Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الحَرب العُدوانِـيَّة


     

LA GUERRE D’AGRESSION





ذ محفوظ عبد القادر
ماجستير القانون العام المعمق
كلية الحقوق جامعة تلمسان



الحَرب العُدوانِـيَّة

مـــقـــدمـــة :


لفترة طويلة من الزمن إتفق المؤرخون على أن أهم خطرين كانا يهدِّدان حياة الإنسان و وجوده في المجتمعات القديمة، هما إنتشار الوباء و قيام الحروب .
و إذا أمكن للتقدم العلمي في مجال الطب الإنساني الحديث أن يُسيطر على إنتشار معظم أنواع الأوبئة و يقضي عليها، إلا أن المجتمع الدولي فشل حتى الآن في التغلُّب على أسباب العدوان و تبرير قيام الحروب ؛ لدرجة أن بعض المؤرِّخين المتشائمين كانوا يُردِّدون أن الحرب حتمية على بني آدم تفرِضُها عليهم قِوى خفِيَّة.
لكن و مع ظهور التنظيم القانوني للمجتمع الدولي، أصبح هذا التنظيم يحقِّق متطلبات و رغبات أعضاء المجتمع الدولي، و أصبح الحق في اللجوء للحرب يُنظَّم و يُقيَّد – و فق تطوَّرات مختلفة- إلى أن تمَّ في نهاية المطاف؛ التوصُّل إلى منع إستخدام القوة في العلاقات الدولية.
و على ذلك تم تجريم الحرب العدوانية ؛ بعد عدَّة تطوُّرات و مراحل، لِيتَوَصَّل المجتمع الدولي لِنبذِها و منعها في التعامل الدولي.إلاَّ أنَّ المواقف و الآراء تضاربت بشأن إيجاد تعريف دقيق و مُوحَّد لها.
و تُعتبَر الحرب العدوانية الجريمة الرابعة التي تدخل في إختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فقد تَمَّ ذكرها في المادة 5/1/د مِن نظام روما الأساسي ، و الخاصة بالاختصاص الموضوعي للمحكمة.
و هي تُعدُّ من أخطر الجرائم ، فقد أكَّدت محكمة نورمبرج على أن الحرب العدوانية هي أُم الجرائم الدولية الأخرى، حيث وصفتها بقولها: « إنَّ شنَّ حرب الإعتداء ليس جريمة دولية فحسب ؛ إنها الجريمة الدولية العظمى التي لا تختلف عن غيرها سوى أنها هي التي تحتوي كل الجرائم.»
و نظرًا لِخُطُورة هذه الجريمة على السِّلم و الأمن الدولِيَيْن؛ و تهديدها لإستمرار البشرية، تظهر الأهميَّة القُصوى لدراستها، و ذلك مِن خلال الإجابة عن أهم الإشكاليات التي تُثيرُها و لعلَّ أبرزها :
ما مفهوم الحرب العدوانية؟ و فيما يتمثل النظام القانوني لِمُكافحتِها ؟
و هذا ما ستتِم الإجابة عنه مِن خِلال مبحثَيْن :
المبحث الأول : مفهوم الحرب العدوانية.
المبحث الثاني : النظام القانوني لِمُكافحة الحرب العدوانية.

المبحث الأول :
مفهوم الحرب العدوانية:


إذا كان مِن المُسلَّم به في عصرِنا الحالي ؛ أنَّ الحرب العدوانية تُشكِّل جريمة يمنعُها القانون الدولي، و يُعاقِب عليها؛ إلاَّ أنَّ هذا الطرح لم يصِل إليه المجتمع الدولي بِسُهُولة ، و منذ القِدَم؛ بل عرَفت هذه الحرب العدوانية عِدَّة تطوُّرات إلى أن وصلَت إلى ما هي عليه الآن.
ثم بعد ذلك وقع جدل كبير حول ضرورة تعريفها مِن عدمِه، بل و حتَّى حول كيفية تعريفها. إلاَّ أنَّ ذلك لا يمنع مِن القول بأن الحرب العدوانية ؛اليوم؛تّشكِّل جريمة دولية قائمة بذاتها، و بأنها قد تتخذ عدة أشكال.
و عليه؛ فأن التوصُّل لمعرفة مفهوم الحرب العدوانية يستدعي أوَّلاً التطرُّق للتطوُّر التاريخي لها (المطلب الأول)، ثم لتعريفها(المطلب الثاني)، فأشكالِها(المطلب الثالث).

المطلب الأول:التطور التاريخي للحرب العدوانية:



إنّ تحريم الحرب العدوانية ذو أصل تاريخي بعيد، فقبل القرن التاسع عشر، كانت الحرب العدوانية مشروعة طبقا للعرف الدولي، إذ كانت حق ثابت للدولة متفرع من سيادتها وأحد مظاهر تلك السيادة، وكان للحاكم إشعالها متى يشاء لتوطيد سلطانه اعتمادا على ما للدولة من سيادة مطلقة.
إلا أنّ من يعود بذاكرته إلى العصور الوسطى يجد أنّ بعض فقهائها، وعلى وجه الخصوص:Fransisc SUARES, Hugo GROTIUS قد نبذوا فكرة العدوان بتمييزهم بين الحرب العادلة والحرب غير العادلة. ولكنّ موقف الدول ظل قاصرا على استنكار حرب الاعتداء دون النص في معاهداتها أو مواثيقها أوتصريحاتها على جزاء جنائي لمثل هذه الحرب.
ثم بدأت المعاهدات الدولية تشير إلى الحرب العدوانية، ولعلّ معاهدة فيينا في 13/3/1815 هي أوّل معاهدة أشارت إلى العدوان.
أما في ظل عصبة الأمم، ففُرِضت شروط معينة على الدول للقيام بالحرب ولكن لم تُحرِّمها بتاتا، وهذا يدل على أنّ الحرب عمل عدواني واعتداء على حقوق وسيادة الآخرين، ولكنّ عصبة الأمم لم تضع تعريفا محدّدا للحرب العدوانية.
حيث ميّز العهد بين الحروب المشروعة، والحروب العدوانية غير المشروعة، فبالنسبة للحروب المشروعة فقد أحاطها العهد ببعض القيود والإجراءات الشكلية بغية تقنينها وتنظيمها حيث لم يلحقها المنع، فبقيت عملا مباحا ومظهرا من مظاهر سيادة الدولة، ووسيلة لحل المنازعات التي يفشل مجلس العصبة في تسويتها بصورة ودية؛ أمّا الحروب العدوانية، فقد منعها عهد عصبة الأمم، وهي التي يتم اللجوء إليها قبل استنفاذ وسائل التسوية السلمية للمنازعات الدولية.
وفي الفترة ما بين الحربين العالميتين، عرف المجتمع الدولي كثيرا من المعاهدات والمواثيق تحرّم اللجوء إلى الحرب العدوانية، مثل بروتوكول جنيف 1924، قرار عصبة الأمم في 1927،كما أعلنت الدول الموقعة على ميثاق باريس 1928 المعروف باسم :pacte BRIAND KELLOG، تحريم اللجوء إلى الحرب لفض النزاعات الدولية.
أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد جُرِّمت الحرب العدوانية في المادة 6 من لائحة نورمبرج، وفي المادة 5 من لائحة طوكيو، وفي المادة 2 من القانون رقم 10 الصادر عن مجلس الرقابة على ألمانيا، وفي المادة 1 من التقنين الخاص بالجرائم ضد سلام وأمن البشرية، وقد نصت على ما يلي: « يعدّ جريمة دولية: كل عدوان يتضمن استخدام الدولة قواتها المسلحة ضد دولة أخرى لأغراض غير الدفاع الشرعي الوطني أو الجماعي أو تنفيذا لقرار أو تطبيقا لتوصية هيئة مختصة من هيئات الأمم المتحدة».
ولقد اعتُبِر ميثاق هيئة الأمم المتحدة خطوة أساسية وتقدمية في سبيل الحدّ من الحروب، حيث لم يُفرِّق في التحريم بين حرب عدوانية وحرب غير عدوانية، فكل حرب في حكمه محظورة سواء أكانت حرب اعتداء تستهدف الحصول على مزايا ومنافع، أو كانت وسيلة لحسم نزاع لم يستطع أطرافه الوصول إلى تسوية بالطرق السلمية، وهذا ما جاء بالمادة 2/4 من الميثاق.
كما أنّ الحرب العدوانية تعتبر جريمة في ظل نظام روما الأساسي بشأن المحكمة الجنائية الدولية، حيث جرمتها صراحة المادة 5/د.
والسبب وراء اعتبار حرب الاعتداء جريمة دولية هو المحافظة على السلم والأمن الدوليين وضمان عدم تهديدهما في المستقبل، لأنّ في تجريم هذه الحرب ومعاقبة مرتكبيها ردع لمن تسوّل له نفسه تعكير الأمن والسلام في ربوع المجتمع الدولي، وفي معاقبة من يرتكبها الحيلولة بينه وبين ارتكابها مرة أخرى في المستقبل ومنع غيره من اللجوء إليها، وفي هذا تأمين للسلام وحماية للإنسانية من حروب عدوانية قد تقع في المستقبل، كما أنّ في المعاقبة على هذه الجريمة إرضاء وتهدئة للرأي العام الدولي الذي تَهُزُ ضميره من الأعماق مثل هذه الحروب، والذي يتأذى إحساسه بالعدالة إذا ترك مرتكبي هذه الجريمة دون عقاب، ففي معاقبة هؤلاء إرضاء لحاسة العدالة وللضمير العالمي بسبب الآثار المدمّرة التي تُخلِّفُها هذه الحرب.

المطلب الثاني:تعريف الحرب العدوانية :


إنّ جريمة العدوان هي الجريمة الرابعة التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وقد تمّ ذكرها في الفقرة (1/د) من المادة 5 من النظام الأساسي، والخاصة بالاختصاص الموضوعي للمحكمة.
ونظرا لكونها من أخطر الجرائم الدولية، فمسألة تعريف الحرب العدوانية تمثل حجر الزاوية في تبيان نظام الأمن الجماعي، والذي يهدف بشكل رئيسي إلى المحافظة على الأمن والسّلم الدوليين؛ ذلك أنّ هذا التعريف يكفل تحديد الشروط المعرِّفة للمعتدي، وبذلك تتمكن الجماعة الدولية من توجيه جهودها نحوه وتُوقِّف الانتهاك ضدّ السّلم الدولي.
لكن ورغم أهمية تعريفها؛ إلا أنّ المواثيق الدولية كانت تشير إلى الحرب العدوانية، دون تعريفها أو تحديد دقيق لمضمونها، فلم يرد تعريف محدّد لحرب الاعتداء في الوثائق والاتفاقيات الدولية سواء تلك التي اعتبرتها مجرد جريمة دولية، أم تلك التي عاقبت عليها، ولم تتضمن لائحتي نورمبرج وطوكيو مثل هذا التعريف.
ممّا دعا إلى نشوء اختلاف حول ضرورة أو عدم ضرورة تعريف الحرب العدوانية (الفرع الأول)، إلاَّ أنه لم يمنع مِن تواصل الجهود الدولية لمحاولة تعريفها (الفرع الثاني).

الفرع الأول: الجدل حول ضرورة تعريف الحرب العدوانية من عدمه:


لم يكن عدم وضع تعريف للحرب العدوانية، مسألة عشوائية، بل إنّه كان ناجما عن تضارب مواقف الدول، بين مؤيد لتعريفها، وبين معارض لذلك، ولكلٍ منهما حججٌ وآراء استند عليها.

أوّلا: الآراء المؤيّدة لتعريف الحرب العدوانية:

يرى هذا الإتجاه أنه لا بد مِن وضع تعريف للحرب العدوانية؛ و يؤكدون موقفهم بالحجج الآتية:
1) تعريف العدوان هو الوسيلة الوحيدة التي تضمن لنا تحديد الأعمال العدوانية بطُرُق موضوعية واضحة لا تحيُّز فيها .
2)تعريف العدوان يُسهَّل عمل مجلس الأمن و يساعده على إتخاذ التدابير الملائمة لحفظ السِّلم و الأمن الدوليَيْن.
3) تعريف العدوان يُفيدُنا على الصعيد الدولي في التمييز بين ما هو مشروع و بين ما هو غير مشروع.
4) و مِن جهة قانونية صرفة؛ فهذا التعريف يُعدُّ بمثابة تأكيد لمبدأ الشرعية كقاعدة هامة و جوهرية ، و يقوِّي مبدأ المسؤولية الفردية على الصعيد الدولي .
لكن أنصار هذا الإتجاه قد إنقسموا بين من ينادي بالتعريف الحصري للحرب العدوانية، و بين من يُفَضِّل التعريف العام:
*التعريف الحصري:أي ضرورة تحديد الأعمال التي يقوم عليها العدوان على سبيل الحصر لا المثال، مما يؤكد مبدأ الشرعية ؛على غرار القوانين الوطنية .
* التعريف العام:يرى أنصاره أن التعريف الحصري جامد و قاصر و لا يساير التطورات و لا يحدد كل أنواع الحروب العدوانية.
و التعريف العام يسمح لأجهزة الأمم المتحدة و لمجلس الأمن بتحديد العدوان بناءا على معيار عام يضعه التعريف ،مع ترك حرية التقدير لهذه الأجهزة في كل حالة على حدة.
و رغم صحة المؤيدين لتعريف الحرب العدوانية؛ إلاَّ أن اتجاه آخر قابلهم بالمعارضة.

ثانيا: الآراء المعارضة لتعريف الحرب العدوانية:

أورد المعارضون عدة حجج لتأكيد وجهة نظرهم؛ القائلة بعدم تعريف الحرب العدوانية، و هي:
1) الحرب العدوانية عمل طبيعي ذاتي غير قابل للتعريف، فمِن غير المفيد تعريفه.
2) عدم وضع التعريف لا يؤثر في عمل المنظمات الدولية المعنية، فلقد نجحت في إتخاذ التدابير اللازمة تجاه الحرب العدوانية ؛ رغم عدم وجود تعريف لها.
3)في المجتمع الدولي أنظمة لا تأخذ بالتقنين كالأنظمة الأنجلوسكسونية ؛ و لهذا فإن الإصرار على تعريف العدوان يحمل في طيَّاته معنى التنكُّر لهذه الأنظمة و الإنحياز للنوع الآخر من الأنظمة التي تأخذ بالتقنين، و قد يكون هذا الإنحياز غير مجدٍ و مفِيد.
4)الظروف الدولية القائمة تَحُولُ دون وضع تعريف للحرب العدوانية، فالمجتمع الدولي ينقسم إلى كتلتين متعارضتين ما إن تلتزم إحداها بالتعريف حتى تعارضه الأخرى.

الفرع الثاني: الجهود المبذولة لتعريف الحرب العدوانية:


رغم أنّ المواثيق والمعاهدات الدولية كانت تنص على نبذ الحروب العدوانية، إلا أنّها لم تتضمن تعريفا لها، فإنّ اتفاقية باريس، أو كما تسمى Briand Kellogلسنة 1928 جاءت لنبذ الحرب العدوانية إلا أنها لم تنص على أيّ تعريف لها، وهو نفس الحال بالنسبة لمحكمة نورمبرج.
لكن رغم هذا، فقد ظهرت للوجود عدّة مساعي وجهود تهدف لوضع حدٍّ لهذا الغموض، حيث رُجِّحت الآراء الداعية إلى وجوب تعريف العدوان، بعد أن اتضح -بمناسبة الحرب الكورية- ضرورة مثل هذا التعريف. فظهرت عدّة جهود، لعلّ أهمها ما يلي:
1) مشروع الاتحاد السوفيتي لسنة 1933:
حيث قدم مشروعا لتعريف الجريمة العدوانية، إلى اللجنة العامة الملحقة بمؤتمر نزع السلاح المنعقد في لندن، ويعتبر المحاولة الأولى في تاريخ القانون الدولي العام، بخصوص تحديد تعريف دقيق ومحدّد للحرب العدوانية. ثم عاد وتقدم بهذا المشروع أمام هيئة الأمم المتحدة في 1950، ولكنه رُفِض لمعارضة الولايات المتحدة وبريطانيا.
2) جهود عصبة الأمم:
لقد بُذِلت عدّة محاولات في عهد عصبة الأمم بُغية تعريف العدوان وتجريم حرب الاعتداء، بعض هذه المحاولات فشل والبعض الآخر لقي نجاحا، ومن بين المحاولات الناجحة؛ إصدار ميثاق "الراين" والذي تمّ بين بعض الدول الأوروبية وهي ألمانيا، بلجيكا، إنجلترا، فرنسا وإيطاليا، ضمن ما عرف باتفاقيات أوكار نو عام 1926، وقد تمّ فيه الاتفاق على تجريم الحرب فيما بين هذه الدول.
كما صدر قرار من عصبة الأمم في سنة 1927 يقرّ أنّ الحرب العدوانية جريمة دولية. لكنّ جميع تلك الاتفاقيات لم تنص على أيّ جزاء جنائي لمن يخرج عليها، ولم تعرف الحرب العدوانية.
3) مؤتمر سان فرانسيسكو لسنة 1945:
ركَّز هذا المؤتمر على قضية السلام والدعوة إلى ضرورة الإقلاع عن استعمال القوة في العلاقات الدولية، وقد خلص هذا المؤتمر إلى أنّه لا يمكن إطلاقا تحديد كلّ حالات العدوان، وأنّه لابدّ من أن تبقى بعض الحالات التي يجب الرجوع في تحديدها وتقديرها إلى مجلس الأمن، وهكذا بقي ميثاق هيئة الأمم خاليا من تحديد معنى العدوان، وترك لمجلس الأمن حرية تقدير الواقعة إن كانت عدوانا أم لا. إلى أن بدأت الأمم المتحدة أشغالها بشأن وضع تعريف للعدوان.
4) جهود هيئة الأمم:
بعد عدّة مناقشات ومحاولات، تمكَّنت الجمعية العامة للأمم المتحدة من تعريف الحرب العدوانية، في قرار رقم 1/3314 الصادر في 14/12/1974. وقد عرّفتها بأنّها: استخدام القوة المسّلحة من قبل دولة ما ضد السيادة أو السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى، أو بأيّة طريقة كانت تتعارض مع ميثاق هيئة الأمم المتحدة.
و قد صيغ هذا التعريف بأسلوب واضح و منطقي، و قد تجنَّب النقد الذي وجه إلى التعريف العام و التعريف الحصري أيضًا. فالتعريف لم يأخذ بالإتجاه الحصري متجنبا النقد الذي يوجه لهذا التعريف بأنه تعريف جامد و ناقص و لا يساير التطور، فقد أشار التعريف إلى أن الأفعال المحددة فيه لم تُذكر إلا على سبيل المثال لا الحصر. كما ترك التعريف لمجلس الأمن إستخلاص العدوان من بعض الوقائع التي لم ترد فيه و لا يمكن التنبؤ بها سلفًا، فأتاح بذلك الفرصة لملاحقة التطور القانوني و الإستفادة منه بخصوص بعض المجالات التي قد تظهر في المستقبل.
ومن جهة أخرى ؛ فإن التعريف لم يقع في مساوئ التعريف العام الذي وُصف بأنه واسع و عديم الفائدة، فقد أشار تعريف الأمم المتحدة بوضوح إلى أفعال العدوان و حددها في م3.
5) النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية:
وبالرجوع إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وموقف الدول من جريمة العدوان، نجد أنّ هذه الأخيرة قد عرفت العديد من المناقشات أثناء مؤتمر روما، حيث طالبت مجموعة من الدول منها ألمانيا وإيطاليا ومصر بإدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة، وقد تمّ تأييدهم من قبل العديد من المشتركين.
كما ثارت إشكالية أخرى، بين الدول المؤيدة لدور مجلس الأمن في تقرير وجود حالة عدوان من عدمها، والدول الرافضة لهذا التدخل من قبل مجلس الأمن.
ولذلك وبهدف التوفيق بين هذه الآراء جميعا، تمّ الاتفاق على نص المادة الخامسة من النظام والتي أوردت العدوان كجريمة رابعة تدخل ضمن اختصاص المحكمة، على أن تعرّف الجريمة في وقت لاحق خلال مؤتمر يعقد بعد سبع سنوات من دخول الاتفاقية حيز النفاذ.
ويتبيّن من الحكم الذي أورده النظام الأساسي حول جريمة العدوان، أنّ اختصاص المحكمة سيكون مستقبليا بالنسبة لهذه الجريمة، والتي أصبحت جريمة العصر. إضافة إلى إمكانية عدم بسط المحكمة اختصاصها على من لا يوافق على التعديل الخاص بها.

وفعلا لقد تمّ في11/06/2010 تعديل ميثاق روما الأساسي ، إذ أُدرِجت به م 8 مكرر ؛ و التي عرَّفت العدوان بأنه :" قيام شخص ما ، له وضع يُمَكِّنُه فعلا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل، بتخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ فعل عدواني يشكل، بحكم طابعه وخطورته ونطاقه، انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة .
ولأغراض تعريف جريمة العدوان يعنى " فعل العدوان" استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة."
و يُلاحظ أنَّ هذه المادة قد تبنَّت نفس التعريف الذي جاءت به الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 1/3314 الصادر بتاريخ 14/12/1974؛ السابق الإشارة إليه.

المطلب الثالث:أشكال الحرب العدوانية:


تتخذ الحرب العدوانية أحد شكلين، وذلك تبعا للوسائل المستعملة خلالها، فإمّا أن تكون حربا مسّلحة، وهي ما تسمى العدوان المباشر (الفرع الأول)، وإمّا أن تكون غير مسّلحة، أو ما تسمى العدوان غير المباشر (الفرع الثاني).

الفرع الأول: الحرب العدوانية المسّلحة:


هي حالة استخدام عدوان مُسلَّـح من دولة على دولة أخرى بدون وجه حق (دون توافر حالة الدفاع الشرعي أو حق تقرير المصير)، أو استخدام دفاع الأمن الجماعي الذي تقرّره الأمم المتحدة، فكل حرب مسلَّحة في غير هاتين الحالتين هي حرب عدوانية مباشرة، مهما كانت مبرراتها وذرائعها.
والحرب بالمعنى التقليدي تُعرَّف بأنّها صراع عن طريق استخدام القوة المسّلحة بين الدول بهدف تغلب بعضها على بعض.
وعندما عُقِدَت اللجنة التي شكَّلتها الأمم المتحدة بشأن تعريف الحرب العدوانية، في دورتها الأولى سنة 1968 بجنيف، اعتبرت أنّ الحرب العدوانية المسلحة تعتبر أخطر أشكال الحروب إطلاقا. ومن ثمة فإنّ أعضاء هذه اللجنة اعترفوا بوجود نوعين من أشكال الحرب العدوانية.
وهذا الشكل هو أبلغ الأشكال غير المشروعة لاستعمال القوة، وأخطرها؛ خاصةً وأنّ أغلب الدول تمتلك أسلحة الدمار الشامل، ممّا يهدد بإفناء كل العالم، ويؤدي إلى كارثة دولية لا سابقة لها.
ومن أمثلة هذه الحرب: احتلال أفغانستان، وغزو العراق.
وجوهر الحرب العدوانية هو الاستعانة بالقوات المسّلحة، أي انطوائها على قدر من العنف في العلاقة بين دولة ودولة أخرى، فهي تنهي العلاقات الودية بين الدول.
وقد تكون هذه الأعمال المسلحة؛ عبارة عن قوات برية، أو بحرية أو جوية. كما قد تكون جيش نظامي، أو جيش احتياطي أو مرتزقة. وقد تكون الأسلحة تقليدية أم حديثة ومتطورة.
إلا أنّ استخدام القوة المسلَحة قد يكون مشروعا، إذا كان متماشيا مع أحكام ميثاق هيئة الأمم و القانون الدولي العام؛ مثل حالة الدفاع الشرعي(المادة 51 من الميثاق)، أو بطلب من هيئة الأمم(المادة 39،42 مِن الميثاق)، أو حالة الكفاح المُسلح من أجل تقرير المصير.

الفرع الثاني: الحرب العدوانية غير المسلحة:

هي التدابير التي لا تستخدم فيها القوة المسلحة، وتتخذ لأغراض مخالفة لما تنص عليه المادة 41 مِن ميثاق هيئة الأمم المتحدة ، وتكون مهدِّدة للسلم أو السلامة الإقليمية أو الانتقال السياسي لدولة ما، أو مجموعة دول.
ومن أمثلتها، احتلال "هتلر" لكلٍ من النمسا وتشيكوسلوفاكيا بدون استخدام القوة المسلحة، بل فقط استخدم التهديد باستعمالها. ومِن وسائل هذا الشكل من العدوان:
 تشجيع أنواع من النشاط الضار بدولة أخرى، كالإرهاب.
 التحريض على حرب أهلية في دولة أخرى، أو تسهيل انقلاب داخلها.
 ومن أمثلة الحرب العدوانية غير المباشرة، كذلك: العدوان الاقتصادي، وهو تدابير اقتصادية تتخذها دولة لأغراض سياسية ضد دولة أخرى، بغرض السيطرة عليها وحرمانها من ثرواتها الاقتصادية.
وقد يكون العدوان الاقتصادي أكثر تأثيرا من العدوان المسلح إذا طال أمد هذا العدوان بحيث يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج أكثر من العدوان المسلح، و قد ينتهي (العدوان الاقتصادي) إلى عدوان مسّلح عندما ترى الدولة المعتدية أنّ العدوان الاقتصادي قد نال من هذه الدولة ولا تستطيع الدولة المعتدى عليها الدفاع عن نفسها، وهذا ما حصل في دولة العراق حيث خضعت هذه الدولة إلى أكثر من عقد من الزمان لحصار كان بتأثير من الدول المعتدية ،وعندما وثقت الدول بأنّ العراق أصبح لا يستطيع الدفاع عن نفسه استخدمت الدول المعتدية العدوان المسلح بذرائع أخرى منها أسلحة الدمار الشامل، وتحرير العراق ؛فهذا الشكل من العدوان الذي سبق العدوان المسلح هو أكثر تأثيرا من العدوان المسلح في بعض الأحيان.
 و مِن أشكال الحرب العدوانية غير المسلحة كذلك، العدوان الفكري أو الدعاية لحرب عدوانية، عن طريق بث الشائعات التي تطيح بدولة أخرى، عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة.

المبحث الثاني:
النظام القانوني لمكافحة الحرب العدوانية:


إنَّ التوصُّل إلى تجريم الحرب العدوانية و النص على تعريفها - كما سبق القول - لا يكون كافيا لإقامة السِّلم و الأمن الدولِيَيْن و الحفاظ على أمن البشرية ؛إذا لم يُتَّبَع نظام كفيل بتحديد شروط هذه الجريمة و أركان قيامها؛ حتى لا يحصل شك في وجودها(المطلب الأول)، لتُحدَّد فيما بعد الإجراءات المٌتَّخَذة لإخطار المحكمة المختصة بوقوع هذه الجريمة(المطلب الثاني)، ثم بعد ذلك إقرار العقوبات اللازمة للحد منها و ردع كل من تسوِّل له نفسه الإقدام على مثل هذه الجريمة(المطلب الثالث).

المطلب الأول:أركان الحرب العدوانية:


تعتبر أركان أيّة جريمة من الجرائم بمثابة الأساس لكل جريمة، أو ما يشبه الأعمدة التي تقف عليها هذه الجرائم لتظهر إلى حيِّز الوجود.
وجريمة الحرب العدوانية كغيرها من الجرائم تتطلب ركنين؛ ركن مادي (الفرع 1)، وركن معنوي (الفرع 2)، إلا أنّها باعتبارها جريمة دولية تتميز بوجود ركن ثالث يُبرِز خصوصيتها وخطورتها، وهو الركن الدولي (الفرع 3).

الفرع الأول: الركن المادي:


وَضَّحت م8مكرر/2 من ميثاق روما معنى الحرب العدوانية ،فوصفتها بأنها تقوم على إستعمال القوة المسلَّحة من قِبل دولة ما للإعتداء على السيادة أو السلامة الإقليمية أو الإستقلال السياسي لدولة أخرى ، أو بأية طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. و عليه ؛ فإن إستعمال القوة لقطع العلاقات الودية بين الدول يُعد حربا عدوانية لا يمكن تبريرها، و لا يستثنى من ذلك سوى العمل الذي تستعمل فيه القوة بما يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة.
و قد حاول التعريف أن يحدد أشكال إستعمال القوة المسلحة؛ فنصَّ على عدة أفعال إعتبرها بمثابة مجمل وجوه الحرب العدوانية التي يمكن أن تقع على أرض الواقع، لكن هذه النماذج جاءت على سبيل المثال لا الحصر، و بهذا ؛ فقد توجد بعض الحالات التي لا تنطبق عليها صورة أحد النماذج التي عددتها م8مكرر/2 ، و لكنها مع ذلك تعد حربا عدوانية بموجب الفقرة الأولى من المادة. و المرجع في ذلك هو مجلس الأمن الدولي الذي له الحق في تقييم الواقعة بكل ظروفها الموضوعية و البت فيها بالقول فيما إذا كانت تعتبر إعتداءا أم لا.
و من جهة أخرى ؛ فقد تتطابق الواقعة مع إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة المذكورة، و مع ذلك فلا تعد حربا عدوانية ؛ و ذلك عندما يتبين للمجلس أن الواقعة بظروفها تعد قليلة الخطورة إلى درجة أنها لا ترقى لإعتبارها عدوانا.
و بينت م8مكرر/2 من ميثاق روما الأساسي ؛ بعض أشكال إستعمال القوة المسلحة بوصفها حربا عدوانية ، و هي ما تشكل الركن المادي لهذه الجريمة؛ و هي :
1- قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري، ولو كان مؤقتا، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة.
2- قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى.
3- ضرب حصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى.
4- قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوى لدولة أخرى.
5- قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق.
6- سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة.
7- إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المعددة أعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك.

الفرع الثاني: الركن المعنوي:

جريمة حرب الاعتداء جريمة مقصودة يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجنائي، فلا تقع هذه الجريمة إذا ارتكب فعل العدوان بخطأ غير مقصود. والقصد المطلوب بشأنها هو القصد العام فقط، فلا يشترط بالنسبة لها ضرورة توافر قصد خاص. ويتكوَّن القصد العام من علم وإرادة: علم بعناصر الجريمة، وإرادة إلى تحقيق مادياتها أو على الأقل قبول تحقيقها.
و إنَّ توافر القصد الجنائي يعني أن مَن يَأمُر بهذه الجريمة يعلم أنه بعمله هذا يعتدي على سيادة دولة أخرى ، و أنه زيادة على ذلك يريد هذا الإعتداء؛ فإذا كان يجهل ذلك أو قام بعمله مجبرًا، فلا يُعد عمله حربا عدوانية.
فإذا توافر العلم والإرادة -بالمعنى السابق- تحقق القصد الجنائي أيًّا كان الباعث على ارتكاب الجريمة، إذ لا أثر للبواعث على توافر القصد الجنائي سواء كان شريفا؛ أي الهدف منه تحقيق مصلحة للدولة المعتدى عليها؛ أم سيئا أو شريرا، كأن يكون الغرض منه الانتقام أو الطمع في ثروات تلك الدولة.
والأصل أنّ عبء إثبات توافر القصد الجنائي يقع على عاتق جهة الإدعاء، ولكن يُفترض توافره في حق المعتدي إذا كان هو البادئ بالعدوان، وعليه إذا أراد- أي المعتدي- إثبات العكس، أي إثبات عدم توافر القصد في جانبه على الرغم من أنه هو الذي بدأ بالعدوان.

الفرع الثالث: الركن الدولي:

يقصد بالركن الدولي في جريمة حرب الاعتداء وجوب وقوع فعل العدوان باسم دولة- أو عدة دول- أو بناءا على خطتها أو برضاها (أي وقوع فعل العدوان من دولة بطريق مباشر أو غير مباشر) على إقليم أو قوات أو سفن أو طائرات دولة أخرى أو عدّة دول أخرى، بحيث يمكن القول بأنّ هذه الجريمة قد أنشأت علاقة دولية محرمة.
فجريمة الحرب العدوانية من الجرائم التي لا تكون إلا بين الدول ، و لهذا فلا تقوم هذه الجريمة إذا قام ضابط في دولة ما؛ بدون الرجوع إلى أصحاب القرار في دولته؛ بضرب دولة أجنبية أخرى. كما لا تقوم جريمة الحرب العدوانية بإشتباك مسلح مع مجموعات أو أفراد من دولة أخرى؛ فهذه الجريمة عمل دولة لا عمل مجموعة أو إفراد أو عصابات.
ويعتبر حربا عدوانية الاشتباك المسلح بين دول تُكوِّن اتحادا شخصيا (كنفدرالي) أو الاشتباك بين دولتين تخضع إحداهما لنظام دولي- كالانتداب أو الوصاية- وتكون الثانية حرة ذات سيادة كالدولة المنتدِبة أو التي تتولى الوصاية. فلا يشترط لتوافر الركن الدولي أن تكون الدولة أو الدول المعتدية والدولة أو الدول المعتدى عليها دولا ذات سيادة كاملة. فيتوافر هذا الركن وتقع جريمة حرب الاعتداء إذا وقع فعل العدوان بين دول ناقصة السيادة أو من دولة ناقصة السيادة على أخرى كاملة السيادة أو من دولة كاملة السيادة على أخرى ناقصة السيادة.

المطلب الثاني:كيفية عِلم المحكمة الجنائية الدولية بالحرب العدوانية:


نصت م13 من نظام روما الأساسي على ممارسة إختصاص المحكمة الجنائية الدولية على كل الجرائم الواردة بالم13 منه؛ و بما فيها جريمة العدوان.
و قد حددت هذه المادة(م13) الهيئات التي يحق لها إعلام المحكمة بوقوع هذه الجريمة؛ و هي : دولة طرف في نظام المحكمة الجنائية الدولية (الفرع الأول) ، مجلس الأمن متصرّفًا وفق الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة (الفرع الثاني)، و قد يباشر المدَّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق من تلقاء نفسه (الفرع الثالث).

الفرع الأول : إخطار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بوقوع الحرب العدوانية من طرف دولة عضو في نظام المحكمة :


حيث أن المادة 14 من نظام روما الأساسي سمحت بذلك، إلا أنها إشترطت في حالة إحالة الدولة إلى المدعي العام ؛أن تكون هذه الدولة و الدولة المعتدية كلتاهما مصادقتان على نظام المحكمة الجنائية الدولية، حتى يتسنَّى للمدعي العام التحقيق في الموضوع ، و كذلك حتى تتمكن المحكمة من محاكمة مرتكبي الجريمة في تلك الدولة.
و يجب على المحكمة أن تثبت أوَّلاً فيما إذا كان مجلس الأمن قد أصدر قرارًا متصرفا بموجب م39 من الميثاق أم لا، فيجب على المحكمة أن توقف التحقيق إذا كان مجلس الأمن بدأ في إستخدام م39 أو يرغب في إتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في هذه المادة.
كذلك يجب على الدولة عدم إحالة الموضوع إلى المدعي العام إذا قامت الدولة بالتحقيق في هذا الموضوع وأجرت محاكمة للأفراد المتورطين في هذه الجريمة؛ كون نظام روما الأساسي ينص على عدم محاكمة الأفراد مرَّتَيْن عن نفس الموضوع ،و أن هناك تكاملاً بين هذا النظام و بين المحاكم الوطنية للدول الأطراف .

الفرع الثاني : إحالة وقوع الحرب العدوانية من مجلس الأمن متصرّفًا وفق الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة :


حيث أن المادة 13/ب أجازت له ذلك إ ذا كان قد قرر أو أوصى بأن حربًا عدوانية قد ارتُكبت.
ومن خلال نص المادة 53من نظام روماالأساسي؛يتضح أن المدعي العام للمحكمة ليس ملزمًابالإحالة التي ترِدُه من مجلس الأمن بوقوع الحرب العدوانية ؛حيث أن النظام منح المدعي العام السلطة التقديريةالمطلقة في التحقيق،فيحق له عدم الشروع فيه رغم هذه الإحالة.
كما أن المدعي العام والغرفة التمهيدية ليسا ملزَمَيْ نبإقامة الدعوى ضد متهم بهذه الجريمة إذ اتوفرت إحدى الحالات الواردة بالمادة53/2؛ كعدم وجود أساس قانوني أو وقائعي كافٍ،أو لأن المقاضاة لن تخدم مصالح العدالة.

الفرع الثالث: مباشرة المدَّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق من تلقاء نفسه :


حتى و لو لم تمارس الأطراف الأخرى المنصوص عليها في م13 استخدام حقها في إحالة الحالة إلى المدَّعي العام،فإنَّ هذا الأخير- كأحد أجهزة تفعيل إختصاصات المحكمة – يمكنه أن يُبادرمِن تلقاء نفسه إلى إجراء التحقيق؛على أساس توافر المعلومات عن الجريمة المُندرِجة تحت إختصاص المحكمة الجنائية الدولية. حيث يقدم طلبا إلى الغرفة التمهيدية للمحكمة من أجل الحصول على تفويض لإجراء تحقيق بخصوص هذه الجريمة، وهذا حسب نص م15/3 من نظام المحكمة.
والغرفة التمهيدية ؛بعد تقدير ما بين يديها من أُسُس و وقائع؛ يمكنها إمَّا تفويض المدعي العام للبدء في التحقيق أو رفض طلبه؛و هنا يحق له حسب م15/4 إعادة تقديم طلبه إذا بدت له أدلة جديدة.
و بخصوص ممارسة المحكمة لإختصاصاتها بشان هذه الجريمة ؛ فلقد جاء التعديل الحاصل سنة 2010 ببعض القواعد الإجرائية الواجب إحترامها، و المنصوص عليها بالمادة 15مكرر و المادة 15 مكرر ثالثًا؛ حيث إشترط الميثاق لممارسة هذا الإختصاص وقوع الحرب العدوانية بعد سنة واحدة على الأقل من مصادقة 30 دولة على التعديلات.
كما يجب صدور قرار يُتَّخَذ بأغلبية دولٍ أطراف تساوي الأغلبية المشترطة لتعديل النظام؛ و لا يمارس هذا الإختصاص إلاَّ بعد 01/01/2017.  

المطلب الثالث:العقوبات المقررة للحرب العدوانية.


لا توجد عقوبة محدّدة لجريمة حرب الاعتداء. ولكن نظرا لأنّ هذه الجريمة من أقسى الجرائم الدولية وأخطرها على السلام العالمي والمجتمع الدولي فإنّه يجب أن يعاقب مرتكبوها بأقصى العقوبات. والعقوبات الدولية المُسَلَّم بها في العُرف الدولي وفي محاكمات نورمبرج و طوكيو هي الإعدام والسجن والغرامة والمصادرة. وقد نصت المادة 77 من نظام روما الأساسي على العقوبات عن الجرائم الدولية وهي: السجن المؤبد، السجن المؤقت الذي لا تزيد مدته على ثلاثين سنة، الغرامة، المصادرة. وقد استبعد نظام روما الأساسي عقوبة الإعدام من بين العقوبات المقرّرة للجرائم الدولية.
أما بالنسبة للجزاءات المفروضة على الدول المعتدية، فقد تضمن ميثاق هيئة الأمم صُوَر مختلفة وأشكال متعدّدة من هذه الجزاءات، يمكن تصنيفها إلى جزاءات سياسية (الفرع 1)، اقتصادية (الفرع 2)، وعسكرية (الفرع 3).

الفرع الأول: الجزاءات السياسية:


تتمثل الجزاءات السياسية في إجراءات الضغط ذات الطابع السياسي حيث يمكن تعريف هذا الجزاء بأنّه الأثر ذو الطابع السياسي والذي يُوقِّعه أحد أشخاص القانون الدولي على شخص دولي آخر نتيجة إخلال هذا الأخير بإحدى قواعد القانون الدولي، وهذا الأثر ذو طابع نفسي وقد ظهر منذ زمن بعيد وأخذت به عصبة الأمم في المادة 16،وأيضا ميثاق الأمم المتحدة في المادة 41.
وتتعدّد صور الجزاء السياسي وإن كانت المادة 41 من الميثاق قد أشارت إلى إحدى هذه الصور وهي حالة قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة المخالفة أو المعتدية؛ إلاَّ أنّ هذا لا يعني عدم وجود صور أخرى للجزاء السياسي، ذلك أنّ الجزاءات الواردة بهذه المادة لم ترد إلا على سبيل المثال ،فيجوز لمجلس الأمن أن يضيف إليها من الجزاءات ما يُقَدِّر ضرورته للمحافظة على السلم والأمن الدوليين أو لإعادتهم إلى نصابهما.
هذا؛ و لابدّ من الإشارة إلى أنّ ميثاق الأمم المتحدة كان قد تضمن بعض الجزاءات السياسية النظامية التي يمكن أن تفرض على الدول المخالفة لالتزاماتها الدولية ولم تشر المادة 41 إلى هذه الجزاءات لكن يبدو لي أنّه من الطبيعي أن تكون الدولة المعتدية هي أكثر وأجدر مَن يستحق أن يُستهدَف بمثل هذه الجزاءات التي تتمثل في عقوبتي الطرد من الأمم المتحدة أو وقف العضوية فيها.

الفرع الثاني: الجزاءات الاقتصادية:


يراد بالجزاءات الاقتصادية بشكل عام مجموع الإجراءات التي تعتمد على الأدوات الاقتصادية وتأخذ بها الحكومات بشكل منفرد أو ثنائي أو جماعي، أو من خلال إحدى المنظمات الإقليمية أو الدولية ضد دولة أو مجموعة من الدول ذات السيادة بسبب انتهاك القانون الدولي أو معاهدة دولية وذلك في محاولة لإجبار هذه الدولة على العودة والالتزام بالأنماط المقبولة من السلوك الدولي.
وواضح من هذا التعريف أنّ الجزاءات الاقتصادية تهدف إلى التأثير على إرادة الدولة المستهدَفة لحملها على احترام التزاماتها الدولية بحيث تصبح قراراتها مطابقة لما يفرضه عليها القانون الدولي.
وقد استخدمت الجزاءات الاقتصادية في فترة مُبَكِّرة جدا من تاريخ البشرية، كما كانت من الأدوات الرئيسية في جميع الحروب والمنازعات التي شهدتها الإنسانية على مدار تاريخها، إلى أن استخدمت كجزء تفرضه الأمم المتحدة وفق ما أشارت إليه المادة 41 من الميثاق.
وتتعدّد صور ومظاهر الجزاءات الاقتصادية التي يمكن أن يتم فرضها على الدولة المعتدية كما تتعدّد المصطلحات التي تستخدم للدلالة على هذه الجزاءات،وكانت المادة 41 قد أشارت إلى بعض أشكال هذه الجزاءات والتي يكون من ضمنها (... وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات...)، وبالتالي يمكن أن نميز هنا بين ثلاثة أشكال رئيسية تتخذها الجزاءات الاقتصادية؛ وهذه الأشكال هي الحظر ،والمقاطعة ،وفرض الحصار لضمان فعّالية الحظر والمقاطعة.

الفرع الثالث: الجزاءات العسكرية:

يراد بالجزاء العسكري وفقا لميثاق الأمم المتحدة الإستخدام المشروع للقوة المسلحة كأثر لإنتهاك أحد أشخاص القانون الدولي للقواعد المتعلقة بالسلم و الأمن الدوليين ، و يشمل هذا المفهوم العديد من الجزاءات الجماعية التي يتم إتخاذها وفقا لمفهوم الأمن الجماعي عن طريق مجلس الأمن، و لكنها تتميز بكونها تتطلب إستخداما مباشرا للقوة لفرض حفظ السلم و الأمن الدوليين و فقا للمادة 42 من الميثاق؛ و التي يستفاد من نصها أن مفهوم الجزاء العسكري ينصرف إلى إستخدام القوة المسلحة سواء البرية أو البحرية أو الجوية بغض النظر عن نوع العمليات العسكرية المستخدمة و أيًا كان الأسلوب المستخدم، شريطة أن يتم إستخدامها وفقا لأحكام الميثاق.
و من الأمور المتفق عليها أنه في حالة إرتكاب جريمة الحرب العدوانية فإن تطبيق هذه الجزاءات لا يتوقف على أمر أو طلب أو موافقة الدولة المعتدى عليها -الضحية- فلمجلس الأمن الدولي أن يبادر من تلقاء نفسه بفرض هذه الجزاءات على الدولة المعتدية ؛ و ذلك باعتبار أن المحافظة على السلم و الأمن الدوليين هو أمر يتعلق بصالح الجماعة الدولية و ليس وضعا يهم فقط الدولة المتنازعة؛ و بالتالي فإن مصلحة الجماعة الدولية - وليس مصلحة الدولة المتنازعة فقط- هي ما تُملي على المجلس فرض هذه الجزاءات ، و لذلك فإن إعتراض الدولة المعتدى عليها لا يمنع مجلس الأمن الدولي من فرض هذه الجزاءات .

خـــاتـــمـــة.


يمكن القول أن جريمة الحرب العدوانية من أخطر الجرائم على المستوى الدولي؛ لذلك سعت جُل المواثيق الدولية لِمنعها و إقرار عقوبات على من يرتكبها.
و مِن بين المحاسن التي تُحتسَب لصالح نظام روما الأساسي في مجال محاربة هذه الجريمة؛ نجد بعض المبادئ التي كرَّسها، مثل عدم الإعتداد بالصفة الرسمية أو بالحصانات التي يتمتع بها الأشخاص في الدول؛ و هذا ما نصت عليه المادة 27 من هذا النظام؛ و كذلك مبدأ عدم سقوط الجرائم بالتقادم، و ذلك في المادة29 من النظام الأساسي.
كما أن التوصُّل لوضع تعريف لهذه الجريمة يُعدُّ خطوة فعَّالة نحو تكريس سياسة عقابية دولية مُحكمة.
إلاَّ أنَّ هناك بعض أفعال إستعمال القوة في العلاقات الدولية يمكن القيام بها دون أن تُشكِّل خرقًا للقانون الدولي، و هي حق الدفاع الشرعي و حق تقرير المصير، بحيث يجوز للدولة إستعمال القوة المسلحة من أجل الدفاع عن نفسها ؛ أو لتقرير مصيرها . لكن لا بد من التقيُّد بالشروط و الضوابط اللاَّزمة لذلك، لكي لا يتم التذرُّع بهذه الظروف للتحقيق أهداف عدائية جائرة.

قائمة المراجع :


1) إبراهيم الدراجي، جريمة العدوان و مدى المسؤولية القانونية الدولية عنها، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، الطبعة الأولى، 2005.
2) صلاح الدين احمد حمدي، العدوان في ضوء القانون الدولي1919-1977، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983.
3) عبد الله سليمان سليمان، المقدمات الأساسية في القانون الدولي الجنائي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.
4) علي عبد القادر القهوجي، القانون الدولي الجنائي، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، الطبعة الأولى،2001.
5) لندة معمر يشوي ، المحكمة الجنائية الدولية و إختصاصاتها، دار الثقافة للنشر و التوزيع، الأردن،2008.
6) نايف حامد العليمات، جريمة العدوان في ظل نظام المحكمة الجنائية الدولية، دار الثقافة للنشر و التوزيع، الأردن،2007.
7) نظام روما الأساسي ، منجز بتاريخ 16/06/1998، دخل حيِّز النفاذ في 17/ 01/2002، معدَّل بتاريخ 29/11/2010، مقتبس من موقع www.treaties.un.org.


الـــفـــهـــرس:
مـــقـــدمـــة :........................................................................................................ ص 01 .
المبحث الأول : مفهوم الحرب العدوانية:..................................................................... ص02 .
المطلب الأول: التطور التاريخي للحرب العدوانية............................................................. ص 02 .
المطلب الثاني: تعريف الحرب العدوانية :...................................................................... ص 05 .
الفرع الأول: الجدل حول ضرورة تعريف الحرب العدوانية من عدمه.............................. ص 05 .
الفرع الثاني: الجهود المبذولة لتعريف الحرب العدوانية............................................... ص 06 .
المطلب الثالث: أشكال الحرب العدوانية:....................................................................... ص10 .
الفرع الأول: الحرب العدوانية المُسَلَّحة................................................................... ص 10 .
الفرع الثاني : الحرب العدوانية غير المُسَلَّحة............................................................ ص 11 .
المبحث الثاني: النظام القانوني لمكافحة الحرب العدوانية:.................................................. ص 12 . المطلب الأول: أركان الحرب العدوانية:......................................................................... ص 12 .
الفرع الأول: الركن المادي.................................................................................. ص 12 .
الفرع الثاني: الركن المعنوي................................................................................ ص 13 .
الفرع الثالث : الركن الدولي................................................................................. ص 14 .
المطلب الثاني: كيفية عِلم المحكمة الجنائية الدولية بالحرب العدوانية:..................................... ص 15 .
الفرع الأول: الإحالة من دولة طرف في نظام روما الأساسي.......................................ص 15 .
الفرع الثاني: الإحالة من مجلس الأمن وفق الفصل السابع من الميثاق . .............................ص 15 .
الفرع الثالث : مباشرة المدعي العام للتحقيق من تلقاء نفسه.......................................... . ص 16 .
المطلب الثالث: العقوبات المقررة للحرب العدوانية............................................................ ص 17 .
خـــاتـــمـــة.............................................................................................................ص 19 .
قائمة المراجع.........………………………………………………………………..ص20.
الفهرس............................................................................................................... ص 21 .

النسخة الحاملة للهوامش و المجهزة للطبع


السبت 24 نونبر 2012


تعليق جديد
Twitter