Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



التراث الثقافي لتمبكتو... أية حماية قانونية؟


     

احمد صلحي
طالب باحث بسلك الدكتوراه وحدة الدراسات الدولية
المغرب-كلية الحقوق سلا-جامعة محمد الخامس السويسي



التراث الثقافي لتمبكتو... أية حماية  قانونية؟
 
لا حديث هذه الأيام إلا عن التدخل العسكري في شمال جمهورية مالي تحت عنوان؛ "القضاء على الحركات الإرهابية المسيطرة على هذا الإقليم"، والذي أضحى يعيش وضعا معقدا في ظل سيطرة حركة انصار الدين وحلفائها عليه، بعد دحرها لقوات الحركة الوطنية لتحرير الازواد التي كانت قد أعلنت قيام "دولة الأزواد" بالمنطقة مباشرة بعد إنقلاب عسكري أبيض على الرئيس السابق أمادو توماني توري، لكن هذا الحلم أجهض بتراجع مقاتليها عن مناطق نفوذهم لصالح مقاتلي حركة انصار الدين؛ خاصة بعد تحالفها مع حركة التوحيد والجهاد بغرب افريقيا - وجدير بالذكر ان هذه الحركات اضحت توصف بانها "حركات ارهابية" من قبل القوى الغربية ومجلس الأمن-، توجت هذه الانتصارات العسكرية ميدانيا باعلانهما قيام "دولة اسلامية" وتطبيق الشريعة بمناطق نفوذهم.

تسارعت الأحداث بوتيرة سريعة بالمنطقة، فأمسى الخبر المتصدر لوكالات الأنباء والصحف ونشرات الأخبار العالمية هو" تدمير أضرحة مدينة تمبكتو" واستهدف مآثرها التاريخية وأعيانها الثقافية، وتعالت الأصوات الداعية لحماية المورث التمبوكتي، غير أنها-هذه الدعوات- سرعان ما خفت، ليحل محلها الجدل الدائر حول العمل العسكري، اذ انحصر النقاش حول ترتيبات التدخل في تجاهل واضح للدعوات السابقة، ليبقى مستقبل الموروث الثقافي لتمبكتو مجهولا، فما السبيل لحماية هذا التراث الثقافي؟

في تفاصيل خبر التدمير المتعمد لهذه الأضرحة، فقد قام مقاتلوا حركة أنصار الدين خاصة الشرطة الاسلامية التابعة لها، التي تأسست بعد احكام الحركة سيطرتها على المثلث الاستراتيجي (غاو،كيدال،تمبكتو) أي ما ينهاز ثلثي مساحة البلد، معتمدين على المعاويل والازاميل ... باستهداف اضرحة الأولياء الصالحين بتمبكتو، البالغ عددهم 16 ضريح، والتي تشتهر بلقب "مدينة الـ333" ولي، تقديرا لعدد رجال الدين المدفونين بها؛ بدات عملية التدمير في ابريل واستؤنفت في يوليوز، قبل ان تعلن الحركة في اواخر دجنبر(23 دجنبر 2012) عن خلو تمبكتو من اية مزارات بهدم اخر ضريح بالمدينة، وسط تخوفات عن ما بعد تدميرالاضرحة ومستقبل تراثها الحضاري؟

عملية التدمير هاته، أعادت إلى الأذهان تدمير تمثال بوذا في باميان بأفغانستان من طرف الطالبان في مارس 2001، خلفيات استهداف تراث تمبكتو الانساني ترتبط بتطبيق الحركة للشريعة الاسلامية بالمنطقة وفق رؤيتها، اذ تصنف هذه الأضرحة كـ"اوثان" وكـ "شرك بالله"، على هذا الأساس عت الى تهديدمها، خاصة بعد إدراج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو- لهذه المآثر ضمن قائمة التراث الإنساني المهدد بالخطر، و لكنها في ظاهرها تاتي كرد من الحركة على استعددات الأمم المتحدة للتدخل في المنطقة.

بداية لا بد من الإشارة، إلا أن الأعيان الثقافية تعد موروثا تاريخيا للشعوب، بل هي رمز هويتها وأصالة تاريخها، وترتبط بالوجدان واللاوعي عند كل شعب، لهذا يحظى الموروث الحضاري بتمبكتو باهتمام عالمي، فهي العاصمة الثقافية والتراثية لمالي، وكانت منارة وعاصمة للعلم ومركزا تجاريا عريقا في سالف القرون، وهو ما أهلها لتدرج ضمن قوائم التراث العالمي للإنسانية منذ 1988 من طرف اليونسكو، كما اختيرت كعاصمة للثقافة الإسلامية 2005 من طرف الاسيسكو.
 هذه المكانة المتميزة لهذه الأعيان كرمز للخصوصية الثقافية للشعوب جعلت كل اعتداء عليها بمثابة استهداف لشعوب العالم أجمعين، وعلى هذا الأساس تتمتع بحماية خاصة في القانون الدولي، والذي أفضى تطور قواعده العرفية إلى التوقيع على اتفاقيات تكفل حماية الموروث الثقافي في زمن السلم وفي حالة النزاعات المسلحة، أبرزها اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية 1954، بإضافة إلى البرتوكولات الملحقة بها.

جدير بالذكر أن نقل التراث الثقافي إلى الأجيال القادمة يبقى الهدف الأسمى وراء حمايتها، ومعلوم أن القارة الإفريقية تعتبر مهد الحضارة الإنسانية، وتزخر بمآثر تاريخية وتراث ثقافي هام ومتنوع (وفي هذا الإطار أدرجت مدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية هذه السنة ضمن التراث العالمي)، وتحتل دولة مالي مكانة متميزة في هذا الاطار بالنظر إلى ما تزخر به من مواقع أثرية مهمة، وكونها مهد الإمبراطورية المالية (مملكة الماينج) إذ ظهرت في القرن 13 عقب سقوط مملكة غانا ودامت حتى القرن 17، وتربعت على صحرائها جوهرة الصحراء مدينة تمبكتو التي أسست من طرف القبائل الطوارقية ما بين القرن 11 و 12 وعرفت كأهم الحواضر الإسلامية بإفريقيا. هذا الغنى الحضاري جعل تمبكتو في صدارة المحطات السياحية بالمنطقة رغم المخاطر الأمنية المحدقة بها والتي تحولت إلى حقيقية بعد سيطرة حركة أنصار الدين ومن معها على المنطقة واستهدافها لتاريخ المنطقة وحضارتها.

هذه الوضعية المعقدة امنيا بالشمال المالي بوجه عام وبتمبكتو بوجه خاص، اعادت الى الواجهة سؤال حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاعات المسلحة غير المتسمة بالطابع الدولي، والحاجة إلى التعزيز الحماية للتراث العالمي على الصعيد العالمي عبر آليات تضمن حماية قصوى له، وأخيرا سؤال المتابعة منفذي عمليات التدمير له.

نصت اتفاقية لاهاي 1954 على حماية الموروث الثقافي، وشددت على مؤازرة الدول الأطراف في الجهود المبذولة للمحافظة عليه، ففي هذا المجال، تسعى اليونسكو إلى التنفيذ الفعال لها؛ عبر مساهمتها في حماية الإرث الطبيعي والثقافي باعتبار أن هذا الهدف يبقى أبرز أولويات برنامجها. وعلى هذا الأساس، تقوم بتقديم مساعدات مالية للدول الأعضاء وإرسال بعثات الأخصائيين لأجل الحفاظ وحماية التراث العالمي، وتأتي تحركاتها في إطار لجنة التراث العالمي، والتي أدانت هذا الاستهداف وشكلت صندوقا خاصا لمساعدة مالي على صون وحماية تراثه الثقافي؛ بعد النداء الذي وجهته المديرة العامة لليونسكو ايرينا بوكوفا قصد تقييم الأضرار وترميمها، ولان صونها من مسؤليات "المجتمع الدولي" فقد جددت الاخيرة دعوتها "المجتمع الدولي" إلى تحرك عاجل لحماية هذا الثرات العالمي وصيانته، وفي ارتباط بالموضوع، ومن موقع المسؤولية كذلك على حماية التراث، أدانت لجنة التراث في العالم الإسلامي التابعة للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - الايسيكو- هذه الاعتداءات ودعت من جانبها الى حمايته.

كما سبقت الإشارة، فان اليونسكو تضطلع بدور بارز في الحفاظ على التراث العالمي، بيد أنها تفتقر إلى آليات قضائية لمحاكمة الجناة، وعلى هذا المنحى، وفيما يخص متابعة منفذي هذه الاعمال تستعين بقواعد القانون الدولي واليات القضاء الجنائي، وعلى هذا المستوى، فان أي استهداف للثرات الثقافي يعد انتهاكا لقواعد القانون الدولي، فقد اعتبر إعلان اليونسكو بشأن التدمير المتعمد للتراث الثقافي لعام 2003، أن التدمير المتعمد هو فعل يهدف إلى تدمير تراث ثقافي كله أو بعضه، بحيث ينال من سلامته، على نحو يشكل انتهاكا للقانون الدولي، وتتحمل مسئوليته الدول والأفراد، فتترتب على الدول مسئولية تعويض الدولة المتضررة عند استهداف موروثها الثقافي أو اعاداته أن تمت سرقته أونهبه أو اختلاسه، وتترتب على الأفراد المسئولية الجنائية الفردية، سواء ارتكبوا الفعل أو أمروا به، وتكيف هذه الأفعال كجرائم حرب، كما أدرجها ميثاق روما في المادة 8.

وبناءا على ما سبق ولضمان حماية الموروث التمبوكتي فقد أحالت المدعية العامة بمحكمة الجنائية الدولية ملف تدمير المآثر بتمكتو على الإدعاء العام للتحقيق بناءا على طلب الحكومة المالية، معتبرة هذا الأفعال ترقى إلى جرائم الحرب. رغم ان الاشكال الحقيقي يتلخص في مدى فاعلية هذه التحركات وجديتها؟

ختاما، إن تراث تمبوكتو كنز ثقافي إنساني، يستدعي حماية حقيقية له لا توظيفه "كدعاية سياسية" لكسب التأييد للعمل العسكري، على اعتبار هذه المآثر شهادة للتاريخ؛ تروي حكاية الطوارق أمالهم وحضارتهم الممتدة لقرون، وهي شهادة مادية تروي جزءا من الهوية الثقافية للبلد. وهكذا فالإجهاز عليها بالتدمير هو إجهاز على الذاكرة الجماعية واستهداف للهوية الثقافية والدينية للمدينة وللطوارق، وحماية هذا الموروث الحضاري الانساني يستلزم تظافر جهود "المجتمع الدولي" وهيأته كافة، وامام محدودية تحركاتها في هذا الاطار، لما ذا لا يتم احياء مقترح الدكتور المهدي المنجرة القاضي بتأسيس اطار قضائي مستقل مختص في مثل هذه الجرائم متمثل في "محكمة دولية للجرائم الثقافية"؟. هذا المشروع/المقترح سيشكل لا محالة نقطة مفصلية في سبيل حماية حقيقية للموروث الثقافي، اذ ستتيح هذه المحكمة ان انشئت اختصاصا موضوعيا يهم الجرائم الثقافية باعتبارها ام الجرائم لانها تمس الهوية و الموروث التاريخي للشعوب، الى ذلكم الحين، يبقى السؤال مطروحا؛ هل هناك فعلا ارادة حقيقية لحماية الموروث الثقافي الانساني ؟  
 

الجمعة 11 يناير 2013


تعليق جديد
Twitter