Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الثعرات التشريعية وكيف ينبغي التعامل معها من جانب القضاء - قراءة حقوقية –


     

محمد عيساوي
طالب باحث بماستر المنازعات القانونية والقضائية



الثعرات التشريعية وكيف ينبغي التعامل معها من جانب القضاء - قراءة حقوقية –
 
إن الحديث اليوم عن جودة التشريعات ومدى ملاءمتها لحاجيات الأفراد ، و نحن لا ننكر دور القضاء في مجال حماية الحقوق والحريات وبتعبير أوسع حسب ما جاء به رئيس الرئيس المنتدب - المجلس الأعلى للسلطة القضائية  مصطفى فارس  أن دور القضاء اتسع ليمتد إلى تحقيق التنمية الشاملة .
وقد كشفت الممارسة اليومية عن وجود عدة ثغرات ومشاكل مرتبطة بالنصوص القانونية ينبغي التصدي لها وتقديم حلول وأجوبة لما تطرحه من إشكاليات.
فإذا كان القاضي هو الذي يمثل المشرع المغربي عن طريق تطبيقه للنصوص القانونية  فهذا من شأنه أن يحمله عبئا أكبر. فعلى سبيل المثال فإن دفاع المتهم يبحث دائما عن الثغرة القانونية في قضية الإتهام ليخرج بها موكله رابحا .
ومن تم فإن إي إصلاح للقضاء يجب أن يلامس مكامن  الثغرات القانونية  والابتعاد عن اعتبار القضاء الشماعة التي يعلق عليها الكل أخطاءه ويحملها مسؤولية ما يشهده جهاز العدالة برمته.
ومن هاته المقدمة الوجيزة نطرح إشكالا جوهري :
هل تعتبر الثغرات التشريعية مبررا لإهدار حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم ؟
ولمناقشة هذه الإشكالية نرى أن نعالجها وفق التصميم الآتي :
المطلب الأول : دور القاضي في سد الثغرات التشريعية
المطلب الثاني : مظاهر الثغرات التشريعية في القانون المغربي وبعض الحلول المقترحة
 
المطلب الأول : دور القاضي في سد الثغرات التشريعية
ينص دستور 2011 في الفقرة الأولى من الفصل 110 الذي جاء فيه ما يلي : " لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون ، ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون  "
وهنا يطرح السؤال هل السلطة التشريعية حرة في إصدار النصوص ولو كانت لا توافق إرادة الأفراد ؟
الجواب بطبيعة الحال سيكون لا ، لأن هذه المؤسسة ينحصر اختصاصها في توثيق ما تعارف عليه الأفراد وإخراجه في شكل نصوص .
وكما أشرت آنفا أن القاضي هو الذي يمثل المؤسسة التي تسهر على تطبيق القانون، فهو الذي يستنتج مقصد المشرع في ظل التناقضات القانونية. كما أن وظيفة البت في النزاع تحتم على القاضي، أمام تعدد النقائص القانونية، إيجاد حلول بناءة تساهم في إثراء النص القانوني وذلك للحفاظ على حقوق المتقاضين، وبالتالي تجسيد الدور الخلاق للقاضي .
 
فالقاضي يحكم  في الأجل المقرر وفي الزمن المعقول مهما كانت الشوائب أو التناقضات أو الثغرات التي قد تعتري القانون. وهذا فيه نوع من المخاطرة بالحقوق .
وإذا كانت القناعة القضائية هي ما يميز عمل القضاة . فأعتقد بأنه يجب تمتيع القاضي بهامش واسع من القناعة في اتخاذ ما يراه مناسبا من قرارات ومواقف من النزاعات التي تعرض عليه في إطار النصوص و المقتضيات القانونية المطبقة على النوازل ، ولو على حساب النص القانوني في سبيل تحقيق العدالة والإنصاف بين المتقاضين ، فالتشبت الحرفي والآلي بالنصوص التشريعية وعدم التدخل في مضمونها ومحتواها ولو أضرت بمصالح الأفراد وحقوقهم وهو ما ينتج عنه ضرر كبير للمصالح كما هو واقع إما بسبب النص التشريعي القاصر عن استيعاب جميع تفاصيل الحالات والنزاعات أو بسبب الإستغلال الماكر لهذه الآلية الحرفية .
ولا يجب أن تسن السلطة التشريعية قواعد ونصوص إلا بحضور تام للفاعلين باعتبارهم المعنيين بهاته القواعد وقس على ذلك شتى الميادين – مبدأ التشاركية المنصوص عليها في الدستور - ( القواعد المنظمة للتعليم يجب أن يستشار الأستاذ والتلميذ ... ) وكذلك نفس المنطق بالنسبة للمجال القانوني يجب استشارة القضاة والمحاماة ... في الجوانب القانونية والقضائية التي في مصلحة المتقاضين .
وهنا تلزم الإشارة إلى أن المقصود بالثغرة في هذا المقام ، الثغرة التشريعية بمفهومها الواسع سواء أكان فراغا تشريعيا ، أو نص تشريعيا قاصرا عن استيعاب جميع تفاصيل النزاعات ...
فالغرض من هذا الموضوع بالدرجة الأولى معرفة الطريقة والكيفية التي ينبغي على القاضي أن يتعامل مع الثغرات التي قد تصيب  النص التشريعي .
المطلب الثاني : مظاهر الثغرات التشريعية في القانون المغربي وبعض الحلول المقترحة
لقد أثبت الميدان العملي أن هناك مجوعة من المشاكل بسبب هاته الثغرات ، وسأقتصر على إعطاء مثال واحد ، لأن المجال لا يسمح ولا يتسع إلى استجلاء كل الثغرات أو على الأقل بعضها .
ومن الأمثلة الصارخة على الثغرات التشريعية نذكر المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية التي جاء فيها : "...إن ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية ، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر ، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسبب تدليس أو زور أو استعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه ".
إن هذه المادة خلقت إشكالا داخل  المنظومة العقارية واحتدم الصراع حول : من هو الأولى بالحماية ؟ أهو صاحب الملك الأصلي ،أم الغير المقيد عن حسن نية ؟
صراحة لا يمكن الإستهانة بالموقف الحرج الذي يكون عليه القاضي خصوصا أمام هاته الإشكالية ،و لا سيما كذلك أن تطبيق المادة 2 يتزاحمها مبدأين :
- مبدأ العدالة العقارية : يقتضي إرجاع الملك إلى صاحبه الأصلي .
- مبدأ الأمن العقاري : والذي يقضي بإبقاء الملك بيد الغير المقيد عن حسن نية .
وبالرجوع إلى المادة 35 من الدستور التي جاء فيها :
 " يضمن القانون حق الملكية .
ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون ، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الإقتصادية والإجتماعية للبلاد . ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون ..." .
فالمشرع الدستوري إذن يؤكد على قدسية الملكية العقارية ويرقى بها بالتالي إلى مصاف الحقوق المحمية دستوريا .
ولا نغفل الحديث عن الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري الذي قال عليه البعض بأنها مشابهة للمادة 2 من مدونة الحقوق العينية ، في حين  ندد الرأي الآخر بتعارضهما .
نأتي لموقف القضاء من هاته المادة والذي يمكن ملاحظته من مجموعة من الأحكام والقرارات على مختلف المراحل : قبل صدورمدونة الحقوق العينية وبعد صدورها ، أنه مرتبك إلى حد بعيد في تطبيق المادة الثانية والأخذ بحرفيتها .
ولن أخوض في  الأجل المقرر في المادة الثانية  ( 4 سنوات ) لأن فيه جدل واسع ومستفيض بين من يريد إلغائه ، ومن يريد الإحتفاظ بتلك المدة ، ومن يريد الزيادة والرفع منها إلى 10 سنوات ...
هاته كانت فقط نظرات بسيطة إلى ثغرة أمكن تشبيهها بشربة عصفور من بحر .
وأعتقد أنه لا مجال للإفلات من موجة هاته الثغرات إلا ب :
-- تأهيل الموارد البشرية المكلفة بالتشريع وإشراك الجهات المهنية أمثال القضاة والمحامون .. والذي من شأنه تحسين جودة التشريعات وتخليصها من التناقضات لغاية تجنب تضارب الأحكام من جهة وضمان تناغم وانسجام القواعد القانونية من جهة أخرى .
- عدم الإحتكام إلى معيار الإنتاج لكونه غير عادل ، وكما أنه سيؤدي إلى التضخيم في الأحكام والقرارات دون الحرص على الجودة .
- إقامة أيام دراسية والإستماع إلى الأطر التربوية من أساتذة جامعيين ولما لا طلبة الإجازة وطلبة سلك الماستر والدكتوراه...
خلاصة القول أنه لا يمكن تفادي وجود الثغرات ولكن من الممكن تخفيض المخاطر الناجمة عن استغلالها، إذ المعول عليه لحل هاته النقائص والعيوب هو القاضي ابن بيئته الذي لم يعد ملزما بتطبيق القانون فقط ولكن بالبحث عن روح العدالة ضالة النفس الزكية .
وفي الختام أمكن القول أن الكمال موصوف لله جل جلاله ، وعبد ربه متسم بالنقص مثله مثل المشرع الوضعي .
وخير ما نختم به الكلام الصلاة على خير المخلوقين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
 
 
 
 
 
 
 

الاحد 5 أبريل 2020


عناوين أخرى
< >

الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 15:46 La négociation collective en temps de Covid-19


تعليق جديد
Twitter