Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




التحديات الكبرى للجهوية الموسعة بالمغرب على ضوء الخطاب الملكي


     



بقلم الباحث ميمون خراط
دكتوراه في القانون العام
متصرف بوزارة التجهيز والنقل



التحديات الكبرى للجهوية الموسعة بالمغرب على ضوء الخطاب الملكي

شكل تدبير الشأن العام المحلي أهم مدخل للديمقراطية المحلية بكل عناصرها المتمثلة في الاستقلالية والتمثيلية المباشرة وتقريب الإدارة من المواطن ، والجهة كجماعة ترابية شكلت في العديد من الدول حلا لا مفر منه للنجاة من تقسيم خاصة منها التي تعرف بنيات وأعراق مختلفة.

وأبانت الجهوية في معظم الدول التي أخذت بهذا النظام في تدبير شأنها العام المحلي على درجة كبيرة من الفعالية والنجاح وخاصة وأنها شكلت تحفيزا على المنافسة للجهات وذلك كله في إطار الوحدة والتضامن.

والمغرب من بين الدول التي أخذت بهذا المفهوم على الصعيد التشريعي منذ الاستقلال ولو بشكل محتشم إلا أنه على الصعيد الواقعي لم يظهر لهذا التنظيم أثر.
وقد جاء الخطاب الملكي بخصوص الذكرى 33 للمسيرة الخضراء وتنصيب اللجنة الاستشارية الجهوية المرجعية الموجهة للاختيار الجهوي الموسع إذ اعتبر الملك محمد السادس "إن مشروع الجهوية إصلاح هيكلي عميق يقتضي جهدا جماعيا لبلورته وإنضاجه ، لذا ارتأيت أن أخاطبك في شأن خارطة طريقه أهدافا ومرتكزات ومقاربات، فطموحنا الكبير من هذا الورش الواعد هو ترسيخ الحكامة المحلية الجيدة ، وتعزيز القرب من المواطن وتفعيل التنمية الجهوية المندمجة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، ولبلوغ هذه الأهداف فإن هذا الإصلاح يجب أن يقوم على مرتكزات الوحدة والتوازن والتضامن .

الوحدة: تشمل وحدة الدولة والوطن والتراب التي لا يمكن لأي جهوية أن تتم إلا في نطاقها.

وأما التوازن : فينبغي أن يقوم على تحديد الاختصاصات الحصرية المنوطة بالدولة مع تمكين المؤسسات الجهوية من الصلاحية الضرورية للنهوض بمهامها التنموية في مراعاة مستلزمات العقلنة والانسجام والتكامل.

ويظل التضامن الوطني حجر الزاوية في الجهوية المتقدمة إذ أن تخويل الاختصاصات للجهة يقترن بتوفير موارد مالية عامة وذاتية كما أن نجاح الجهوية رهين باعتماد تقسيم ناجح يتوخى قيام مناطق متكاملة اقتصاديا وجغرافيا ومنسجمة اجتماعيا وثقافيا".

انطلاقا مما سبق فرضت مسألة تنزيل هذه الخريطة على أرض الواقع مجموعة من التحديات والتي يجب الانتباه إليها كي لا يكون مصير هذا المشروع هو الفشل وتتمثل أهم هذه التحديات في :

التحدي الأول : التخفيف من حدة المراقبة المسبقة

لا أحد يختلف حول الخاصية المركزية للتنظيم الجهوي المغربي والذي تغلب عليه المقاربة الأمنية سواء ما يرتبط منها بالتقطيع الجهوي أو ما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة للمجالس الجهوية وكذا الوصاية المفروضة على أعمال هذه المجالس الشئ الذي أفرغ هذه المؤسسة من مضمونها وجعل مسألة تطويرها والرقي بها إلى مصاف التنظيم الجهوي للدول المتقدمة مؤجلة إلى حين وجود إرادة سياسية حقيقية.

وبذلك ، ولتجاوز هذه العقبة لابد من مراقبة أكثر حداثة ومرونة من طرف الدولة وذلك بالحد من المراقبة القبلية ومن مراقبة الملائمة وبتقوية التقييم والمراقبة البعدية مع الحفاظ على المراقبة القضائية للشرعية. إذ يجب جعل المصادقة المسبقة محصورة في القرارات والأعمال المنصوص عليها صراحة في القوانين والأنظمة والمتمثلة بالخصوص في جدول أعمال الاجتماعات والميزانيات والحالات القصوى التي قد تمس بالنظام العام أو المصلحة الوطنية .

التحدي الثاني : التقطيع الجهوي

لابد من استحضار البعد الثقافي والمعطيا ت التاريخية واللغوية المشكلة لهوية الجهات في أي تقطيع جهوي جديد في المستقبل وذلك دون إغفال الأبعاد المجالية والاقتصادية والاجتماعية والمزاوجة فيما بينها.

فبالرجوع إلى التقطيع المقترح من طرف اللجنة الإستشارية للجهوية نجدها قسمت الخريطة الجهوية إلى 12 جهة بعدما كان التقطيع الجهوي ل 1996 قسمها إلى 16 جهة إلا أن مشروع التقسيم يثير بعض الملاحظات خصوصا إذا استحضرنا الجانب الثقافي والتاريخي وسنكتفي هنا بمثالية :

- فيما يتعلق بجهة الصحراء المتنازع عنها نجد المشروع قسمها إلى جهتين وهي :

" جهة العيون - الساقية الحمراء والداخلة – واد الذهب " في الوقت الذي كان يحب جمعها في جهة واحدة خاص وأنها مقبلة على منحها حكما ذاتيا وبالتالي من التناقض أن يتم تقسيمها إلى جهتين خاصة وأن الثقافة والهوية والتاريخ واللغة المشتركة كلها عوامل تدفع إلى منحها جهة واحدة.

- أما جهة الشرق والريف كذلك يجب إعادة النظر فيها لغياب المعيار التاريخي والثقافي واللغوي في جمع منطقة الريف مع وجدة ، وكذا إعادة الاعتبار لهذه المنطقة التي عرفت اضطهادا مند الاستغلال وذلك بمنحها حدودا واقعية تستند على معايير جهوية حقيقية.

بالإضافة إلى ما سبق يجب أن تحمل الجهات أسماء دالة معبرة عن عمق تاريخي أو ثقافي أو جغرافي وتعبر عواصم الجهات على الصورة التسويقية ومميزات الجهة . كذلك تكييف وأقلمة سياسات إعداد التراب مع طبيعة وخصوصيات كل فضاء جهوي على حدة والتمايزات داخل الفضاء والمجال الواحد.

التحدي الثالث : الموارد المالية

تستوجب الجهوية المتقدمة الزيادة في الموارد المرصودة للمجالس الجهوية من قبل الدولة بشكل ملموس لكي تتمكن من إنجاز أعمال هامة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية . ويتعين على ذلك الرفع من الحصة المرصودة لها من الضرائب والرسوم إذ يجب أن يتلازم كل اختصاص تنقله الدولة للجهة مع نقل الميزانية المطابقة له بالإضافة إلى الموارد التقليدية يتطلب الآمر إحداث أدوات مالية خاصة لتجاوز الاختلالات المجالية الموروثة.

التحدي الرابع : النخب المحلية

لا بد في هذا الإطار من تجاوز وضع النصوص القانونية المتفرقة المؤطرة لعمل المنتخب الجمالي وذلك بوضع قانون أساسي للمنتخب الجماعي بقواعد عامة من جهة ، ومن جهة أخرى أخذا بعين الاعتبار خصوصية مستويات التمثيل ( إعادة النظر في شرط المستوى الدراسي المحصور حاليا في الشهادة الابتدائية ، شرط الكفاءة التدبيرية... ، هذا المعطى قد يظهر وكأنه يتعارض مع مسألة التمثيل السياسي، لكن شرط نجاح التسيير وحكامته مرتبط بضرورة التوفر على مؤهلات معنية تكون موازية لطبيعة الصلاحيات والإمكانيات المالية الموضوعة لفائدة الجهات).

هذا بالإضافة إلى تشجيع إعادة انتشار الأطر لفائدة الجهات وجعل المصالح الخارجية مندمجة في الرهانات الجهوية وتحت مسؤولية المديرين الجهويين للمجال.

التحدي الخامس : التشريع والإدارة والقضاء

- وضع مخطط لجهوية الإدارات العمومية، والتسريع بنقل صلاحيات المديريات المركزية إلى المصالح الخارجية بالجهات ( لغاية الوصول إلى ميثاق وطني للإدارة الجهوية)

- اعتماد معيار الجهة كأساس لإعادة انتشار المصالح الخارجية للوزارات والإدارات المركزية والمؤسسات العمومية، وهو ما سيؤدي إلى التوفيق بين انتشار المصالح والتقسيم الترابي الجديد المتخذ من الجهة الوحدة الإدارية الأساسية ، وسيمكن المصالح المركزية من الاقتصاد في الإمكانيات المادية والبشرية قياسا بالماضي ( حيث كانت مطالبة إحداث مندوبيات على مستوى العمالة أو الإقليم).

- صياغة سياسة في الموضوع ، تدريجية ومحددة الآجال ( ميثاق للاتركيز ).

- وضع إطار مرجعي نموذجي بين وزاري للعلاقة بين الإدارة المركزية ومصالحها الخارجية ( مثلا : اقتصار الإدارات المركزية على التخطيط ووضع الاستراتيجيات الكبرى بشراكة مع الجهات ، مع ترك مهام التنفيذ والتنزيل إلى المصالح الخارجية المطالبة بالاستجابة لمجالات الرهان المحلي ).

- تأهيل الإدارة الجهوية ومقومات الحكامة بها .

- خريطة قضائية منضبطة لمحدد الجهوية :

- حاليا تتوفر الخريطة على 21 استئنافية بجهات لا تتوفر على محاكم للاستئناف.

- 8 محاكم تجارية ومحكمتين تجاريتين استئنافيتين.

- الاهتمام بالقضاء المالي والإداري .

تضم الخريطة القضائية في الوضع الراهن سبع محاكم ابتدائية إدارية واستئنافيتين إداريتين.

- حاليا المجالس الجهوية للحسابات متواجدة فقط بمدن : العيون – أكادير – مراكش – سطات – الدارالبيضا – الرباط – فاس – وجدة – طنجة.

فيما يتعلق بالجانب التشريعي

هنا لابد من التركيز على ملائمة قانون الانتخابات ليكون مطابقا مع الجهوية المتقدمة في كل ما يرتبط بنمط الإقتراع ونسبة العتبة وشروط التمثيل...
- وضع قانون جديد لمالية الجماعات المحلية.
- السماح بإمكانية تأسيس احزاب جهوية
- ميثاق جماعي دامج للتغيرات التي سيحدثها مسلسل الجهوية الموسعة

على سبيل الختم
ان الجهوية الموسعة، يلزم أن تعتد بكل التحديات والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية، وضمن هذا التحديات يلزم استحضار منطق العقلنة والتوازن الموضوعي في كل الأبعاد السابقة خاصة على مستوى الإمكانات ووسائل العمل المادية والبشرية، والتي اعتبرت باستمرار إحدى التحديات الكبرى للجهوية ، استحضار كل هذه الأبعاد هو الذي يدفع إلى إعادة مساءلة المنظومة الجهوية بالمغرب في واقعها الحالي وأفقها المستقبلي من خلال استحضار التجارب المقارنة خاصة منها الرائدة.

مقال سبق وأن تم نشره في مجلة عدالة جوست


الخميس 26 يوليوز 2012
10318 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter