MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



التوازن بين مصالح المكري والمكتري في ضوء القانون 67.12

     

زكرياء الزوجال
باحث في القانون المدني الاقتصادي
جامعة عبد المالك السعدي



يعد قانون 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقة الكرائية للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني خطوة تشريعية هامة في مسار تحديث المنظومة القانونية المغربية، حيث سعى المشرع من خلاله إلى إرساء قواعد واضحة تضمن حقوق والتزامات كل من المكري والمكتري، وتحد من النزاعات التي قد تنشأ بين الطرفين. غير أن تحقيق التوازن الفعلي بين مصالح الطرفين لا يتوقف عند مجرد التنصيص على الحقوق والواجبات، بل يتطلب قراءة دقيقة لمضامين هذا القانون، وتحليل مدى فعالية مقتضياته في ضمان العدالة التعاقدية.

من هذا المنطلق، يروم هذا المقال إلى الإجابة عن إشكالية مفادها مدى نجاح المشرع المغربي في تحقيق توازن عادل في العلاقة التعاقدية بين المكري والمكتري من خلال قانون 67.12.

الأمر الذي يتطلب دراسة المقتضيات المتعلقة بالتزامات الطرفين، وآليات إنهاء العقد، وتولية الكراء أو التخلي عنه، مع الوقوف على مكامن القوة والقصور في النص القانوني. لذلك يمكن اعتماد التصميم التالي:

المحور الأول: التزامات طرفي عقد الكراء
المحور الثاني: إجراءات إنهاء العقد وتولية الكراء والتخلي عنه
 
 
المحور الأول: التزامات طرفي عقد الكراء في القانون 67.12
 
 تسليم المحل المعد للسكنى وتوفره على المواصفات الضرورية
 
في هذا الإطار المشرع سعى لتكريس التوازن التعاقدي في مجال الكراء من خلال تسهيل عملية إثبات المعاملات الناتجة عن عقود الكراء من خلال اعتماد شكلية الكتابة إضافة إلى تحميل المكري واجب تسليم العين المكتراة وفقا لبيان وصفي مكتوب. في المقابل في حالة عدم كتابة هذا البيان، تحمل المكتري اثار ذلك بحيث يعتبر قد تسلم المحل في حالة صالحة للاستعمال، وفي نفس الإطار ألزم المشرع المكري بتسليم العين المكراة للمكتري في الحالة التي كان عليها وقت الكراء، مع ضرورة تسليم المرافق والتجهيزات المذكورة في عقد الكراء، وفي المقابل من خلال المادة 6 من ق 67.12 أعطى المشرع فرصة له بأن يتفق مع المكتري كتابة على الأشغال التي يمكن للمكتري القيام بها وكيفية خصم مصاريفها من الوجيبة الكرائية.
 
أشغال الصيانة

المشرع سعى لتحقيق توازن فعلي بين المكري والمكتري حين ميز بين ثلاثة أنواع من الإصلاحات من أجل الحفاظ على تلك العين المكراة، وهي الإصلاحات الكبيرة التي جعل الوفاء بها على المكري، إضافة للإصلاحات التي تستند إلى وجود عنصر استعجالي أيضا تكون ملقاة على عاتق المكري وله أن يطالب بإنجاز هذه الإصلاحات في إطار مقتضيات الدعوى الاستعجالية حسب المادة 17، لكن في المقابل أصبح القانون رقم 67.12 في مادته 19 يحمل الإصلاحات البسيطة على عاتق المكتري ما لم يقضي العقد بخلاف ذلك، بهذا التوزيع الذي اعتمده المشرع للواجبات المتعلقة بالإصلاحات حسب نوعية هذه الأخيرة، يمكن أن نقول أن المشرع حقا سعى إلى تحقيق توازن فعلي بين المكري و المكتري في هذا الإطار.
 
ضمان الانتفاع بالمحل المكترى

بالنسبة لضمان انتفاع المكتري بالمحل المكترى، فقد فرضت المادة 9 من ق 67.12 على المكري أن يضمن للمكتري تسلم المحل المعني والانتفاع الكامل والهادئ به، بالإضافة إلى ضمانه العيوب التي تعرقل ذلك الانتفاع، أفرز المشرع من خلال هذه المادة مقتضى هاما لصالح المكتري، حيث أوجب على المكري ضمان تسلم المكتري للمحل ، لكنه في نفس الوقت أكد على أن المكري لا يضمن سوى العيوب الناشئة عن فعله أو فعل الأشخاص المسؤول عنهم، كما أن العيوب التي قد يتسبب فيها الغير سيتحملها المكتري وهو تمييز واضح لصالح المكري، إذ جاءت هذه المادة بمقتضيات هادئة ومجاملة للطرف القوي في العلاقة العقدية، بالإضافة إلى ذلك، منح هذا القانون امتيازا آخر للمكري في الفقرة الثالثة من نفس المادة التي جعلت المكتري يتحمل تبعات العيوب التي لا يضمنها في البيان الوصفي، وبالتالي يعد المكري غير مسؤول عن هذه العيوب، بتحليل المقتضيات المتعلقة بضمان الانتفاع بالمحل، يتضح بأن القانون قد أفرغ التزامات المكري من مضمونها، وجعله غير مسؤول عن ضمان التشويش والعيوب التي تعتري الاستفادة من المحل المكترى، وفي حالة تمسك المكتري بضمان هذه العيوب فإنه يقع عليه عبئ الإثبات لأنه لم يكتشفها عند إبرام العقد، كما أنه لم يكن بمقدوره العلم بها، بيد أنه كان يلزم تحميل عبئ الإثبات على المكري لأنه هو من يعلم بخبايا تجهيزات وملحقات المحل وبالعيوب الخفية، وهو خلل واضح في التوازن التعاقدي بين الطرفين في هذه النقطة.
 
ضمانة تغطية مباليغ التكاليف الكرائية غير المؤداة
 
نصت المادة 20 من ق 67.12 على إمكانية إلزام المكري للمكتري بتقديم ضمانة لتغطية تكاليف و مبالغ الكراء غير المؤداة، والأضرار التي قد تلحق المحل، هذا مقتضى يخدم مصلحة المكري، لكن في المقابل ولكي لايتعسف في هذا الحق، نص المشرع على حدود مبلغ الضمانة في أن لا يزيد عن واجب شهرين من وجيبة الكراء وهو مايخدم مصلحة المكتري إضافة إلى التنصيص على ضرورة رد الضمانة في حالة إرجاع المحل المكترى، لكن عموما من خلال هذه المقتضيات نقول : أن المشرع لم ينص على جزاء في حالة مخالفة المكري للمقتضى المتعلق بحد مبلغ الضمانة، مما يكون بذلك المشرع لم يوازن بالشكل المطلوب حقوق والتزامات طرفي العلاقات الكرائية في هذه المقتضيات.
 
الوجيبة الكرائية : منع المشرع حسب المادة 21 المكتري من التماطل أو الامتناع عن  أداء الوجيبة الكرائية في الحالة التي يجد فيها عيبا أو إزعاجا في الانتفاع، ولكن في ظل استمرار محاولة إيجاد التوازن بين حقوق أطراف العلاقة الكرائية، فإن المشرع في نفس المادة سمح للمكتري أن يطلب من المحكمة تخفيض جزء من وجيبة الكراء يتناسب مع حجم الضرر، كما نص المشرع في المادة 34 على إمكانية المطالبة بتخفيض مبلغ الوجيبة الكرائية حالة التأثير على استعمال المحل للغرض الذي اكتري من أجله، وهذا كله تحقيق للتوازن يحسب للمشرع.
 
المحور الثاني: المقتضيات المتعلقة بإنهاء عقد الكراء و تولية الكراء و التخلي عنه
 
  1. إنهاء عقد الكراء:
 يمكن ملامسة إرادة المشرع في إقرار بعض الضمانات كآليات للتوازن التعاقدي عند التنصيص في المادة 44 على ضرورة عدم إنتهاء عقود الكراء إلا بإشعار بالإفراغ والتنصيص في المادة 45 على ضرورة استناد الإشعار على أسباب جدية ومشروعة حماية لحقوق المكريين، و لم يحصر المشرع هذه الأسباب الجدية ، واكتفى بذكرها على سبيل الحصر، وهو ما يفتح المجال أمام المكري ليستند على أسباب أخرى ربما قد لا تكون جدية، لاسيما وأن المشرع نص في المادة 48 أنه لا يمكن للمحكمة تصحيح الإشعار بالإفراغ إلا للأسباب الواردة في المادة 45 فقط والتي هي أصلا محددة على سبيل المثال فماذا عن الأسباب الأخرى؟
حاول المشرع في المقابل إعطاء ضمانات للمكتري حيث مثلا في حالة استناد الإشعار بالإفراغ على ضرورة هدم المحل المكترى وإعادة بنائه، سمح المشرع بتصحيح الإشعار بالإفراغ، كما يحظى المكتري بالأسبقية للرجوع إلى المحل بعد إعادة بنائه، وإخباره من طرف المكري بذلك داخل أجل محدد، وأن يطلب من المحكمة تحديد أجل للمكري يتعين خلاله تنفيذ سبب الإفراغ، كما نص المشرع في المادة 51 على أنه في حالة قبول طلب الكري من طرف المحكمة، يلزم المكري بأن يؤدي للمكتري بالإضافة إلى صوائرالانتقال المثبتة، تعويضا تساوي قيمته وجيبة كراء سنة حسب اخر مبلغ الوجيبة المؤدى من طرف هذا الأخير ، كما نصت المادة 52 أنه في حالة تبين أن الإفراغ من المحل قد تم بناء على سبب غير صحيح، كان للمكتري أن يطالب المكري بتعويض يساوي قيمة الضرر..بذلك يكون القانو67.12 قد راعى حقوق المكترين الذين يرغمون على إفراغ محلاتهم، وفي نفس الوقت راعى حقوق المكري الذي يرغب في إفراغ محله لأسباب جدية، وهذا ما يحقق توازن فعلي بين الطرفين في هذا الإطار.
  1. تولية الكراء والتخلي عنه
منعت المادة 39 المكتري من تولية المحل المعد للسكنى أو التخلي عنه بدون موافقة، وبالمقابل متعت الفقرة الأخيرة من المادة 53، زوج المتوفى أو فروعه أو أصوله المباشرين من و الدرجة الأولى أو المستفيد من الوصية الواجبة أو المكفول، الذين كانوا تحت كفالته بصفة قانونية و ويعيشون معه فعليا عند وفاته؛ بحق تولية الكراء أو التخلي عنه، وبذلك وسع القانون من دائرة المستفيدين من حق التولية أو التخلي، ويكون بذلك المشرع قد راعى مصالح المكتري موازاة مع إقرار حقوق المكري.
كما أن المادة 40 جاءت بمقتضيات نصت من خلالها على أنه لا يحق للمكري أن يعترض على التولية أو التخلي، لكنها حصرت هذا المقتضى في الحالة التي يلتزم فيها المتولى له أو المتخلى له باستعمال المحل أو المحلات المكتراة لمزاولة نفس النشاط المهني الذي كان يزاوله بها المكتري الأصلي، أو لمزاولة نشاط مهني مماثل، كما أنه إذا كان مبلغ الوجيبة الكرائية في حالتي التولية أو التخلي يفوق وجيبة الكراء الأصلية للجزء والذي وقعت توليته أو التخلي عنه، فللمكري الحق في طلب زيادة الوجيبة الكرائية الأصلية بقدر، كما أنه لا يفقد المكري حق مراجعة الوجيبة الكرائية الثلاثية المنصوص عليها في المادة 33، إذا تمت تولية الكراء أو التخلي عنه بدون الاتفاق على هذه المراجعة، وإذا كان القانون قيد الدراسة قد منح حقوقا هامة للمكتري في مجال التولية والتخلى، فإنها بالمقابل أفرز مقتضيات لصالح المكري في حالة التولية أو التخلي بصفة غير قانونية، عندما نص من خلال المادة 43 على أنه يعتبر المتولى أو المتخلى له في هذه الحالة محتلا للمحل دون حق ولا سند ،لم تقف المادة عند ذلك، بل في إطار إرساء نوع من التوازن بين مصالح كلا طرفي العلاقة و الكرائية، ولتجاوز الأضرار التي قد تلحق بالمكري جراء ترتيب أضرار بليغة بالمحل المكترى فقد أجازت فقرتها الأخيرة للمكري أن يطلب فسخ الكراء مع إجبار المكتري على إرجاع الحالة إلى مار كانت عليه قبل التخلي.

الخاتمة:

يتضح من خلال تحليل بعض مقتضيات القانون 67.12 أن المشرع المغربي بذل مجهودا ملحوظا في سبيل تحقيق التوازن بين المكري والمكتري، عبر توزيع الالتزامات والصلاحيات بشكل يراعي طبيعة العلاقة التعاقدية. إلا أن هذا التوازن، وإن كان حاضرا في بعض الجوانب كأشغال الصيانة وتخفيض الوجيبة الكرائية، فإنه يشوبه بعض الاختلالات في مواضع أخرى، خاصة فيما يتعلق بضمان الانتفاع بالمحل، وحدود مسؤولية المكري، وكذا غياب الجزاءات الصريحة عند تجاوز بعض المقتضيات. لذلك، فإن تحقيق التوازن الفعلي يظل رهينا بتفعيل مقتضيات القانون بشكل عادل، وتطويرها عند الحاجة، بما يضمن حماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية دون المساس بحقوق الطرف الآخر، ويعزز من ثقة المتعاملين في المنظومة القانونية الكرائية بالمغرب.



الاحد 18 يناير 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter