Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الرقابة الإدارية ودورها في تجويد الأداء الإداري بالقطاع العام


     



يشهد العالم اليوم تقدما شمل جميع مجالات الحياة الإدارية، التي تأثرت وأثرت في حياة الفرد، الأمر الذي ينتج عنه تعدد حاجات الأفراد بشكل كبير ومستمر،ويسفر عن تضخم الإدارات، الذي يؤدي إلى تعدد مصالحها بهدف إشباع حاجات ورغبات المترفقين.

إلا أنه مع هذا التزايد المطرد في الحاجات الإنسانية، التي تصطدم بندرة الموارد المتاحة، وإشكالية جودة الخدمات المقدمة من طرف الإدارات تظهرأهمية نظام يكفل أفضل استخدام للموارد المتاحة لتحقيق الأهداف بالشكل المطلوب وباستخدام نظام رقابي على الأداء الإداري في الإدارات.

لقد عرف الإنسان فكرة الرقابة الإدارية على الأداء الوظيفي مند العصور القديمة وجعل من الرقابة بوصفها عملية مكملةللحلقات الخاصة بكل العمليات الإدارية، وتقوم بمهمة الضبط، والتقويم والتعديل في شتى الوظائف الإدارية سواء تعلق الأمر بالتخطيط، أو التنسيق، أو غيرها من الوظائف الإدارية.

من هنا تبرز أهمية الرقابة على جودة الأداء الإداري، من خلال العمل على تتبع الأهداف و ما يصاحبها من اختلالات، و أخطاء، و الأهم هو تصحيحها حتى تحفظ تكملة المشاريع الإدارية، بحيث تعد الرقابة على الأداء في الفترة الزمنية الحالية من أبرز وأهمالنظم الإدارية.

بالإضافة إلى أن الرقابة الإدارية تعدأداة تنفرد بالاستمراريةو تلازم جميع وظائف الإدارة الأخرى، وتمتاز بالتجدد المستمر، وتمارسها الإدارة إما بنفسها أو تكلف غيرها للقيام بها قصد ضمان فعال لنجاح الأهداف بجودة عالية.
 
  • فكيف تساهم الرقابة في جودة الأداء الإداري بالقطاع العام ؟
  • وما هو دور الرقابة المالية في الحد من الفساد الإداري به؟
 

أولا : دور الرقابة المالية في ضمان تجويد الأداء الإداري

تشكل الرقابة على الأموال العمومية في كل المجتمعات الديمقراطية أحد أهم الركائز الأساسية التي يقام عليها صرح الحكامة الجيدة للشأن العام في كل تجلياتها الإدارية والاقتصادية والمالية أو المؤسساتية.
بحيث تعتبر أداة مهمة لترشيد تدبير الموارد المالية لكون الرقابة تشكل عنصرا أساسيا في ترسيخ مبادئ المساءلة والمحاسبة ، وتقييم جودة الأداء الإداري.
ففي ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع أضحت إشكالية الرقابة على اختلاف مستوياتها الإشكالية المحورية الأكثر تداولا في مختلف النقاشات والخطابات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية ،بحيث لا يستقيم تدبير الأموال العامة في أي مجتمع دون  وجود رقابة فعالة تدبرإنفاق هذه الأموال.
ويزكي الفيلسوف الفرنسي(Alain) أهمية الرقابة حين يقول "إن الرقابة هي التي تجعل الفكر عادلا ومتوازيا وكل سلطة دون رقابة تؤدي إلى حماقة".
ويعزز هذه الأهميةمونتسكيو هو الأخر (Montesquieu) في كتابه "روح القوانين"، يعتبر مالك السلطة مهما كانت درجة تشعبه بالمثل والقيم الديمقراطية، فإنه يميل إلى التعسف والجور في استعمالها ولا يقف إلا عند شعوره بوجود سلطة مضادة تقييده وتحد من تعسفه وتراقب أعماله.
وهذا القول ينطبقتماما على سلطة تدبير المال العام فلا يمكن استقامة تحصيل وإنفاق الأموال العامة، دون وجود سلطة مستقلة، وفعالة تؤكد مهمة إجراء رقابة على ذلك، والمغرب كغيره من الدول تنص تشريعاته على مجموعة من الأنظمة، الرقابية على المال العام تختلف بطبيعتها باختلاف الأجهزة المكلفة بها ومجالات تدخلها
 مما يطرح إشكالية مدى فعاليتها في تجويد الأداء الإداري؟
 
  •  فعالية أجهزة الرقابة المالية :
مند بداية الألفية الثالثة تزايدالاهتمامبالشأن المالي، و بنظام الرقابة عليه، ولا غرابة في ذلك ما دام المال العام هو قطب الرحى المحرك لعجلة التنميةبالدولة، وفي كافة المجالاتسواء السياسية أو الاقتصاديةأو الاجتماعية، كما أن التطور الذي حصلفي السياسة المالية بالمغرب أصبح  يحتاج إلى نظام يفرض الشفافية على جميع النشاطات الإدارية بما فيها الصفقات العمومية، فرغم التعدد الذي صاحب التعريفات الفقهية، و كذا العلمية، لنظام الرقابة على الأموال العمومية إلا أن التعدد في التعريفات استقر حول الدور الرئيسي للرقابة الماليةو المتمثل في المحافظة على الأموال العمومية. ويتفرع هذا الهدف العام هو الأخر إلى هدفين اثنين رئيسين هما:
  •  التحقق من أن الموارد المالية العمومية قد تم تحصيلها وفق القواعد والقوانين واللوائح المعمول بها
  • الكشف عن أي مخالفة أو تقصير بهذا المجال.
وفضلا عن ذلك التحقق من الميزانية المحددة للمشروع لابد من التحقق أيضا من عملية الإنفاق هل تمت كما تم التخطيط له، وفقاستخدام جيدللأموال العمومية المحددة للأغراض المخصصة لها، دون احتيال أو اختلاس، ثم الكشف عن المخالفات. هكذا تكون الرقابة عملية دائمة ومستمرة، وجودها مصاحب لوجود المال العام أينما كان، إلا أنه رغم الغنى الذي تعرفهفي أشكالها وأنواعها المتعددة تبقى لها معاير مختلفة. فمن حيث موضوع الرقابة، الذي يجسده التدقيق في شرعية ونظامية التصرف المالي والمحاسبي، تتخذ هذه الرقابة إحدى الصورتين التاليتين:
  • الرقابة على السجلات ودفاتر المستندات الإدارية
  • الرقابة على الأداء الإداري
ويتجلى هدف الرقابة في التدبير المعقلن للمال العام الذي يتماشى مع أهداف الأنشطة الإدارية وإجراءاتها التي تستهدف الالتزام بالسياسات والإجراءات المحاسبية والمالية، والمحافظة على الموارد المالية للإدارة والتحقيق من التزامها بالتشريعات المعمول بها في تحصيل الإجراءات وصرف النفقات وخدمتها للصالح العام. تستند ممارسة الرقابة على المال العام في المغرب إلى العديد من النصوص القانونية يمكن بيانها من خلال العديد من الظهائر والمراسيم والأنظمة الداخلية للدساتير. وجدير بالذكر أن النظام الرقابي الخاص بالمالية في المغرب يستند على العديد من الأجهزة المختلفة من حيث الدور والطبيعة وأسلوب عملها، ولكنها تلتقي في الهدف من وراء إحداثها، وإلى الحرص على تأمين الاستعمال السليم للمال العام، والتصدي للانحرافات والتجاوزات، التي يمكن أن تمس العمليات الإدارية، كذلك السعي إلى تصحيحها و المساهمة في تقييم، وتطوير التدبير العمومي وتتم الرقابة المالية بتقنيات متعددة، وأساليب مختلفة يمكن التمييز بينها باعتماد عدة معايير يبقى أهمها المعيار العضوي الذي تأسس على طبيعة الجهة المكلفة بالرقابة.
وبناء عليه يمكن تصنيف الرقابة المالية وفق الترتيب التالي.
  • الرقابة بواسطة الأجهزة الإدارية؛
  • الرقابة بواسطة المحاكم المالية؛
  • الرقابة بواسطة المؤسسة البرلمانية.
فأية فعالية للأجهزة الرقابة المالية؟ تشترك في إنجاز الرقابة على المال العام عدة هيأت إدارية وسياسية واقتصادية تتنوع مجالات تدخلها وأساليبها وقد دشن المغرب مند بداية الألفية الثالثة مسلسل تحديث منظومته الرقابية عبر إصلاح المراقبة القبلية بهدف تجاوز الممارسات البيروقراطية السابقة ومنح قدرا كبيرا من المسؤولية إلى الأمرين بالصرف في تدبير الاعتمادات المخولة لهم، وفي سياق ذلك ثم اعتماد نظام المراقبة المكيفة على النفقات وإلحاق جهاز مراقبة الالتزام بنفقات الدولة. بالخزينة العامة للمملكة كما تم إصلاح الرقابة المالية للدولة على المنشآت العمومية والهيئات الأخرى عبر تعميم هذه المراقبة لتشمل كل الإدارات العمومية،  وتنويع أنماطها عبر اغناء المراقبة القبلية التقليدية بأساليب جديدة كالمراقبة المصاحبة، والمراقبة التعاقدية والمراقبة التوافقية وكذلك تطوير مفهوم الرقابة ليشمل إلى جانب شرعية العمليات المالية النتائج الاقتصادية وحسن التدبير.
وطال الإصلاح أيضا المحاكم المالية، عبر إصدار مدونة قانونية جديدة وسعت من اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات ، ونظمت مجالات تدخل المجالس الجهوية للحسابات.
إلا أنه بالرغم من الإصلاحات الجارية تبقى فعالية الرقابة على المال العام محدودة بسبب العديد من العوامل المرتبطة بحالات الإطار القانوني والمحيط العام للمجال الرقابي، والجوانب المؤسسة والتنظيمية،  والإمكانيات المادية والبشرية
ولتجويد فعالية الرقابة المالية وضمان تجاوز القصور الذي تعاني منه الهيئات الرقابية، ينبغي العمل على تبني السياسات والتدابير الكفيلة بتحسين أداء الرقابة المالية وجعلها عنصرا مؤثرا في إرساء دعائم الحكامة الجيدة للشأن العام، يمكن استعراض المقترحات الأساسية بهذا الصدد في 5 محاور رئيسية وهي :
  • تحسين وتأهيل الإطار القانوني لاشتغال الهيئات الرقابية؛
  • ضمان استقلالية الهيئات المكلفة بالرقابة؛
  • تطوير التعاون والتنسيق بين الهيئات المكلفة بنظام الرقابة؛
  • تحسين الإطار العام لنظام الرقابة المالية؛
  • الرفع من مردودية ونتائج أعمال الأجهزة الرقابية؛
وتحدد أهداف الرقابة المالية بما يلي :
  1.  التحقق من حسن استخدام الأموال العمومية في الأغراض المخصصة لها.
  2. التأكد من مدى ملائمة القوانين والأنظمة واللوائح المالية، بالإضافة إلى إجراء التعديلات التي من شأنها تحقيق أهداف الرقابة المالية
  3. الكشف عن أية أخطاء وانحرافات، أو مخالفات تحدث من الأجهزة الحكومية وتحليلها ودراسة أسبابها، و توفير الحلول المناسبة لعلاجها وتصحيحها، وتجنب تكرارها.
  4. العمل على ترشيد الإنفاق العام، وتوجيه الأجهزة الحكومية إلى أفضل السبل ، لتحسين وتطوير إجراءات الأعمال المالية، واقتراح الإجراءات والوسائل الكفيلة لرفع كفاءة أداء الأجهزة التنفيذية وتحسين مستوى تقديم الخدمات العمومية على الأموال العمومية من خلال مراقبة التصرفات المالية.
  5. ضمان عدم مخالفتها للقوانين وكذلك ضمان تحقيق الأهداف المحددة لكل إدارة لتحقيق أفضل النتائج بكل كفاءة وفعالية واقتصاد.
    على الرغم مما تحققه الرقابة من فائدة  يجب أن لا تتجاوز حدود معينة وإلا فإنها تؤدي إلى عرقلة النشاط المالي، وتؤدي إلى شل حركة الأجهزة الحكومية المختلفة، وتصبح الرقابة خطرا ليس على مالية الدولة فقط وإنما على النشاط المالي الإداري والاقتصاد ككل حيث يجب تفادي تكرار أو ازدواج أعمال  الرقابة سواء كانت من قبل الجهاز الرقابي الواحد ومن أجهزة الرقابة المتعددة، أو أن تراقب الأجهزة الرقابية بعضها البعض
 
ثانيا :  دور الأجهزة الرقابية في محاربة الفساد الإداري

يعتبر الفساد ظاهرة اجتماعية قديمة تنتشر في الإدارات بشكل واسع بفعل عدم إخضاع السلطات الإدارية، وأيضا السياسية لقوانين  وضوابط معلنة تمكن من ممارسة الرقابة عليها، مما ساهم في ذلك أيضا جهل الموظفين،  وتقصيرهم إضافة إلى أو أسباب متعددة يصعب حصرها .
وجدير بالذكر أن الفساد المالي له تكلفة اجتماعية و، اقتصادية وانعكاسات على تأخير عملية التنمية وتحقيقها بشتى أنواعها، كما يعيق  بناء الديمقراطية، ويقلص مجال دولة القانون والمؤسسات  فإن محاربته مسألة اجتماعية غاية في الأهمية تمس في جوهرها جميع القطاعات وتنظم الوسائل الممكنة كافة وهذا ما يتيح للرقابة مراقبة سلامة الأداء الإداري ومكافحة الفساد بأجهزة الدولة والحفاظ على المال العام من خلال :
  • حماية المال العام من الاختلاسات وسوء التدبير؛
  • التركيز على مراقبة جودة الوحدات الإدارية ، ومدى تحقيق الأهداف المخطط لها؛
  • الاهتمام بملائمة المساطر المتبعة وتعديلها؛
  • أن لا ينشغل المراقب في البحث عن الأخطاء ،والانحرافات بقدر ما يجب أن يلعب دور الموجه والمساعد؛
  • إبلاغ  المراقبين بالتقارير وتمكينهم من إبداء ملاحظاتهم وبياناتهم.
      فإذا كان الهدف من الرقابة هو تقويم النتائج الفعلية،  فإنه من المفروض أن توجد معايير موضوعية يتم على أساسها هذا التقويم مكافحة كل أشكال الفساد الإداري والمالي، وذلك للوقوف على الاختلالات ومعرفة أسبابها وإخطار الجهات المختصة باتخاذ القرارات العلاجية وفق برنامج تصحيح مسار التنفيذ عبر مرور الرقابة بخطوات أو مراحل سابقة لها من خلال :
  • مقارنة النتائج بما هو مخطط له؛
  • قياس الظروف والتعرف على أسبابها؛
  • وضع برنامج لتصدي للانحرافات ومتابعة سير التنفيذ.
تعمل الإدارة على تصحيح  الأخطاء والانحرافات التي قد تؤدي إلى ممارسة الفساد الإداري لذلك تضعها في خطط التنفيذ، و تعد العدة لتجاوزها بتوفير الجوانب المادية اللازمة أو توفير الموارد والمعدات المطلوبة، أو البحث عن الكفاءات اللازمة التي يتطلبها حسن التنفيذ، وأخيرا يجب التأكد من أن الحل الذي طبق قد عالج المشكلة فعلا،  وصحح مسار الخطة وقوم بناءها على أساس سليم.
 
 
المراجع
 
  • محمد حركات، "مظاهر الفساد و تداعياته" المجلة المغربية للإدارة والتنمية العدد 11 يونيو 2000
 
  • نعيمة أمرني – القابض الجماعي وإشكالية الرقابة على تنفيذ الميزانية . الجماعات بالمغرب ،أطروحة لنيل الدكتوراه ، القانون العام
 
  • محمد علي "إشكالية الاستقلال المالي للجماعات المحلية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية – العدد 29 – 2001 .
 
  • المنضمة العربية لمكافحة الفساد "الرقابة المالية في الأقطار العربية"2005
 
  • علي السد جاري "الإدارة والدولة بين التقليد والتحديث" الرباط
 
  • محمد حركات " المجالس الجهوية للحسابات أية تطبيقات للقضاء المالي في أفق الألفية الثالثة" -  المجلة المغربية للتدقيق والتنمية 1999
  • منصور ميلاد يونس مبادئ المالية العامة – منشورات الجامعة المقترحة ليبيا – طرابلس 1994
 
  • أحمد زهير شامية وخالد الخطيب : المالية العامة – دار زهران  - عمان 1997
 
 


الجمعة 20 نونبر 2015


تعليق جديد
Twitter