Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الاشكالية الدستورية لحالة الطوارئ الصحية واثارها على الحقوق والحريات في ظل دستور 2011


     



الاشكالية الدستورية لحالة الطوارئ الصحية واثارها على الحقوق والحريات في ظل دستور 2011
"نحاول في هذه المقالة ايجاد المصوغات القانونية التي يمكن الاستناد عليها، فيما اقدمت عليه السلطات العمومية من اعلان حالة الطوارئ الصحية، وبحث الاسس الدستورية التي استندت عليها في تقدير الإجراءات الاحترازية  في  مرسوم قانون بشأن نظام حالة الطوارئ واجراءات اعلانها"
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن السند القانوني الذي اعتمدت عليه الحكومة لإعلان حالة الطوارئ الصحية بالمغرب، وذلك حينما تم الاعلان عنها من خلال البلاغ الرسمي لوزير الداخلية في 19 مارس 2020 ، خصوصا وأن هذا البلاغ الرسمي  في إبانه لم يقدم أي سند دستوري أو قانوني معين لهذا القرار، مكتفيا بالتأكيد على أن الأمر يتعلق بحالة طوارئ صحية لا غير،  وقد اشار بصفة ضمنية الى فصول القانون الجنائي في حالة الاخلال وعدم الانقياد لتدابير واجراءات  حالة الطوارئ .
غير ان الحكومة تداركت الوضع فيما بعد باستصدار مرسومين، الاول بمثابة  قانون رقم .292.20.2 بتاريخ 23 مارس 2020 يتعلق بسن احكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية واجراءات الاعلان عنها،  والثاني  عبارة عن مرسوم لرئيس الحكومة رقم  293.20.2 بتاريخ 24 مارس  2020 وقعه بالعطف كل من وزير الداخلية ووزير الصحة الخاص  باعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر ارجاء التراب الوطني. وكلا المرسومين  دخلا حيز التنفيذ بعد نشرهما بالجريدة الرسمية بتاريخ 24 مارس 2020 .[1]
واوضح بلاغ لرئاسة الحكومة ان هذا المرسوم بمثابة قانون، يندرج في اطار التدابير الوقائية الاستعجالية التي تتخذها السلطات العمومية من أجل الحد من تفشي جائحة فيروس كورونا كوفيد 19 ويهدف الى الاعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطني ابتداء من يوم 20 مارس 2020 في الساعة السادسة مساء الى غاية 20 أبريل 2020 في الساعة السادسة مساء.
للإشارة، فإن هذا المرسوم جاء في اطار تطبيق الفصل 81 من الدستور، والذي يخول" للحكومة ان تصدر خلال الفترة الفاصلة بين الدورات وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الامر في كلا المجلسين، مراسيم قوانين يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورته العادية الموالية"، ، كما استند على الفصلين 21 و 24 (الفقرة الرابعة) كذلك من الدستور، بمعنى ان هذا المرسوم هو بمثابة  تشريع حكومي له قوة القانون، وتكون له طبيعة وقوة القوانين منذ صدورها في الجريدة الرسمية
السند الدستوري لحالة الطوارئ:
يجب الاشارة بداية الى  أن اعلان  حالة الطوارئ هي في  الأصل  اجراء او مجموعة من  الإجراءات التنظيمية، تخول  للسلطات العمومية في حال وجود خطر داهم على صحة المواطنين أو على الأمن والنظام العام، بالتدخل المباشر قصد  تقييد مجموعة من الحقوق والحريات المكفولة دستوريا[2]، لكن هذا التقييد الذي تتأسس عليها هذه الاجراءات يتوجب ان  تكون في اضيق الحدود "المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية"[3] وأن تكون مؤطرة قانونيا ولها اساس دستوري، سواء من حيث المدى الترابي والفترة الزمنية، بما يفرض على السلطات العمومية عدم الشطط في استعمالها، خصوصا وأنه من حيث الشكل والمضمون، تظل  حالة الطوارئ ماسة بالحقوق والحريات الأساسية للأفراد.[4]
وفي اطار استقرائنا النصوص القانونية، نستغرب انه لا يوجد أي نص تشريعي سواء في الدستور المغربي لسنة 2011[5]  او في نصوص قانونية اخرى ، ينظم لحالة الطوارئ  كظرف من ظروف الاستثناء، بل نجد ان الدستور المغربي أورد فقط  ثلاث  ظروف استثنائية تخول للسلطة التنفيذية سلطات واسعة لا تملكها في الاوقات العادية، تمكنها من السيطرة على زمام الامن في البلاد وتساعدها في المحافظة على كيانها وسلامة ترابها، حيث تتخد في سبيل ذلك تدابير استثنائية تتسم بطابعي السرعة والشدة في اتخاذ الاجراءات وتنفيذ الاحكام، كما تتميز بانها تعطل الى مدى بعيد الحقوق و الحريات العامة والضمانات التشريعية والقضائية المقررة دستوريا،.
 وهذه الظروف الاستثنائية هي :  حالة الاستثناء في الفصل 59 من الدستور(  اذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة او وقع من الاحداث ما يعرقل سير المؤسسات الدستورية، فإنها تعلن بظهير من طرف الملك وتقتضي استشارة رئيس الحكومة ورئيسي البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية) وحالتي الحصار و الحرب ف 49 ف  ( يتم التداول بشأنهما في المجلس الوزاري برئاسة الملك ). والفصل 74 (يمكن الاعلان لمدة ثلاثين يوما عن حالة الحصار، بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة ولا يمكن تمديد هذا الاجل الا بقانون)
الملاحظة الاساسية، هي أن هذه الفصول جعلت الملك، باعتباره رئيس الدولة ''ف 42'' الجهة الدستورية الوحيدة المختصة بإعلان  الظروف الاستثنائية، حيث تم تجميعها جميعا في الباب الثالث من الوثيقة الدستورية في اختصاصات المؤسسة  الملكية "الفصول من 41 الى ف 59 "، باستثناء تمديد حالة الحصار التي تتم بقانون ولا غرابة في ان يدرجها المشرع الدستوري في ف 74 باب الرابع حيث اختصاصات السلطة التشريعية "ف 60 الى ف 86''. .
الملاحظة الثانية، هي أن غياب نص صريح يؤطر لحالة الطوارئ في الدستور المغربي، يقابله في اطار تحليل  الدساتير المقارنة تنصيص واضح وصريح، حيث نجد  على سبيل المثال الدستور الفرنسي 1958 وفق اخر التعديلات لسنة 2008 ، يشير الى صلاحيات رئيس الجمهورية في اعلان احكام الطوارئ المادة  "16" وحالة الحرب المادة "35" وحالة الحصار المادة ''36"   كما  أن الدستور الجزائري المعدل لسنة   2016، قد افرد المواد 105 الى 110 لحالة الطوارئ الى  جانب حالة الحصار وحالة الاستثناء وحالة الحرب، وذلك فق قواعد و ضوابط مسطريه خاصة ودقيقة يجب احترامها والتقيد بها، واهمها بالنسبة لحالة الطوارئ ضرورة تأطيرها بقانون عضوي أي بقانون تنظيمي وليس بتشريع عادي، على خلاف ما اقدمت عليه الحكومة المغربية التي اصدرت حالة الطوارئ بواسطة مرسوم قانون عادي،  كما أن هذه الظروف الاستثنائية الاربعة  في الدستور الجزائي تعطي  صلاحيات واسعة  لرئيس  الجمهورية  تصل الى حد توقيف العمل بالدستور في حالة الحرب المادة 110 ، والحد من مجموعة الحقوق والحريات المكفولة دستوريا المادة 105 و107 ، اما الدستور الموريتاني 1991 كما عدل في 2012 فقد نص  على الاحكام العرفية وحالة الطوارئ للدلالة على شيء واحد ويقرها رئيس الجمهورية لمدة اقصاها ثلاثين يوما.
النتيجة التي نستخلصها  من الدراسة المقارنة، ان  المشرع الدستوري المغربي قد اغفل ادراج جالة الطوارئ ضمن الظروف الاستثنائية، وهذا الاغفال جعل بعض  التأويلات التي تم تداولها مؤخرا من طرف مجموعة من الباحثين حول الطبيعة القانونية لإعلان حالة الطوارئ، قد خلطت بقصد أو عن غير قصد بين هذه الأخيرة وإعلان حالة الحصار، والحال ان هذه الاخيرة هي اكثر خطورة من حالة الطوارئ،  لان الاعلان عن  حالة الحصار كما رأينا أعلاه يتم تداولها في مجلس وزاري، ويصدر على شكل ظهير ملكي موقع بالعطف من قبل رئيس الحكومة،  كما انها محددة بثلاثين يوما غير قابلة للتمديد الا بقانون صادر عن  السلطة التشريعية. كما يترتب عنها تدخل للقوات المسلحة تحت وصاية الملك باعتباره قائدها الأعلى وفقا لما يحدده الفصل 53 من الدستور.
كما ان البعض الاخر من الدارسين،  ادرج السند الدستوري لحالة الطوارئ في اطار الفصل 21 والفصل 24، وهو ما اعتمد عليه المرسوم بقانون  رقم .292.20.2 بتاريخ 23 مارس   2020 المنشور بالجريدة الرسمية عدد6867 مكرر بتاريخ 24 مارس 2020  وهو ما يثير في نظرنا سؤال  اشكالية التأويل والتفسير الدستوري لهذا الاسناد، وذلك بسبب أن هذه الفصول مندرجة في باب الحقوق والحريات المكفولة للمواطنين، والمحددة حصرا في الوثيقة الدستورية من "ف 19 الى ف 40 "، وهنا يفتح الباب امام فقهاء القانون الدستوري لدراسة هذه الاشكالية القانونية، والبحث عن مخرج قانوني سليم في التأويل، خصوصا انه في ظل الدستور هناك امكانية للمواطنين الدفع بعدم دستورية القوانين الماسة بالحقوق والحريات المكفولة دستوريا الفصل "133" وهي تدخل في اختصاصات المحكمة الدستورية ف 129 الى ف 134 من الدستور.
الخلاصة، ان حالة الطوارئ الصحية غير واردة مطلقا في الدستور المغربي، وبالتالي فيمكن اعتبارها  اقل خطرا مقارنة مع باقي  الحالات الاستثنائية الأخرى المنصوص عليها حصرا في الوثيقة الدستورية، ويصبح اختصاص اعلانها من طرف الحكومة  يدخل في اطار  السلطة التنظيمية وقراراتها واحكامها تكون مجردة قرارات ادارية وليست سيادية.
ونتيجة لذلك ، فإن القرارات التي تتخذه الحكومة في مجال المس بالحقوق والحريات ، منها على سبيل المثال  "تأجيل تسوية الترقيات والغاء جميع مباريات التوظيف، يمكن ان تكون موضوع طعن امام المحكمة المختصة، بحيث ان القضاء الاداري يراقب مدى مشروعية مثل هاته  القرارات وملائمتها  للتناسب بين التدبير واهمية الوقائع والظروف الاستثنائية المحيطة [6]
كما ان القاضي الاداري يراعي تقدير الضرورات حسب الزمان والمكان وطبيعة الاخطار التي ينبغي توقعها، ومدى حرص الادارة على مراعاة المقاصد الدستورية في صيانة الحقوق والحريات [7]
توفيق لهبالي
دكتور في القانون الدستوري وعلم السياسة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
.
 
[1] - مرسومين منشورين بالجريدة الرسمية السنة التاسعة بعد المائة ، العدد 6م867 مكرر، 29 من رجب 1441 (24 مارس2020) الصفحة 1782_1783
[2] -https://www.marodroit.com/بوطلحة-امبارك-النظام-القانوني-لحالة-الطوارئ بالمغرب وفق المعايير الدولية
[3] - صادق المغرب على هذا العهد بموجب الظهير الشريف عدد 1-78-4 بتاريخ 27 مارس 1979 المنشور بالجريدة الرسمية عدد3525 بتاريخ 21 ماي 1980
[4] - مولودي جلول : حماية الحقوق والحريات اثناء حالة الطوارئ في النظام الدستوري الجزائري، جامعة محمد خيضربسكرة2010 ص 10
[5] - ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)
[6] - تنص الفقرة الثانية من الفصل 118 من الدستور على ان " كل قرار اتخذ في المجال الاداري، سواء كان تنظيميا او فرديا ، يمكن الطعن فيه امام الهيئة القضائية الادارية المختصة"
انظر كذلك رشدي السبايطي : رقابة القضاء الاداري على مشروعية قرارات الشرطة الادارية، الجزء الاول منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية ، العدد 2019/ 126 ، الصفحة 316
[[7]]url:#_ftnref7  https://www.marocdroit.com/بوطلحة-امبارك-النظام-القانوني-لحالة-الطوارئ بالمغرب وفق المعايير الدولية

الخميس 2 أبريل 2020


تعليق جديد
Twitter