Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الحق في الحكامة بين ارادة المجتمع وإدارة الدولة


     

يونس أربيلة

باحث في القانون العام والحكامة



الحق في الحكامة  بين ارادة المجتمع وإدارة الدولة

 
يتأسس اي فعل في الشأن العام الوطني أو الجهوي أو الترابي على الإجابة عن سؤال : ماهي الحق في الحكامة ؟؟؟
 
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تعريفا واقعيا للحكامة , حيث في اعتقادي ان ( الحكامة هي الية دمج ارادة المجتمع مع إدارة الدولة والجماعات الترابية الاخرى – كأشخاص معنوية عامة – لبلورة اي قرار يهدف الى تحقيق المصلحة العامة في اطار احترام سيادة الدولة ).

فإذا كانت الحكامة قد تم تداولها في المنتديات الدولية ومن  طرف البنك الدولي , في نهاية الثمانينات من القرن الماضي , نظرا لتفاقم مظاهر الأزمة السياسية والإقتصادية والإجتماعية الخ , في بلدان العالم الثالث , واعتراف المجتمع الدولي بان التنمية بطيئة ولا تواكب الدينامية والتجديد والتطوير الدي يشهده العالم المتقدم , فإن الحكامة في العالم العربي منحت مجالا – ليس بالهين- في مجمل السياسات العمومية خاصة في دول شمال افريقيا , تونس , الجزائر والمغرب .

حيث ان تبني دستور 2011 في المغرب ,جعل المشرع للحكامة الجيدة موقعا متميزا في (تصدير دستور 2011) وفي الباب الثاني عشر من نفس الدستور ( من الفصل 154 الى الفصل 171 ) , لكن وبعد مرور اكثر من سنتين على هذا التبني ما زال النقاش في مستوياته المختلفة : الاكاديمية والسياسية والحزبية وحتى في فضاءات المجتمع المدني يثير العديد من الإشكالات , تتمحور مجملها حول التوظيف الأمثل للحكامة كالية من اليات التنمية المجتمعية.

سنحاول التطرق الى اهمية الارادة المجتمعية في بلورة تطور الحكامة التشاركية في محور أول .

وما مدى مسؤولية ادارة هذه  الحكامة التشاركية وبلورتها في إطار الحكامة التمثيلية في محور ثان.

المحور الأول : الإرادة المجتمعية والحق في الحكامة

إن الحديث عن الارادة المجتمعية في دولة الحق والقانون والمؤسسات ترتبط ارتباطا وثيقا بالتعاقد بين المواطن من جهة والدولة من جهة ثانية , فإذا كان الدستور المغربي 2011 ينص في التصدير على ان المملكة المغربية , وفاء لإختيارها الذي لا رجعة فيه , في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون , تواصل اقامة مؤسسات دولة حديثة , مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة , وارساء دعائم مجتمع متضامن , يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة , وتكافئ الفرص , والعدالة الإجتماعية ومقومات العيش الكريم , في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة , فإنه من الواضح أن الحق في الحكامة بالنسبة للمجتمع على غرار الأفراد يتوزع في معايير مندمجة , لكي ترسخ اللحكامة التشاركية وهي :

أولا : المشاركة
تانيا : التضامن
تالثا : الحق والواجب في المواطنة .

إن هذه المعايير تعتبر معايير ذات حمولة معنوية تعبر عن ارادة الفرد والمجتمع ويجب تأطيرها مؤسساتيا , ولعل المشرع المغربي في دستور 2011 منح لها هذا الحق وذلك من خلال:

أولا : معيار المشاركة

 الفصل الاول – بربط المسؤولية بالمحاسبة , حيث نتحدت عن المسؤولية المجتمعية في القضايا الكبرى , المشاركة في الانتخابات التشريعية والجماعية , ومنه ( الحق في المشاركة السياسية , الإقتصادية والإجتماعية والثقافية …, إلخ )
ومن خلال الفصل الثاني : السيادة للأمة تمارسها بالإستفتاء , وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها .
تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالإقتراع الحر والنزيه والمنتظم .
ولعل أن من اهم ما شرعه المشرع المغربي هو ما نص عليه الفصل السادس  القانون اسمى تعبير عن ارادة الامة والجميع , أشخاصا ذاتيين او اعتباريين , بما فيهم السلطات العمومية , متساوون امامه , وملزمون بالإمثثال له , فإذا كان معيار المشاركة ومنه الحق في المشاركة لقي مزيدا من العناية والقيمة المعنوية-المادية عبر دسترته في الباب الاول , نجد أن الفصل 12 , منح للجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنضمات الغير حكومية , في اطار الديمقراطية التشاركية  المساهمة في القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية , وهذا يبلور مدر حرص الفاعل في الشأن العام ومن خلال صلاحياته التشريعية والقانونية مباشرة الإجراءات التي من شأنها النهوض بالحكامة التشاركية وجعلها الية لإدماج المطالب الإجتماعية والإقتصادية والبيئية والثقافية , في كل سياسة عمومية مندمجة , حيث في نفس الإطار نص الفصل 13 على اهمية احداث هيئات للتشاور بغية الإشراك الفعلي لمختلف الفاعلين الاجتماعيين ومنه كذالك في الفصل 14 , الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع , هذا الحق مكفول للمواطنين والمواطنات ستحدد بقانون تنظيمي .
إن القراءة المتأنية لهذا الفصل تثير مجموعة من الإشكالات الإجرائية والمسطرية من بينها القوة الإلزامية  علما بان الحق في التشريع مكفول لهيئات وجهات محددة بالقانون , أما فيما يخص الحق في تقديم عرائض الى السلطات العمومية فالمجال مفتوح للمجتمع المدني في اطار إعمال الحق في الحكامة التشاركية بانسجام مع مبدأ التمكين ومراعاة اهمية الرأسمال الإجتماعي كنواة لأي تنمية , يجب على الدولة والجماعات الترابية التراتبية والمؤسسات العمومية فتح نقاش علمي أكاديمي مسؤول يحدد مجال واختصاص وصلاحية كل فاعل على حدى بإعمال المقاربة التشاركية المندمجة وهو ما سبق التأكيد عليه  في مقال بعنوان * من الحكامة التمثيلية إلى الحكامة التشاركية .

تانيا : معيار التضامن

يعد معيار التضامن من أهم المعايير التي تبرر إرساء الحكامة التشاركية التي تنطلق من الإرادة المجتمعية , حيث أن المشرع الدستوري كرس الفصل 38 و 39 و 40 لهذا المعيار , إذ يتبلور في مسألة :
أ- يساهم كل المواطنين والمواطنات في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية تجاه أي عدوان او تهديد الفصل 38 .
ب- تحمل التكاليف العمومية ( الفصل 39)
ج- تحمل تكاليف تنمية البلاد وكذا الأعباء الناجمة عن الافات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد (الفصل40)
ولعل من اهم مستجدات دستور 2011 هو ان هذه الفصول تم ادراجها في الباب التاني – الحريات والحقوق الأساسية – إذ تعتبر اشارة الى ان التضامن إذا كان من خصوصيات ومن مميزات الشعب المغربي فإن تاطيره دستوريا يكرس منطق التعاقد الجديد بين المواطن والدولة في احترام الحق والقانون ودولة المؤسسات .

تالثا : معيار الحق والواجب في المواطنة .

إذا كانت لكل مجتمع فلسفته , فإن  للمواطن فلسفته في الحق وفي الواجب بالضرورة يجب ان تنسجم مع الرؤى الاستراتيجية والغاية المتوخاة والاهداف المسطرة في السياسات العمومية , ان اي متدخل في اقتراح او اعداد او تنفيذ او تقييم لهذه السياسة العمومية , يطرح سؤال الحق والواجب من منضور تشريعي وقانوني وقضائي واخلاقي , وعليه فان دستور 2011 رسم الخطوط العريضة لهذا الحق في ارتباطه بالإرادة ( إرادة الفرد والمجتمع ) وبعلاقته بالقانون لأنه اسمى تعبير للأمة (الفصل 6 ) وبمبذأ المساواة ( الفصل 19 ) , ومبذأ الامن القضائي لأنه مدخل هام لأي اصلاح مجتمعي  ( الفصل 117 و118و120) حيث ان  الخلاصة من هذه الفصول السالفة الذكر نجد الدولة مسؤولة عن تطبيق القانون وانها مسؤولة عن قراراتها مع التكريس ولاول مرة لأهمية التعويض حين يتم اتبات الخطأ القضائي ( الفصل 122: يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ) وهذه ضمانة اخرى تنضاف الى الضمانات التي تتأسس عبر إجرأة معيار المشاركة والتضامن والحق والواجب في المواطنة لتحقيق  الحكامة التشاركية المنشودة .

المحور الثاني : مسؤولية الدولة والجماعات الترابية والاشخاص المعنوية الاخرى في تكريس الحكامة التمثيلية

إن التأسيس لثقافة المسؤولية في الحق في الحكامة التمثيلية له أبعاد مختلفة , منها السياسية , الاقتصادية والاجتماعية وغيرها , فإذا كانت الحكامة السياسية هي جزأ لا يتجزأ من الحكامة التمثيلية فان المشرع الدستوري كرس مبدأ هام يتعلق ب : نظام الحكم بالمغرب نضام ملكية دستورية , ديمقراطية برلمانية واجتماعية .
ومنه فإن للحكامة السياسية تمضهرات ترتبط بالفصل الاول من الدستور 2011 , نتحدث عن الحكامة البرلمانية والقضائية في احترام تام للفقرة الاولى من الفصل الاول السالف الذكر , ويلاحض ان هناك تناغم بين الحكامة السياسية  والقضائية حيث ينص الفصل 9 على انه – لا يمكن حل الاحزاب السياسية والمنضمات النقابية او توقيفها من لدن السلطات العمومية , إلا بمقتضى مقرر قضائي , حيث أن الاحزاب السياسية هي التعبير التمثيلي – التشاركي لإرادة الفرد والمجتمع في اطار التعددية والتناوب عبر الية الانتخابات واحترام للوسائل المتعارف عليها ديمقراطيا كما ورد في الفصل 7 , ولمنحها الطابع الشرعي اي الانتخابات , ومدى تدخل الدولة والاأشخاص المعنوية العامة الأخرى في الحياد ضمن مبادئ القانون ( الفصل 11) لا بد وأن تتحدث هنا عن أن الدولة والجماعات الترابية والأشخاص المعنوية العامة , من مسؤولياتها تشخيص واقع الحكامة التشاركية أولا قبل الإنطلاق الى تكريس الحكامة التمثيلية , برسم خارطة طريق بإعمال مبدأ المقاربة التشاركية ( مجتمع مدني + قطاع خاص ) تقوية الترسانة القانونية والتشريعية انسجاما مع روح الدستور , على اعتبار تنزيل الدستور في المقام الاول يعتبر الية من الية التنمية , بالنظر الى اهمية القوانين التنضيمية والعادية التي ستنبثق عنه تشرعن لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسية .
إن المساهمة في الحق في الحكامة , هو من مسؤولية الأشخاص المعنوية العامة نضرا لعدة اعتبارات.

- الإعتبار الأول : تشريعي , قانوني وقضائي مع اعمال المبادئ الاساسية في العلاقة بين السلط المنصوص عليها في الباب السادس من الدستور .

- الاعتبار التاني : هو تفعيل وتكريس الحكامة التمثيلية بإدماج الحكامة التشاركية في جميع السياسات العمومية المندمجة ( اعداد , تنفيد , تقييم ).

- الاعتبار الثالث : إن قطار التمنية لا يتوقف حيث أن دينامية المجتمع ومطالبه الاجتماعية في تزايد ومسؤولية الدولة يجب أن تتنوع وتكون اكثر انفتاحا على كل المتدخلين والفاعلين لإنجاح الورش التنموي المنشود.
 
إن الإرادة المجتمعية لا تتحقق إلا عبر قنوات ذات بعد قانوني ومؤسساتي تشاركي وبتحمل الدولة ( وكل الأشخاص المعنوية العامة ) لمسؤولياتها في إطار احترام سيادة الدولة وصون حقوق الأفراد والمجتمع على حد سواء في إطار اعمال الحق في الحكامة كمدخل لبناء دولة الحق والقانون والعدالة الإجتماعية .


المراجع :

- الدستور المغربي 2011
-الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر  28 شعبان 1432 ( 30 يوليوز 2011)
 

السبت 19 أكتوبر 2013


تعليق جديد
Twitter