Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الرهن االحيازي في التشريع المغربي‎


     


الزيتوني حنان
باحثة بماستر الدراسات العقارية و التعمير
كلية الحقوق بسطات



الرهن االحيازي في التشريع المغربي‎
مقدمة

يعتبر الرهن الحيازي أقدم صورة عرفها الرهن بشكل عام، منذ ظهر عند الرومان عندما تمكنوا من التمييز بين ملكية الشيء و حيازته( )، كما عرفه القانون الفرنسي هو الآخر منذ القدم ( ).
و قد تطرقت الشريعة الإسلامية هي الأخرى إلى الموضوع، و يكفي أن نستدل على ذلك بقوله تعالى : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة ٌ " ( ) إلا أن علماء المسلمين اختلفوا في الحالة التي يمكن فيها اللجوء إلى الرهن، بمعنى هل هذا اللجوء يقتصر على السفر أم يشمل الحضر( ) أيضا إلا أن السنة النبوية حسمت هذا الخلاف، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : " توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من الشعير " ( ).
أما بخصوص التشريع المغربي فنلاحظ أن المشرع المغربي أحاط الدائن العادي بنوع من الحماية و ذلك بإقرار نظام الضمان العام « Régime de gage générale » ( ).
إلا أن الدائن الحريص لا يكتفي بما يخوله له القانون من حماية و ضمان لحقوقه تجاه مدينه في إطار الضمان العام، خصوصا و أن هذه الحماية أبانت عن محدوديتها و قصورها في
توفير الثقة و الأمان المطلوبين في النشاط الائتماني( ).
لذلك، غالبا ما يعمد الدائن الحريص إلى محاولة تقوية مركزه و ضماناته تجاه مدينه و ذلك بفرض مجموعة من الشروط تضمن له استيفاء دينه عند حلول أجله، بحيث نجد هذا الأخير ( الدائن ) يعمد إلى طلب ضمان خاص تدعيما للضمان العام و درءا لكل غش أو إهمال من طرف المدين، و تدخل الضمانات الخاصة فيما يسمى بالضمانات العينية، و التي بموجبها يتم تخصيص مال معين لضمان دين معين ( ).
و تعرف الضمانات العينية في القانون المغربي بالحقوق العينية التبعية، و سميت كذلك لأنها تحتاج إلى حقوق أخرى تستند إليها و تنشأ لضمان الوفاء بها، و هي بذلك تختلف عن الحقوق العينية الأصلية و التي عددها المشرع على سبيل الحصر ( )، إضافة إلى أنها تقوم بذاتها و لا تحتاج إلى غيرها.
و يدخل ضمن الحقوق العينية التبعية الامتياز و الرهن الرسمي بأنواعه و الرهن الحيازي.
و يتميز حق الامتياز على الرهون بكونه يرتب حق الأولوية على باقي الدائنين و لو كانوا دائنين مرتهنين، ثم إنه لا يخول إلا من طرف القانون في حالات محددة حصرا ( ) و هذا خلافا لما عليه الأمر بالنسبة للرهون، إذ الأصل فيها أن يحددها الاتفاق و يحددها القانون في حدود ضيقة كما هو الشأن بخصوص الرهن الرسمي الجبري.
أما بخصوص الفرق بين الرهن الرسمي و الرهن الحيازي، فالرهن الرسمي لا يقع على المنقولات إلا استثناءا و إذا وقع على العقارات فإنه لا يقع إلا على العقارات المحفظة منها و التي في طور التحفيظ ( )، و هذا خلافا للرهن الحيازي الذي يقع على المنقولات كما يقع على العقارات سواء منها المحفظة أو تلك التي في طور التحفيظ أو حتى غير المحفظة.
علاوة على أن الرهن الرسمي لا يؤدي إلى انتقال حيازة المرهون من صاحبه، على خلاف الرهن الحيازي الذي يستوجب انتقال الحيازة الفعلية للعقار المرهون من يد المدين الراهن إلى يد الدائن المرتهن.
و الرهن الحيازي كما سبقت الإشارة يرد على المنقولات كما يرد على العقارات، و في العقارات يرد على المحفظة منها و غير المحفظة و التي في طور التحفيظ.
إلا أن دراستنا لهذا الموضوع ستقتصر على الرهن الحيازي للعقارات المحفظة، إذن ما مدى فعالية هذه المؤسسة مقارنة بباقي الضمانات العينية الأخرى ؟ ثم إلى أي حد يمكن الاحتفاظ بها ؟ و ما هي الدواعي التي جعلت المغرب يحتفظ بها في خضم الترسانة التشريعية العقارية الجديدة ؟
للإجابة على هذه الإشكالات سنقسم هذا الموضوع وفق منهجية علمية أكاديمية كالآتي :

مقدمة :
المبحث الأول : الأحكام العامة للرهن الحيازي العقاري.
 المطلب الأول : ماهية الرهن الحيازي العقاري.
 الفقرة الأولى : تعريف الرهن الحيازي العقاري و خصائصه.
 الفقرة الثانية : أركان الرهن الحيازي العقاري.
• أولا : طرفا عقد الرهن الحيازي العقاري.
• ثانيا : العقار المرهون و الالتزام المضمون بالرهن.
 المطلب الثاني : خصوصية الرهن الحيازي للعقارات المحفظة.
 الفقرة الأولى : شكلية الرهن الحيازي للعقارات المحفظة و شروط صحته.
 الفقرة الثانية : تقييد الرهن الحيازي للعقارات في الرسم العقاري.
المبحث الثاني : آثار و مكانة الدائن المرتهن في صعوبات المقاولة و انقضاء الرهن الحيازي العقاري.
 المطلب الأول : آثار الرهن الحيازي للعقارات المحفظة.
 الفقرة الأولى : آثار الرهن الحيازي العقاري بالنسبة للدائن.
• أولا : حقوق الدائن المرتهن.
• ثانيا : التزامات الدائن المرتهن.
 الفقرة الثانية : آثار الرهن الحيازي العقاري بالنسبة للمدين الراهن.
• أولا : حقوق المدين الراهن.
• ثانيا : التزامات المدين الراهن.
 المطلب الثاني : مكانة الدائن المرتهن في صعوبة المقاولة و انقضاء الرهن الحيازي العقاري.
 الفقرة الأولى : مكانة الدائن المرتهن رهنا حيازيا في صعوبة المقاولة.
• أولا : مكانة الدائن المرتهن أثناء التصريح بالديون.
• ثانيا : مكانة الدائن المرتهن رهنا حيازيا أثناء تصفية الخصوم في مخطط الاستمرارية.
 الفقرة الثانية انقضاء الرهن الحيازي العقاري.
خاتمة :


المبحث الأول : الأحكام العامة للرهن الحيازي العقاري.



عالج المشرع المغربي الرهن الحيازي العقاري بمقتضى الأحكام العامة المنصوص عليها في الفصول من 1170 إلى 1184 من ظهير الالتزامات و العقود، و قد تطرق إلى الموضوع في ظهير 2 يونيو 1915 بشأن التشريع المطبق على العقارات المحفظة في الفصول من 100 إلى 107 و الذي تم نسخه بمقتضى الفصول من 145 إلى 164 من قانون 08 . 39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، و بناء على المقتضيات القانونية التي تمت الإشارة إليها أعلاه، سنبحث ماهية الرهن الحيازي العقاري وفق الأحكام العامة و المشتركة التي تسري على العقار بصفة عامة ( المطلب الأول )، ثم نتطرق إلى الخصوصية التي يتميز بها العقار المحفظ في هذا المجال ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول : ماهية الرهن الحيازي العقاري.


من أجل التفصيل في ماهية الرهن الحيازي العقاري لا بد من تعريف هذه المؤسسة و تحديد خصائصها ( الفقرة الأولى )، ثم إن عقد الرهن الحيازي العقاري يتطلب أركانا حتى يقوم صحيحا منتجا لآثاره ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : تعريف الرهن الحيازي العقاري و خصائصه.


سنتطرق إلى تعريف الرهن الحيازي العقاري و تحديد خصائصه آخذين بعين الاعتبار مدونة الحقوق العينية، قانون 08 – 39.

أولا : تعريف الرهن الحيازي العقاري.


يقصد بالرهن بشكل عام لغة : الدوام و الثبات، يقال ماء راهن أي راكد و نعمة راهنة أي دائمة ( )، أما المعنى الشرعي فقد عرفه الحطاب بأنه : " جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع " ( ).
أما بخصوص التشريع المغربي، فخلافا لما كان عليه الأمر بمقتضى ظهير 2 يونيو 1915 المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة، عمد المشرع المغربي بمقتضى قانون 08 . 39 إلى تعريف الرهن الحيازي من خلال المادة 145 التي تنص على أن " الرهن الحيازي حق عيني يتقرر على ملك يعطيه المدين أو كفيله العيني إلى الدائن المرتهن لضمان الوفاء بالدين و يخول الدائن المرتهن حق حيازة المرهون و حق حبسه إلى أن يستوفي دينه " ( ).
و قد عرفه جانب من الفقه بأنه حق عيني تبعي يقع على عقار يضعه مالكه في حيازة الدائن أو من اتفق عليه العاقدان ضمانا للالتزام عليه أو على غيره و يخول الدائن حق حبس العقار حتى الوفاء و حق بيعه عن طريق القضاء في حالة عدم الوفاء بالاستحقاق و حق استيفاء الدين من ثمنه مقدما بالأفضلية على سائر الدائنين الآخرين ( ).
و بمقارنة التعريفين الفقهي و التشريعي نستفيد أن المشرع لم يشر إلى إمكانية انتقال حيازة الرهون إلى أحد من الغير لاتفاق العاقدان، و على اعتبار أن ليس في هذا الاتفاق ما يخالف النظام العام فلا مانع من اتفاق الراهن و المرتهن من أن تنتقل حيازة المرهون إلى أحد من الغير " أمين " عوض المرتهن، أما فيما يتعلق بأهمية الرهن الحيازي العقاري، فتتجلى في تقوية ضمانات الدائن تجاه مدينه حتى يطمئن على استيفاء دينه من المرهون و بالأولوية على الدائنين العاديين، و في هذا يقول بعض الفقه :" لا نحتاج إلى عقد رهن إلا إذا كان هناك دين يخشى صاحبه ألا يستوفيه " ( ).

ثانيا: خصائص الرهن الحيازي


يتميز الرهن الحيازي العقاري بالخصائص التالية:

أ) حق عيني : لما كان الرهن الحيازي العقاري من الحقوق العينية التبعية، فهو يتميز بخاصيتين لا وجود لهما في حقل الحقوق الشخصية، و يتعلق الأمر بميزة التتبع و الأفضلية.
و يقصد بميزة التتبع أن الدائن المرتهن أو من هو في مقامه يمكنه إذا ما انتزعت منه حيازة العقار أن يتبعه في أي يد انتقل إليها و يسترجع حيازة المرهون إلى أن يستوفي حقه.
و يقصد بميزة الأولوية أو الأفضلية أن الدائن المرتهن أو من اتفق عليه المتعاقدان يكون له حق استيفاء دينه بالأفضلية على الدائنين العاديين و كذا المرتهنين اللاحقين له في تقيد حقوقهم ( ).

ب) حق تبعي : ذلك أن الرهن الحيازي العقاري هو حق عيني تبعي، حيث لا يمكن الحديث عن وجود رهن دون وجود التزام أصلي يكون الرهن ضامنا للوفاء به، و يترتب على ذلك أن بطلان الالتزام الأصلي يؤدي إلى بطلان الرهن و قابليته للإبطال تجعل الرهن هو الآخر قابلا للإبطال، أضف إلى ذلك أن انقضاء الالتزام الأصلي يتبعه انقضاء الرهن.

ج) يؤدي إلى انتقال الحيازة: و بهذا يتميز الرهن الحيازي عن الرهن الرسمي الذي لا يؤدي إلى انتقال الحيازة إلى الدائن المرتهن، و إنما تبقى لدى المالك و يكتفي صاحب الرهن الرسمي، بتقييد حقه لدى المحافظة على الأملاك العقارية وفقا للمقتضيات القانونية المحددة بهذا الشأن.

د) غير قابل للتجزئة : و هذا ما قرره المشرع صراحة بمقتضى الفصل 106 من ظهير 2 يونيو 1915 و الذي تم نسخه بمقتضى الفصل 146 من قانون 39.18، بحيث بالرجوع إلى مقتضيات هذا الفصل نستفيد أن الرهن ضامن للدين كله و كل جزء من الدين مضمون بالرهن جملة.
لا يتوقف مبدأ عدم إمكانية تجزئة الرهن الحيازي العقاري على المتعاقدين فحسب بل يتجاوز الأمر ذلك إلى خلفهم العام( ).
فإذا أدى واحد من ورثة المدين جزء من الدين المضمون بالرهن، فلا يحق له بناء على هذا الأداء المطالبة باسترداد نصيبه في الملك محل الرهن، اللهم إذا وقع الوفاء بكامل الدين المضمون، و بالمقابل لا يمكن لأحد من ورثة الدائن الذي استوفى نصيبه من الدين أن يتنازل عن الملك موضع الرهن الحيازي إضرارا ببقية الورثة الذين لم يستوفوا دينهم بعد ( ).

الفقرة الثانية: أركان الرهن الحيازي العقاري.


يتضح من خلال التعريف الذي أورده المشرع في المادة 145 من مدونة الحقوق العينية قانون 08-39 أن عقد الرهن الحيازي العقاري لا يقوم صحيحا إلا بتوفر أربعة أركان أساسية : أطراف العقد ( ) ( أولا ) الشيء المرهون و الالتزام المضمون بالرهن ( ثانيا ).

أولا : طرفا عقد الرهن.


إذا كان الغالب هو أن يكون شخص المدين نفسه هو الراهن، فإنه لا مانع من أن يكون شخص آخر يقوم مقامه أي الكفيل العيني.
من جهة أخرى يستوجب عقد الرهن أن يكون ثمة دائنا مرتهنا أو شخص آخر يتفق المتعاقدين على أن يحوز العقار المرهون عوضا عن الدائن المرتهن. فما هي الشروط الواجب توفرها في كل من الراهن و المرتهن ؟.
" 
أ) الشروط الواجب توفرها في الراهن. "

ينص الفصل 1171 من ق.ل.ع على أنه : " لإنشاء الرهن الحيازي، يلزم توفر أهليه التصرف بعوض في الشيء المرهون ".
و بالاطلاع على مقتضيات ظهير 2 يونيو 1915 نلاحظ أن المشرع لم يحدد الشروط الواجب توفرها في الراهن و إنما ترك الأمر للمقتضيات العامة. و هذا خلاف لما وجد أن يشير إليه المشرع صراحة في الفصل 150 من م.ح.ع الذي ينص على أنه : " يجب أن يكون الراهن مالكا للمرهون و أهلا للتصرف فيه ".
و كما قد يكون الراهن هو المدين نفسه قد يكون كفيله العيني ( ) - كما سبقت الإشارة إلى ذلك – و الذي يجب أن تتوفر فيه أهلية التبرع إذا كان كفيلا بدون عوض، و أهلية التصرف إذا كانت كفالته بعوض.
هذا و إذا تعلق الأمر بأموال القاصر أو المحجور عليهم فإن الرهن لا يجوز من قبل الأولياء القانونيين أو الشرعيين إلا إذا أذن لهم القاضي بذلك. و هذا ما يستفاد من مقتضيات المادة 153 من م.ح.ع و التي تنص على أنه : " لا يجوز للأب أو الأم أو الوصي أو المقدم رهن أموال القاصر أو المحجور عليهم رهنا حيازيا إلا بإذن من القاضي ".
و يعد اشتراط أهلية التصرف في الراهن أو من يحل محله أمرا ضروريا من أجل يقوم الرهن مستوفي لأركانه و ذلك على اعتبار أن الرهن الحيازي من الأعمال الدائرة بين النفع و الضرر.
كما يجب أن يكون الراهن مالكا للشيء المرهون وفق ما نصت عليه المادة 150 كما هو مبين أعلاه، أما رهن ملك الغير فلا يصح إلا في حالات واردة حصرا نص عليها الفصل 1173 من ق.ل.ع ( )،

ب - الشروط اللازم توفرها في المرتهن.

سبقت الإشارة إلى أن المرتهن قد يكون هو الدائن الذي عقد الرهن لمصلحته كما أنه لا يوجد ما يمنع من أن يكون شخص آخر غير الدائن.
و بالاطلاع على مقتضيات ق.ل.ع و كذلك ظهير 2 يونيو 1915 و كذا مقتضيات قانون 08 . 39 من م.ح.ع لا نجد ما يتعلق بشروط المرتهن، و بناء عليه اختلف الفقه في نوع الأهلية الواجب في المرتهن بين من ذهب إلى ضرورة توفر أهلية التصرف ( ) فيما اكتفى الجانب الآخر بأهلية التمييز بهذا الخصوص ( ).
فمن قال بأن أهلية التمييز كافية علل موقفه بأن الرهن ما هو إلا ضمان للدين و بالتالي فهو نافع للمرتهن نفعا محضا، و عليه فأهلية التمييز كافية في هذا المجال، أما من قال بوجوب أهلية التصرف فقد استند في ذلك على الالتزامات التي يرتبها الرهن على المرتهن.
و نرى أن الموقف الأخير هو الصائب على اعتبار أن الرهن يرتب مجموعة من الالتزامات يستوجب عل الدائن المرتهن الالتزام بها و إلا تعرض للمسائلة ( ).

ثانيا : العقار المرهون و الالتزام المضمون بالرهن.


أ) العقار المرهون.

يجب أن يكون العقار المرهون صالحا للبيع. و هذا ما أشار إليه المشرع بمقتضى الفصل 1174 من ق.ل.ع في معرض بيان الأحكام العامة للرهن الحيازي " كل ما جاز بيعه صحيحا جاز رهنه " يضاف إلى ذلك أن من حق الدائن المرتهن عند عدم وفاء المدين بالدين طلب نزع ملكية العقار المرهون عن طريق القضاء لاستيفاء دينه من الثمن، الأمر الذي يتطلب بالضرورة أن يكون هذا العقار صالحا للتداول.
و بذلك نستبعد العقارات المحبسة و أراضي الجموع من هذا المجال على اعتبار تعذر تفويتها.
و بما أنه لا يجوز رهن العقار إلا إذا كان صالحا للبيع فلابد إذن أن يكون العقار موجودا ( ) من جهة، و مقدور التسليم من جهة ثانية لأن بيع المعدوم أو بيع ما هو غير مقدور التسليم هو بيع باطل. فلو أن الرهن وقع على عقار سبق أن تقرر استهلاكه و يتم حوزه من قبل الشخص الاعتباري الذي صدر الاستهلاك لمصلحته، فإن الرهن في هذه الحالة هو رهن باطل لأنه انصب على شيء غير مقدر التسليم إضافة إلى ذلك يجب أن تنتقل حيازة العقار المرهون من مالكه إلى الدائن المرتهن، و هذا ما يميز الرهن الحيازي عن باقي الضمانات المعينة الأخرى.

ب) الالتزام المضمون بالرهن.

يشترط في الالتزام المضمون بالرهن أم يكون صحيحا و مشروعا، و ما ذلك إلا تكريس للقاعدة التي سبق و أشرنا إليها إذ أن الرهن الذي يقوم لضمان التزام غير صحيح أو باطل يكون هو الآخر باطلا وغير صحيح.

المطلب الثاني: خصوصية الرهن الحيازي للعقار المحفظ


زيادة على الشروط السالفة يستوجب الرهن الحيازي الذي يرد على العقارات المحفظة مجموعة من الشروط الإضافية لكي يقوم الرهن صحيحا. و من أجل التفصيل في خصوصية الرهن الحيازي للعقارات المحفظة بهذا الشأن ، سنبحث في شكلية الرهن و كذا شروط صحته ( الفقرة الأولى )، على أن نفصل في تقييد الرهن الحيازي للعقارات المحفظة ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: في شكلية الرهن الحيازي للعقارات المحفظة و شروط صحته.


أولا: شكلية الرهن الحيازي للعقارات المحفظة.


بالاطلاع على مقتضيات الفصل 100 من ظهير 2 يونيو 1915 نستفيد أن المشرع جعل من الكتابة شرطا ضروريا حتى يقرر الرهن الحيازي للعقارات المحفظة. و إذا كان يؤخذ على المشرع أنه لم يحدد بمقتضى الفصل المومأ إليه أعلاه شكل الكتابة المتطلبة بحيث يمكن أن تتم في محرر عرفي أو رسمي، فإن مدونة الحقوق العينية الجديدة أوجبت أن يبرم الرهن الحيازي ضرورة في محرر رسمي و أن يكون لمدة معينة ( ).
و بذلك يكون المشرع قد سار على نفس النهج الذي نهجه في مجموعة من القوانين و ذلك بتكريسه لرسمية العقود.
و قد أحسن المشرع صنعا بهذا الخصوص إذ أبعد طائفة من المحررين الذين ليست لهم الدراية اللازمة لتحرير مثل هذه العقود التي تستدعي الإلمام بالمقتضيات القانونية الخاصة بهذا النوع من العقود.
إضافة إلى أن إفراغ الرهن الحيازي الواقع على عقار محفظ في محرر رسمي سيشكل أرضية ملائمة لضبط المعاملات بالشكل المناسب.

ثانيا: شروط صحة الرهن الحيازي للعقارات المحفظة.


عمد مشرع مدونة الحقوق العينية بمقتضى قانون 08.39 خلافا لما عليه الأمر في ظل ظهير 2 يونيو 1915 إلى وضع جملة من الشروط التي تستوجبها صحة عقد الرهن الحيازي للعقارات المحفظة. و قد تم التنصيص على هذه الشروط بمقتضى المادة 149 من م.ح.ع التي تنص على أنه : " يجب لصحة عقد الرهن الحيازي أن يتضمن ما يلي:
- هوية أطراف العقد.
- تعيين الملك المرهون ببيان موقعه و مساحته و مشتملاته و عند الاقتضاء حدوده أو رقم رسمه العقاري.
- بيان مبلغ الدين المضمون و المدة المحددة لأدائه ".
إلا أن ما يؤخذ على المشرع بهذا الخصوص هو أنه لم يحدد جزاءا لعدم توفر بيان من البيانات المشار إليها، و إذا كان يفهم من سياق المادة أن في حالة عدم توفر بيان من البيانات يكون عقد الرهن الحيازي غير صحيح، فما معنى ذلك؟ هل عقد الرهن يكون باطلا أم قابلا للإبطال؟.

الفقرة الثانية: تقييد الرهن الحيازي للعقارات المحفظة في الرسم العقاري.


بالاطلاع على مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 145 من م.ح.ع نلاحظ أن المشرع أحال على مقتضيات و أحكام الرهن إذا تعلق الأمر بعقار محفظ ( ) و قد قصد المشرع بذلك المقتضيات المتعلقة بتقييد الرهن بالرسم العقاري.
و بناء عليه يجب أن يسجل الرهن الحيازي للعقار المحفظ في السجل العقاري عملا بمقتضيات الفصول 65 و 66 و 67 من ظهير 9 رمضان 1331 كما تم تغييرها و تتميمها بمقتضى قانون 14.07 ( ). و إلا كان غير موجود بين المتعاقدين و غير نافذ في مواجهة الغير.
إلا أن التساؤل الذي يطرح بهذا الشأن هو هل العبرة بالتقييد في السجل العقاري أم بتسليم العقار المحفظ أم بهما معا للقول بترتيب الرهن لآثاره؟.
يذهب الأستاذ مأمون الكزبري بهذا الخصوص إلى القول بأن تسليم العقار المحفظ يمكن أن يكون تسليما ماديا و الذي تنتقل بموجبه الحيازة المادية فعليا كما يمكن أن يكون تسليما قانونيا عن طريق تسجيل الرهن الحيازي في السجل العقاري، و يمكن للمرتهن بناء على هذا التقييد المطالبة بتسليم العقار تسليما ماديا.
كما يضيف أنه إذا وقع التسليم المادي فإنه يحق للمرتهن مطالبة الراهن بتسجيل الرهن جبرا لدى المحافظة العقارية.( )
و يبقى أن نتساءل في ختام هذه الفقرة عن مدى لجوء المالكين للعقارات المحفظة إلى ترتيب رهون حيازية على عقاراتهم ؟.
كما هو معلوم فمن له عقار محفظ يمكنه أن يعقد عليه رهنا رسميا و بالتالي لا تنتقل حيازة العقار المرهون إلى المرتهن بل تبقى للمالك و لا حاجة إلى التذكير بالمزايا العديدة التي سيستفيد منها هذا الأخير بهذا الخصوص. و بناء عليه فعقد الرهن الحيازي على العقار المحفظ يبقى نسبيا و ذو حدود ضيقة.
بعدما بحثنا الأحكام العامة للرهن الحيازي العقاري و كذا الخصوصية التي يعرفها الرهن الحيازي للعقار المحفظ ، ما هي الآثار التي تترتب على هذا النوع من الرهن ؟ و ما هي طرق انقضائه ؟


المبحث الثاني: آثار الرهن الحيازي العقاري و مكانة الدائن المرتهن في صعوبات المقاولة و طرق انقضائه.



تناول المشرع المغربي بمقتضى ظهير 2 يونيو 1915 آثار الرهن الحيازي في الفصول من 101 إلى 103 و 106 و 107 ، و لم يخصص لانقضاء الرهن إلا الفصل 104.
أما بخصوص مدونة الحقوق العينية قانون 08.39 فقد تناولت الموضوع بنوع من التفصيل إذ خصص المشرع بموجبها الفصل الثاني من الباب الثاني لآثار الرهن الحيازي ( الفصوص من 155 إلى 160 ) كما خص فصل ثالث من نفس الباب لموضوع انقضاء الرهن.
و نحن في تحليلنا لهذا المبحث سنتبع نفس النهج الذي نهجه المشرع بمقتضى قانون 39.08 و نفصل في آثار الرهن الحيازي العقاري ( المطلب الأول ) على أن نتطرق بعد ذلك إلى مكانة الدائن المرتهن في صعوبة المقاولة و انقضاء الرهن الحيازي العقاري ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول : آثار الرهن الحيازي للعقارات المحفظة.


من أجل أن نتطرق لآثار الرهن الحيازي بشكل مفصل، سنبحث في آثار الرهن الحيازي العقاري بالنسبة للدائن المرتهن ( الفقرة الأولى )، ثم آثار الرهن الحيازي العقاري بالنسبة للمدين الراهن ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: آثار الرهن الحيازي العقاري بالنسبة للدائن المرتهن


أولا: حقوق الدائن المرتهن.


أ‌) حق حبس العقار المرهون

اعتبارا لكون الرهن الحيازي العقاري يتطلب لقيامه تسليم العقار المرهون للدائن المرتهن، فإن لهذا الأخير الحق في حبسه إلى أنه يستخلص دينه من الراهن بتمامه.
و بذلك لا يحق للمدين الذي أدى جزءا من الدين أن يطالب بحيازة جزء من العقار ( ).
و إذا كان مشرع ظهير 2 يونيو 1915 لم يشر إلى هذا الحق إلا بطريقة ضمنية ( ) فإن مشرع الحقوق العينية نص على ذلك صراحة بمقتضى المادة 155 التي تنص على أنه " يتمتع الدائن المرتهن رهنا حيازيا بحق حبس الملك المرهون ... "
و قد أشارت إلى هذا الحق أيضا مقتضيات الأحكام العدلية في معرض بيان أحكام الرهن إذ يحق للمرتهن حق حبس المرهون إلى حين فكه.
و يرى الأستاذ مأمون الكزبري أن حق حبس المرهون يشمل أيضا الزيادات التي تطرأ على العقار المرهون و التي كانت متصلة به حين إنشاء الرهن و تلك التي اتصلت به فيما بعد ( ).

ب) حق جني ثمار العقار المرهون.

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 101 من ظهير 2 يونيو 1915 نستفيد أن الدائن لا يكتسب بعقد الرهن إلا إمكانية أخذ ثمار العقار، و ذلك بالتنصيص في العقد على أن الثمار تكون كلها أو بعضها من نصيب الدائن.
إلا أن الدائن يكون ملزما بخصم سنويا من رأسمال الدين تلك الثمار التي جناها( ).
و بمقارنة الفصل 156 من مدونة الحقوق العينية بالفصل المومأ إليه أعلاه، نستفيد أن المشرع اتجه إلى وضع للدائن المرتهن إمكانية إما تسليم الثمار التي جناها إلى المدين أو الاحتفاظ بها مع ضرورة خصم ثمنها من رأسمال الدين، بمعنى أن هذه المكنة وضعها المشرع بيد الدائن حتى ولو لم يتم التنصيص على ذلك خلافا لما عليه الأمر بالنسبة لمقتضيات الفصل 101 من ظهير 2 يونيو 1915.

ج) حق مطالبة الدائن المرتهن بيع العقار لاستيفاء الدين.

يعد حق الدائن في المطالبة ببيع العقار لاستيفاء الدين أهم الحقوق التي يعمد الدائن إلى تحقيقها من عقد الرهن. و قد تم التنصيص على هذا الحق بمقتضى الفصل 1170 من ق.ل.ع في معرض تعريفه للرهن الحيازي، بحيث أشار إلى أن الرهن يمنح الدائن حق استيفاء دينه من العقار المرهون إذا لم يفي به المدين، كما تطرق مشرع ظهير 2 يونيو 1915 إلى الموضوع في الفصل 104 بحيث أعطى هذا الفصل بدوره للدائن المرتهن الحق في المطالبة بنزع ملكية مدينه بالطرق القانونية ( ).
و هذا ما كرسه مشرع مدونة الحقوق العينية بمقتضى الفصل 158 من م.ح.ع.
إلا أن ما يلاحظ بهذا الخصوص هو أن الدائن المرتهن لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يشترط تملك العقار بمجرد عدم وفاء المدين في الأجل المتفق عليه. و كل شرط يقع باطلا و العقد صحيح، و في ذلك حماية للطرف الضعيف و هو المدين الذي قد يعمد إلى قبول مثل هذا الشرط تحت وطأة عجزه عن الوفاء و لو كان مقدار قيمة العقار أكبر من مقدار الدين ( ).

د) حق الأفضلية في استيفاء الدين.

كما سبقت الإشارة إلى ذلك في معرض بيان خصائص الرهن الحيازي العقاري، يتمتع الدائن المرتهن بحق أفضلية يمكنه من استيفاء دينه مقدما على باقي الدائنين، على أنه تجدر الإشارة إلى أن أصحاب حق الامتياز لهم حق أولوية حتى على الدائنين المرتهنين ( ).
و قد أشار المشرع إلى هذا الحق بمقتضى الفصل 1170 من ق.ل.ع و كذا مقتضيات المادة 155 من م.ح.ع.
ومما تجدر الإشارة إليه بهذا الخصوص هو مقتضيات الفصل 1181 من ق.ل.ع الذي نص على أن الرهن الحيازي يمتد بقوة القانون إلى التعويضات المستحقة على الغير بسبب هلاك المرهون أو تعيبه أو بسبب نزع ملكيته لأجل المنفعة العامة.
و معنى ذلك أن حق الأفضلية يرتب للدائن المرتهن التعويض حتى في حالة تلف العقار أو تعيبه أو بسبب نزعه من أجل المنفعة العامة و يطبق نفس الحكم في الحالة التي يتملكه أحد من الغير بعد المدين الراهن.
كما أن حق الأفضلية لا ينحصر في أصل الدين بل يشمل أيضا كل المصروفات التي أنفقها الدائن المرتهن في سبيل الحفاظ على العقار المرهون.

ثانيا: التزامات الدائن المرتهن.


في مقابل الحقوق التي اشرنا إليها أعلاه يتحمل الدائن المرتهن مجموعة من الالتزامات نسردها على الشكل التالي:

أ‌) أداء التكاليف و التحملات السنوية الخاصة بالعقار.

يعتبر أداء التكاليف و التحملات السنوية التي تستوجب على العقار المرهون من الالتزامات التي تقع على عاتق الدائن المرتهن كقاعدة عامة، إلا أنه يمكن الاتفاق على خلاف ذلك بمعنى أن تبقى هذه التكاليف و التحملات على عاتق المدين الراهن. و هذا ما أشار إليه الفصل 102 من ظهير 2 يونيو 1915 ( ) و هو ما تم تكريسه في الفقرة الأولى من المادة 157 من م.ح.ع.

ب‌) القيام بالترميمات الضرورية للعقار المرهون:

يتحمل الدائن المرتهن علاوة على ما سبق الالتزام بالقيام بالترميمات الضرورية للحفاظ على العقار، إلا أن ما يؤخذ على صياغة المشرع في هذا الالتزام سواء في ذلك نص الفقرة الثانية من الفصل 102 أو الفقرة الثانية من المادة 157 أنه استعمل عبارة " ... الترميمات و الإصلاحات النافعة و الضرورية للعقار، كما يفتح المجال للدائن المرتهن للقيام بإصلاحات نافعة للعقار إلا أنها ليست بالضرورية، كما هو الحال إذا عمد هذا الأخير إلى إدخال تحسينات ليست بالضرورية لا لشيء إلا ليثقل تحملات العقار موضوع الرهن و بالتالي حرمان الدائن من استرجاع عقاره المثقل بهذه التحسينات ".

ج) حفظ المرهون و صيانته

يجب على الدائن المرتهن أن يحرص على حفظ العقار المرهون و صيانته، و هذا ما أشار إليه الفصل 107 و لو بطريقة ضمنية ( ). و بالرجوع إلى مقتضيات المادة 159 من مدونة الحقوق العينية نجدها تنص على ما يلي : " يسأل الدائن عن الهلاك أو التلف الذي قد يصيب الملك نتيجة إهماله له ".
و انطلاقا من ذلك نستفيد أن المشرع ألزم الدائن المرتهن بالحفاظ على العقار المرهون و صيانته من التلف و الضياع، إذ أنه يتحمل نتيجة إهماله تبعة الإخلال بهذا الالتزام في إطار المسؤولية العقدية.

الفقرة الثانية: آثار الرهن الحيازي بالنسبة للمدين الراهن.


أولا : حقوق المدين الراهن.


أ‌) ملكية ثمار العقار المرهون:

قلنا في إطار الحديث عن حق الدائن المرتهن في جني الثمار بأن ثمار العقار تكون للدائن شريطة أن يتم التنصيص على ذلك صراحة في عقد الرهن، و بناء عليه فإذا لم يتم التنصيص على ذلك في عقد الرهن فإن ملكية كل الثمار تكون للمالك المدين ، و هذا ما وجب أن يشير إليه المشرع صراحة بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 156 التي تنص على ما يلي: " تكون ثمار الملك المرهون لمالكه... ".

ب‌) حق المدين الراهن في استرجاع عقاره قبل حلول أجل الاستحقاق.

كما هو معلوم، فعقد الرهن الحيازي للعقارات المحفظة لا يصح إلا إذا ضمن بالعقد مقدار الدين و أجل استحقاقه، و بالتالي يكون المدين ملزم بالوفاء بالدين داخل الأجل المحدد بمقتضى العقد. إلا أن هذا لا يمنع المدين الراهن من إمكانية أن يفي بالدين الذي بذمته و استرجاع العقار المرهون تبعا لذلك قبل حلول أجل الاستحقاق، و يكون الدائن المرتهن في هذه الحالة ملزم بقبول هذا الوفاء و إلا جاز للمدين أن يقوم بعرض الدين عرضا عينيا حقيقيا ثم إيداعه بصندوق المحكمة المعنية ( ).

ثانيا: التزامات المدين الراهن.


في مقابل الحقوق التي تترتب للمدين الراهن تقع عليه مجموعة من الالتزامات تتجلى في تأدية المصروفات الضرورية التي أنفقها الدائن على الملك المرهون لديه، بالإضافة إلى تأدية التكاليف و التحملات السنوية التي أداها عنه الدائن، كما يلزم بالوفاء بالدين في تاريخ الاستحقاق، كما تمنع عليه المطالبة باسترجاع العقار المرهون إلا بعد تأدية الدين بتمامه.

المطلب الثاني: مكانة الدائن المرتهن في صعوبات المقاولة و انقضاء الرهن الحيازي العقاري.


نظرا لبعض الإشكالات التي تطرحها مكانة الدائن المرتهن رهنا حيازيا عقاريا إذا انصب محل الرهن على عقار كحصة في شركة تعاني من صعوبات المقاولة ( الفقرة الأولى ) ثم إن المشرع المغربي لم يتعرض لانقضاء الرهن الحيازي العقاري لا في قانون الالتزامات و العقود و لا في ظهير 2 يونيو 1915. إلا أن مشرع مدونة الحقوق العينية عالج الموضوع في الفصل الثالث من الباب الثاني الخاص بالرهن الحيازي في الفصول من 161 إلى 164 ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : مكانة الدائن المرتهن في صعوبات المقاولة.


قد ينصب الرهن على عقار محفظ عبارة عن حصة في شركة أو مقاولة تجارية، ثم يحدث أن تصاحب هذه المقاولة أو الشركة بصعوبات أو وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية و استثمار نشاطها التجاري.

و كما هو معلوم فمساطر صعوبات المقاولة تنقسم إلى قسمين :
مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة و التي تشتمل على مسطرة الوقاية الداخلية و مسطرة الوقاية الخارجية و التسوية الودية.
و مساطر المعالجة من صعوبات المقاولة و التي تنقسم بدورها إلى مسطرة التسوية القضائية و مسطرة التصفية القضائية، مع العلم أن مسطرة التسوية القضائية تحتوي على مخطط الاستمرارية و مخطط التفويت، الذي قد يكون إما تفويتا كليا أو جزئيا للمقاولة.
و كل هذه المساطر السالفة الذكر تكون نتيجة إعداد السنديك للحل بعد المرور من الفترة المؤقتة أو فترة الملاحظة، دون أن ننسى أن الحل المقترح من طرف السنديك لا يلزم المحكمة التي تبقى لها كامل السلطة التقديرية في تبنيه كليا أو جزئيا أو عدم تبنيه، بحيث أن المحكمة و حسب وضعية المقاولة إما أن تقوم بتبني مخطط الاستمرارية أو تعتمد مخطط التفويت بشكل كلي أو جزئي أو تقوم بتصفية المقاولة ( ).
ذلك أن المحكمة عندما تتبنى التصفية القضائية في إطار ما يسمى في صعوبات المقاولة " بفترة اختيار الحل " تكون قد وقعت على شهادة وفاة المقاولة.
و قد يتساءل البعض عن علاقة مساطر صعوبات المقاولة بالموضوع الذي نحن بصدد دراسته، نقول، إن فلسفة المشرع من وراء تبني مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة الذي يتضمن مساطر صعوبات المقاولة تهدف من جهة إلى نسخ قانون الإفلاس القديم و من جهة أخرى تضعيف مكانة الدائنين بدليل أننا لم نعد نتحدث في صعوبات المقاولة عن كثلة الدائنين بل أصبح الكلام عن مراقبين تكاد تكون صلاحياتهم ضئيلة جدا.
لكن ما يهمنا بالدرجة الأساسية هو مكانة الدائن المرتهن رهنا حيازيا في حالة تبني المحكمة مخطط الاستمرارية ( )، و أثناء التصريح بالديون.

أولا : مكانة الدائن المرتهن أثناء التصريح بالديون.


إن المشرع في إطار مساطر صعوبات المقاولة ألزم كل من الدائنين الذين يعود دينهم إلى ما قبل الحكم بفتح المسطرة، بالتصريح بديونهم داخل أجل شهرين ابتداء من نشر حكم فتح المسطرة ( مسطرة المعالجة ) بالجريدة الرسمية ( )، و ذلك تحت طائلة سقوط الدين هذا السقوط الذي يعتبر من بين أسباب انقضاء الالتزامات يمكن أن تضاف إلى أسباب انقضاء الالتزامات الواردة في ق.ل.ع، ما لم تقرر المحكمة رفع السقوط منهم وفق ما جاء في المادة 696 من م.ت ( ).
لكن الملاحظ حول هذا الإجراء، أي التصريح بالديون، هو أن المشرع خص الدائنين الحاملين لضمانات تم شهرها بضرورة إشهارهم أو تبليغهم تبليغا شخصيا من قبل السنديك بغية القيام بالتصريح بديونهم، و ما دام الدائن المرتهن رهنا حيازيا يعتبر من أصحاب الضمانات التي تم شهرها إذا كان محل الرهن عقار محفظ فإنه يتوجب على السنديك تبليغه ( الدائن المرتهن ) تبليغا شخصيا هو الآخر.

و عليه فإذا كان المشرع اشترط بداية سريان أجل الشهرين من تاريخ نشر حكم فتح المسطرة، فإنه بالمقابل لم يلزم المحكمة بالقيام بالنشر بالجريدة الرسمية بواسطة جهاز كتابة ضبطها داخل أجل معين و دون تحديد جزاء لعدم النشر، الشيء الذي يثير الإشكال التالي، لو فرضنا أن المحكمة لم تقم بنشر حكم فتح المسطرة و السنديك لم يقم بالتبليغ الشخصي لأصحاب الضمانات و منهم الدائن المرتهن رهنا حيازيا، ما الحكم في هذه الحالة ؟
محاولة منا لإزالة اللبس عن هذا الإشكال، فإنه يمكن القول بأنه ما دام المشرع اشترط أن يبلغ الدائنين أصحاب الضمانات تبليغا شخصيا ( المادة 686 من م.ت ) فالأجل يجب أن يسري عليهم ابتداء من توصلهم الشخصي حتى و لو قامت المحكمة بالنشر بالجريدة الرسمية و السنديك لم يبلغهم، فأجل الشهرين لا يسري في مواجهتهم.

ثانيا : مكانة الدائن المرتهن رهنا حيازيا أثناء تصفية الخصوم في مخطط الاستمرارية


إن الإشكال الذي يثيره الرهن الحيازي في هذا الإطار هو، هل يجوز للدائن المرتهن رهنا حيازيا حق حبس الشيء المرهون بين يديه إلى أن يستوفي دينه ؟ و هل يحق له استبداله ؟ كما يثار التساؤل حول فرضية حصول تزاحم مع دائنين ممتازين، فلمن تكون الأسبقية في حالة تفويت العقار محل الرهن في استيفاء الدين ؟
في محاولة للإجابة عن الإشكالات السالفة يرى جانب من الفقه ( ) ما يلي : فيما يخص مدى إمكانية الدائن المرتهن رهنا حيازيا ممارسة حق حبس العقار المرهون يجب التمييز بين فرضيتين :
- فرضية عدم أداء دين الدائن المرتهن في فترة الملاحظة، و كذا عدم استبدال ضمانة الدائن المرتهن ( ) فإنه لا يمكن أن نحرم الدائن المرتهن من ممارسة حق الحبس الذي تعترف به المادتين 626 و 657 من مدونة التجارة.
- فرضية عدم أداء دين المرتهن أثناء فترة التصفية إذ هنا لا يمكنه ممارسة حق الحبس لأن التصفية أساسا تهدف إلى منح جميع الدائنين حقوقهم بالأولوية و الأسبقية.
و بناء عليه فالدائن المرتهن يحتفظ بحق حبس المرهون لكن مع احترامه للآجال المفوضة خلال مخطط الاستمرارية من أجل أداء الدين المضمون. بمعنى أكثر توضيح أن الرهن الحيازي لا يندثر إلا إذا قام الدائن المرتهن باستيفاء دينه و لو أثناء مخطط الاستمرارية.
أما فيما يخص الإشكال المتعلق باستبدال الشيء محل الرهن ( العقار ) بضمانة أخرى أو بمحل آخر، فبالعودة إلى مدونة التجارة نجدها أجابت مبدئيا على هذا الأمر بإمكانية الاستبدال وفق المادة 601 السالفة الذكر، لكن نلاحظ أن الفقرة الأخيرة من هذه المادة نصت على أنه في حالة غياب اتفاق بين الطرفين يمكن للمحكمة أن تأمر بهذا الاستبدال تلقائيا، بمعنى أن هذا الاستبدال يتم بغض النظر عن إرادة الدائن المرتهن الشيء الذي يتعارض من جهة أولى مع الضمانات التي يخولها الرهن الحيازي و من جهة ثانية مع مبدأ العقد شريعة المتعاقدين ( الفصل 230 من ق.ل.ع ).
أما بخصوص إشكالية تزاحم الدائن المرتهن رهنا حيازيا مع دانين ممتازين – في حالة تفويت العقار محل الرهن – في استيفاء الدين، فإنه يجب التمييز بين فرضيتين :
- فرضية تزاحم الدائن المرتهن مع دائنين نشأت ديونهم قبل الحكم بفتح المسطرة و في هذه الحالة الدائن المرتهن رهنا حيازيا يستوفي دينه بالأسبقية.
- فرضية تزاحم الدائن المرتهن مع دائنين نشأت ديونهم بعد الحكم بفتح المسطرة، ففي هذه الحالة الدائنون يستوفون ديونهم بالأسبقية على الدائن المرتهن رهنا حيازيا.
مع العلم أننا نتحدث عن تفويت الشيء محل الرهن الذي هو العقار المرهون رهنا حيازيا، و الذي كان بين يدي الدائن المرتهن رهنا حيازيا، ومع ذلك ف إنه لا يمارس حق الأولوية أو الأسبقية في هذا الصدد، ذلك أن المادة 575 من مدونة التجارة ( ) أشارت إلى أن الديون الناشئة بعد فتح المسطرة تستوفى بالأسبقية سواء كانت مقرونة بامتيازات أم لا، و لا يمكن مخالفة هذه المادة لأنها من النظام العام.

الفقرة الثانية : انقضاء الرهن الحيازي.


تتعدد طرق انقضاء الرهن الحيازي العقاري إلى انقضاء تبعا لانقضاء الالتزام المضمون بالرهن ( أولا )، و انقضاء بغض النظر عن الالتزام الأصلي المضمون بالرهن ( ثانيا ).

أولا : انقضاء الرهن الحيازي تبعا لانقضاء الالتزام المضمون بالرهن.

لقد سبق القول أن الرهن يدور وجودا و عدما مع الالتزام الأصلي و ذلك على اعتبار أن أهمية الرهن الحيازي بالدرجة الأساسية تتجلى في ضمان الالتزام الأصلي. و بناء عليه فإذا قام المدين بالوفاء بالالتزام بتمامه خلال أجل الاستحقاق انقضى الرهن ( ) إلا أنه من أجل القول بانقضاء الرهن الحيازي العقاري يجب على المدين أن يقوم بالوفاء بالالتزام بتمامه، و قد نصت على ذلك صراحة المادة 161 من م.ح.ع بمقتضى الفقرة الثانية التي جاء فيها : " ينقضي الرهن الحيازي بانقضاء الدين المضمون بتمامه ".

ثانيا : انقضاء الرهن الحيازي بغض النظر عن انقضاء الالتزام الأصلي.


قد ينقضي الرهن الحيازي بغض النظر عن انقضاء الالتزام المضمون في حالات معينة. و لقد نص مشرع مدونة الحقوق العينية على ذلك صراحة في المادة 162 التي تنص على أنه : " ينقضي الرهن بغض النظر عن الدين المضمون في الحالات التالية :
- تنازل الدائن المرتهن عن الرهن صراحة.
- بهلاك الملك المرهون.
- باتحاد الذمة ".
و بناء على الفصل المشار إليه سلفا نستنتج أنه إذا كان الرهن الحيازي للعقارات لا ينقضي إلا بعد الوفاء بالالتزام الأصلي بتمامه كقاعدة عامة، فإنه ينقضي استثناءا و إن لم يتم الوفاء بالالتزام المضمون بالرهن، و ذلك إذا تنازل الدائن المرتهن عن الرهن و قرر الانضمام إلى باقي الدائنين العاديين، علاوة على الحالة التي يهلك فيها الملك المرهون على أنه يشترط أن يكون سبب هلاك المرهون خارج عن إرادة الدائن المرتهن كي لا يكون مسؤولا.
هذا زيادة على الحالة التي تتحد فيها الذمة أي عندما تتجمع صفتا الدائن و المدين في شخص واحد، كما لو قرر الدائن المرتهن شراء المرهون من المدين المرتهن و وافق على ذلك هذا الأخير ( المدين الراهن ).

ختاما نخلص إلى أن الرهن الحيازي إذا كان لا يزال يلعب دورا إلى حد ما في تقوية ضمانات الدائن المرتهن لعقار غير محفظ أو لمنقول فإنه لم تعد له نفس الأهمية إذا انصب الرهن على عقار محفظ و ذلك لوجود بديل عن هذا النوع من الرهن و هو الرهن الرسمي دون أن تنتقل حيازة المدين للعقار المحفظ موضع الرهن إلى الدائن المرتهن.
ثم إنه إذا انصب الرهن الحيازي على عقار محفظ حصة في شركة تعاني من صعوبات المقاولة، فإن مقتضيات صعوبة المقاولة تطبق بالأولوية على المقتضيات المتعلقة بالتقييدات للرهون لدى المحافظة العقارية، الشيء الذي يؤثر سلبا على مكانة الدائن المرتهن لعقار محفظ و ضماناته التي سعى إلى الوصول إليها بمقتضى عقد الرهن الحيازي العقاري

المراجع


الكتب :

القرآن الكريم
أحمد عبد الرزاق السنهوري : " الوسيط في شرح القانون المدني الجديد في التأمينات الشخصية و العينية " المجلد العاشر. منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الثالثة 2001.
أحمد فيغو عبد السلام : " العقود المدنية الخاصة في القانون الغربي " دار الآفاق المغربية، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2010.
أحمد شكري السباعي : " الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها " مطبعة المعارف الجديدة الرباط- المغرب، الطبعة الثانية، يونيو 2007.
مأمون الكزبري : " التحفيظ العقاري و الحقوق العينية الأصلية و التبعية " الطبعة الثالثة، 1987.
محمد ابن معجوز : " الحقوق العينية في الفقه الإسلامي و التقنين الغربي " مطبعة غير موجودة، طبعة 1990.
عبد المجيد المعلوماتي : " الرهن الحيازي بين الشريعة الإسلامية و القانون " الطبعة الأولى، مطبعة غير موجودة، 2003.
يوسف أفريل : " الرهن الرسمي العقاري (ضمانة بنكية للدائن المرتهن) " مطبعة غير موجودة، الطبعة الأولى، 2011.
الرسائل و الأطروحات :

العربي الحمشي : " المركز القانوني للدائن العادي، دراسة مدنية مقارنة " أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، وحدة التكوين و البحث في القانون، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية : 2002 – 2003.

مقالات و ندوات :

محمد متوكل، الرهن الحيازي العقاري، خصائصه و مسطرة إنجازه مقال منشور بمجلة الملف العدد 4 بتاريخ شتنبر 2004.

القوانين :

- ظهير الالتزامات و العقود 12 غشت 1913.
- ظهير 2 يونيو 1915 المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة ( تم نسخه ).
- قانون 07 – 14 المعدل و المتمم لظهير التحفيظ العقاري 12 غشت 1913 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5998 ( 24 نونبر 2011 ).
- قانون 08 – 39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية و الذي نسخ ظهير 2 يونيو 1915 يبتدئ العمل بعد ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية نفس العدد السابق.

النسخة الحاملة للهوامش سيتم إدراجها لاحقا


الاحد 4 نونبر 2012


تعليق جديد
Twitter