Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الرجوع في الهبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي


     

عبد الرحمان حموش
دكتور في القانون الخاص، باحث جامعي



الرجوع في الهبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
تعتبر الهبة عقدا من عقود التبرع التي أباحتها الشريعة الإسلامية ورغبت فيها، وسنت لها التشريعات الوضعية قواعد وقوانين تحكمها.
والمقصود بالهبة لغة مطلق التبرع والتفضل سواء كان بمال أو بغيره، أما في الاصطلاح الفقهي، فقد عرفها الفقيه ابن عرفة بقوله " الهبة لا لثواب، تمليك ذي منفعة لوجه المعطى له بغير عوض" ، فالهبة تمليك لذات بلا عوض، فإن كانت لوجه الله وثواب الآخرة فهي صدقة، وإن كانت لوجه القابض دون قصد ثواب الآخرة، فهي هبة.
ولم ينظم المشرع المغربي عقد الهبة إلا في من مدونة الحقوق العينية ، حيث كانت أحكام هذا العقد تستقى من المذهب المالكي باعتباره المذهب الرسمي للبلاد.
وقد عرف المشرع الهبة في المادة 273 من مدونة الحقوق العينية بأنها " تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض "، بينما عرف الصدقة في المادة 290 من نفس المدونة بقوله " الصدقة تمليك بغير عوض لملك، ويقصد بها وجه الله تعالى" .
ولن نتعرض في هذه الدراسة المقتضبة لكافة الجوانب المتعلقة بعقد الهبة بتوضيح أركانه وشروطه وكذا الأحكام المتعلقة به، وإنما سنقتصر على جانب واحد من هذه الأحكام يتعلق برجوع الواهب في هبته واعتصارها، وسنتناول هذا الموضوع من خلال مطلبين نخصص أولهما لدراسة مسألة الرجوع في الهبة سواء في الفقه الإسلامي أو في قوانين بعض الدول العربية ( وهي مصر وسوريا والأردن وتونس والجزائر والمغرب ) وتبيين مختلف الأعذار القانونية التي قد تبيح الرجوع في الهبة، على أن نخصص المطلب الثاني للوقوف عند موانع هذا الرجوع سواء في الفقه الإسلامي أو في قوانين الدول السالف ذكرها.

المطلب الأول: الرجوع في الهبة

تعتبر الهبة عقدا تبرعيا مندوبا إليه لما له من آثار نفسية واجتماعية، فقد يرمي الشخص من خلال التصرف في ماله إلى فعل الخير ومد يد المساعدة للغير وذلك بهبة بعض أمواله، فيلتزم بإعطاء شيء سواء كان عقارا أو منقولا و ينقل ملكيته للموهوب له دون عوض.
لكن المرء أحيانًا قد يرجع في هبته، وذلك راجع له مع كراهة ذلك، إلا أن الرجوع في الهبة قد تمنع منه موانع شرعية وقانونية.
ولتوضيح ماهية الرجوع في الهبة سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين، نستعرض في أولاهما موقف الفقه الإسلامي من الرجوع في الهبة، ثم نتناول في فقرة ثانية كيفية تنظيم مسألة الرجوع في قوانين بعض الدول العربية والأعذار القانونية المبيحة لهذا الرجوع.


الفقرة الأولى: موقف الفقه الإسلامي من الرجوع في الهبة

أولا- رأي الأحناف: يرى فقهاء هذا المذهب أنه يصح للواهب أن يرجع في هبته بعد أن يقبضها الموهوب له، ومن باب أولى له الرجوع قبل القبض، لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وإن كان الرجوع في الهبة مكروها تحريما على الراجح أو تنزيها، وإذا أسقط الواهب حقه في الرجوع ثم رجع بعد ذلك صح رجوعه، لأن حقه في الرجوع لا يسقط بإسقاطه.
ثانيا- رأي الشافعية: يرى فقهاء هذا المذهب أنه متى تمت الهبة بالقبض بإذن الواهب أو تسليمه للشيء الموهوب، فإن الهبة تلزم ولا يصح الرجوع فيها إلا للأب وإن علا، فيصح للأب أن يرجع في هبته ومثله الجد وإن علا كذلك، وكذلك الأم والجدة وهكذا ، فللوالد أن يرجع في هبته على ولده سواء كان الولد ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا .
ثالثا- رأي الحنابلة: يرى فقهاء المذهب الحنبلي أنه يجوز للواهب الرجوع في هبته قبل القبض، لأن عقد الهبة لا يتم إلا بالقبض، وإذا باع الواهب الموهوب أو وهبه لآخر قبل القبض بطلت الهبة، لأن ذلك يعتبر رجوعا، أما بعد القبض، فإن الهبة تتم للموهوب له، فلا حق للواهب في الرجوع إلا إذا كان أبا فقط، فإذا فضل الأب أحد أبنائه بهبة، فإن له الرجوع فيها، ويجب الرجوع إذا وهب له من غير إذن الباقي، لأن التسوية بين الأبناء بحسب حقوقهم الشرعية واجبة على الأب والأم وغيرهما من الأقارب، على أن الرجوع خاص بالأب المباشر فقط سواء أراد التسوية بين أولاده أو لا، فليس للأم ولا للجد ولا لغيرهما من الأقربين الرجوع في الهبة بعد تمامها بالقبض .
رابعا- رأي المالكية: يذهب فقهاء المذهب المالكي إلى القول إنه ليس للواهب حق الرجوع، لأن الهبة عقد لازم، لكن بعضهم يقول إنها تتم وتلزم بمجرد العقد فلا يشترط في إتمامها القبض، وهذا هو المشهور، وبعضهم يقول إنها لا تتم إلا بالقبض، فالقبض شرط في تمامها، فإن عدم لم تلزم وكان للواهب حق الرجوع، إلا الأب والأم فإن لهما حق الرجوع، فالأب له حق الرجوع في هبته لولده الحر سواء كان ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا غنيا أو فقيرا بعد أن يقبضها الولد ويضع عليها يده، وصيغة الرجوع أن يقول الأب: رجعت فيما وهبت أو أخذته منه أو اعتصرته ( أي أخذته قهرا عنه ) وبعضهم يقول لابد أن يقول اعتصرته، والأول أظهر لأن العامة لا تعرف لفظ اعتصرته .
والاعتصار هو أخذ الواهب الهبة من الموهوب له قهرا عنه بلا عوض، وحكمه عدم الجواز، غير أن الأب والأم يجوز لهما الاعتصار، فالأب يجوز له اعتصار الهبة من ولده قهرا عنه بلا عوض، مطلقا أي ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، فقيرا أو غنيا، سفيها أو رشيدا، سواء حازها الولد أم لا.
كما أن الأم يجوز لها اعتصار الهبة من ولدها ، ومحل جواز اعتصارها بشرطين: إذا وهبت لصغير ذي أب، ولم يتيتم حين إرادة الاعتصار، فإن تيتم فليس لها الاعتصار منه، لأن يتمه مفوت للاعتصار على المذهب خلافا للخمي. وأما الكبير البالغ فلها الاعتصار منه مطلقا، كان ذا أب أم لا، لأنه لا يلحقه يتم بفقد أبيه.
فالأم إذن لها اعتصار ما وهبته لولدها غير اليتيم لا من تيتم ولو بعد الهبة، ووجه فوات اعتصار الأم باليتم أن الهبة لليتيم تكون عادة للإشفاق عليه وخوف ضياعه، وهذا معناه الصلة والقربة التي يراد بها وجه الله تعالى، فلذلك كان حكمها حكم الصدقة، والصدقة لا يجوز اعتصارها.
يتبين من خلال ما تقدم، أن الفقه الإسلامي منقسم بصدد مسألة مدى جواز الرجوع في الهبة إلى رأيين، الأول يمثله الأحناف الذين يرون أن من حق الواهب أن يرجع في هبته بعد أن يقبضها الموهوب له، ومن باب أولى له الرجوع قبل القبض، لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وإن كان الرجوع في الهبة مكروها تحريما على الراجح أو تنزيها، بينما يرى الجمهور ( المالكية والشافعية والحنابلة ) عدم جواز رجوع الواهب في هبته خصوصا بعد قبضها من الموهوب له.
وقد استدل الجمهور بعدة أدلة منها:
1 - قوله عليه الصلاة والسلام " العائد في هبته كالعائد في قيئه "، وفي لفظ " كالكلب يعود في قيئه "، وفي رواية " ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ".
2 - والرجوع في القيء حرام وكذلك الرجوع في الهبة.
3 - قوله عليه الصلاة والسلام " ليس لأحد أن يعطي عطيته فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ".
أما الأحناف فقد استدلوا بالأدلة الآتية:
1- قوله عليه الصلاة والسلام " الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها "، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه عوض منها.
2 - إجماع الصحابة على ذلك، فقد روي عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وغيرهم أنهم قالوا بمثل هذا القول، ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعًا .
3 - ولأن العوض المالي قد يكون المقصود منه الهبة للأجانب، فإذا لم يحصل هذا المقصود جاز الرجوع، لأن فوات المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع، لأنه يعدم الرضا، والرضا في الهبة كما هو شرط صحة فهو شرط لزوم كما في البيع، فإذا وجد المشتري بالمبيع عيبًا لم يلزمه العقد لعدم حصول المقصود.
والجمهور قالوا إن الهبة بعد القبض لازمة لا يجوز الرجوع فيها إلا فيما يهبه الوالد لولده، إذ يجوز له الرجوع فيها، إلا إذا وجد مانع يمنع من الرجوع.

الفقرة الثانية: الرجوع في الهبة في قوانين الدول العربية

ينصرف الرجوع في الهبة إلى زوال عقد الهبة بإرادة طرف واحد بسبب من الأسباب المحددة قانونا وبشرط عدم وجود مانع من الموانع القانونية للرجوع، فالرجوع في الهبة هو حق للواهب يستطيع لموجبه أن يسترد هبته من الموهوب له إذا توفر له عذر يبرر ه ولم يكن هناك مانع من موانع الرجوع . فما موقف التشريعات العربية من الرجوع في الهبة؟ وما هي الأعذار القانونية التي تبرر الرجوع؟

أولا- في القانون المدني المصري والسوري والأردني

1- في القانون المدني المصري والسوري: يحق للواهب في ظل هذين القانونين أن يرجع في هبته إما رضاء أو قضاء متى كان يتوفر على عذر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع، وفي هذا الصدد نصت المادة 500 من القانون المدني المصري والمادة 468 من القانون المدني السوري بنفس الصياغة على ما يلي:
(1) يجوز للواهب أن يرجع في الهبة إذا قبل الموهوب له ذلك.
(2) فإذا لم يقبل الموهوب له جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع.
أما الأعذار التي خول كلا المشرعين للواهب التمسك بها للرجوع في الهبة فتتمثل حسب ما جاء في المادة 501 من القانون المدني المصري و المادة 469 من القانون المدني السوري فيما يلي:
(أ) أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو نحو أحد من أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودا كبيرا من جانبه.
(ب) أن يصبح الواهب عاجزا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو أن يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.
(ج) أن يرزق الواهب بعد الهبة ولدا يظل حيا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون للواهب ولد يظنه ميتا وقت الهبة فإذا به حي.
2- في القانون المدني الأردني: تنص المادة 576 من القانون المدني الأردني على أنه "1- للـواهب أن يرجع في الهبـة قبـل القبض دون رضا الموهوب له.
2 - وله أن يرجع فيها بعد القبض بقبول الموهوب له فإن لم يقبل جاز للواهب أن يطلب من القضاء فسخ الهبة والرجوع فيها متى كان يستند إلى سبب مقبول ما لم يوجد مانع من الرجوع.
كما تنص المادة 577 من هذا القانون على أنه " يعتبر سببا مقبولا لفسخ الهبة والرجوع فيها:
1- أن يصبح الواهب عاجزا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته أو أن يعجـز عن الوفـاء بما يفـرضه عليه القانون من النفقة على الغير.
2- أن يرزق الواهب بعد الهبة ولدا يظل حيا حتى تاريخ الرجوع أو أن يكون له ولد يظنه ميتا وقت الهبة فإذا هو حي.
3- إخلال الموهوب له بالتزاماته المشروطة في العقد دون مبرر أو إخلاله بما يجب عليه نحو الواهب أو أحد أقاربه بحيث يكون هذا الإخلال جحودا كبيرا من جانبه ".
وأضافت المادة 578 أنه " إذا قتل الموهوب له الواهب عمدا أو قصدا بلا وجه حق كان لورثته حق إبطال الهبة ".
ومن خلال استقراء المواد التي عنيت بمسألة الرجوع في الهبة في كل من القانون المدني المصري والسوري والأردني، يمكن القول، إن هذه القوانين تبنت موقف المذهب الحنفي بإعطاء الواهب حق الرجوع في هبته، وإن كانت قد قيدت هذا الحق بضرورة استناده إلى أعذار قانونية تتمثل أساسا في افتقار الواهب وإعساره وعجزه عن توفير أسباب معيشية لنفسه تتفق مع مكانته الاجتماعية، وعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته القانونية بالنفقة على الغير، إضافة إلى إخلال الموهوب له بواجبه نحو الواهب أو أقاربه بما يمثل جحودا كبيرا من جانبه، وإن كانت هذه التشريعات لم تبين المقصود بالجحود، غير أن الفقه توسع في الحالات التي يمكن اعتبارها من قبيل الجحود مثل الإساءة إلى أقارب الواهب أو القذف أو الاعتداء على العرض، ولا يشترط أن تكون الإساءة جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، ولا بد أن تصدر عن الموهوب له عن قصد، فلو أنه تسبب في قتل أو جرح الواهب أو أحد أقاربه خطأ لا عمدا فلا يكون عمله ذلك جحودا.
ويجب أن يكون الجحود كبيرا، وهذه مسألة متروكة لتقدير محكمة الموضوع التي تكيّف الفعل الصادر عن الموهوب له بما إن كان يمثل إساءة جسيمة أم لا، مما يبرر الحكم بفسخ الهبة من عدمه.
من جهة أخرى، نصت هذه القوانين على جواز الرجوع في الهبة للواهب الذي يرزق بعد الهبة بولد يظل حيا إلى وقت الرجوع، وكذلك الحال بالنسبة للواهب الذي يكون له ولد يظنه ميتا وقت الهبة فإذا هو حي، والذي يستفاد من هذا العذر أنه كثيرا ما يقدم الواهب على هبة ماله في الحالة التي لا يكون له فيها ولد عند إبرام عقد الهبة، وذلك ظنا منه بأنه لن يكون له ابن يرثه ويترك له المال الموهوب، فإذا ما رزق بولد وقام برفع دعوى الرجوع في الهبة فإنه يحكم له بالفسخ، طالما أن الولد له أولوية الانتفاع بالمال الموهوب، إلا أنه لا يمكن فسخ الهبة إلا إذا توفرت شروط وهي: أن يرزق الواهب ولدا بعد الهبة، وأن يظل الولد حيا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون له ولد يظنه ميتا وقت الهبة ثم يتبين أنه حي.
وقد أضاف المشرع الأردني إلى قائمة الأعذار القانونية التي تبيح للواهب الرجوع في هبته إخلال الموهوب له بالتزاماته المشروطة في العقد دون مبرر، وهو ما لم يشر إليه المشرع المصري وكذا السوري، والواقع أن في إعمال مقتضيات نظرية العقد ومبدأ العقد شريعة المتعاقدين ما يغني عن التنصيص على مثل هذا الشرط.
غير أن ما يميز القانون المدني الأردني أنه نص صراحة على أن قتل الموهوب له للواهب عمدا بدون وجه حق يعد سببا يخول لورثة الواهب حق المطالبة بإبطال الهبة، وهو توجه حري بالتأييد، مادام أنه ليس هناك جحود ونكران للجميل أكبر من إقدام الموهوب له على وضع حد لحياة الواهب ظلما وعدوانا ومقابلة إحسانه وتفضله عليه بإزهاق روحه، وربما يعود عدم تنصيص المشرعين المصري والسوري على هذه المسألة إلى أنها تدخل ضمنيا في إطار إخلال الموهوب له بواجبه نحو الواهب بما يمثل جحودا كبيرا من جانبه.

ثانيا- في القانون التونسي والجزائري والمغربي

1- في مجلة الأحوال الشخصية التونسية: ينص الفصل 210 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية على أنه " يجوز للواهب مع مراعاة حقوق الغير المكتسبة قانوناً طلب الرجوع في هبته لأحد الأسباب الآتية ما لم يوجد مانع من الموانع الواردة بالفصل 212:
1 – إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب بحيث يكون هذا الإخلال جحوداً كبيراً منه.
2 – إذا أصبح الواهب عاجزاً عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية أو إذا أصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة.
3- أن يرزق الواهب بعد الهبة ولداً يظل حياً إلى وقت الرجوع.
وينص الفصل 211 على أن " حق القيام بطلب الرجوع في الهبة بسبب الجحود يسقط بمضي عام من يوم حصوله أو من اليوم الذي من شأنه أن يحصل فيه العلم للواهب بالجحود وعلى كل حال يسقط حق القيام بعد انقضاء عشرة أعوام من يوم حصوله، ولا ينتقل الحق إلى ورثة الواهب إلا إذا سبق منه القيام بدعوى الرجوع أو إذا توفى قبل مرور عام على حصول الجحود.
ويتضح من هذين الفصلين أن المشرع التونسي يستند تقريبا إلى نفس الأعذار القانونية التي تأخذ بها تشريعات كل من مصر وسوريا والأردن، مع ملاحظة أن المشرع التونسي قصر إخلال الموهوب له بواجبه تجاه الواهب فقط، ولم يتجاوزه إلى أقارب هذا الأخير، كما أنه لم ينص على الحالة التي يكون فيها للواهب ولد يظنه ميتا وقت الهبة ثم يتبين أنه حي.
2- في قانون الأسرة الجزائري: تنص المادة 211 من قانون الأسرة الجزائري على أن " للأبوين حق الرجوع في الهبة لولدهما مهما كانت سنه إلا في الحالات التالية.... "، فالمشرع الجزائري ومن خلال هذه المادة بقي متشبتا بأحكام الفقه المالكي التي تقصر حق الرجوع في الهبة على الأبوين وحدهما ما لم يكن هناك مانع يمنعهما من الرجوع.
3- في مدونة الحقوق العينية المغربية: لم ينظم المشرع المغربي عقد الهبة إلا بمقتضى مدونة الحقوق العينة، لذلك فإن مسألة اعتصار الهبة أو الرجوع فيها كان المرجع فيها هو أحكام الفقه المالكي، حيث درجت محكمة النقض ( المجلس الأعلى سابقا ) على تأكيد أن الاعتصار يجوز فقط للأب والأم دون غيرهما من الأقارب سواء تعلق الأمر بالجد أو الجدة أو الإخوة أو الأعمام أو الأخوال أو غيرهم من الأقارب، وفي هذا الصدد جاء في إحدى حيثيات قرار لهذه المحكمة ما يلي : ( ... لكن حيث إن المحكمة عللت قرارها بأن حق الاعتصار مقصور على الأب والأم، دون الجد والجدة وغيرهما ولا يجوز بعد وفاة الموهوب لهما، ثم إن شرط الحوز مشهــود به معاينة من طرف العدلين، وبذلك، فإن المحكمة تكــــون قد طبقت الفقه المعمول به، وبنت قضاءها على أساس، ويبقى ما أثير لا أساس له ) .
غير أنه وبمقتضى المادة 283 من مدونة الحقوق العينية لم يعد الاعتصار من حق الأبوين وحدهما، بل أصبح من حق كل واهب أن يرجع في هبته، حيث نصت المادة المذكورة على أنه " يراد بالاعتصار رجوع الواهب في هبته ويجوز في الحالتين التاليتين:

أولا: فيما وهبه الأب أو الأم لولدهما قاصرا كان أو راشدا.

ثانيا: إذا أصبح الواهب عاجزا عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته "، فالمشرع ومن خلال هذه المادة جعل للأبوين حق اعتصار ما وهباه لأولادهما دون مراعاة لسن هؤلاء، كما أعطى لغير الأبوين هذا الحق لكنه قيده بضرورة توفر العذر القانوني الذي يخول الاعتصار والمتمثل في إعسار الواهب و عجزه
عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته إضافة إلى عدم وجود مانع من موانع الاعتصار، وواضح أن موقف المشرع يبين تبنيه لموقف الأحناف من مسألة
الرجوع في الهبة من خلال عدم قصرها على الأبوين أو على الأصول فقط وإن كان قد ضيق كثيرا من الأعذار التي تخول الواهب ( غير الأبوين طبعا )
الرجوع في الهبة ، كما يتضح كذلك أنه وحتى فيما يتعلق باعتصار الأم لم يورد عليه أي قيد من القيود التي كان يقول بها فقهاء المالكية في هذا الصدد.
غير أنه لابد من التأكيد على أن اعتصار الواهب لهبته يبقى مشروطا بإشهاده بالاعتصار والتنصيص على ذلك في عقد الهبة وقبول الموهوب له بذلك، وهذا بصريح المادة 284 من مدونة الحقوق العينية التي نصت على أنه " لا يجوز للواهب أن يعتصر ما وهب إلا إذا أشهد بالاعتصار وتم التنصيص عليه في عقد الهبة وقبل ذلك الموهوب له ".
والجدير بالذكر أنه لا يمكن الاعتصار إلا بحضور الموهوب له وموافقته، أو بحكم يقضي بفسخ عقد الهبة لفائدة الواهب .
هذا، ويتضح من المادة 287 من مدونة الحقوق العينية أنه يترتب على اعتصار الهبة، فسخ عقد الهبة ورد الملك الموهوب إلى الواهب، ولا يلتزم الموهوب له برد الثمار إلا من تاريخ الاتفاق أو من تاريخ الحكم النهائي في الدعوى، ويبقى من حق الموهوب له أن يسترد النفقات الضرورية التي أنفقها على الملك الموهوب، أما النفقات النافعة ونفقات الزينة فلا يسترد منها إلا ما زاد في قيمة الملك الموهوب، غير أنه إذا امتنع الموهوب له عن رد الملك الموهوب إلى الواهب بعد اعتصاره اتفاقا أو قضاء، ورغم إنذاره بذلك طبقا للقانون، وهلك العقار الموهوب في يده، فإنه يكون مسؤولا عن هذا الهلاك وذلك بصريح المادة 288 من مدونة الحقوق العينية .

المطلب الثاني: موانع الرجوع في الهبة

بعد أن تناولنا في المطلب السابق مسألة الرجوع في الهبة سواء في الفقه الإسلامي أو في القانون الوضعي، سنحاول في هذا المطلب الوقوف عند الموانع التي تحول بين رجوع الواهب في هبته.
وعليه، سنتناول هذه الموانع والقيود من خلال فقرتين، نقف في أولاهما عند موانع الرجوع كما فصل فيها فقهاء الشريعة الإسلامية، بينما نخصص الفقرة الثانية لتبيين مختلف هذه الموانع في القوانين العربية موضوع هذه الدراسة.

الفقرة الأولى: موانع الرجوع في الفقه الإسلامي

أولا- موانع الرجوع في الهبة عند الحنابلة:

اشترط الحنابلة لجواز رجوع الوالد ( الأب والأم والجد ) فيما وهبه لولده شروطا أربعة ( هي نفسها موانع الرجوع، لأن فقهاء هذا المذهب عبروا عنها بلفظ شروط الرجوع لا موانع له )، وهذه الشروط هي:
1- أن تكون الهبة باقية في ملك الإبن، لأن الرجوع فيها بعد خروجها إبطال لملك غيره.
2 - أن تكون العين باقية في تصرف الولد، فإن رهنها أو حجر عليه لفلس، سقط الرجوع.
3- أن لا تزيد زيادة متصلة، فإن زادت زيادة متصلة ففيها روايتان، أما الزيادة المنفصلة فلا تمنع الرجوع.
4 - أن لا تتعلق بها رغبة لغير الولد، نحو أن يرغب الناس في تزويجه، فيزوجوه من أجلها أو يداينوه، فإن تعلقت بها رغبة، ففيها روايتان، إحداهما لا رجوع فيها لأنه إضرار بالغير، والثانية، له ذلك لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه" ، ولأن حق الغير لم يتعلق بهذا المال .

ثانيا- موانع الرجوع عند الشافعية: يمكن إجمال أهم موانع الرجوع في الهبة عند الشافعية فيما يلي :

1 – زوال ملك الشيء الموهوب عن الولد الموهوب له ببيعه أو وقفه أو عتقه أو هبته لآخر وقبضه.
2 – جنون الأب يعد مانعا من الرجوع إلا إذا أفاق فيكون له الرجوع.
3 – الحجر على الموهوب له بالفلس يعد مانعا من الرجوع على الصحيح من المذهب.
4 – ارتداد الولد الموهوب له يعد مانعا من الرجوع على أصل القول إن ملكه يزول، وعلى القول إن ملكه لا يزول، يرجع.

ثالثا- موانع الرجوع عند الأحناف:

يقسم فقهاء هذا المذهب العوارض المانعة من الرجوع إلى أنواع، منها هلاك الموهوب، لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك، ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته لأنها ليست بموهوبة لانعدام ورود العقد عليها. وقد جمع الناظم موانع الرجوع في الهبة فقال:
ومانع من الرجوع في الهبة ياصاحبي حروف ( دمع خزقه )
فالدال رمز الزيادة المتصلة في نفس العين، والميم للموت، والعين للعوض، والخاء لخروج الموهوب عن ملك الموهوب له، والزاي للزوجية، والقاف للقرابة، والهاء للهلاك .
1- الزيادة في الموهوب زيادة متصلة، فالزيادة في الهبة إما أن تكون متصلة بالأصل أو منفصلة عنه، فإن كانت متصلة بالأصل، فإنها تمنع الرجوع، سواء كانت هذه الزيادة بفعل الموهوب له أم لا، وسواء كانت متولدة نحو ما إذا كان الموهوب جارية هزيلة فسمنت أو دارا فبنى فيها أو أرضا فغرس فيها غرسا...، أو كان الموهوب ثوبا فصبغه أو قطعه قميصا وخاطه، لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الأصل مع الزيادة، لأن الزيادة ليست بموهوبة إذ لم يرد عليها العقد، فلا يجوز أن يرد عليها الفسخ، ولا سبيل إلى الرجوع في الأصل بدون الزيادة، لأنه غير ممكن، فامتنع الرجوع أصلا . وإن صبغ الثوب بصبغ لا يزيد فيه أو ينقصه، فله أن يرجع، لأن المانع من الرجوع هو الزيادة، فإذا لم يزده الصبغ في القيمة التحقت الزيادة بالعدم.
وإن كانت الزيادة منفصلة فإنها لا تمنع الرجوع، سواء كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والتمر أو غير متولدة كالكسب والغلة، لأن هذه الزوائد لم يرد عليها العقد، فلا يرد عليها الفسخ، وإنما على الأصل دون الزيادة بخلاف المتصلة. وأما نقصان الموهوب فلا يمنع الرجوع، لأن ذلك رجوع في بعض الموهوب، وله أن يرجع في بعض الموهوب مع بقائه بكماله، فكذا إذا نقص، ولا يضمن الموهوب له النقصان، لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون.
2 - موت أحد المتعاقدين ( الواهب أو الموهوب له ) يعد كذلك مانعا من الرجوع إذا كان بعد التسليم والقبض .
3- العوض: لأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض، فإذا وصل فقد حصل مقصوده فيمنع الرجوع، وسواء قل العوض أو كثر .
4- خروج الموهوب من ملك الواهب بأي سبب كان من البيع والهبة والموت ونحوهما .
5 - الزوجية: فلا يرجع كل واحد من الزوجين فيما وهبه لصاحبه، لأن صلة الزوجية تجري مجرى صلة القرابة الكاملة، بدليل أن أنه يتعلق بها التوارث في جميع الأحوال، فلا يدخلها حجب الحرمان، والقرابة الكاملة مانعة من الرجوع.
6 - القرابة: والمقصود بها كل ذي رحم محرم، فلا رجوع في الهبة لذي رحم محرم من الواهب .
7- الهلاك: والمقصود به هلاك العين الموهوبة بأن تلفت عينها أو عامة منافعها، فإنه مانع من الرجوع لتعذره بعد الهلاك، إذ هو غير مضمون عليه .

رابعا- موانع الرجوع عند المالكية :

قيد فقهاء المالكية رجوع الأب والأم فيما وهباه للأولاد بقيود تتمثل فيما يلي:
1- أن تكون الهبة مرادا بها ذات الولد، فإن كان مرادا بها الصدقة وثواب الآخرة ، أو الصلة والحنان لكونه محتاجا أو كثير العيال، أو خاملا بين الناس، فلا يجوز اعتصارها، إلا إذا اشترطه الواهب منهما لنفسه حين الهبة.
2- أن لا يشترط الواهب منهما على نفسه عدم اعتصار الهبة، فإن شرط ذلك على نفسه، فليس له اعتصارها عملا بشرطه .
3- عدم فوات الشيء الموهوب عند الواهب، كأن يتصرف فيه ببيع أو هبة أو صنعة، فإن فات فليس من حق الأب أو الأم اعتصاره.
4- أن لا يلتزم الإبن لغيره التزامات مالية من أجل الهبة، كأن يتزوج أو يداينه الناس لأجلها ، فإن كان متداينا قبلها أو متزوجا قبلها فلا يمنع اعتصارها منه، لأنه لم يداينه الناس أو يزوجوه من أجلها.
5- خلو الواهب والموهوب له من المرض، فإن كان الواهب هو المريض، فلا يحق له اعتصار الهبة حال المرض، لأنه يتهم باعتصارها للوارث لا لنفسه، وإن كان الموهوب له هو المريض فلا يجوز أخذها منه، لتعلق حق ورثته بها، إلا إذا كانت الهبة نفسها وقعت حالة مرض الواهب أو الموهوب له، فإنه يصح اعتصارها حال المرض، لأن صاحب المال وقت الهبة هو صاحبه وقت الاعتصار، فلم يتغير المالك الحقيقي للمال الموهوب عن حاله الأول، وكذلك إذا قدر وزال المرض صح الاعتصار، إذ لا محذور حينئذ من أخذ مال وارث أو أخذه إلى وارث لا يستحقه. فزوال المرض يبيح اعتصار الهبة، بخلاف زوال النكاح أو الدين، فإنه لا يبيح اعتصار الهبة من الموهوب له، فمن تداين أو نكح من أجل الهبة، ثم زال الدين أو النكاح، فلا يحق اعتصار الهبة منه، لأن الدين والنكاح عامله الناس عليه، وترتب في ذمته، فزواله لا يعطي الحق للواهب في اعتصار الهبة، بخلاف زوال المرض، فإن الناس لم يعاملوا الموهوب له على المرض.
وهذه القيود مشروطة في ارتجاع الهبة واعتصارها سواء كان الواهب أبا أو أما، ويزاد قيد آخر في إباحة اعتصار الأم خاصة، وهو أن لا يكون ولدها يتيما، فإنها إن وهبت لابنها اليتيم قبل البلوغ، وقد فقد أباه، فهبتها له في حكم الصدقة، والصدقة لا يجوز ارتجاعها .
وقد نظم ابن عاصم موانع الاعتصار فأجاد حين قال :
وكل ما يجـري بلفـظ الصدقه فالاعتصار أبدا لن يلحقــه
ولا اعتصار مع موت أو مرض له أو النكاح أو دين عـرض
وفقـر موهــوب له ما كانــــــــــــا لمنـع الاعتصـار قد أبانـا

الفقرة الثانية: موانع الرجوع في قوانين بعض الدول العربية

أولا: في القانون المدني المصري والسوري والأردني

أ- موانع الرجوع في القانون المدني المصري والقانون المدني السوري: نصت المادة 502 من القانون المدني المصري وكذا المادة 470 من القانون المدني السوري على موانع الرجوع في الهبة بنفس الترتيب وبنفس الصياغة كما يلي :
" يرفض طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية:
أ- إذا حصل للشيء الموهوب زيادة متصلة موجبة لزيادة قيمته، فإذا زال المانع عاد حق الرجوع.
ب- إذا مات أحد طرفي عقد الهبة.
ج- إذا تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب تصرفا نهائياً، فإذا اقتصر التصرف على بعض الموهوب، جاز للواهب أن يرجع في الباقي.
د- إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر ولو أراد الواهب الرجوع بعد انقضاء الزوجية.
ه- إذا كانت الهبة لذي رحم محرم.
و- إذا هلك الشيء الموهوب في يد الموهوب له، سواء كان الهلاك بفعله أو بحادث أجنبي لا يد له فيه أو بسبب الاستعمال، فإذا لم يهلك إلا بعض الشيء، جاز الرجوع في الباقي.
ز- إذا قدم الموهوب له عوضا عن الهبة.
ح- إذا كانت الهبة صدقة أو عملا من أعمال البر ".

ب- موانع الرجوع في القانون المدني الأردني: نصت المادة 579 من القانون المدني الأردني على أنه " يعتبر مانعا من الرجوع في الهبة ما يلي:
1- إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر أو لذي رحم محرم ما لم يترتب عليها مفاضلة بين هؤلاء بلا مبرر.
2- إذا تصرف الموهوب له في الموهوب تصرفا ناقلا للملكية، فإذا اقتصر التصرف على بعض الموهوب جاز للواهب أن يرجع في الباقي.
3- إذا زادت العين الموهوبة زيادة متصلة ذات أهمية تزيد من قيمتها أو غير الموهوب له الشيء الموهوب على وجه تبدل فيه اسمه.
4- إذا مات أحد طرفي العقد بعد قبضها.
5- إذا هلك الموهوب في يد الموهوب له، فإذا كان الهلاك جزئيا جاز الرجوع في الباقي.
6- إذا كانت الهبة بعوض.
7- إذا كانت الهبة صدقة أو لجهة من جهات البر.
8- إذا وهب الدائن الدين للمدين".
والملاحظ من خلال استعراض المواد التي تناولت موانع الرجوع في الهبة في هذه القوانين الثلاثة، أن هذه الموانع هي في معظمها موانع الرجوع التي يقول بها فقهاء المذهب الحنفي، كما أن هذه القوانين نصت على منع الرجوع في الهبة إذا كانت صدقة أو لجهة من جهات البر.
هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن موقف كل من القانون المدني والمصري والقانون المدني السوري بمنع الرجوع في الهبة من أحد الزوجين ولو أراد الواهب الرجوع بعد انقضاء الزوجية هو موقف حري بالتأييد، بخلاف موقف المشرع المغربي من المسألة.

ثانيا: في القانون التونسي والجزائري والمغربي

أ- موانع الرجوع في القانون التونسي: ينص الفصل 212 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية على أنه " لا يجوز طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية:
1 – إذا حصل للشيء الموهوب زيادة متصلة موجبة لزيادة قيمته.
2 – إذا فوت الموهوب له الشيء الموهوب، أما إذا اقتصر التفويت على بعض الموهوب جاز للواهب أن يرجع في الباقي.
3 – إذا هلك الشيء الموهوب في يد الموهوب له سواء كان الهلاك بفعله أو بحادث أجنبي لا يد له فيه أو بسبب الاستعمال، فإذا لم يهلك إلا بعض الشيء جاز الرجوع في الباقي ".
يتضح من هذا الفصل أن المشرع التونسي قد حدد الموانع القانونية للرجوع في الهبة على سبيل الحصر وهي ثلاثة موانع ( الزيادة المتصلة في الموهوب، تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب، هلاك الشيء الموهوب)، وبتوفر أحدها يسقط حق الواهب في الرجوع في هبته ولو كان طلبه في الرجوع مبررا بعذر قانوني مقبول.
ب- موانع الرجوع في القانون الجزائري: نصت المادة 211 من قانون الأسرة الجزائري على أن " للأبوين حق الرجوع في الهبة لولدهما مهما كانت سنه إلا في الحالات التالية:
1- إذا كانت الهبة من أجل زواج الموهوب له.
2- إذا كانت الهبة لضمان قرض أو قضاء دين.
3- إذا تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب ببيع أو تبرع أو ضاع منه أو أدخل عليه ما غير طبيعته ".
أما المادة 212 من نفس القانون فقد نصت على أن " الهبة بقصد المنفعة العامة لا رجوع فيها ".
يتضح من خلال المادة 211 من قانون الأسرة الجزائري أن المشرع الجزائري قيد حق الأبوين في الرجوع في هبتهما لولدهما في ثلاث حالات، أولها إذا كانت الهبة من أجل ضمان قرض، فإذا وهب الأب لابنه مالا بقصد ضمان قرض أو قضاء دين فليس له أن يرجع فيه مادام الدين لم يسدد بها، حيث يصبح المال الموهوب ضماناً للدين، والواهب بمثابة الكفيل الضامن لأنه قد التزام بإرادته المنفردة بقصد ضمان الدين أو قضائه. أما الحالة الثانية فتتمثل في الهبة من أجل الزواج، فإذا وهب أحد الأبوين هبة لابنه من أجل الزواج فليس له الحق في الرجوع فيما وهب ولو لم يتزوج الولد في الوقت المطلوب، مادام المقصود من الهبة هو زواج الولد.
أما الحالة الثالثة التي قيد فيها المشرع الجزائري حق الأبوين في الرجوع في الهبة فهي حالة تصرف الموهوب له في الهبة، حيث حددت الفقرة الثالثة من المادة المشار إليها أعلاه عدة تصرفات إذا وقعت من الموهوب له على الشيء الموهوب فإنها تسقط حق الواهب في الرجوع، كالتصرفات الناقلة للملكية من قبيل البيع أو الهبة أو غيرهما، وكذلك تصرفات الموهوب له في الموهـوب والتي يحدث عليه بموجبهـا تغيرات في طبيعتـه بالزيادة أو النقصان، فكل ذلك يسقط حق الأبوين في الرجوع في الهبة.
زيادة على ما تقدم، فإنه لا يمكن الرجوع فيها متى كانت من أجل المنفعة العامة.
ج- موانع الرجوع في مدونة الحقوق العينية المغربية: نصت المادة 285 من مدونة الحقوق العينية على أنه " لا يقبل الاعتصار في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية: 1 - إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر مادامت رابطة الزوجية قائمة .
2- إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل الاعتصار .3- إذا مرض الواهب أو الموهوب له مرضا مخوفا يخشى معه الموت ، فإذا زال المرض عاد الحق في الاعتصار.4 - إذا تزوج الموهوب له بعد إبرام عقد الهبة ومن أجلها.
5- إذا فوت الموهوب له الملك الموهوب بكامله ، فإذا اقتصر التفويت على جزء منه جاز للواهب الرجوع في الباقي.
6- إذا تعامل الغير مع الموهوب له تعاملا ماليا اعتمادا على الهبة.
7- إذا أدخل الموهوب له تغييرات على الملك الموهوب أدت إلى زيادة مهمة في قيمته.
8- إذا هلك الملك الموهوب في يد الموهوب له جزئيا جاز الاعتصار في الباقي".
ويتضح من خلال مقتضيات هذه المادة أن موانع اعتصار الهبة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف، مانع الزوجية، وموانع طارئة وموانع الانتقال.
1- مانع الزوجية: تعتبر الزوجية مانعا من اعتصار الهبة من أحد الزوجين للآخر مادامت رابطة الزوجية قائمة، ونعتقد أن موقف المشرع المغربي بتقييد منع اعتصار الهبة بين الزوجين ببقاء الرابطة الزوجية قائمة بينهما هو موقف منتقد، وكان حريا بالمشرع تبني نفس موقف القانونين المصري والسوري مثلا اللذين نصا على عدم إمكانية الرجوع في الهبة من أحد الزوجين ولو أراد الواهب الرجوع بعد انقضاء الزوجية، فقد يكون الواهب منهما هو من يتسبب فيما بعد في انفصام عرى الزوجية فيؤلم بذلك الطرف الآخر، ثم يزيده إيلاما آخر باعتصاره لما وهبه له، كما أن تقييد منع الاعتصار ببقاء الزوجية قائمة بين الزوجين قد يضطر معه الزوج الموهوب له إلى البقاء في بيت زوجية لم يعد يرتضيه من جراء ما يتحمله فيه من مشاكل ونكد العيش، وذلك خشية أن يدفع إنهاء العلاقة الزوجية الطرف الواهب إلى اعتصار ما قد كان وهبه إياه أيام الصفاء والعيش الهنيء، ثم إن الله تعالى يأمر الزوجين المطلقين أن لا ينسيا الفضل بينهما، إذ يقول سبحانه وتعالى مخاطبا المطلقين " وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير " ، لأن العلاقة الزوجية في الأعم الأغلب لا تخلو من جوانب مشرقة، ومن وقفات وفاء من الزوجين لبعضهما، فإذا قُدّر وآل هذا العقد إلى حل عقدته بالطلاق، فإن هذا لا يعني نسيان ما كان بين الزوجين من مواقف الفضل والوفاء، وأي فضل يبقى إذا فتح الباب لاعتصار الهبة بعد انقضاء الزوجية، خاصة إذا علمنا أن المشرع لم يجعل من افتقار الموهوب له وحاجته الشديدة للمال الموهوب مانعا من الاعتصار، ولعله من الأنسب ترك المسألة للسلطة التقديرية للمحكمة لتقرر على ضوء ملابسات وظروف كل نازلة على حدة ما إذا كان الواهب محقا في طلب اعتصار الهبة أم لا.


2- الموانع الطارئة: وتتمثل هذه الموانع حسب ما يستفاد من المادة 285 من مدونة الحقوق العينية فيما يلي:
- مانع الموت: فإذا مات الواهب أو الموهوب له قبل الاعتصار، فإنه لم تعد هناك أية إمكانية لاعتصار الهبة.
- مانع المرض المخوف: أي المرض الذي يخشى معه الموت، سواء كان المريض مرض الموت هو الواهب أو الموهوب له، فإذا كان الواهب هو الذي يعاني من المرض المخوف، فلم يبق من حقه اعتصار الهبة لأنه لا يعتصرها لنفسه وإنما لغيره، والأصل في الاعتصار أنه للنفس، أما إذا كان المريض هو الموهوب له، فإن منع الاعتصار يرجع إلى تعلق حقوق ورثته بالمال الموهوب. غير أنه لم يفت المشرع التأكيد على أنه بزوال المرض المخوف يعود الحق في اعتصار الهبة.
- توظيف الهبة في الزواج: اعتبر المشرع زواج الموهوب له بعد إبرام عقد الهبة ومن أجلها مانعا من الاعتصار، ولعل السبب في ذلك يعود إلى تعلق حق الغير بها من صداق ولوازم الزواج الأخرى، والهبة هي الدافع إلى الزواج، ولولاها لما التزم به الموهوب له .
- تعامل الموهوب له مع الغير تعاملا ماليا اعتمادا على الهبة: ومعناه أن يتداين الموهوب له من أجل الهبة التي وهبت له، كما لو كانت أرضا فيقترض مالا لفلاحتها أو إقامة بناء عليها...، ففي هذه الحالة ومثيلاتها لا يحق للواهب الاعتصار لتعلق حقوق الغير بالهبة وهم الدائنون.
3 - مانع التفويت: إذا فوت الموهوب له الملك الموهوب بكامله كان ذلك مانعا من اعتصار الهبة، فإذا تصرف الموهوب له في الهبة بأي نوع من أنواع التصرفات كالبيع والهبة والمعاوضة وغيرها، فإنه يترتب على ذلك انتقال ملكية الموهوب إلى غيره، فلا يبقى هناك محل لاعتصار الهبة، غير أنه إذا اقتصر التفويت على جزء من الموهوب، فإنه يحق للواهب اعتصار الجزء الباقي.
4- مانع التغيير: فإذا أدخل الموهوب له تغييرات على الملك الموهوب أدت إلى زيادة مهمة في قيمته، كان ذلك مانعا من الاعتصار، والملاحظ أن المشرع اعتد فقط بالتغيير الذي ينقل الموهوب من مظهر إلى آخر بالزيادة فقط ولم يلتفت للتغيير الذي يؤدي إلى نقصان الهبة ولم يعتبره مانعا من الاعتصار خلافا لما ذهب إليه فقهاء المذهب المالكي في هذا الصدد، كما اشترط المشرع أن تكون التغييرات المدخلة على الموهوب قد أدت إلى زيادة مهمة في قيمته .
5- هلاك الملك الموهوب: اعتبر المشرع هلاك الملك الموهوب في يد الموهوب له هلاكا كليا مانعا من الاعتصار حسب ما يستفاد من مفهوم المخالفة للفقرة الأخيرة من المادة 285 من مدونة الحقوق العينية، غير أنه إذا هلك الملك الموهوب في يد الموهوب له هلاكا جزئيا، فإنه يكون من حق الواهب الاعتصار في الباقي.

النسخة الحاملة للهوامش


الجمعة 21 سبتمبر 2012



1.أرسلت من قبل سعد بن سليمان في 19/03/2015 21:48
توفى اخى عن زوجته واختين وبعد وفاته عند طالبنا بحصر ارثه اكتشفنا بانه وهب لزوجته منزله ومابه من محلات لزوجته وعند طلب الاوراق وجدنا ان زوجته قد باعت لامراة قد قام اخى بتربيتها من دار الحضانة والغريب في الامر ان عقد البيع بين زوجته وهذه المراة ان المراة باسم اخى المرحوم وعند احضار شهادة الوضع العائلي لم نجد له بنت ووجدنا ان تم تصحيح عقد البيع بان تاخد هذه المراة المتبناة الثلتين من العقار والثلت الاخر لزوجة اخى وبذلك حرمت انا واختى من التمتع بميراث اخى الوحيد ماهو الراى الشرعي في القانون الليبي في هذا الشان رحمطم الله .

تعليق جديد
Twitter