Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية

   
الأكثر قراءة


الاتحاد العام لمقاولات المغرب : بين الانفتاح والتحفظ على مقتضيات مدونة الشغل (5/5)


     

عبد الحق بامي
ممارس وباحث في القانون الاجتماعي



هل الدولة في خدمة المقاولة، أم المقاولة في خدمة الدولة؟ فكل منهما ترى في الأخرى سر خلودها.المقاولة تبحث عن حضانة الدولة، وهده الأخيرة تراهن عن الأخرى اقتصاديا و اجتماعيا. إلا أنهما في الحقيقة ليستا في حاجة معا، لا لحضانة ولا لرهان، بل لتعايش ، تعايش ثلاثي الإضلاع، يربط الدولة بالمقاولة، ويربط هده الأخيرة بالنقابة. تعايش لا يجب أن يكون على مضض بل على اختيار و حرية، قوامه التوازن و الاتزان، يحيا على إكسير الحق، ونبض القانون.



الاتحاد العام لمقاولات المغرب  : بين الانفتاح والتحفظ على مقتضيات مدونة الشغل (5/5)

    هل يمكن أن نتصور المشغل مشرعا يصدر قوانين تعني أجرائه؟ من حيث المبدأ الأمر مستبعدا؛ فلكل من المؤاجر و الشارع مجاله يشتغل فيه، ورسالة يريد تحقيقها للمجتمع. لكن لكل قاعدة استثناء، فقد نرى مشغلا تحت قبة البرلمان يساهم في سن القوانين، بما فيها قانون الشغل الذي يطبقه في مقاولته؛ كما يمكن أن نجده وزيرا   يصدر   قرارات وزارية،   و يساهم في إصدار مراسيم قد تعنيه كمستثمر. كل هذا يجعل منه خادم نفسه ، و معبد و ميسر طريقه.

   أما على مستوى المقاولة، فمدونة الشغل تمنح للمشغل هذه المهمة، في إطار حقه في تدبير شؤون المقاولة بصفة عامة، وسلطته التنظيمية بصفة خاصة. و ذلك عن طريق وضع نظام داخلي بمقاولته أو بكل مؤسسة تابعة لها، قصد ضبط سلوك الأجراء، وتنظيم الشغل، ضمانا للسير العادي للمقاولة، وتحقيق أهدافها.

إذن ما هو النظام الداخلي بالمقاولات ؟ ما هي النصوص القانونية المنظمة له ؟ وهل توفق المشرع المغربي في إعداد هده النصوص حتى تفي بمهمتها التنظيمية؟ و ما هو منظور الإتحاد العام لمقاولات المغرب لهذه النصوص؟ هذا ما سنحاول تناوله وتحليله بتفصيل  في الفقرة الرابعة من الجزء الخامس و الأخير من هدا العمل  المتواضع :

4– النظام الداخلي بالمقاولات :

هو مجموعة من المقتضيات يضعها المشغل بمقاولات القطاع الخاص، لتدبير شؤون العلاقات المهنية التي تربطه بأجرائه. ووضع هذا النظام إجباري خلال السنتين المواليتين لفتح المقاولات، أو المؤسسات التي تشغل اعتياديا عشرة أجراء وما فوق. ويسري مفعوله بعد الموافقة عليه  من  طرف  السلطة  الحكومية  المكلفة بالشغل،  بعد اطلاع مندوبي  الأجراء  و الممثلين النقابيين عند وجودهم بالمقاولة عليه قبل عرضه على المصادقة. و يخضع كل تعديل لمقتضيات النظام الداخلي للشكليات المشار إليها أعلاه. فيما تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، بالاستشارة مع المنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، والمنظمات المهنية للمشغلين، تحديد "نموذج" النظام الداخلي، و يعتبر هذا الأخير نظاما داخليا بالنسبة للمؤسسة التي تشغل أقل من 10 أجراء.
 
هذا وقد وضع المشرع المغربي من خلال المادة 11 من مدونة الشغل، الأنظمة الداخلية في نفس المرتبة من حيث إلزامية التطبيق مقارنة مع عقود الشغل المبرمة مع الأجراء، واتفاقيات الشغل الجماعية المبرمة مع المنظمات النقابية التي تمثل الأجراء، و الأنظمة الأساسية بالمؤسسات العمومية ،وكذا ما جرى عليه من أعراف، شرط أن تكون مقتضياتها أكثر فائدة للأجراء من التشريع الاجتماعي الجاري  به  العمل.
 
فبذلك يمكن القول أن النظام الداخلي هو مجموعة من المقتضيات التنظيمية التي يضعها المشغل، لتصبح ملزمة لأطراف العلاقة الشغلية، بعد المصادقة عليها من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، وبعد ملاءمتها مع القوانين الجاري بها العمل، والذي يجب أن يتضمن على الخصوص :
 
  • قواعد غير واردة  لا بالنصوص القانونية و لا التنظيمية ، لتملأ فراغا تشريعيا.
  •  مقتضيات تنظيمية لنصوص قانونية.
  • أحكام أكثر فائدة للأجراء من تلك الواردة بالقانون.
  • مقتضيات  تتعلق بخصوصية نشاط المقاولة، من حيث طبيعة العمل.
 
من خلال ما قيل، يبدو أن إعداد نظام داخلي للمقاولة،  يخفي في طياته حكمة تشريعية، تتجلى في سد الفراغات التي قد تحصل بالقانون الاجتماعي، أو التنظيمي، على غرار النصوص التنظيمية للقوانين، إلا أنه لا بأس من إثارة الملاحظات التالية :
 
 
  1. من خلال المادة 11 من مدونة الشغل، يبدو أن المشرع جعل النظام الداخلي للمقاولات في نفس المرتبة، من حيث السمو مع عقد الشغل، و الاتفاقية الجماعية و الأنظمة الأساسية ، رغم اختلاف مصدر كل منها، فالأنظمة الأساسية مصدرها التشريع، و الذي يعبر عن إرادة المشرع، و يشرع باسم الأمة. و اتفاقيات الشغل الجماعية مصدرها التراضي بين مشغل أو عدة مشغلين، و منظمة أو عدة منظمات نقابية نيابة عن الأجراء و ليس بالضرورة برضاه. في حين أن مصدر  عقد الشغل نابع عن إرادة الطرفين بشكل مباشر؛ و الذي هو أساس العلاقة المهنية. أما النظام الداخلي فمصدره المشغل بإرادة منفردة. فإن كان المشرع قد نص بالمادة 3 من مدونة الشغل على أن الأنظمة الأساسية تبقى أعلى مرتبة من مدونة الشغل، ويجب ألا تقل بأي حال من الأحوال عما تنص عليه هذه الأخيرة، إلا أنه لم يسلك نفس النهج صراحة في شأن ترجيح كفة عقد الشغل الصادر عن إرادة الطرفين، واضعا النظام الداخلي في مرتبة موازية معه. فهناك مقتضيات واردة بعديد من الأنظمة الداخلية، أقل فائدة من تلك المتفق عليها بعقود الشغل، وبالخصوص العقود الغير المكتوبة، حيث يتشبت المشغلون بمضامين أنظمتهم الداخلية بعد المصادقة عليها من طرف السلطة المكلفة بالشغل، وهذه الأخيرة قد تصبح بشكل أو بآخر مساهمة في هذا الطرح. لذا فعلى هذه الأخيرة ولتفادي أي إحراج، أن تجبر المشغل قبل المصادقة على نظامه، الإشارة في صلب هذه الوثيقة على سمو عقد الشغل على أي مقتضيات أقل فائدة واردة بالنظام الداخلي، أو اتفاقية شغل جماعية. فتقابل إرادتي الأجير و المؤاجر بشكل مباشر، أولى من الإرادة المنفردة للمشغل وهو يعد نظامه الداخلي ، وأولى من الإرادة النابعة من إنابة المنظمة النقابية، بالنسبة لإبرام اتفاقية الشغل الجماعية.
 
  1. يعتبر دور ممثلي الأجراء، سواء منهم المندوبين المنتخبين، أو الممثلين النقابيين، جد محدود في إعداد النظام الداخلي بمقاولتهم، حيث حصره المشرع في الاطلاع على مشروعه لا أكثر، من دون أن يوضح لنا الجدوى من هذا الاطلاع. فهل يخول لهم ذلك الاعتراض عن كله أو بعضه؟ وذلك في إطار ما تخوله لهم المادة 432 من مدونة الشغل، من تقديم  الشكايات الفردية المتعلقة بظروف الشغل، الناتجة عن تطبيق تشريع الشغل، أو عقد الشغل، أو الاتفاقية الجماعية، أو النظام الداخلي إلى المشغل، إذا لم تقع الاستجابة لها مباشرة. فيقوم بإحالة تلك الشكايات إلى العون المكلف بالشغل، إذا استمر الخلاف بشأنها؛ على اعتبار إن إعداد النظام الداخلي أمر يتعلق بظروف الشغل و بتطبيق تشريع الشغل. و ما يرجح كفة هذا الطرح هناك عدة أسباب نذكر منها :
 

*     إن اطلاع مندوبي الأجراء و الممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم، على مشروع النظام الداخلي، يتم قبل المصادقة عليه من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، وليس بعدها. فلو كانت الغاية من الاطلاع عليه فقط لمعرفة مضامينه لكان ذلك بعد المصادقة.
 
* إن الاطلاع عليه وهو مشروع، من دون دفوعات، أو تعرضات، هو بمثابة قبول و التزام  ضمني  بمقتضياته من طرف  ممثلي  العمال،  مما   يكرس  أحقيتهم  في  الدفوعات  و التعرضات على بعض مقتضياته.
 
* يبدو أن الدور الاستشاري لمندوبي الأجراء، و الممثل النقابي المنصوص عليه بالمادة 466 من المدونة، كأعضاء بلجنة المقاولة عند تواجدها، في وضع الإستراتيجية للمقاولة، ووسائل رفع مردوديتها، يعتبر جزء لا يتجزأ من تدبير شؤون المقاولة، التي يعتبرإعداد النظام الداخلي إحدى آلياتها الأساسية.
 
و للإشارة، أن المشرع المغربي استعمل عبارتين مختلفتين في دور مندوبي الأجراء، و الممثلين النقابيين في إعداد النظام الداخلي بالمقاولة أو المؤسسة. ففي مرحلة إعداد المشروع لأول مرة، يتم الاطلاع عليه من طرف هؤلاء الممثلين. أما عند إقدام المشغل على تعديله، فيكون موضوع استشارتهم، وليس فقط الاطلاع. فهل كان تغيير المصطلح من طرف المشرع عن قصد أو بدون قصد؟ فيبدو أن الدور الاستشاري هي مهمة جد متقدمة عن مهمة الاطلاع. فهل المشرع يعتبر التعديل في النظام الداخلي هو أمر يعني ممثلي الأجراء، أكثر من إعداده لأول مرة من حيث الآثار على العلاقات المهنية؟ و التي قد تكون تراجعا عن حقوق مكتسبة للأجراء ناتجة عن النظام الداخلي الأصلي؟ أم أن المشرع استعمل كلمة استشارة كمرادف لكلمة اطلاع؟

 
  1.  إن الغاية من إعداد نظام داخلي بالمقاولات، هي مهمة تنظيمية، وليست للتذكير بالنصوص القانونية المنظمة للعلاقات المهنية، فمقتضياته توضع إلى جانب القانون و نصوصه التنظيمية من قرارات و مراسيم وزارية لسد الفراغات التي تعرفها هده الأخيرة. وكذا تنظيم الخصوصيات التي تعرفها بعض المهن، إضافة إلى والمقتضيات الأكثر فائدة للأجراء، ونذكر من مواضيع النظام الداخلي على سبيل المثال:
 
 
  • مسطرة إبرام عقد الشغل، وإنهائه ( عملية الاستخدام، الوثائق المطلوبة، الاستقالة ، الإعفاء، التخلي عن العمل ....)
  • كيفية توزيع مدة الشغل على الأسبوع أو السنة حسب حاجيات المقاولة تطبيقا للمادة 184 من مدونة الشغل.
  • تنظيم الشغل، وتوزيعه على الأجراء للعمل بنظام "التناوب" أو "التعاقب".
  • فترات تناول وجبات الأكل
  • كيفية أداء الأجور (نقدا أو بشيك  أو التحويل البنكي..)
  • كيفية الإتاحة لمندوبي الأجراء الوقت اللازم لتمكينهم من أداء مهامهم التمثيلية داخل المؤسسة، وخارجها، بالاستفادة من خمسة عشرة ساعة في الشهر، من حيث تنظيم استعمال هذا الوقت.
  • الوسائل الإضافية المسموح بها لمندوبي الأجراء التي تقتضي مهمتهم استعمالها لنشر إعلاناتها لتبليغها إلى علم الأجراء، إلى جانب الملصقات التي يسمح بها القانون.
  • تاريخ و مكان وشكليات استقبال مندوبي الأجراء شهريا أو عند الاقتضاء.
  • كيفية التناوب في شأن استفادة الأجراء من العطلة السنوية و الراحة الأسبوعية وغيرها.
  • إعداد مسطرة داخلية لحل نزاعات الشغل الفردية والجماعية.
  • الامتيازات والتحفيزات التي يستفيد منها الأجراء، من منح وخدمات اجتماعية وغيرها.
  • التدابير التأديبية.
  • المحافظة على صحة الأجراء وسلامتهم.
  • تنظيم إعادة التأهيل عند حدوث إعاقة ناتجة عن حادثة شغل، أو مرض مهني.
  • تحديد الشروط، والمكان، والأيام، والساعات، التي يستقبل فيها المشغل كل أجير على حدة.
 

إلا أنه في حقيقة الأمر،وللأسف أن أغلبية الأنظمة الداخلية الجاري بها العمل حاليا، والمصادق عليها من طرف السلطة المكلفة بالشغل، ما هي إلا اجترارا لمقتضيات مدونة الشغل، والنصوص التنظيمية لها، أعدت من طرف المشغلين، فقط لتفادي الغرامات المعاقب بها في حالة عدم إعداد هذه الأنظمة، مما يترك ثغرة واضحة الآثار في تدبير الموارد البشرية، أما المصادقة على هذه الأنظمة من طرف السلطة المكلفة بالشغل، فهو كذلك فقط لتبرير مردودية هذه الأخيرة من حيث "الكم" وليس "الكيف".

 
  1. إن المصادقة على الأنظمة الداخلية من طرف السلطة المكلفة بالشغل، سلطة الإشراف، وسلطة ملاءمة النظام مع مدونة الشغل، وباقي النصوص التشريعية، بما فيها الدستور والاتفاقيات الدولية. هي مهمة ليست بالهينة، تتطلب دراية شاملة بالنصوص القانونية، وتشبع تام بروح الدستور، وحقوق الإنسان، بحيث أننا نجد بعض الأنظمة الداخلية التي تمت المصادقة عليها، تمنع الأجراء منعا باتا من استعمال هواتفهم الشخصية أثناء أوقات العمل، وأخرى تسمح للمشغل ممارسة تفتيش الأجراء أثناء مغادرتهم لعملهم، وبعض الأنظمة تمنع الأجير من مغادرة عمله مهما كانت الأسباب إلا بإذن من مشغله، أو من ينوب عنه، وغيرها من مقتضيات تقيد الأجير، وتمس حقوقه الطبيعية،  كإنسان يستمدها من كون حريته هي الأصل.
 
  1. نصت المادة 139 من مدونة الشغل، على أن تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، بالاستشارة مع المنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، و المنظمات المهنية للمشغلين، تحديد " نموذج " النظام الداخلي الذي يجب أن يتضمن على الأخص، مجموعة من الأحكام الخاصة، وأحكام عامة، حددت مواضيعها، وأحكاما تتعلق بتنظيم إعادة التأهيل عند حدوث الإعاقة الناتجة عن حادثة شغل أو مرض مهني. و اعتبرت هدا النموذج بمثابة نظام داخلي بالنسبة للمؤسسات التي تشغل أقل من 10 أجراء.

على ضوء هذه المقتضيات يدفع بي الفضول أن أتساءل، هل بالضرورة يجب أن يكون للنظام الداخلي بالمقاولات "نموذجا"؟ وماذا يقصد المشرع ب "النموذج" ؟ هل هو ملخصا لجميع المقتضيات القانونية الواردة بمدونة الشغل، أم وضع مقتضيات تنظيمية لهذه المقاولات، بعد ملاءمتها مع أنشطة مختلف القطاعات المهنية، وهو التفسير الأقرب - حسب رأينا -  للغاية من إعداد نظام داخلي بالمقاولة. إلا أن إعداد نموذج من هذا القبيل يبقى  ليس بالامر السهل، ويتطلب عملا كبيرا، وإلماما بمتطلبات جميع القطاعات المهنية من حيث تدبير شؤون الموارد البشرية، وهو ثقل وضعه المشرع بالأساس على كاهل المنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، والمنظمات المهنية التي يتعين الاستشارة معها لإعداد" نموذج" للنظام الداخلي.
أما إن كان المشرع المغربي وهو يسن هذه المادة، متأثرا، بظهير 23 أكتوبر 1948، بمثابة نموذج النظام الخاص بضبط العلائق الرابطة بين الأجراء، الدين يتعاطون مهنة تجارية، أو صناعية، أو حرة، وبين مؤاجرهم؛ المنسوخ بمقتضى فانون 65 – 99 بمثابة مدونة الشغل.  والذي هو نظاما أساسيا نموذجيا ، ترجمة ل (STATUT TYPE) كما هو وارد بالنص الفرنسي الرسمي للظهير، سعيا منه، وضع بديل له. فإن كانت غاية المشرع كذلك، فقد جانب الصواب بجمعه بين مفهومين مختلفين، فالنظام الأساسي النموذجي (STATUT TYPE) الذي صدر سنة 1948، هو مجموعة من البنود القانونية، تتناول أهم المقتضيات الأساسية التي تنظم العلاقات المهنية، نذكر منها بالأساس المحاور التالية : أصناف الأجراء، مدة الاختبار،  الاستخدام، فسخ عقد الشغل، الإجراءات التأديبية، التعويض عن الأقدمية، أداء الأجور، الرخصة عن مدة المرض، التغيبات، ....... كمقتضيات قانونية و ليست تنظيمية؛ وردت فيما بعد بمدونة الشغل بعد إلغاء الظهير السالف الذكر. فهو إذن امتداد لظهير 2 يوليوز 1947 في سن ضابط للخدمة و العمل، بحيث يمكن اعتبارهما معا، بمثابة مدونة شغل مصغرة  آن ذاك، محاولة من المشرع جمع النصوص المنظمة لعلاقات الشغل بين دفتين.
أما مفهوم نموذج نظام داخلي الوارد في المادة 139 من مدونة الشغل، فهو مفهوم آخر كما سلف الذكر، وقد تمت ترجمته بالنسخة الفرنسية لمدونة الشغل، ب MODELE DU REGLEMENT INTERIEUR  ، وان كانت النسخة الفرنسية غير رسمية، فهي أقرب تعبيرا عن إرادة المشرع،  و الذي لا يمكن أن نجعل منه مرادفا ل STATUT TYPE كما كان من قبل.
 
و بالعودة إلى الطرح الأول في مفهوم النظام الداخلي، بكونه مقتضيات تنظيمية للعلاقات المهنية، لمختلف القطاعات المهنية، و مقتضيات أكثر فائدة للأجراء، و تنظيميه لنصوص قانونية صادرة سلفا، فإن الفقرة الأخيرة من المادة 139، التي تعتبر نموذج النظام الداخلي، بمثابة نظام داخلي بالمؤسسات التي تشغل أقل من عشرة أجراء، قد أعادت العداد لنقطة الصفر، حيث أن المشرع في آخر المطاف، و من خلال إصداره لقرار وزير التشغيل و التكوين المهني رقم 2710.12 الصادر في 11 من رمضان 1433 ( 31 /07/2012 ) بتحديد نموذج النظام الداخلي يكون قد حسم الأمر. فإن كان في مادته الأولى قد اعتبر أحكامه " تنظم علاقات الشغل "،إلا انه في الواقع جعل من نموذج النظام الداخلي نصا تشريعيا بامتياز؛ أغلب مقتضياته مجرد اجترار تشريعي لمقتضيات مدونة الشغل. وهو الأمر الذي أفرغ الوظيفة التنظيمية للنظام الداخلي من محتواها. هدا إضافة لتضمنه لمقتضيات تخالف تلك الواردة بمدونة الشغل، الشيء يجعلنا أمام "ازدواجية النص"، أحدهما يطبق على أجراء المقاولات التي تشغل أقل من 10 أجراء و نعني به القرار بمثابة نظام نموذجي، و آخر- ونقصد به مدونة الشغل- يطبق على جميع الأجراء. فهل نرجح القانون على القرار وإن كان الأخير أكثر فائدة للأجير ؟  وذلك في غياب أي نص قانوني يجعل من الأول أسمى من الثاني. و نذكر من هده الازدواجية على سبيل المثال لا الحصر- و التي سنتطرق لها بتفصيل في مناسبة أخرى - مقتضيات المادة 201 من مدونة الشغل التي تحدد نسبة الزيادة في الأجر عن الساعات الإضافية التي يشتغلها الأجير ليلا، بحيث ترفع هده الزيادة من 25 % إلى 50 % نهارا، و من 50 % إلى 100 % ليلا إدا قضى الأجير هده الساعات في اليوم المخصص لراحته الأسبوعية؛ في حين ترفع هده الزيادة  طبقا  للقرار السالف  الذكر بنفس النسب و لكن خلال يوم الراحة الأسبوعية وأيام الأعياد و العطل.
 
كما تجدر الإشارة بأن الظهير الشريف الصادر بتاريخ 19 ذي الحجة 1367 ( 23 أكتوبر 1948 ) و المتعلق بالنظام النموذجي قد تم نسخه بناء على صدور قانون رقم 99.65 بمثابة مدونة الشغل، و ليس بالقرار الوزاري بتحديد نموذج النظام الداخلي السالف الذكر، الأمر الذي يمنحه الصبغة القانونية و ليس التنظيمية؛ بكون مقتضيات مدونة الشغل هي البديلة لظهير 23 أكتوبر 1948 ، و ليس قرار وزير التشغيل و التكوين المهني هو الخلف.
 

خاتمة :

 
مهما يكن، وما يمكن أن نستخلصه من كل هذا، وبعد مرور اثنتي عشر سنة من صدور مدونة الشغل، أن المشرع المغربي أصبح في حاجة ملحة لوقفة تأمل عميقة، ونظرة شمولية لآثار مقتضيات مدونة الشغل على حقل العلاقات المهنية من جهة، وعلى وتيرة النمو الاقتصادي الوطني مقارنة مع نظيره الدولي من جهة ثانية. في حاجة إلى أدان صاغية  لجميع  الفرقاء  الاجتماعيين، الغاية منها بناء نص تشريعي متوازن و قابل للحياة.  
    جاء على لسان السيد جمال بلحرش، بصفته رئيس لجنة التشغيل والعلاقات  الاجتماعية، بالاتحاد العام لمقاولات المغرب، بأن الإطار التشريعي الذي ينظم العلاقات المهنية بالمغرب، غير قابل للتطبيق لعدم وضوحه، وعدم انسجامه مع المنظومة الاقتصادية، واصفا إياه ب " التشريع الهدام " و " من الزمن الغابر", ويضيف كذلك في موضوع آخر، بأن زمن النقابة التي تعيق التنمية قد انتهى، كما  انتهى زمن رهان الدولة على المقاولة، وبأننا– يضيف السيد جمال - أصبحنا في حاجة إلى " دولة حكم " تصون المصلحة العامة، في إطار عقد اجتماعي، مصدره المسؤولية المشتركة، وهدفه تحقيق تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية.
يستخلص مما قيل، ومن حدة الخطاب، بأن الهوة بين الفرقاء الاجتماعيين، لازالت بارزة في حقيقة الأمر، وفي حاجة إلى مشوار طويل من العمل، والاجتهاد، من طرف الجميع، لانتشال المواقف الدفينة، الناتجة عن ترسبات الماضي. فالمقاولة كوحدة اقتصادية لا يجب أن تنظر إلى نفسها كمحور، والباقي يطوف حولها، بما فيه الحقل الاجتماعي. فذاك سيعود بنا للمذهب الفردي الصرف، المبني على قاعدة :" دعه يعمل دعه يمر". فالسياسة العامة للبلاد المستمدة من الدستور، تنبني على محورية الإنسان، بكون الاقتصاد في خدمة الفرد تحقيقا للعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم للمواطن. أي أن الاقتصاد الوطني يعتمد على الثنائية القطبية، لتحقيق أهداف المقاولة من جهة، والأجراء والمنظمات النقابية من جهة أخرى، لتبقى الدولة داخل الحقل المغناطيسي، الذي يفصل القطبين، تلعب دور الوسيط وليس الحكم.
أما العمل النقابي، ففي غياب قانون حديث ينظمه، ويحدد مجال اشتغاله، و غياب قانون ينظم  حقه في ممارسة  الإضراب، يبقى هذا النشاط يسبح في فضاء لا متناهي، بدون حد واضح يفصل بين ما هو سياسي، وما هو نقابي. فممارسة  الإضراب  تتم كحق مطلق، يستمد شرعيته من الدستور، من دون قيد تنظيمي. وقد دام هذا الوضع أكثر من خمسين سنة، الأمر الذي  كرس أعرافا دستورية مبنية على  الأمر الواقع،  و" شخصنة" العمل النقابي، في اتخاذ قرارات اللجوء للإضراب، في غياب تام للحس الاستباقي لمدى نجاعة المبادرة، بدون تمييز بين القطاع العام  والخاص، من حيث الآثار السلبية التي قد تتمخض عن الإضراب العشوائي؛ خصوصا بالقطاعات الحيوية؛ الأمر الذي يهز النظام العام بين الفينة و الأخرى. كما أن هيكلة المنظمات النقابية من الداخل، وعلاقتها مع قواعدها بربوع المملكة، في حاجة إلى تقنين، وضبط،  بإعادة النظر في أنظمتها الأساسية، لإعطائها  نفسا جديدا، متحكم فيه مركزيا، للخروج من حالة فوضى تحت مظلة دستور.
فيما يخص الضلع الثالث المكمل للمثلث، الذي هو الدولة، فمهمتها في هذا المجال، تتجلى في مجالات التشريع، و القضاء، و الإدارة. فبالنسبة للتشريع فقد أصبح على عاتقها أكثر من أي وقت مضى استتباب الأمن القانوني، كمفهوم جديد لإحقاق الحق، بتعزيز الترسانة القانونية بنصوص جديدة، تتعلق بالنقابات، وممارسة حق الإضراب،  إضافة إلى فتح ورش تحيين مدونة الشغل لمسايرة التطور الاقتصادي و الاجتماعي الذي تعرفه الحياة العامة. وفي المجال القضائي كذلك عليها إحداث محاكم اجتماعية، مختصة، تبث في نزاعات الشغل، والتدريب المهني، و التعويض عن الأضرار الناتجة عن حوادث الشغل، و الأمراض المهنية، و النزاعات المتعلقة بالضمان الاجتماعي. فنحن في حاجة لمحاكم تصدر أحكاما عادلة، وفي آجال معقولة لضمان ما أصبح يصطلح عليه بالأمن القضائي.    
أما على مستوى الإدارة، فالعمل يجب أن ينصب على إعادة هيكلة جهاز تفتيش الشغل، موضوعاتيا و بنيويا، باعتباره العمود الفقري لقطاع الشغل و التشغيل، وفي إطار إصلاح شمولي للجهاز، على غرار ما يعرف ب " إصلاح منظومة القضاء ". فجهاز تفتيش الشغل منذ إحداثه سنة 1926 لم يعرف أي إجراء يعطيه نفسا جديدا، للرفع من مردوديته، وحكامته، ليساير التحديات، باستثناء بعض البوادر المحتشمة والمعزولة بين الفينة و الأخرى تفتقد الشمولية و التتبع.

انتهى

الاربعاء 18 يناير 2017
2023 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter