاليتين رغم توصله بالاستدعاء والتوقيع عليه، دون الإدلاء بأي مبرر قانوني يسمح بتأجيل البث في ملفه.
إن اتخاذ عقوبة من غير حضور المعني بالقرار من شأنه أن يحدث مساسا خطيرا بحق الدفاع، وهذا ما أكدته أحكام القضاء الإداري، فقد صدر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدة قرارات تبطل القرارات التأديبية التي اتخذتها الإدارة[18] في شأن الموظفين دون استدعائهم للحضور أمام المجلس التأديبي. فقد جاء في قضية الشريفي مصطفى "أن الطاعن يعيب على القرار خرقه للفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ذلك أن الإدارة لم تستحضره أمام المجلس التأديبي للدفاع عن حقوقه قبل إنزال العقوبة المتخذة في حقه...".[19]
-إن القضاء الإداري اعتبر عدم استدعاء الموظف المتهم للحضور أمام المجلس التأديبي خرقا لمبدأ حقوق الدفاع، حيث ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قضية خدراني حسن حيث قضت بتأييد الحكم المستأنف والصادر عن المحكمة الإدارية بوجدة والقاضي بإلغاء القرار التأديبي الصادر في حق الطاعن. "... وحيث أن الثابت من أوراق الملف وخاصة ما أدلت به الإدارة... وأنها لم تدلي بما يثبت توصل المدعي بذلك الكتاب أو محضر مجلس التأديب لم يتضمن بدوره ما يفيد استدعاء المدعي ولا مثوله أمامه للدفاع عن نفسه ".[20]
من خلال ما سبق، يتضح لنا أن القاضي الإداري حريص كل الحرص على أن تحترم الإدارة حق الموظف المتهم في الحضور أمام المجلس التأديبي، وإذا أخلت الإدارة بهذه القاعدة، فإنه يحق للقضاء الإداري إلغاء قراراتها.

ثانيا: الحق في الاستعانة بمدافع وشهود

يعتبر حق الدفاع المخول للموظف للدفاع عن نفسه ضد الاتهامات المتابع بها من الضمانات الأساسية المقدمة إليه، ويعتبر ضمن المبادئ العامة للقانون التي تلزم الإدارة باحترامها، ولقد أكد ظهير 24 فبراير 1958 هذا الحق، وجسده في مجموعة من الإجراءات التي سيستفيد منها الموظف المتابع تأديبيا.[21]
وبالنظر لفاعلية حق الاستعانة بالمحامي كضمانة إجرائية لرقابة فعلة في إطار قاعدة حق الدفاع، يحرص القضاء الإداري على أحقية المعني بالقرار في إحضار محام باختياره، وذكر الشهود.[22] وقد نص على هذا الإجراء بعض النصوص التشريعية منها على سبيل المثال، في المغرب، المقطع الأخير من الفصل 67 من انظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. إن إتاحة الفرصة للمتهم لإحضار مدافع عنه أمام المجلس التأديبي ذو أهمية كبيرة، لكون المحامي يكون أكثر دراية وإلماما بالقانون من الموظف.
لذلك فالسماح  للموظف المتهم بأن ينصب محام من شأنه أن يجعل الموظف في وضع صريح اتجاه طريقة دفاعه، ولكون الموظف يكون في أغلب الأحيان على غير دراية بالإجراءات القانونية. وتقرر هذا الحق في فرنسا بمقتضى بعض النصوص التشريعية الخاصة كالمادة 6 من مرسوم الإدارة العمومية الصادر في 10 أبريل 1954، والتي تقرر بموجبها " أن المحامين يباشرون وظيفتهم دون تصريح...أمام كل هيئات التأديب".
عمل القضاء على مد نطاق تطبيق هذه القاعدة بنوع من الصرامة وذلك منذ مدة طويلة، فقد ألغت الغرفة الإدارية قرار عزل الطاعن بسبب عدم تمكينه من الدفاع عن نفسه ومصحوبا بمحام من اختياره.[23] علما أن مجلس الدولة الفرنسي، عمل على مدى نطاق تطبيق هذه القاعدة واعتبرها ذات مدى عام ولا تحتمل الاستثناء إلا في حال، حينما تكون مساعدة المحامي تتعارض مع الهيئة التأديبية أو تكون هذه المساعدة مستبعدة بنص صريح.
وقد كان هذا لاستثناء الأخير محلا للنقد من طرف الأستاذ MAESTRE بقوله: "أنه يمكن التغلب على ذلك بأنه لما كان المجلس قد عمم مبدأ الاستعانة بمحام ما لم ينص على عكس ذلك، فإنه انطلاقا من هذا المفهوم، يجب أن يكون حق الموظفين الذين لا يخضعون للنظام العام للوظيفة أن يحضروا معهم أثناء الاطلاع على الملف محاموهم وذلك لتحقيق الفعالية من الدفاع".[24]
كما أنه ونظرا لأهمية شهادة الشهود فإن غالبية التشريعات تنص على أنها من مقتضيات حق الدفاع ومظاهره الأساسية أن يسمح للموظف المتهم بإحضار شهود النفي، ذلك ما أقره المشرع المغربي في آخر الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية "... وأن يستحضر بعض الشهود".
والقضاء الإداري المغربي يحرص على ممارسة الموظف المتهم حق إحضار الشهود في إطار قاعدة حق الدفاع، وأي إغفال أو حرمان من هذا الحق يعد تجاوزا في استعمال السلطة، وإخلالا جوهريا بمبدأ حق الدفاع. فقد قضت محكمة الاستئناف بالرباط في قرارا لها ما يلي: "إن رفض الإدارة اختيار الموظف أحد الأشخاص للدفاع عنه أمام المجلس التأديبي بدعوى أنه ينتمي إلى هيئة نقابية يجعل القرار الإداري المتخذ في حق الموظف المذكور متسما بتجاوز السلطة لخرق حقوق الدفاع الذي يشكل ضمانة من الضمانات المنصوص عليها في الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الذي لايستثني المنتمي إلى هيئة نقابية من أن يكون مدافعا عن الموظف ".[25]
إن لشهادة الشهود دور كبير في إثبات التهم المنسوبة إلى الموظف أو نفيها، لذلك يتعين تمكين الموظف من إحضار الشهود من أجل تحقيق دفاعه، وعدم استبعاد هذا لأي سبب من الأسباب، بل يجب تمديد قابلة القاضي الإداري لمعرفة ما إذا كان غياب الشهود في بعض الحالات يرجع إلى ضغوطات أو تهديدات مادية أو معنوية.

المطلب الثاني: ضمانات الموظف أمام المجلس التأديبي

تقوم اللجان الإدارية متساوية الأعضاء بمهمة المجلس التأديبي خلال المسطرة التأديبية، وتعتبر هذه اللجان كإحدى الهيئات المؤطرة للموظفين، ومن بين الاختصاصات الاستشارية الأساسية والجوهرية هو قيامها بدور المجلس التأديبي في معظم العقوبات المطبقة على الموظف المخل باستثناء عقوبتي الإنذار والتوبيخ، بالإضافة إلى اختصاصات أخرى، وذلك لكونها تتكون من نوعين من الأعضاء ممثلي الإدارة وممثلي الموظفين، وبالتالي تندرج ضرورة استشارتها خلال المسطرة التأديبية ضمن الضمانات المقدمة للموظف حتى لا تستأثر السلطة المقررة باتخاذ القرار.
ونشير مثلا أنه فيما يتعلق بالأساتذة الباحثين فإن قرارات ترسيمهم وترقيتهم وتأديبهم تتخذ بعد استطلاع رأي اللجان المتساوية الأعضاء بناء على اقتراح اللجان العلمية للمؤسسات الجامعية المعنية.[26] وعموما فإن تمتيع الموظف بضمانات تأديبية خلال مثوله أمام المجلس التأديبي يقتضي حياد هذا المجلس، كما يجب على القرارات الصادرة عنه أن تكون قرارات معللة.

أولا-حياد أعضاء المجلس التأديبي

مما لاشك فيه أنه لا جدوى ولا فائدة من إعلام الموظف بالتهم المنسوبة إليه وسماع أوجه دفاع ما لم تتصف هيئات التحقيق والمحاكمة بالحيدة والنزاهة، فمن بديهيات الحيدة أن لا تكون الإدارة خصما وحكما في ذات النزاع، فالمواجهة العادلة تقضي أن لا يبدي الخصوم أوجه دفاعهم بحرية فقط، بل يتعين أن لا تبدى تلك الآراء في الفراغ، لذا يتوجب احترام المبدأ الأساسي القاضي بأن لا يكون نفس الشخص خصما وحكما في ذات النزاع، وأن يتمتع الموظف المتهم بحق الرد، وعلة ذلك أن مخالفة ذلك المبدأ الجوهري ووسائل تطبيقه تؤدي إلى إفراغ الضمانات التأديبية من مضمونها ومحتواها وجعلها مظاهر خارجية بلا معنى حقيقي.[27] وإذا كان المشرع المغربي في قانون الوظيفة العمومية وفي المرسوم المنظم للجان الإدارية المتساوية الأعضاء لم يتحدث على عنصر الحياد خلال الحديث عن مسطرة تأديب الموظفين، فإنه لا مانع من الاستئناس بمقتضيات الفصل 295 وما يليه من قانون المسطرة المدنية المنظمة للتجريح. وعلى هذا الأساس يكون عضو المجلس التأديبي ملزما بالتنحي عن حضور الجلسة التأديبية.
-إذا كان له مصلحة شخصية في الملف التأديبي
-إذا وجدت قرابة أو مصاهرة بينه ويبن المتابع تأديبيا.
-إدا قدم استشارة أو أدلى بشهادة خلال إجراءات التحقيق
-إذا وجدت صداقة أو عداوة مشهورة بين أحد أعضاء المجلس التأديبي والموظف.
وإذا علم أحد أعضاء المجلس التأديبي بوجود سبب من أسباب التجريح عليه أن يتنحى عن حضور المجلس التأديبي ضمانا لمصداقية القرار التأديبي، ويطمئن المتابع تأديبيا لهذا القرار، علما أن تقدير ما إذا كان السبب المثار من طرف الطاعن يستوجب تنحي عضو المجلس يدخل ضمن السلطة التقديرية للمحكمة التي تقرر ما إذا كان هذا السبب قد مس عنصر الحياد أم أنه لم يكن كذلك.
وقد ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في أحد قراراتها إلى أنه من مقومات المحاكمة التأديبية ضرورة توفر عنصر الحياد في الجهاز التأديبي حتى يمكن الاطمئنان لقراره، فحضور المسؤول الذي حرر التقرير التأديبي في مواجهة الموظف ، وكذا أحد الشهود على المخالفة الإدارية بصفتهم أعضاء في المجلس التأديبي يشكل مسا بعنصر الحياد يستوجب إلغاء القرار بسبب مخالفة القواعد العامة للمحاكمات.[28]
وفي قرار للمحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 18/2/1994 ذهبت فيه إلى أن ترأس المفتش العام للمجلس التأديبي رغم أنه هو الذي حرر محضر التفتيش المستند إليه في تأديب الطاعن جعل من الرئيس المذكور خصما وحكما وأبعده عن الحياد والتجرد الذي  كان يجب أن يتحلى بها مما أضفى على القرار المطعون فيه صبغة عدم المشروعية المتجلية في فقدان الطاعن للضمانات التي يوفرها القانون للموظف المتابع تأديبيا.[29]
وفي قرار حديث أكدت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء نفس المبدأ بتاريخ  11/2/2005 ملف رقم 830/2005، بقولها تشكيل المجلس التأديبي بعدد أقل من الأعضاء المحددين قانونا وعدم الإدلاء بما يفيد استدعاء باقي الأعضاء المشكلين للمجلس المذكور يشكل مخالفة قانونية ومسا بأحد الضمانات الأساسية المخولة للمتابع تأديبيا، إن مبدأ الحياد يقتضي أن كل من يتولى التحقيق في المخالفة التأديبية أو اتصل بأي مرحلة من مراحل الاتهام ليس له الحق في حضور المحاكمة التأديبية ... مشاركة أحد المسؤولين في اجتماع المجلس التأديبي رغم سبق إجراءه بحثا حول ما نسب للموظف المتابع تأديبيا وإبداء رأيه في المخالفة التأديبية في تقرير مقدم للإدارة يجعل عنصر الحياد غير متوفر في الجهاز التأديبي.[30]
ولا تعتبر الإحالة على المجلس التأديبي مبدأ من مبادئ القانون بقدر مل يتعين الإشارة إليه صراحة في النص القانوني من أجل التزام الإدارة به. وهو من الضمانات الأساسية للموظف، ولا يمكن لأعضاء اللجنة المتساوية الأعضاء التي تمثل المجلس التأديبي أن تقل درجاتهم الوظيفية عن درجة الموظف الماثل أمامها طبقا لمقتضيات الفصل 65 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، كما أن اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء تتميز بخاصية أساسية ألا وهي المساواة فيما يخص أعضاءها حيث تضم ممثلين عن الإدارة وكذا ممثلين للموظف الماثل أمامها.[31]

ثانيا-تعليل القرارات التأديبية:

سبب القرار الإداري هو العنصر القانوني أو الواقعي الذي يحذو بالإدارة لإصداره، فهو حالة واقعية أو قانونية تحمل الإدارة على التدخل قصد إحداث أثر قانوني معين محل القرار ابتغاء تحقيق الصالح العام وهو هدف القرار. وسبب القرار التأديبي هو ثبوت مخالفة الموظف أو العامل بمرافق الدولة للواجبات الأخلاقية والوظيفية المفروضة عليه، ويكون تدخل الإدارة لتحقيق الردعي الخاص و العام. وللحفاظ على كرامة الوظيفة أو القطاع الذي ينتمي إليه المتابع تأديبيا.
وقد استقر القضاء الإداري على أن الجزاء التأديبي كأي قرار إداري يجب أن يقوم على سبب يبرره، فإذا ثار نزاع حول ذلك، فإن للقضاء التحقق من صحة قيام الأفعال المنسوبة إلى الموظف، وهل هي مستخلصة استخلاصا سائغا من أصول تنتجها أو التكييف القانوني لهذه الأفعال على فرض حصولها، وهل تكون الجريمة التأديبية طبقا للقانون، وليس من شك أن سلطة الإدارة من هذه الناحية أو تلك ليست سلطة تقديرية بل هي سلطة محددة بحدود القانون، وتلك القيود هي رقابة قانونية وليست رقابة موضوعية تتحرى بها مدى مطابقة القرار الإداري للقانون أو عدم مطابقته إياه.[32]
ومن شروط السبب المؤدي لاتخاذ القرار التأديبي أن يكون قائما عند اتخاذه وأن يكون حقيقيا ومحددا بوقائع ظاهرة، وإذا كان سبب القرار التأديبي هو الحالة الواقعية والقانونية التي دفعت الإدارة لاتخاذ قرارها فإن ذلك يعني ضرورة توافر الظروف المادية الخاصة التي كانت السبب في اتخاذ القرار أو الشروط القانونية المؤدية لصدور هذا القرار، فمتى انعدم الباعث المادي أو القانوني كان القرار مشوبا بعيب السبب، وفي ذلك تقول المحكمة الإدارية العليا في أحد قراراتها "ومن حيث أن القرار الصادر بفصل المدعية هو قرار تأديبي يجب أن يقوم على سبب ولا يجب في هذه الحالة – كما يقول الحكم المطعون فيه ثبوت واقعة معينة مما أسند للمدعية في الشكوى وفي تقرير المباحث – إذ يكفي لتحقيق المسؤولية، وبالتالي إنزال العقاب الإداري أن تستخلص الجهة الإدارية الواقعة التي بنت عليها الجزاء استخلاصا سائغا ومقبولا من واقع الأوراق المطروحة عليها، وليس لجهة القضاء رقابة على هذا الاقتناع ما دامت الأوراق التي استخلص منها هذا الاقتناع تؤدي إليه..."[33]. والقضاء الإداري خلال رقابته لعيب السبب في مجال التأديب ملزم برقابة الوجود المادي للواقعة المؤدية للجزاء التأديبي ويقرر إلغاء القرار التأديبي متى ثبت قيامه على وقائع غير صحيحة. كما أنه ملزم بتسليط رقابته على التكييف القانوني للوقائع عن طريق التأكد من الوصف القانوني الذي أعطته الإدارة للمخالفة الوظيفية ، فمتى كانت هذه المخالفة لاتجد لها أي سند في القانون كان القرار فاقدا لأحد أهم أركانه وهو ركن السبب...[34]. وتماشيا مع ما سار عليه مجلس الدولة الفرنسي والمصري، وكذا الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بدأ القضاء الإداري يخرج عن القاعدة العامة المستمدة من حق الإدارة في اختيار الجزاء التأديبي المناسب وأصبح يراقب مدى ملائمة القرار التأديبي للمخالفات الإدارية ويقرر إلغاء هذه القرارات متى ثبت له وجود عدم تناسب بين السبب والقرار.
ففي قرارها الصادر بتاريخ 20/2/2006 أثبتت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن سلطة الإدارة في ملائمة العقوبة التأديبية للمخالفة المنسوبة للطاعن ليست مطلقة، وأن هذه السلطة مقيدة بعدم الانحراف والخطأ البين في التقدير[35] وفي إطار رقابتها على مدى ملائمة العقوبة للفعل المنسوب للموظف ذهبت على:
"... وحيث لما كان الثابت فقها وقضا أن مبدأ التناسب بين خطورة الذنب المرتكب من طرف الموظف العمومي والجزاء المقرر له في قرار التأديب في فقه القانون العام أو القانون الإداري هو صفة لعلاقة منطقية ومنسقة تربط بين عنصرين أو أكثر من عناصر القرار الإداري أو العمل القانوني العام بحيث يتعين على مصدر القرار الإداري عدم إغفاله أو الخروج عليه.
وحيث إن ما تمسكت به الإدارة من كون القرار المطعون فيه قد انبنى على إخلالات مهنية صادرة عن الطاعن أجملتها في قيامه بتبديد أوراق رسمية تتعلق بصفحات من السجل العام الخاص بالواردات على مستوى المصلحة التي كان يشرق على تسيير شؤونها فإنها أسباب لا يمكن الارتكان إليها لتقرير عقوبة العزل في حق الطاعن الذي دأب منذ التحاقه بمكتب استغلال الموانئ على العمل بتفان وجدية جعلته يتحمل مسؤوليات مهمة في المكتب الذي ينتمي إلى أسلاكه وذلك لأزيد من عشرين سنة دون أن تسجل بملفه أية خروقات وشوائب تمس بكفاءته المهنية أو الأخلاقية مما يكون معه قرار العزل الصادر في حقه متسما بالغلو في التقدير وخارقا لمبدأ التناسب الواجب توافره في الجزاء التأديبي.
وحيث إنه استنادا لما سبق بيانه يكون الطعن مرتكزا على أساس سليم، الأمر الذي يناسب التصريح باعتباره وإلغاء القرار المطعون فيه".[36]
إذن تعتبر القرارات الصادرة عن المجالس التأديبية بمثابة تصرفات قانونية تحدث آثارا مؤثرة في المراكز القانونية للموظفين الخاضعين لمسطرة التأديب، لذلك فهي تخضع للرقابة القضائية عن طريق دعوى الإلغاء هذه الدعوى التي هي موضوع القرارات الإدارية يجوز توجيهها ضد أي قرار إداري متى توفرت فيه مقومات وشروط القرار الإداري. واعتبارا لكون قرار المجالس التأديبية يصدر عن هيئة إدارية تتمتع بسلطة تقديرية في إنزال العقاب على الموظف فإن القضاء الإداري وخاصة قضاء الإلغاء له دور أساس في مراقبة هذه السلطة.[37]
 
 خاتمة
 
إذا كان الأصل هو أن الإدارة ليست ملزمة باطلاع  الأفراد على ما تنوي اتخاذه من قرارات إدارية تتعلق بهم، لأن نشاطها يرتكز على سلطتها في اتخاذ التدابير في سبيل تحقيق المصلحة العامة، فإنه لايجوز اتخاذ هذا الأصل على إطلاقه لأن الإدارة قد تصل إلى حد تجاوز السلطة، الشيء الذي يشكل اعتداءا على حريات و حقوق الأفراد.
لذلك تعتبر قاعدة حق الدفاع أحد الإجراءات و الشكليات الأساسية لمشروعية القرار التأديبي، فهذا الإجراء يضمن حماية الموظف من تعسف الإدارة.
و تعميما للضمانات التي توفرها هذه القاعدة، اعتبر القاضي المغربي أن هذه القاعدة يجب تطبيقها على الأشخاص غير الخاضعين لقانون الوظيفة العمومية.
وإذا كان أهم نطاق لتطبيق هذه القاعدة في أحكام القاضي المغربي هي القرارات ذات الطابع العقابي أو الجزائي على الأشخاص المرتبطة أو غير المرتبطة بالوظيفة العمومية، فإنه في حالات معينة حاول تمديد نطاق هذه القاعدة إلى مجالات أخرى.
و عليه، فإن اتخاذ الإدارة لبعض القرارات دون سماع لأقوال المعني و حججه إنما يعتبر إخلالا بحق الدفاع الذي يعتبر من المبادئ القانونية العامة الملزمة للإدارة حتى في حالة عدم وجود نص.
فالقاضي الإداري، بتمديده نطاق تطبيق قاعدة حق الدفاع، يبذل قصارى جهده ليتخطى عدة عراقيل و يخلف رقابة قضائية نزيهة تضمن للإدارة و للفرد حماية أكثر,
فأحكام القضاء الإداري حول قاعدة حق الدفاع، أعطت في السنوات الماضية، تفسيرا واسعا لمقتضيات هذه القاعدة، حيث وسعت من خلالها تطبيق الضمانات الإدارية، و بالتالي ضمان مشروعية القرارات الإدارية.

لائحة المراجع

الكتب:
عبدالقادر باينة، الموظفون العموميون بالمغرب، دار توبقال لنشر، طبعة 2002.
سامي جمال الدين، أصول القانون الإداري، منشأة المعارف بالإسكندرية، 2004
- محمد الأعرج، المساطر الإدارية غير القضائية، دراسة قانونية لفاعلية قواعد الإجراء والشكل في القرارات الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحيلة والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، العدد 47، 2003
- محمد الأعرج، المنازعات الإدارية والدستورية في تطبيقات القضاء المغربي، الطبعة الأولى، 2012
الحاج شكرة، الوظيفة والموظف في القانون المغربي، الطبعة الأولى، 2006
المقالات:
عبدالغني يفوت، الضمانات الأساسية في مجال التأديب، مجلة "محاكمة"، العدد الممتاز 7-8 فبراير-أبريل 2010
منية بلمليح، تأديب الموظف العمومي بين سلطة الإدارة والحق في الحماية ، المجلة المغربية للإدارة المحيلة والتنمية، عدد 86 ، ماي-يونيو 2009.
عبدالجليل عيسوني، رقابة القضاء الإداري على النظام التأديبي للموظف العمومي، مجلة القانون المغربية، العدد 17 أبريل 2011
محمد نميري – رئيس المحكمة الإدارية بمراكش "دور القضاء الإداري في حماية حقوق الدفاع بالنسبة للموظفين وفي مراقبته لملائمة العقوبة – مجلة المحاكم الإدارية – العدد 2 – أكتوبر 2005.
الأطروحات والرسائل الجامعية
مريم بنغضيفة، ضمانة حق الدفاع في الوظيفة العمومية، بين النص القانون والاجتهاد القضائي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القضاء الإداري، السنة الجامعية 2010-2011
أمجد جهاد نافع عياش، ضمانات المساءلة التأديبية للموظف، دراسة مقارنة، أطروحة استكمالا لمتطلبات درجة الماجستر في القانون العام بكلية الدراسات العليا في جامعة لنجاح الوطنية في نابلس، فلسطين 2007
كتب بالفرنسية:
-André delaubadère, traité de droit administratif, Tome 1, 14ème édition, 1996
- André Delaubadère. Traité de droit Administratif, Tome 2, 9ème édition, 1992.
-Mohamed Al yaakoubi – droit administratif marocain, Tome 2, 1992
 
الهوامش

[1] - عبدالغني يفوت، الضمانات الأساسية في مجال التأديب، مجلة المحاكمة – العدد الممتاز 7-8 الصادر سنة 2010.
[2] - ظهير شريف رقم 1.58.08 بتاريخ شعبان 1377 (1958/02/24)
[3] -André delaubadère, traité de droit administratif, Tome 1, 14ème édition, 1996, P : 316.
[4] - محمد الأعرج، المساطر الإدارية غير القضائية، دراسة قانونية لفاعلية قواعد الإجراء والشكل في القرارات الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحيلة والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، العدد 47، 2003، ص 65 و 79.
[5]- محمد الأعرج، مرجع سابق، ص 54
[6] - مريم بنغضيفة، ضمانة حق الدفاع في الوظيفة العمومية، بين النص القانون والاجتهاد القضائي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القضاء الإداري، السنة الجامعية 2010-2011، ص 20.
[7] - أنظر الفصول 67 و 68 و 69 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية
[8] - سامي جمال الدين، أصول القانون الإداري، منشأة المعارف بالإسكندرية، 2004، ص 361.
[9] - ذ. عبدالغني يفوت، الضمانات الأساسية في مجال التأديب، مجلة "محاكمة"، العدد الممتاز 7-8 فبراير-أبريل 2010، ص.
[10] - محمد الأعرج، المنازعات الإدارية والدستورية في تطبيقات القضاء المغربي، الطبعة الأولى، 2012، ص 73.
[11] - قرار الغرفة الإدارية عدد 182 بتاريخ 17 يوليوز 1974، وقرار الغرفة الإدارية عدد 468 بتاريخ 26 يوليوز 1984، منشور في رسالة لنيل الماستر في القضاء الإداري، من إنجاز مريم بنغضيفة، مرجع سابق، ص 23.
[12] - منية بلمليح، تأديب الموظف العمومي بين سلطة الإدارة والحق في الحماية ، المجلة المغربية للإدارة المحيلة والتنمية، عدد 86 ، ماي-يونيو 2009. ص 79.
[13] - الحاج شكرة، الوظيفة والموظف في القانون المغربي، الطبعة الأولى، 2006، ص 207.
[14] - قرار محكمة الاستئناف الإدارية عدد 1729 المؤرخ في 2009/07/08 ملف عدد 75/08/05
[15] - André Delaubadère-Traité de droit Administratif, Tome 2, 9ème édition, 1992.
[16] - عبدالجليل عيسوني، رقابة القضاء الإداري على النظام التأديبي للموظف العمومي، مجلة القانون المغربية، العدد 17 أبريل 2011، ص 57.
[17] - انظر المطبوع في الملحق حول نموذج للاستدعاء.
[18] - مريم بنغضيفة، مرجع سابق، ص 33.
[19] - قرار الغرفة الإدارية الغرفة الإدارية بتاريخ 31-03-1968 أورده مصطفى التراب في مقاله "المنازعات في مجال الوظيفة العمومية" المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة مواضيع الساعة العدد 14-1998، ص 40.
[20] - قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عدد 1059، بتاريخ 26-11-1998 ، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية "دلائل التيسير عدد 16 – 2001.
[21] - عبدالقادر باينة، الموظفون العموميون في المغرب، دار النشر المغربية، طبعة 2002، ص 225.
[22] - محمد الأعرج، المساطر الإدارية غير القضائية، مرجع سابق، ص 96.
[23] - قرار الغرفة الإدارية عدد 454 الصادر بتاريخ 11 مارس 1986.
[24] - محمد الأعرج، المنازعات الإدارية والدستوري في تطبيقات القضاء المغربي، 2012، مرجع سابق، ص 96.
[25] - قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد 351 بتاريخ 04/03/2009 ، مذكور في مقال محمد الأعرج، المنازعات الإدارية...، مرجع سابق، ص 69.
[26] - المادة 17 من القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4798 -21 صفر 1421 (25 ماي 2000) ص 1194.
[27] - أمجد جهاد نافع عياش، ضمانات المساءلة التأديبية للموظف، دراسة مقارنة، أطروحة استكمالا لمتطلبات درجة الماجستر في القانون العام بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، فلسطين 2007، ص 26.
[28] - حكم عدد 363 تاريخ 20/06/2001 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحيلة والتنمية عدد 54-55 ، ص 223. عبدالحق بهية ضد غرفة التجارة والصناعة والخدمات بسطات.
[29] - حكم عدد 246 بتاريخ 11/2/2008 رقم 830/2005.
[30] - عبدالغني يفوت، مرجع سابق، ص
[31] - Mohamed Al yaakoubi – droit administratif marocain, Tome 2, 1992, P 192.
[32] - محكمة القضاء الإداري قضية عدد 1386 بتاريخ 23/12/1986 (مذكور في قضاء الملاءمة والسلطة التقديرية للإدارة، د. سامي جمال الدين صفحة 187).
[33] - المحكمة الإدارية العليا 21/09/1960 المذكور في القضاء الإداري ..ولايتا الإلغاء والتعويض للدكتور محمد عبدالحميد
[34] - حكم المحكمة الإدارية بالدارالبيضاء في الملف عدد 413/02/2003 وحكمها كذلك في الملك 269/02 بتاريخ 24/09/2003.
[35] - حكم عدد 163 ملف رقم 331/05 غ
[36] - حكم المحكمة الإدارية بالدارالبيضاء عدد 824 وتاريخ 30/04/2008 في الملف رقم 621/06 غ
[37] - محمد نميري – رئيس المحكمة الإدارية بمراكش "دور القضاء الإداري في حماية حقوق الدفاع بالنسبة للموظفين وفي مراقبته لملائمة العقوبة – مجلة المحاكم الإدارية – العدد 2 – أكتوبر 2005.

الاثنين 11 فبراير 2013
12639 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter