Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



البنوك التشاركية – دراسة نقدية في ضوء مشروع القانون رقم 34.03


     

نورالدين فريش

باحث في قانون الأعمال – كلية الحقوق المحمدية



البنوك التشاركية – دراسة نقدية في ضوء مشروع القانون رقم 34.03

مقدمــــــة :

      شهد الربع الأخير من القرن العشرين ميلاد المصارف الإسلامية[1]، التي ظهرت إلى الواقع العملي تلبية لرغبة قطاع عريض من المسلمين، الذين كان لديهم حرج شديد في التعامل مع البنوك التقليدية.
      وقد ساعد على  ذلك تنامي تيار الصحوة الإسلامية في الدول العربية والإسلامية، و الذي واكب حركات التحرر من الاستعمار الغربي  مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، فقد شهدت الساحة العربية والإسلامية جهوداً فكرية كبيرة لتأصيل فكر الاقتصاد الإسلامي، كبديل للأنظمة الوضعية الغربية التي انتقلت إلى الدول العربية والإسلامية مع قدوم الاستعمار، الذي زال وترك أنظمته الاقتصادية المادية التي لا تأخذ في اعتبارها القيم والأخلاق الإسلامية.
     وقد واكب هذه الحركة الفكرية ظهور المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، لتجسد فكر الاقتصاد الإسلامي في مجال التطبيق، فظهرت الدعوات والتساؤلات حول مدى شرعية التعامل مع البنوك التقليدية المبنى على آلية سعر الفائدة وما لارتباط هذه الأخيرة بمفهوم الربا، والذي حرمته الشريعة الإسلامية[2].
      ولهذا الغرض عقدت العديد من المؤتمرات لبحث ومناقشة الموضوع، بدءا من قرار المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة 1965[3]، إلى قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد بجدة سنة 1990[4]، وانتهاء بصدور فتوى مجمع البحوث الإسلامية بمصر في شهر دجنبر 2002[5]، والتي أجاز من خلالها فوائد البنوك باعتبارها ربحا يتم الاتفاق عليه مسبقا بين الأطراف.
    ولعل هذا التضارب في الفتاوى، إنما هو دليل على الجدلية الفكرية التي مازالت تخيم على هذا الموضوع، وخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن التعامل بالفائدة في مجتمعات الدول الإسلامية حاصل منذ عقود، كان الجدل فيها حول علاقة مفهوم الفائدة بالربا بين مد وجزر منذ بداية العمل البنكي بهذه الدول، والدليل على ذلك أن التعامل اليومي للأفراد والمؤسسات بالفائدة كان، وما يزال قائما حتى في خضم الفتاوى المقررة لحرمة الفوائد البنكية.
     وهو ما جعل بنك المغرب يصدر توصيته الشهيرة رقم 33/2007 والمتعلقة بالمرابحة، الإجارة والمشاركة، كمنتجات تمويلية بديلة جيء بها لإقبارها، نظرا لعدم وضوحها وما قوبلت به من انتقاد، لكونها تحمل في طياتها أخطارا تتجاوز الفائدة التي تتعامل بها مؤسسات الائتمان بشكل عادي.[6]
      وأمام هذا الجدل والدعوات المتلاحقة للتأسيس لتجربة البنوك الإسلامية[7] بالمغرب، وأخيرا استجاب المشرع لهذه الدعوات من خلال مشروع قانون مؤسسات الائتمان رقم 34.03 ل غشت 2012، حيث خصص المواد من 52 إلى 73 للبنوك الإسلامية وأطلق عليها لفظ البنوك التشاركية، والتي نتمنى ألا تكون مجرد امتداد لتوصية بنك المغرب السابقة الذكر.
    وعليه فإن تناولنا لموضوع البنوك التشاركية في ضوء مشروع قانون 34.03 يقتضي منا الحديث عن التنظيم القانوني لهذه البنوك (أولا)، ثم إبداء بعض الملاحظات والاقتراحات (ثانيا).

أولا: التنظيم القانوني للبنوك التشاركية

أ- مجال التطبيق

       نصت المادة 52 على أنه:" ﺗﻌﺘﺒﺮ بنوكا تشاركية اﻷﺷﺨﺎص اﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ اﻟﺨﺎﺿﻌﺔ ﻷﺣﻜﺎم هذا اﻟﺒﺎب واﻟﻤؤهلة ﻟﻤﺰاوﻟﺔ اﻷﻧﺸﻄﺔ اﻟﻤﺸﺎر إﻟﻴﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺎدة اﻷوﻟﻰ أﻋﻼﻩ ﺑﺼﻔﺔ اﻋﺘﻴﺎدﻳﺔ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺘﻌﺎرض ﻣﻊ أﺣﻜﺎم اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وكذا اﻟﻌﻤﻠﻴﺎت اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ واﻟﻤﺎﻟﻴﺔ واﻻﺳﺘﺜﻤﺎرﻳﺔ ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء كل ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺗﻌﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﻔﺎﺋﺪة أﺧﺬا أو ﻋﻄﺎء."
    وهذه البنوك تناط بها مهمة تلقي الودائع الاستثمارية من الجمهور[8]، حيث أن العلاقة التي تربط بين المودع كممول والبنك كمدبر، هي علاقة تهدف إلى المشاركة في الأرباح حسب نسبة محددة سلفا بين الطرفين أو مقابل عمولة يدفعها المودع، هذا ويتحمل المودع الخسائر إلا في حالة خطأ واضح من طرف البنك[9].
   كما حدد نفس المشروع من خلال المادة 56 التمويلات التي يمكن للبنوك التشاركية أن تقدمها للعملاء، والمتجلية في:

1- المرابحة وهي: "ككل عقد يقتني بموجبه بنك تشاركي منقولا أو عقارا من أجل إعادة بيعه لعميله بتكلفة اقتناء مضاف إليها هامش الربح متفق عليه مسبقا... ".
2- الإجارة: و تعرف ككل عقد يضع بموجبه بنك تشاركي، عن طريق الإيجار منقولا أو عقارا محددا ومعرفا عليه ومملوكا لهذا البنك تحت تصرف عميل قصد استعمال مسموح به قانونا، و يكتسي هذا المنتوج شكلين يتعلقان، بإجارة تشغيلية عندما يتعلق الأمر بإيجار بسيط، أو إجارة واقتناء عندما تكون الإجارة مصحوبة بالتزام قاطع مع المستأجر باقتناء المنقول أو العقار المستأجر بعد انقضاء مدة متفق عليها مسبقا.
3- المشاركة: و تعرف هذه الأخيرة ككل عقد يكون الغرض منه مشاركة بنك تشاركي في مشروع قصد تحقيق ربح، وهي إما مشاركة ثابتة، أو متناقصة.
4- المضاربة، والتي تجمع بين بنك تشاركي ومقاول،.
    كما يجوز للبنوك التشاركية أن تمول زبنائها بواسطة أي منتوج آخر لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية[10].

ب- هيئة المطابقة

    نصت المادة 61 من المشروع  على إنشاء لجنة يطلق عليها اسم "لجنة الشريعة للمالية"، وتهدف هذه الأخيرة إلى ملائمة المنتوجات البنكية للشريعة الإسلامية، على أن يقوم بنك المغرب بأعمال سكرتارية هذه اللجنة كما جاء بالمادة 64، مع ضرورة أن ترفع البنوك التشاركية للجنة، نهاية كل سنة مالية، تقريرا تقييميا حول مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية.
    وتتجلى مهمة لجنة الشريعة للمالية، في البث حول مطابقة العمليات والمنتوجات المقدمة للجمهور للشريعة الإسلامية، إضافة إلى الرد على استشارات البنوك، وإبداء رأي مسبق حول محتوى الحملات الدعائية لمؤسسات الائتمان التي تزاول نشاط البنوك التشاركية، علاوة على اقتراح أي تدبير من شأنه أن يساهم في تنمية أي منتوج أو خدمة مالية مطابقة للشريعة الإسلامية.[11]

      ويجب على هذه البنوك أن تضع لجنة افتحاص تقوم بالتعرف والوقاية من مخاطر عدم المطابقة لأحكام الشريعة، كما تقوم  بتتبع آراء لجنة الشريعة للمالية ومراقبة مدى احترام هذا التطبيق، ووضع المساطر المتعلقة بأحكام الشريعة الواجب احترامها، فضلا عن اعتماد التدابير المطلوبة في حالة عدم احترام الشروط المفروضة عند وضع منتوج صدر بخصوصه رأي شرعي.
    كل هذه المقتضيات التنظيمية السابقة ذكرها جعلتنا نخرج بمجموعة من الملاحظات، والتوصيات سنحاول الوقوف عنها من خلال النقطة الموالية.

ثانيا: الملاحظات والتوصيات

   1- ضعف الصيغة المطروحة بهذا المشروع مقارنة مع التطلعات  والآمال التي كانت معقودة على هذه الأخيرة، حيث يلاحظ أن المقتضيات التي تهم البنوك التشاركية جاءت بصيغة العموم وتفتقد إلى بعض التفاصيل التي من شأنها تنوير المقبل على التعامل مع هذه البنوك.
2- يغلب على هذا المشروع الطابع الاحترازي مما من شأنه أن يقزم من صناعة التمويلات الإسلامية.
3- غياب أي إشارة إلى المعايير المحاسباتية الخاصة بالبنوك التشاركية في مشروع القانون، مع العلم أن البنوك الإسلامية حققت إنجازات متطورة على المستوى العالمي، مع ملاحظة أنه قد سبق لبنك المغرب نشر مذكرة خاصة بالمعايير المحاسباتية فيما يتعلق بالمنتوجات البديلة التي طرحت للتسويق في سنة 2007، وهو ما يدفعنا إلى مطالبة المشرع بضرورة إضافتها إلى مقتضيات البنوك التشاركية.
4- فيما يخص اعتماد هيئة للرقابة، نتساءل عن مدى اعتماد المجلس العلمي كطرف خارجي، خصوصا أن هذا المجلس سبق وأن رافقه جدل كبير، وذلك عقب صدور توصية بنك المغرب رقم 2007.33، إذ عاب عليه الجميع ، أنه لم يبدي أي ملاحظة أو موقف من هذه الأخيرة، بل كان في سبات عميق.
   كما يشمل الغموض المحيط بهذه اللجنة كتابتها خصوصا وأن بنك المغرب هو من يتولى ذلك،  ثم إننا نتساءل عن تركيبة هذه اللجنة وما مدى  استقلاليتها في اتخاذ قراراتها، لذلك نقترح أن يتم إنشاء هيئة مستقلة غير خاضعة لأي ضغط خارجي، وأن يتكون أعضائها من أشخاص متخصصين في مجال فقه المعاملات المالية، هؤلاء يكون لهم الحق في التصويت على أي قرار، مع إضافة أعضاء خبراء ممن لهم التخصص في القانون والاقتصاد والمحاسبة مع ضرورة عدم منحهم الحق في التصويت على اتخاذ قرارات اللجنة المتعلقة بمطابقة خدمات البنوك التشاركية للشريعة الإسلامية، ويجب أن تكون هذه المقتضيات مضمنة بالقانون البنكي.
45- ضرورة تخصيص جهاز خاص داخل البنك المركزي للإشراف على البنوك التشاركية، وذلك على غرار الجهاز المكلف بالإشراف على البنوك التقليدية.
6- ضرورة تقنين كيفية تعامل البنك المركزي مع البنوك التشاركية عندما تحتاج هذه الأخيرة للسيولة المقدمة من طرفه، أو ترغب في توظيف الأموال، دون أن يتم ذلك بمبدأ الفوائد بل بالاعتماد على مبدأ المشاركة لأنه يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
   وفي الختام نأمل أن يتم تحيين المقتضيات المتعلقة بالبنوك التشاركية بما يتوافق والهدف المنشود من هذه الأخيرة، وذلك على اعتبار أن المقتضيات المتعلقة بهذه الأخيرة يعتريها الكثير من الغموض، وعليه فإننا نرى ضرورة أن تهدف البنوك التشاركية إلى مايلي:
  • الالتزام الكامل بأحكام الشريعة الإسلامية في كل تعاملاتها المصرفية.
  • عـدم التعامل بالفائدة المصرفية أخذا وإعطاء بشكل مباشر أو مستتر باعتبارها من الربا الحرام.
  • إرساء مبدأ المشاركة في الربح والخسارة من خلال توسط البنك بين أصحاب الأموال وطالبي التمويل مع عدم قطع المخاطرة وإلقائها على طرف دون آخر.
  • إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية في المجتمع.
  • إرساء مبدأ التكافل الاجتماعي، ليس فقط بجمع الزكاة وصرفها فى مصارفها الشرعية، وإنما أيضا بالسعي إلى تحقيق عدالة في توزيع عوائد الأموال المستثمرة وتعظيم العائد الاجتماعي للاستثمار[12]
 
الهوامش


[1]  المصرف الإسلامي مؤسسة مالية تقوم بدور الوساطة المالية بين فئتى المدخرين والمستثمرين ( في إطار صيغة المضاربة الشرعية المبنية على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، والقاعدة الشرعية الغنم بالغرم ) فضلا عن أدائها للخدمات المصرفية المنضبطة في إطار العقود الشرعية.
[2]  تعرف الربا لغة بالزيادة والنمو والعلو والارتفاع ، يقال ربا الشيء: أي علا وارتفع مثل قوله تبارك وتعالى:  »وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ «  [سورة الحج : الآية 5[، وتفسير كلمة "ربت" أي ارتفعت ومثل قوله تبارك وتعالى:  »يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ« [سورة البقرة : الآية 276[ أي يزيدها وينميها ، والربوة هي : المكان المرتفع من الأرض.
يقصد بالربا عند العرب: الزيادة المشروطة التي يؤديها المدين للدائن علاوة على رأس المال نظير التأخير لمدة معلومة من الزمن.
للتوسع أكثر حول هذا الموضوع أنظر: مصطفى ابراهيم محمد مصطفى: تقييم ظاهرة تحول البنوك التقليدية للمصرفية الإسلامية، رسالة لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد الإسلامي، الجامـعة الأمريكية المفتوحة   قسم الاقتصاد الإسلامي، القاهرة، 2006، ص: 17.
[3] حيث أصدر هذا الأخير قرارا اعتبر فيه أن الفائدة على أنواع القروض كلها حرام لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة مجموعة قاطعة في تحريم الربا.
  • راجع مقررات هذا المؤتمر في مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد 134، إصدار بنك دبي سنة 1992، ص: 105.
[4] راجع بهذا الخصوص: مجلة الاقتصاد الإسلامي، نفس المرجع السابق، ص: 107.
[5] حيث جاء في محضر اجتماع مجمع البحوث على أنه:" لا يوجد نص شرعي أو قياسي يطمئن إليه يمنع من تحديد الربح مقدما ما دام هذا التحديد قد تم باختيار الطرفين ورضاهما المشروع".
  • راجع هذه الفتوى وما خلفته من ردود بمجلة الفرقان، مجلة تصدرها دولة الكويت، العدد 228، يناير 2003، ص: 20 وما بعدها.
[6] للمزيد من التفصيل  حول هذا الموضوع أنظر: جواد مريد، البنوك الإسلامية في ضوء المستجدات التنظيمية للمنتجات التمويلية بالمغرب، مطبعة المتفي برينتر، الطبعة الأولى 2012.
[7] وجدير بالذكر أن مجموعة من البنوك الرائدة في محال التمويلات الإسلامية قدمت طلبات للحصول على تراخيص لإنشاء بنوك إسلامية، ولم يتم الاستجابة لمطلبها،
  •  للمزيد من الإطلاع حول هذه النقطة أنظر: عبد الرحيم ندير: بنك بحريني يدخل دائرة المنافسة على رخص البنوك الإسلامية، جريدة المساء، العدد 1829، الخميس 2012.08.09، ص: 6.
[8]  المادة 53 من مشروع القانون.
[9]  المادة 54 من المشروع.
[10]  المادة 57 من المشروع.
[11]  المادة 62 من المشروع.
 محمد عمر شبرا: نحو نظام نقدي عادل، مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (القاهرة 1990)، ص30.[12]

الاثنين 31 ديسمبر 2012


تعليق جديد
Twitter