Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




الإنصاف مبدأ دستوري مستجد لتدبير المرافق العامة.


     



الشافعي ابراهيم
باحث في القانون العام .



الإنصاف مبدأ دستوري مستجد لتدبير المرافق العامة.

الانصاف من المبادئ العامة التي استقر عليها الدستور الجديد والتي تضمن استمرار عمل هذه المرافق وأدائها لوظيفتها في إشباع حاجات الأفراد ، جاء في الفقرة الاولى من الفصل 154 (يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات ) .

من الفقرة يتبين ان المبادئ تنحصر في مبدأ المساواة والانصاف ومبدأ الاستمرارية ، ودسترة هذه المبادئ جاء لتخطي ظاهرة الأزمة التي يعرفها تدبير المرافق العمومية في الوقت الراهن، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، والتي اعتبرت من أهم الإشكالات التي فرضت القيام ببعض الاصلاحات الفكرية والعلمية قصد الرقي بتدبير المرافق العمومية إلى مستوى حكامة المرفق العام .

اما المستجد في هذه المبادئ هو مبدأ الإنصاف ويقصد به الانصاف في تغطية التراب الوطني . ويتمثل هذا المبدأ في إدخال القيم والأشكال الجديدة لاتخاذ القرار ، لأن الإدارة لا يمكنها أن تبقى في منئ عن المستجدات التقنية التي ما فتئت وتيرتها تتسارع، وأن تتجاهل تنامي تكنولوجيا الإعلام التي تحول شروط ممارسة السلطة، خاصة وأن مسار مسلسل التحديث الإداري يتحدد بالمقارنة مع درجة استعمال أدوات المساعدة على اتخاذ القرار التي بإمكانها تغيير التنظيم الإداري التقليدي بعمق عن طريق تسهيل اتخاذ المبادرات وتشجيع إمكانيات التجديد. ويتناسب ذلك مع إصلاح عميق يترجم بالانتقال من إدارة المساطير نحو إدارة المسؤوليات، وبعبارة أخرى بالقطيعة مع النموذج الإداري التقليدي من النمط البيروقراطي، مما سيؤدي لا محالة إلى تغيير الروابط التي تجمع الإدارة بمرتفقيها في اتجاه الأفضل.

إن الإنصاف في تغطية التراب الوطني بخصوص المرافق العمومية، وانتشارها على كل المجال الترابي الوطني، يبرر أولا من خلال ترسيخ مبدأ أساسي تقوم عليه كل إدارة، والمتمثل في المساواة ما بين المرتفقين في الاستفادة من خدمات المرفق العمومي. ذلك أم كل مرتفق أينما كان يحق له أن يستفيد من خدمات المرفق العمومي في نفس الشروط ونفس الظروف ككل المواطنين. لذلك فإن الفوارق التي ما تزال قائمة في مجال البنيات التحتية بين جهات المملكة، لا مبرر لها أن تدوم أو تتفاقم. وبناء على ذلك، فعلى الدولة ان تخلق هيئات متخصصة في تحقيق مبدأ الإنصاف وذلك عبر التفكير في توزيع منصف منسجم وعقلاني للمصالح الإدارية في مجموع التراب الوطني بغية تقريب الإدارة عضويا من المواطنين، وخلق القوى المنعشة للاقتصاد، مما سيساهم بشكل أو بآخر في إدماج الجهات البعيدة في مسار التنمية الاقتصادية، والاجتماعية الذي تعيشه البلاد. ومن ثم ضرورة وضع أسس إستراتيجية فعالة لتهيئة التراب الوطني يكون الهدف منها تحرير الطاقات المحلية وجعل في متناولهم إدارة محلية هي بدورها بسيطة ومرنة. لذا، فإن إصلاح الخريطة الإدارية باعتباره محور أساسيا للإدارة المتجهة نحو الأسفل l’Administration  ascendanteيجب أن يكون مرتبطا بشكل وثيق بالامتداد الجغرافي للتراب الوطني، لأن تعدد وتقوية أنشطة الإدارة يتطلب بالتبعية تدعيم إمكانيات البنية التحتية الإدارية وتكييف الجهاز الإداري الترابي مع المحيط الاجتماعي الذي هو مطالب بخدمته. وقد شعرت السلطات العمومية بهذا الهاجس منذ وقت طويل، وهذا ما تمت ترجمته بالجهوية المتقدمة و بزرع بنيات إدارية ترابية لمواجهة الحاجات المتعددة لجمهور عريض مترامي الأطراف بين القرى والمدن، ما انفكت كثافته الديمغرافية تزداد مع مرور الأيام، ومعها تتعدد متطلباته المعيشية. وإذا كانت بعض المناطق لا زالت تشكو حاليا من نقص كبير من حيث التغطية في المرافق العمومية -خاصة في الوسط القروي- فلأن تحقيق ذلك كان يصطدم دائما بعراقيل متعددة منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو مرتبط بالتحولات المستمرة التي عرفها المجتمع المغربي . إضافة إلى ذلك، يجد مبدأ الإنصاف تبريرا آخر يتمثل في التزايد السكاني، الذي يجب أن يصطحب بتزايد في الإدارات المقربة إلى الجمهور إذ أن تطوير الإدارة المقربة يفيد شتى الشرائح الاجتماعية التي تبقى في حاجة ماسة إلى أبسط الخدمات الاجتماعية الضرورية كالتعليم والصحة والطرق والقضاء والأمن إلى غير ذلك من الخدمات الأساسية والحيوية لكل تجمع بشري منظم. إذا ما لاحظنا افتقار جل البوادي والأرياف والمراكز البعيدة عن الحواضر إلى تلك الخدمات الأساسية، مع أنها تشهد قفزات ديمغرافية مهولة، يتضح لنا كم هو ضروري وعاجل إقامة سياسية منصفة محكمة تقوم على التقريب المادي والبشري للهياكل والأطر الإدارية . في هذا الإطار نعتقد ان مبدأ الإنصاف في تغطية التراب الوطني كفيل لحل المشكلة وبالتالي دفعهم إلى المشاركة الإيجابية في مجهودات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما أن المواطن له الحق في المطالبة بالتأطير اللائق في مجال التربية والثقافة والرياضة إلى غير ذلك من مجالات التكوين والترفيه. إن ذلك يتطلب إقامة بنيات تحتية متنوعة ومتعددة، وعدم تركيزها أساسا في الحواضر والمدن الكبيرة، بل يجب أن يستفيد منها كل المواطنين أينما كانت محلات إقامتهم، كيفما كان مستواهم الاقتصادي والاجتماعي. في نفس السياق.

ومن المؤكد أن الإنصاف في تغطية التراب الوطني يساهم في مجهودات التنمية الاقتصادية حيث أن الدولة عن طريق المرافق العامة الوطنية او الجماعية ـ تشارك بل تدفع بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية إلى الأمام، سيما في المناطق التي لازالت تفتقر إلى المؤهلات البشرية والتقنية والمالية الضرورية ، لأجل ذلك يكون حضور الدولة عن طريق المرافق العامة ضروريا ولازما، كمحرك وقاطرة تدفع المرتفقين نحو الانصهار في مجهودات التنمية المحلية .

-وذلك عن طريق تكثيف مجالات الإنصاف :

 إن التكثيف من مجالات الانصاف، يدعم الانتشار الجغرافي للمرافق العمومية العمومية، وذلك قصد التوزيع المنصف للبنيات التحتية الإدارية عبر كل مناطق التراب الوطني، الشيء الذي يجب تحقيقه عن طريق الامتداد الأفقي والعمودي والتوزيع المنصف للمرافق العمومية. هذا الامتداد يجب أن يمهد لسياسة لا مركزية لتحقيق جهوية متقدمة أكثر جرأة وأكثر تعميقا، وأكثر انتشارا أو أكثر تنوعا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية . في المرحلة الراهنة، قد يكون من الأليق تعميق وتطوير مبدأ الانصاف في المجالات الحيوية كالتعليم والصحة والشباب والرياضة والسكن والفلاحة، وذلك أن الاستثبات الممنهج والمبرمج للمصالح الإدارية، يعتبر وسيلة ضرورية للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي المحلي.فالحالة الراهنة لكثير من الوحدات الترابية الثابتة، تفيد أن هناك نقص في التأطير الإداري الكمي والكيفي. وإن تكثيف البنيات التحتية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية يعد من الأولويات الملحة.

الاحد 1 ديسمبر 2013
2623 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter