Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين في ضوء دستور المملكة لسنة 2011


     

جابر لبوع

حاصل على دبلوم الماستر في القانون العام، كلية الحقوق بسلا



الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين في ضوء دستور المملكة لسنة 2011

تقديم

لقد كان اختصاص القضاء الدستوري بالمغرب منذ اول تجربة دستورية له إلى حدود صدور دستور المملكة لسنة 2011 يختص بالرقابة السابقة على دستورية
القوانين، بالإضافة إلى الفصل في النزاع بين الحكومة والبرلمان حول طبيعة مقتضى من مقتضيات القانون...، ولم تكن هناك أية إمكانية لفرض رقابة لاحقة على دستورية القوانين تتيح للأفراد إمكانية الطعن في القانون إن كان مظنون ومشكوك في دستوريته، عن طريق الدفع الفرعي، وذلك بمناسبة الدعاوي القائمة أمام المحاكم، نظرا لأن البرلمان قد ينحرف ويصدر قوانين مخالفة للدستور ونظرا لكون أن القوانين العادية لا تحال على القضاء الدستوري إلا بصفة اختيارية، مما قد يؤدي إلى إهدار حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية التي يضمنها ويحميها الدستور، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس من حق المحاكم ان تمتنع عن تطبيق القانون ولو اتضح لها جليا من تلقاء نفسها أو عن طريق الطعن أمامها، أن النص القانوني الذي سيطبق على النزاع غير متوافق مع الدستور.
ورغم ان الإرهاصات الأولية للرقابة اللاحقة على دستورية القوانين في فرنسا قد برزت منذ السنوات الأولى لدخول دستور الجمهورية الخامسة حيز التنفيذ[1]، فإنها لم ترى النور إلا مع التعديل الدستوري في 23 يوليو 2008، نفس الشيء تبناه المشرع الدستوري المغربي في ظل دستور 2011، بحيث أعطى للقضاء الدستوري اختصاص البث في الدفع بعدم الدستورية أثناء الدعاوي التي تكون قائمة أمام إحدى محاكم الممملكة.
وعلى هذا الأساس كان بالضرورة علينا ان نسلط بعض الأضواء على ما يحمله هذا المقتضى الدستوري الجديد من تساؤلات وما يمكن أن يطرحه من إشكالات، وما يصبوا إليه من غايات؟
وعليه فإن فسأحاول ان أقارب هذا الموضوع من ثلاث زوايا:
الأولى: لماذا فكرة الرقابة اللاحقة؟
الثانية: ما الإجراءات الدستورية للدفع الفرعي؟
الثالثة: أي دور للرقابة اللاحقة في حماية روح الدستور؟
 
المحور الأول: الرقابة اللاحقة وسمو القواعد الدستورية

إن القواعد التي يحويها الدستور هي التي تبين الحقوق والحريات العامة في الدولة وكيفية ممارسة السلطة فيها ومصدرها وانتقالها وبها تتقيد سلطة الحكام وفيها الفصل والتوازن بين مختلف الهيئات في الدولة، حتى تتحقق حماية مبدأ سيادة القانون الذي تضمن به حقوق الأفراد وحرياتهم الاساسية.
ولأنه القانون الأساسي في البلاد فلا تجوز مخالفته من اي جهة وهذا نتيجة لما يعرف بمبدأ سمو الدستور الذي بمقتضاه يعلو على الجميع، فيراعى عند تشريع القوانين أيا كان مصدرها، وإلا عدت غير دستورية ومن ثم يتوجب إلغاؤها، ولا يتأتى هذا إلا عن طريق الرقابة على دستورية القوانين  التي تعني في أبسط معانيها، التحقق من مخالفة القوانين للدستور تمهيدا لعدم إصدارها إذا لم تصدر او إلغاؤها أو الامتناع عن تطبيقها إذا كان قد تم إصدارها.
وبالرغم من تعدد صور الرقابة اللاحقة التي تأخذ بها الدساتير في أغلب الدول، فإن الهدف الأساسي من إقرارها هو التصدي  أو إلغاء القانون المشوب بعدم الدستورية، حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم وضمانة لحماية مبدأ سمو القواعد الدستورية من أي مخالفة للقواعد الأدنى منه درجة. [2]
إن سمو الدستور يعد من النتائج الهامة لمبدأ المشروعية في الدولة وأهم مظهر من مظاهره[3]، ولما كان المقصود بمبدأ المشروعية(او سيطرة حكم القانون) هو خضوع الجميع سواء كانوا حكاما أو محكومين لسيطرة حكم القانون فإن المقصود بمبدأ سمو الدستور هو خضوع هؤلاء أيضا لأحكام الدستور، وإذا كان مبدأ المشروعية يلزم الجميع باحترام أحكام الدستور باعتباره القانون الأسمى في الدولة[4].
إن مبدأ السمو قد يغدو مجرد لفظ أجوف لو استطاعت مختلف السلطات في الدولة انتهاك حرمته دون أن يترتب على ذلك الانتهاك أي جزاء، ولا تثار المشكلة فيما يتعلق بتصرفات السلطة التنفيذية إذ أن كفالة احترامها للدستور والقانون منوط بالمحاكم الإدارية  وذلك من خلال حقها في مراقبة مشروعية تلك التصرفات كما هو الحال في فرنسا والمغرب...، أو بالمحاكم العادية كما هو الحال في النظم الأنجلوسكسونية مثل انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن المشكلة تثار فيما يتعلق بالسلطة التشريعية وما يجب أن تتضمنه القوانين الصادرة عنها من احترامها للدستور.[5]
وما دام الدستور يكفل حقوقا وحريات سواء كانت فردية او جماعية، فإن صدور قوانين وتطبيقها دون أن تخضع لفحص الدستورية تشكل انتهاكا لمبدأ سمو القواعد الدستورية التي يقرها الشعب عن طريق الاستفتاء، خصوصا إذا كان نظام الرقابة لا يلزم إحالة جميع القوانين الصادرة من السلطة التشريعية إلى القضاء الدستوري من أجل أن يبت في مدى مطابقتها للدستور.
وعليه فإن المشرع الدستوري المغربي عندما أخذ بنظام الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين على غرار باقي الدساتير الأخرى المقارنة رغم اختلافهما في اجراءته وطبيعته القضاء المختص، يكون قد خطا خطوة لا يستهان بها لبناء صرح يقي به حرية وحقوق الأفراد وكما يقي به سمو القواعد الدستورية.
ويقتضي مجرد منح المحاكم الدستورية الاختصاص الرامي إلى حماية حريات الأفراد وحقوقهم الدستورية وكذا حريات وحقوق الجمعيات وغيرها من أشكال الكيانات الخاصة أن الدستور يكفل الحقوق والحريات الفردية، وحتى تكون ممارسة حقوق الأفراد الدستورية ممارسة فعلية فلابد من الدفاع عنها، ويمكن أن تكفل هذه الحماية المحاكم المدنية والجزائية والمحاكم الإدارية، بحيث أن القضاء الإداري هو المدافع التقليدي عن الحريات العامة وله خبرة في ذلك مثلما هو الحال مجلس الدولة الفرنسي، وإذا خولت محكمة دستورية خاصة صلاحية النظر في الدعاوي الدستورية المتعلقة بانتهاك الحقوق الدستورية الفردية فإن ذلك من شأنه أن يسمح بحماية هذه الحقوق، ويؤكد قيمتها الدستورية، ويمكن ثمة القول أن إقرار رقابة دستورية في مجال الحقوق والحريات الفردية، ستساهم في حالة اتسامها بالفعالية في تعزيز احترام الحقوق والحريات الأساسية،[6] وحماية مبدأ سمو الدستور.

المحور الثاني: الإجراءات الدستورية للرقابة اللاحقة

بالرجوع إلى دستور المملكة لسنة 2011 نجده ينص في الفصل 133 على ما يلي:" تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية ، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور"
يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل".
فمن خلال هذا التنصيص يتضح بأن الدفع بعدم الدستورية أمام الحاكم، لا يمكن أن يكون إلا إذا توفر شرطين:
  • الشرط الأول: وهو شكلي، بحيث أن المحكمة الدستورية لن تنظر في الدفوعات المحالة إليها من طرف المحاكم إلا إذا كانت هناك قضية أو نزاع مطروح أمامها، وأن يدفع أحد الأطراف بذلك، إذ لا يمكن للمحاكم أن توقف إصدار حكم إذا اتضح لها من تلقاء نفسها أن المقتضى غير دستوري.
  • الشرط الثاني: وهو شرط موضوعي، لأنه لا يمكن أن يدفع بقانون لا يمس بالحريات والحقوق الواردة في الدستور، على اعتبار أن الدستور قد نص على مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية للأفراد وأفرد الباب الثاني منه للحريات والحقوق الأساسية بالإضافة إلى الحقوق الواردة في التصدير وفي فصول أخرى من الدستور.
وعليه فإن القاضي الدستوري، لن يقبل النظر في أي دفع متعلق بعدم دستورية قانون طبقا للفصل 133 من الدستور، إذا لم يتم الإلتزام بهذين الشرطين ولو اتضح له جليا أن ذلك النص أو المقتضى غير دستوري، وإن قضى بذلك فستعتبر المحكمة الدستورية قد تجاوزت سلطتها وأخلت بمبدأ الفصل بين السلط، على اعتبار أن القانون ما هو إلا تعبير عن إرادة الأمة التي أقرته عبر ممثليها داخل المؤسسة التشريعية، التي لها الحق وحدها في أن تغير أو تعدل أي مقتضى قانوني صدر الأمر بتنفيذه، لأن شرط النزاع هو شرط ضروري لكي تبت المحكمة الدستورية في الدفع. كذلك يمكن أن نستشف من التنصيص في الفصل 133 من الدستور على "...أن القانون...يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور..." من أن الدفع يمكن أن يكون في حق من الحقوق غير المنصوص عليها وغير المضمونة في الدستور، مما يعني أن البت من طرف المحكمة الدستورية، لن يتجاوز منطوق وروح الدستور لكي تقر بحقوق حريات أخرى كذلك يمكن أن نتساءل حول مدلول عبارة "يضمنها الدستور" الواردة في الفصل أعلاه، هذه العبارة لا يمكن أن نفهمها إلا في علاقتها بما ورد في فصول الدستور حول الحقوق والحريات.
وعليه فبالرجوع إلى الفصل 71 من الدستور نجده ينص:
على أن:" يختص القانون،...بالتشريع في الميادين التالية:
  • الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من هذا الدستور"
وإذا تصفحنا هذه الحقوق والحريات الواردة في الدستور نجد أن منها ما يختص القانون بضمانها وحمايتها ومنها ما لا يختص بها القانون بل تختص به السلطات العمومية، إلا استثناء وحيدا وهو أن الحقوق والحريات المنصوص عليها في ديباجة الدستور يختص بها القانون، وعليه فإن عبارة " يضمن" الواردة في الفصل 133 من الدستور، تعني فقط الحقوق والحريات الني نص الدستور على أن حمايتها وضمانها يتم بقانون، لتخرج من مدلول الحريات والحقوق تلك التي ليست مضمونة بقانون، بل تختص السلطات العمومية بحمايتها وضمانها، وعليه فالمحكمة الدستورية لن تقبل أي دفع خارج عن المدلول الوارد في الفصل 133 من الدستور بصيغة "....التي يضمنها الدستور".
وإذا كانت الإحالة إلى المحكمة الدستورية للقوانين، منها ما يتم بصفة اختيارية ومنها ما يتم بصفة الزامية، فإن هذه الأخيرة لا يمكن أن تكون محل طعن بعدم الدستورية أمام المحاكم، بالإضافة إلى أن القوانين العادية التي سبق أن أصدرت بشأنها المحكمة الدستورية حكمها، فإنها لا يمكن أن تكون محل دفع فرعي بعدم الدستورية، نظرا لأن قرارات المحكمة الدستورية لا تقبل أي طرق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية.
وما دام النص الدستوري قد جاء عاما، فإنه بذلك يفتح إمكانية فتح بعض التساؤلات والتي من المفترض أن يتم معالجتها في القانون التنظيمي المتعلق بتطبيق الفصل 133 من الدستور وكذا القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، بحيث أنه إذا كانت القضية المعروضة على إحدى المحاكم العادية او المتخصصة قد تم  الدفع فيها بعدم دستورية النص القانوني الذي سيطبق عليها، وتمت في هذه الحالة إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية لتبت فيه وتتاكد من دستوريته، هل ستتوقف القضية او الحكم في انتظار صدور القرار ام ستنفذ المحاكم حكمها في النزاع؟ وفي حالة ما إذا افترضنا ان المحكمة المثار في شأنها الدعوى قد علقت حكمها ولم تقرر فيه، وفي نفس الوقت قد ينسجم ذلك مع وجود قضية أخرى امام إحدى محاكم المملكة تطبق عليها نفس النص القانوني المثار بشأنه الدفع في المحكمة التي علقت حكمها في انتظار صدور قرار المحكمة الدستورية، لكن اطراف الدعوى لم يثيروا الدفع في النص، فما الحل في هذه الحالة إن أصدرت هذه المحكمة حكمها في القضية؟ وإذا صرحت المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص فيما بعد فما هو حكم القضية التي نفذت فيها احكام المحاكم بالانسجام مع وقف نفاذ الحكم في المحكمة التي ثار أمامها الدفع؟ ونظرا لأن النص المصرح بعدم دستوريته يفقد أية قيمة وأي أثر ابتداء من قرار المحكمة الدستورية إلى ان يتم نسخه فغنه لا يمكن ان يسري بأثر رجعي، فما العمل كذلك في هذه الحالة؟  فعموم النص الدستوري هو الذي فرض علينا ان نطرح كل هذه التساؤلات بالإضافة إلى العديد من الأسئلة التي يمكن ان يطرحها، لكننا لن نجيب على ذلك ما دام ان القوانين التنظيمية هي التي يجب ان تحمل مختلف الإجابات على مثل هذه الأسئلة، وسننتظر ما ستفرزه لنا بعد صدورها.

المحور الثالث: أثر الدفع اللاحق بعدم الدستورية

إذا كانت القوانين الصادرة عن البرلمان منها ما يحال بصفة إلزامية ومنها ما يحال بصفة اختيارية، فإن الإشكال الذي يطرح في هذا الصدد يتعلق فقط بالقوانين (العادية) التي صدرت دون أن تخضع لرقابة المحكمة الدستورية، فهذه الأخيرة (أي القوانين) هي التي تبقى فيها إمكانية لإعمال الرقابة عليها بصفة لاحقة، بعدما تكون قد نشرت بالجريدة الرسمية.
وإذا كان يفهم من الفصل 133 من الدستور أن المحكمة الدستورية هي التي تبقى مختصة بالنظر في دستورية القوانين، بحيث نص الدستور بأن:"تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون..." فإن هذا يعني بأنه لا يحق لأي محكمة كيفما كانت أن تبت في دستورية هذه القوانين، وإلا اعتبرت متجاوزة لاختصاصاتها ومخالفة لروح الفصل133. بل يكمن دورها حسب منطوق هذا الفصل فقط في الامتناع عن تطبيق القانون الذي أثير في شأنه الدفع من طرف أحد أطراف النزاع إذا كان من شأنه أن يمس بالحقوق والحريات، وإحالة الأمر إلى الجهاز المختص بالرقابة على الدستورية الذي يتمثل في المحكمة الدستورية.
وعليه فإن تطبيق النص القانوني في النزاع المعروض أمام المحاكم يتوقف على القرار الذي تصدره المحكمة الدستورية، فإن قضت بدستورية ذلك المقتضى على أساس أنه لا يشكل مسا بالحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، فإن المحكمة ستصدر حكمها في هذا الشأن، وتقوم بتطبيق القانون أما إذا قضت المحكمة الدستورية أن النص القانوني يشكل مسا بالحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، وقضت بمخالفته له، فإنه في هذه الحالة وجب على المحاكم الالتزام بقرار المحكمة الدستورية باعتباره ملزم ولا يمكن الطعن فيه، بحيث نجد أن الفقرة الثانية من الفصل134 تنص على أنه:"لا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية" فهذه الجهات تعتبر ملزمة بالأخذ بقرارات المحكمة الدستورية في هذه الحالة.
وبالإضافة إلى ما سبق نجد الفصل 134 في الفقرة الاولى ينص على انه:" ... ينسخ كل مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 133 من هذا الدستور، ابتداء من التاريخ الذي حددته المحكمة الدستورية في قرارها".
ولأجل ذلك فإن النص أو المقتضى الذي تم التصريح بعدم دستوريته يكون عديم الأثر ولا يمكن تطبيقه، حتى ولو لم يتم نسخه، هذا الإجراء الأخير الوارد في الفصل 134، يعني استبدال المقتضيات المشوبة بعدم الدستورية بمقتضيات أخرى من نفس القانون.
وتتضح أهمية الرقابة اللاحقة، في النتائج التي يمكن أن تترتب عليها، بحيث تعتبر آلية لتفادي تطبيق نصوص صدرت مخالفة للدستور، وتشكل ضمانة مسبقة لحماية الحقوق والحريات الأساسية المنصوص  عليها في الدستور، نظرا للمكانة التي تحتلها داخل المنتظم الدولي. وعليه نجد أن الباب الثالث المتعلق بالحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور قد احتل حيزا كبيرا من حيث عدد الفصول، بحيث نجد أن هذا الباب يتكون من 21 فصلا، كلها تتعلق بالحقوق والحريات، أي المرتبة الثالثة بعد الباب المتعلق بالبرلمان والباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية ب22 فصلا، أما إذا ربطنا تلك الحقوق الواردة في الباب الثالث بالحقوق الواردة في فصول أخرى من الدستور سيتضح انها احتلت حيزا ومكانة كبيرة داخل فصول الدستور، مما يفيد الأهمية السامقة التي تحتلها، وكان بالضرورة أن يتم حمايتها، وضمان عدم صدور قوانين تمس بهذه الحقوق، وهذا يستتبع حتما تطبيق مبدأ دستورية القوانين، ما دامت القواعد الدستورية تحظى بالسمو على باقي القواعد الدستورية الأخرى.[7] والقول بعدم إمكان هذه الرقابة... يؤدي إلى اعتبار أحكام الوثيقة الدستورية عملا في حكم العدم ويغدو سمو الدستور من الناحية الشكلية تبعا لذلك مجرد لغو وعبث لا طائل من ورائه.[8] فالدستور عندما ينص على هذه الحقوق والحريات فإنه في المقابل يخاطب السلطة التشريعية بأن لا تضع قواعد قانونية تتعارض مع مقتضيات الوثيقة الدستورية، وبالتالي ففي حالة صدور مثل هذه المقتضيات القانونية كان لزام على المشرع أن يعطي للأطراف المتضررة أن يطعنوا أمام المحاكم بعدم دستورية هذه المقتضيات، على أساس أنها تشكل قيدا وضررا على الحقوق والحريات سواء منها الفردية أو الجماعية، أو الحقوق السياسية والاقتصادية، أو الحقوق المدنية أو الثقافية.
وبناء على ما سبق فإن الفصل 133 من الدستور يفيد فرض رقابة على دستورية القوانين بعد إصدار الأمر بتنفيذها، إذا كانت تمس الحقوق والحريات الأساسية التي يضمنها الدستور، ليستثنى من ذلك القوانين الأخرى التي لا تمس بالحقوق والحريات الأساسية التي يضمنها الدستور للأفراد والجماعات، ليفتح ذلك إمكانية التساؤل حول مدى سمو الدستور إن كانت هناك إمكانية وثغرات لصدور قوانين مخالفة للدستور من غير القوانين التي يمكن ان تكون محل طعن بعدم الدستورية أمام إحدى محاكم المملكة؟

خاتمة

وعموما فالرقابة اللاحقة على دستورية القوانين سواء تلك المتعلقة بالمساس بالحقوق والحريات الأساسية أو تلك التي أشرنا إليها أعلاه، يكون لها أثر وانعكاس يترجم سمو الوثيقة الدستورية، ويحمي روحها والمبادئ التي تقوم عليها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحريات والحقوق نظرا لما لهذه الأخيرة من أهمية داخل المجتمع وخارجه.
 
الهوامش

[1] - انظر: يحيى حلوي، القانون والتنظيم- دراسة في الاجتهادات الفقهية والقضائية-، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية احقوق وجدة، 1999-2000، ص: 112-113.
[2] - د.عمر العبد الله، الرقابة على دستورية القوانين-دراسة مقارنة-، مجلة جامعة دمشق، المجلد السابع عشر، العدد الثاني، 2001،ص2.
[3] -نفس المرجع، ص2.
[4] - عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، جامعة الاسكندرية، 1964، الجزء الأول، ص190.
[5] - عمر العبد الله، م.س، ص4.
[6] - هلمت ستوينبرجر،  نماذج عن القضاء الدستوري، اللجنة الاوروبية لتطبيق الديمقراطية بواسطة القانون، ص35.
[7] - مصطفى قلوش، المبادئ العامة للقانون الدستوري، الطبعة الرابعة، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع 1995..، ص: 267.
[8] - نفس المرجع، ص: 268.

الجمعة 11 يناير 2013


تعليق جديد
Twitter