Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




الرقابة المالية للدولة على المقاولات العمومية


     

اتريدي محمد.

 طالب باحث بكلية الحقوق أكدال-الرباط.



الرقابة المالية للدولة على المقاولات العمومية
تتخذ الرقابة المالية على المقاولات العمومية أشكالا متعددة بحسب اختلاف زاوية النظر، فهذه الرقابة تنقسم من حيث التوقيت الزمني إلى رقابة قبلية أو سابقة، ورقابة مواكبة، ورقابة لاحقة، كما تنقسم حسب طبيعة الجهاز الرقابي إلى رقابة إدارية، وسياسية، وقضائية. أما من حيث الموضوع فتتخذ الرقابة المالية عدة صور، حيث تنقسم إلى رقابة المشروعية، ورقابة الأداء أوالفعالية.
إن هذه الرقابة المالية بمختلف أشكالها وأبعادها تلعب دورا مهما في تحقيق الأمن المالي للمقاولات العمومية، وحماية الأموال العمومية من التسيب والنهب والفساد، لذلك عملت السلطات العمومية منذ مطلع الألفية الثالثة على إصلاح المنظومة القانونية المؤطرة لهذه الرقابة، وذلك في اتجاه اعتماد مقاربة جديدة في الرقابة المالية ترتكز على التحقق من فعالية ونجاعة النتائج والإنجازات، والتي من شأنها عقلنة تدبير المقاولات العمومية من خلال:

  • تطوير وتحسين تدبير المقاولات العمومية عن طريق تأكيد مسؤولياتها عن نتائج وحصيلة تدبيرها؛
  • عقلنة أكثر للقرار والتدبير المالي للمقاولات العمومية، من خلال تحقيق صلة أوثق بين الإعتمادات والأهداف.
لكن رغم الإتجاه نحو تكريس العمل بهذه المقاربة الجديدة التي تأخذ بالمراقبة البعدية، فإن المعاينة الواقعية لنتائج تدبير المقاولات العمومية من خلال الإعتماد على تقارير الأجهزة الرقابية وخاصة تلك التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات، أثبتت على أن هناك عجز وقصور على مستوى استجابة الرقابة المالية لمتطلبات التدبير الفعال والناجع لهذه المقاولات. وهو ما يسمح بإبداء ثلاث ملاحظات أساسية:

الملاحظة الأولى: على مستوى الرقابة المالية التي تمارسها وزارة المالية، رغم اتجاه الدولة نحو اعتماد الرقابة البعدية المرتكزة على النتائج، إلا أن واقع الممارسة أبان عن صعوبة التخلي عن المراقبة القبلية، والانتقال إلى المراقبة المواكبة، لكون هذا الانتقال يتطلب إدخال تغييرات جذرية على مستوى الهياكل والمساطر المالية والإدارية للمقاولات العمومية ومنظومتها التدبيرية، ونظرا أيضا لكون هذا الانتقال ينطوي على مخاطر وصعوبات كبيرة، بسبب ضعف وهشاشة الضمانات المتعلقة بمدى التزام مدبري المقاولات العمومية بمعايير جودة وفعالية التدبير المبني على النتائج، خاصة أنه رغم المراقبة القبلية المتشددة فإنها لم تضع حدا للإختلالات والانزلاقات وسوء التسيير، وتبعا لذلك فقد تؤدي المراقبة المواكبة أحيانا إلى تنامي هذه الظواهر.
لذلك فرغم أنه من بين المستجدات التي جاء بها القانون 00-69 المتعلق بالرقابة المالية للدولة على المنشآت العمومية وهيئات أخرى الصادر سنة 2003، هي ملاءمة شكل المراقبة المالية مع طبيعة المقاولة العمومية، إلا أن ما نلاحظه هو طغيان وغلبة الرقابة القبلية، وهذا ما يؤكد استمرار المنهجية القديمة المتبعة في الرقابة المالية على هذه المقاولات، والمبنية على رقابة المشروعية، وعدم الانتقال إلى اعتماد مقاربة جديدة عمادها رقابة بعدية مرتكزة على النتائج والنجاعة والفعالية.

الملاحظة الثانية: على مستوى الرقابة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات، فبالرغم من تدقيق اختصاصات هذه المحاكم فيما يتعلق بالرقابة المالية على المقاولات العمومية، وتمكينها من الوسائل القانونية اللازمة للنهوض بهذه المهمة، فإنها لازالت محدودة ولم ترق بعد إلى مستوى الرهانات المعلقة عليها سواء فيما يتعلق بحماية المال العام الذي تتصرف فيه المقاولات العمومية، وصيانته من التبذير والتسيب والتلاعب، أو فيما يتعلق بالقيام بالأدوار الجديدة التي أسندت إليها كما هو الشأن بالنسبة لمهمة تقييم المشاريع العمومية التي تشرف هذه المقاولات على إنجازها، من أجل التأكد من مدى تحقيق  الأهداف المحددة لكل مشروع انطلاقا مما تم إنجازه مقارنة بالوسائل المستعملة.

وعلى الرغم من محدودية تدخلات المحاكم المالية والتي ترجع إلى عوامل متعددة، فإنها يمكن أن تلعب باعتبارها مراقب محايد ومستقل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، أدوارا طلائعية في مجال حماية المال العام، وتطوير وعقلنة طرق التدبير المالي للمقاولات العمومية، وخاصة بعد تعزيز اختصاصاتها في الدستور الجديد، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى توفير الضمانات اللازمة لخلق مناخ رقابي يساهم في شفافية تدبير هذه المقاولات ونشر ثقافة المساءلة لدى مسيريها. وبالتالي صيانة المال العام وحمايته من التلاعب والاعتداء على حرمته.

الملاحظة الثالثة: رغم تعدد القوانين وتنوع أشكال الرقابة المالية على المقاولات العمومية والمتدخلين فيها، فإن ذلك لم يوقف ظاهرة الفساد والتسيب المالي واختلالات التدبير الذي يعرفه قطاع المقاولات العمومية. لذلك فعوض أن يكون ذلك عاملا مساعدا للرفع من مردودية ونجاعة تدبير المقاولات العمومية، فإنه بالمقابل شكل عائقا وإكراها حقيقيا أمام ضمان ما يكفي من الجودة الرقابية على صعيد الأداء والنتائج المرجوة، وأهم تجليات ذلك أنها لم تستطع بتعدد أشكالها وتنوع اختصاصاتها، إيقاف ظاهرة تبذير ونهب المال العام.


ويمكن إرجاع فشل تعدد القوانين والمتدخلين في مسار الرقابة المالية على المقاولات العمومية، في إيقاف النزيف الذي تتعرض له الأموال العمومية، إلى ثلاث عوامل أساسية، يفترض أنها تمثل كوابح أمام محدودية نجاعة تأثيرات الرقابة المالية على تدبير المقاولات العمومية:

العامل الأول، يتمثل في تعقد الإطار القانوني للرقابة، وهو ما نتج عنه تعدد على مستويين أساسيين:

  1. على مستوى النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للرقابة؛
  2. على مستوى أشكال الرقابة والمتدخلين فيها.
العامل الثاني، يتمثل في استمرار مقاربة تدبيرية متقادمة على مستوى التدبير المالي للمقاولات العمومية لا تقطع مع ثقافة ومنطق الوسائل، إضافة إلى ضعف ومحدودية الوسائل المالية والبشرية المرصودة لأجهزة الرقابة؛

العامل الثالث، يتمثل في سيادة ثقافة تدبيرية داخل المقاولات العمومية، خاصيتها الأساسية هي النهب والتسيب وسوء التسيير وغياب المساءلة وتقديم الحساب، وهو ما يمكن تفسيره بعدة عوامل متداخلة، منها ما يتعلق بالتنشئة والثقافة السائدة داخل المجتمع وداخل المقاولات، ومنها ما يرتبط بالمحيط السياسي.


وبناء على هذه الملاحظات الثلاث، يمكن القول بأن هناك ضعف على مستوى منظومة الرقابة البعدية المرتكزة على النتائج، وهو ما يؤدي إلى فشل الرهان على إمكانية مساهمة الرقابة المالية في تحسين وعقلنة التدبير المالي للمقاولات العمومية، لذلك فإذا كانت مثلا الرقابة المالية التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات قد استطاعت أن تبلور من خلال أنشطتها ومهامها الرقابية ثقافة تشخيص الاختلالات التدبيرية التي تحول دون تحقيق الحكامة الجيدة والنجاعة المالية وأن تقدم مقترحات لتدارك ذلك، فإنها لم تستطع أن تبلور منظومة فعالة للمسؤولية والمحاسبة على عدم تحقيق النتائج.

وما يؤكد بأن الرهان على إمكانات مساهمة الرقابة المالية في عقلنة التدبير المالي للمقاولات العمومية بالمغرب قد فشل، هو ما توصل إليه المجلس الأعلى للحسابات (تقرير 2009)على ضوء النتائج التي أسفرت عنها مختلف مهام المراقبة التي يمارسها على المقاولات العمومية، من أن هناك أربعة
إشكاليات أساسية لازالت تعتري تدبير المقاولات العمومية، ويمكن تلخيصها فيما يلي
  1. إشكالية الحكامة: التي تتجلى في كون مجموعة من الاختلالات التي تم اكتشافها ترجع إما إلى غياب الشفافية في التدبير أو إلى التهميش بحكم الواقع لأدوار بعض الهيئات المسيرة لا سيما مجالس الإدارة بالنسبة للمقاولات العمومية. كما تتجسد هذه الإشكالية في غياب شبه كلي للتصور التدبيري، وكذا لقيم الأداء في عدد من المقاولات العمومية؛
  2. إشكالية جودة الإنفاق العمومي: ذلك أن المجهود المبذول من طرف السلطات العمومية في مجال الإستثمار في مختلف القطاعات، لم يتم مواكبته من طرف المسيرين العموميين من أجل تحسين جودة الإنفاق العمومي، وفي هذا السياق فقد مكن تقييم مجموعة من المشاريع العمومية من قبل المحاكم المالية والتي أنجزتها المقاولات العمومية، الوقوف على كون الفائدة الإقتصادية والإجتماعيىة المأمولة من مجموعة من المشاريع لا تتحقق دائما، ويمكن تفسير تواضع مردودية هذه المشاريع، إما إلى الإختلالات التي تشوب إنجازها، أو إلى عدم جدوائيتها، بالإضافة إلى إهمال هذه المشاريع فيما يتعلق بالصيانة والإصلاح؛
  3. إشكالية نجاعة الطلبيات العمومية: حيث أن الإختيارات في مجال إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية لا تتم دائما بشكل أمثل على مستوى المقاولات العمومية، وفي هذا الإطار فإن التأخير الحاصل في إنجاز بعض المشاريع يمكن إرجاعه سواء إلى غياب دراسات قبلية للجدوى أو عدم وثوقيتها أو إلى الإختلالات المسجلة على مستوى المقاولات التي منح لها إنجاز هذه الصفقات؛
  4. إشكالية الموارد البشرية: إذ أن مجموعة من الإختلالات التي تم تشخيصها في بعض المقاولات العمومية المراقبة ترجع إلى النقص الحاصل في القدرة على التصور وإلى ضعف المبادرة أو غياب وظيفة الإشراف داخل هذه المقاولات، ويزداد هذا الاختلال استفحالا نتيجة لغياب ثقافة تدبيرية في معظم المقاولات العمومية وضعف أنظمة الرقابة الداخلية فيها، وهو ما يساهم في استفحال ظاهرة الفساد المالي نتيجة ميل بعض المسيرين إلى البحث عن تحقيق امتيازات خاصة على حساب المصلحة العامة.
 
 

تاريخ التوصل: 12 يونيو 2012
تاريخ النشر: 23 يونيو 2012

السبت 23 يونيو 2012
1839 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter