Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الإعلام، أي دور في قضايا الأسرة؟


     

الدكتورة فتيحة الشافعي
أستاذة باحثة بكلية الحقوق السويسي الرباط



الإعلام، أي دور في قضايا الأسرة؟
أرسى قانون الأسرة المغربي الجديد مجموعة مبادئ حداثية أعطت وجها جديدا للأسرة المغربية بكيفية تهدف إلى تغيير الصورة النمطية للمرأة كما كانت مجسدة في مخيلة المجتمع عامة، ولدى الرجل على وجه الخصوص. كما أقامت مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة على أسس من تبادل الحقوق والتحمل بالواجبات.

وموازاة مع الدينامية الحقوقية التي يعرفها المغرب حاليا وما أسفرت عنه من إصلاحات قانونية ذات صلة بوضعية الأسرة، صدرت مدونة الشغل، وعرف القانون الجنائي وقانون الجنسية تعديلات نوعية، إضافة إلى مشاريع قوانين تصب في نفس اتجاه قانون الأسرة، وترتكز على مبادئ وأحكام أساسها مناهضة مظاهر التمييز وإقرار المساواة انطلاقا من ثوابتنا، مع الانفتاح على الآخر ونبذ التهميش والإقصاء على أساس الجنس.

ولا جدال في أن هذه الحركية القانونية تقتضي مواكبة متواصلة وجدية من طرف الإعلام بغرض تسليط الضوء على هذه الجوانب المستجدة والتعريف والتوعية بأهمية الدور الذي تلعبه الأسرة المنسجمة في المجتمع، ودور المرأة فيها كأم وزوجة وهي معيلة أحيانا ، وسعيها إلى النهوض بهذا الدور أكثر مما كان عليه الأمر فيما مضى، وذلك بحكم المكانة التي صارت تشغلها وتأهلت لأجلها.

وهنا تطرح عدة تساؤلات موضوعية يتعلق أولها بمدى امتلاك الإعلام المغربي مقومات الكفاءة والاحترافية والشفافية والحياد التي قد تؤهله للاضطلاع بمهامه العسيرة والخطيرة بارتباط مع قضايا الأسرة والتي تتمثل في مواكبة مستجدات القانون المؤطر لها ، وتغيير الصورة النمطية عن المرأة ،ومواجهة المد الإعلامي الغربي للحفاظ على الهوية والثوابت في منـظومة القيـم الأسرية ؟
وينصب ثانيها على مدى قدرة هذا الإعلام بجميع أشكاله على التأثير في المنظومة الاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يحقق النجاح في إحداث التغيير المتوخى في المفاهيم والعادات والتقاليد التي ما زالت تشكل عقبة في طريق فهم المستجدات التشريعية، ومنها مقتضيات مدونة الأسرة، لإعلاء قيم العدالة وحقوق الإنسان في المجتمع؟
إن من جملة الدوافع الكامنة وراء إثارتي هذا الموضوع، ما صرح به وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة٬ والذي مفاده أن :" دفاتر التحملات ستعمل على تعزيز حضور قضايا المرأة من خلال تقوية تناول الإعلام السمعي البصري لقضايا المرأة والأسرة والجمهور الناشئ، عبر برامج مخصصة لتقوية روابط الأسرة وتماسكها واستقرارها، والنهوض بحقوق المرأة وكرامتها، وحماية حقوق الطفل والجمهور الناشئ وتلبية حاجاته٬ والحرص على تطبيق مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات في المشاركة في جميع البرامج الحوارية، إلى جانب مراعاة التنوع الثقافي والاجتماعي والمجالي لوضعية المرأة المغربية.

وأضاف ما مفاده كذلك أن هذه الدفاتر تنص على المساهمة في تعميم وتوسيع مشاركة الشباب في الحياة العامة ، ومساعدتهم على الاندماج وتيسير ولوجهم إلى الثقافة والعمل والتكنولوجيا والفن والرياضة والترفيه، مع تدعيم البرامج الحوارية والتفاعلية التي تعنى بالقضايا السياسية والاقتصادية الراهنة وكذا بقضايا الشباب.

وسجل أن هذه الدفاتر تخضع الشركتين المكلفتين بالإعلام السمعي البصري في تسييرهما للمبادئ والقيم الديمقراطية وإعمال قواعد الحكامة الجيدة التي ينص عليها الدستور وتكريس الشفافية وسيادة القانون".

وبعيدا عن مناقشة ما جاء في دفاتر التحملات وما صاحبها من ردود فعل وسايرها من التدابير المتخذة لمراجعتها، سنقتصر هنا على شقها المتعلق بعلاقة الإعلام بالأسرة، وذلك بطرح تساؤلات فرعية في محاولة لاستجلاء مقومات تفعيل هذا التصريح، ولما يجب أن يقوم به الإعلام المغربي بأشكاله ومشاربه المتعددة في مجال الأسرة في بلادنا.

إن ما سنعرضه ليس إلا ملاحظات واستنتاجات لواقع الأسرة المغربية في علاقتها بالإعلام، مع بعض المقترحات في أفق توضيح الرؤية لدى المسؤولين عن الإعلام والأسرة وتربية النشء ، في تجسيد استراتيجية واضحة المعالم لخدمة الأسرة المغربية والمساهمة في استقرارها، وهو غاية وفلسفة المشرع المغربي من التعديلات الهامة التي أدخلها على قانون الأسرة.

فما هي إذن التحديات التي يواجهها الإعلام الوطني اليوم في هذا المجال؟

و ما هي المعوقات التي قد تحول بينه وبين أداء دوره في انسجام مع التغيرات والتحولات التي تشهدها بلادنا؟
وكيف يمكن تصور دوره في التنوير بالعلاقة مع قضايا المجتمع عموما، وقضايا الأسرة على وجه الخصوص؟

إنه إذا كان لوسائل الإعلام المتعددة والمتنوعة الكثير من الأدوار الإيجابية التي يمكن أن تساهم بها، من حيث المبدأ، في تعزيز الروابط الأسرية لبناء أسرة متوازنة تقوم على أسس من الاحترام ونبذ العنف والمعاشرة بالمعروف، قادرة على حماية وتحصين الأطفال أجيال المستقبل، وزرع روح الطموح والأمل في نفوس شبابنا، وتحسين صورة المرأة نصف المجتمع، والحفاظ على هويتنا وقيمنا، فإنها يمكن أن تساهم في الوقت ذاته، بأدوار سلبية تكون نتائجها مناقضة تماما لهذه الغايات.
فمع اتساع نطاق الثورة التكنولوجية والتطور السريع لوسائل الاتصال والتواصل والنظم المعلوماتية، فتح الباب على مصراعيه لتغلغل تأثيرات الثقافات الأخرى في واقع مجتمعنا المغربي، بشكل يهدد تماسك النسيج الاجتماعي والقيمي للأسرة. ونخص بالذكر هنا وسائل الإعلام المرئية التي تشكل عامل جذب لجميع الفئات العمرية، حيث أصبح من الضروري، لمواجهة تأثير الصورة على قيمنا وأخلاقنا، وضع تصور نقدي لما نستهلكه بصريا ويوميا، بانكباب جدي من طرف المسؤولين وذوي الاختصاص وجميع فعاليات المجتمع المدني على أهم قضية تشغل العالم بصفة عامة، والمغرب بجميع مكوناته بصفة خاصة، وهي قضية "الأسرة " .
حقيقة إن ما جاء في تصريح وزير الاتصال يبدو طموحا وواعدا في اتجاه تحقيق تغيير جذري في المنظومة الإعلامية ببلادنا، يبشر بالخير ويعيد الإعلام بأنواعه إلى واجهة العمل على أهم أهدافه المفروض أن يقوم بها لصالح الخلية الأساسية في المجتمع.
غير أن هذه الرؤية الطموحة، بل والمثالية، تبقى رهينة بتفعيل مقتضيات ما جاء في التصريح، وذلك بالتقصي عن ملامح الإستراتيجية التي يمكن اعتمادها لتحقيق تلك الأهداف النبيلة.
وطبيعي أن نجاح أي سياسة بهذا الشأن، يتطلب بالضرورة الأخذ في الاعتبار، الواقع الحالي للأسرة المغربية، وواقع الإعلام الوطني، خاصة المرئي، ومدى مساهمته في تأطيرها وتدعيمها ومواكبتها.

وسنحاول في الجزء الأخير من هذه المقالة، الإجابة عن التساؤلات المطروحة من قبل، وتقديم بعض المقترحات التي قد تفتح الباب أمام نقاش جدي وموضوعي، والتي تظل تفرض تساؤلات دائمة ينبغي البحث باستمرار عن أجوبة لها !!!!!!!

إن الأسرة المغربية تتعرض لجملة من التحديات والأخطار بسبب التحولات المتسارعة التي تتزامن مع سرعة وتيرة العولمة وما أدت إليه من الانفتاح على الثقافة الغربية بصفة خاصة، نتيجة لاتساع نطاق الثورة التكنولوجية والاتصالية والمعلوماتية التي أتاحت مجالاً رحبا لتسلل تأثيرات هذه الثقافة إلى واقع المجتمع العربي عامة، والمجتمع المغربي خاصة. وقد انعكست سلبيات هذا الانفتاح على نسيج الأسرة، ما جعلها تفقد بشكل تدريجي خيوط تماسكها ووحدتها، وأثر على مستوى أدائها لمسؤولياتها والاضطلاع بدورها كأحد أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية، مما جعل أطفال وشباب هذا المجتمع عرضة لذلك الاستلاب، وفريسة سهلة لغول العولمة.

إن الإعلام بمفهوم عصرنا الحاضر هو المحرك الأساس للفكر، وأحد أهم مصادر المعلومة، ومرآة المجتمع والعين الراصدة لقضاياه، وأحد مؤشرات صنع القرار. والنقلة النوعية التي شهدتها بلادنا في السنوات العشر الأخيرة على جميع المستويات ، لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا إذا واكبها إعلام هادف وموضوعي، متنور ومحايد، تطبع أداءه الجرأة والشجاعة.

فالطفرة الحضارية التي عرفها ويعرفها هذا القطاع ببلادنا اليوم، خصوصا بعد تحريره وتأسيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، يفرض بالضرورة أن تنبري وسائل الإعلام لمناقشة القضايا المرتبطة بالأسرة تحديدا، خاصة وأن ما جاء به قانون الأسرة من مستجدات، شكل دفعة قوية وملموسة لتغييرات وتعديلات مست منظومتنا التشريعية ككل، بكيفية جعلتها تنسجم مع مبادئ العدل والمساواة في دولة الحق والقانون التي يطمح كل مواطن غيور إلى بنائها وإرسائها.

وعلى الرغم مما يتطلبه الخوض في الحديث عن الإعلام من تخصص ودراية نظرا لما يخفيه من جوانب شائكة، خصوصا في ظل التحديات الراهنة التي تواجهه، فإن هناك اتفاقا على أن الإعلام بأشكاله المتنوعة له تأثير مباشر في بناء الأسرة، وفي تطوير مواهبها، وتوجيهها نحو المسارات الفاعلة والقادرة على بناء مجتمع متطور ومنتج والمساهمة في تربية النشء.

وإذا كانت المهام المسندة مبدئيا إلى وسائل الإعلام واحدة في كل المجتمعات، فإن قدرتها على إنجازها تتوقف أولا وقبل كل شيء، على درجة تطوره ومدى تبنيه للقيم والمبادئ الديمقراطية، ثم على كيفية الأداء والمضامين؛ في حين أن مستوى هذا الأداء يختلف وفقاً للإمكانات والوسائل المتاحة، ويتأثر بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمستوى الثقافي للمتلقي.
وفي هذا الإطار، ينبغي التأكيد على أن تجسيد استراتيجية واضحة للإعلام الوطني لصالح الأسرة أساسا، تتقاسم مسؤوليته جهات متعددة ومختلفة التوجهات والمشارب والتخصصات. فانطلاقا من واجبنا كمواطنين مغاربة في المساهمة في وضع معالم الطريق للوصول إلى تصور لما يجب أن يكون عليه إعلامنا، سنقوم بتقديم حصة متواضعة من تلك المساهمة، وذلك بمحاولة الإجابة عن الأسئلة المطروحة أو عن بعضها على الأقل.

وسننطلق بداية من محاولة ربط الإعلام بالأسرة التي شهدت، كما سبقت الإشارة، تغيرا كبيرا سواء في تكوينها أو في نوع العلاقات داخلها أو في طبيعة الأدوار المنوطة بها نتيجة التغيرات والتطورات السريعة والمتراكمة التي شهدها مجتمعنا.

فما هي إذن التحديات التي يواجهها إعلامنا والتي يعد تخطيها والتغلب عليها شرطا أساسيا لمواكبة تلك التحولات والمستجدات، خاصة تلك المتعلقة منها بمدونة الأسرة؟

I ـ التحديات ووسائل مواجهتها

يجد الإعلام المغربي نفسه أمام شراسة التحديات في بعدها الديني والثقافي والاجتماعي مجبرا على اعتماد استراتيجية إعلامية هادفة، وعلى طرح القضايا المسكوت عنها بجرأة واحترافية دون إثارة حفيظة أو المساس بثابتة.
والمرجع في ذلك ينبغي أن يكون ثوابتنا وأصالتنا وتمسكنا في نفس الوقت، بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان التي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية في كلياتها، وهو متطلب ومطلب أساسي حاز إجماع المغاربة دون استثناء، لأنهم مسلمون متشبثون بدينهم وشريعتهم الإسلامية السمحاء، ما يحتم توجيه الرأي العام نحو التمسك بهويتنا وخصوصياتنا، من خلال تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والرد بالحجة والبراهين على من يحاول المساس به، ولن يتم ذلك إلا بالتمييز بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي في تفسيرها من جهة، وبين العادات والموروث الثقافي من جهة أخرى. وهنا تبدو مسؤولية رجال الدين والعلماء المتخصصين المعنيين بهذا الموضوع، ومسؤولية كل فعاليات المجتمع المدني، في التطرق للقضايا التي تهم مجتمعنا المغربي، وخاصة قضايا الأسرة، عن طريق تحليلها ومناقشتها، سواء في الإعلام السمعي أو البصري أو المكتوب.
والإعلام الوطني المرئي على وجه الخصوص، مطالب في هذا الشأن باعتماد رؤية برنامجية وإنتاجية واضحة، محددة في الشكل والمضمون، بكيفية تمكنه من مواجهة تحديات الإعلام الخارجي، بسبب زحف جيوش العولمة المدججة بأسلحة دمار تستهدف المجتمع والدين والثقافة والهوية، بالالتفاف حول منظومة حقوق الإنسان والحرية الشخصية والمعاهدات الدولية وتحريف مضامينها.
ولا ينبغي هنا أن ينحصر دور هذا الإعلام في رصد وصفي للوقائع، بل إنه مطالب بالعمل على تغيير الواقع غير السليم، باستثمار التكنولوجيا الحديثة لخدمة أهدافه التنويرية والتحسيسية، عبر مختلف الوسائل المتاحة، خاصة بعد أن يسرت المواقع الإلكترونية والوسائط التكنولوجية المتعددة أمام المتلقي أبوابا ونوافذ للوصول إلى المعلومة أو لوصولها إليه رغما عنه، وهو ما يشكل منافسة حادة يجب على إعلامنا أن يتصدى لها بكل ما يملك من مقومات المنافسة.
أما بالنسبة للإعلام المكتوب "الصحافة"، فيجد نفسه في خضم هذه التحديات ملزما بدوره باعتماد نهج فاعل في هذا الاتجاه، إذ عليه القيام بالتوعية والتحسيس بثقافة حقوق الإنسان ومداها، والتمييز بين ما هو حق وواجب، وأين يقف حق الشخص ولا يجب أن يتعداه، وضرورة احترام النصوص المنظمة للمجتمع، سواء كانت نصا وضعيا أو دينيا، شريطة التمييز بين ما هو نص قطعي الدلالة أو نص قابل للتأويل، وكذا النص الوضعي السليم أو الذي تشوبه ثغرات يجب على المؤسسة التشريعية أن تقوم بتعديله أو بإلغائه حسب متطلبات وتطور المجتمع.
ولن يتحقق هذا الهدف إلا بإجراء دراسات وأبحاث واستطلاعات للرأي تنشر نتائجها وتستثمر في إثارة أهم القضايا الأسرية لدى الجماهير، بعيدا عن تسييس القضايا المطروحة أو أدلجتها، وفي نطاق احترام الأخلاقيات واحترام المتلقي، والدقة في الطرح، والتيقن من الخبر وتوثيقه باحترافية وحياد، مع الابتعاد عن الإثارة والقذف أو التشهير والمساس بالأعراض أو هدر دماء، بتعميق البحث والتقصي وتتبع الأخبار والقضايا إلى نهاية مسارها تفاديا لكل لبس أو بلبلة.
واستكمالا للصورة، لا بد من انخراط شجاع ومسؤول للإعلام السمعي البصري في هذه التوعية لقربهما من المواطنين المغاربة باختلاف أعمارهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية.
وهنا تبرز أهمية التعاون بين قطاع الإعلام ومؤسسات التعليم العمومي والخاص، بالنظر إلى الدور الأساس المنوط بهذه الأخيرة في التربية والتكوين من جهة، وإلى التأثير الكبير والملموس الذي تتركه لدى الناشئة والأجيال المقبلة من جهة أخرى؛ وكذا الشأن بالنسبة لدور التعليم العالي والبحث العلمي في إجراء المزيد من الدراسات والبحوث حول توجهات الأسرة المغربية لاستكشاف الوسائل الأنجع للاطلاع على كل ما يدعم دور الأسرة في تكوين الأجيال تكوينا سليما ويساهم في تصحيح المفاهيم والمعطيات الخاطئة التي قد تصل إلى ذلك المتلقي، خاصة ما يرتبط منها بالتربية الدينية والصحية والإنجابية والجنسية، وكذا التربية على حقوق الإنسان، والتمييز بين الحرية والإباحية، وبين الحق والواجب، وزرع ثقافة التسامح في نفس المتلقي، مع التصدي لمظاهر العنف والتمييز والتطرف بكل أشكالها، في انفتاح على الآخر بوعي واختيار.
تحديات كبرى إذن تبرز دور الإعلام وأهميته في ارتباط مع قضايا الأسرة ككل، ومع مدونة الأسرة وما صاحبها ويصاحبها حتى الآن، من أفكار مغلوطة أصبح المجتمع يتناقلها، معتبرا كل الخطوات الفعالة لمكونات المجتمع المدني التي جسدها صاحب الجلالة بالإعلان عن مدونة الأسرة للوصول إلى رفع الحيف عن المرأة وصيانة كرامة الرجل وحماية الطفل، زلزالا قلب الموازين وهدد الاستقرار الأسري وساعد على الفرقة والتفكك.
وما زاد الطين بلة، النقاش الحالي حول ضرورة إعادة النظر في مضامينها وجعلها مطابقة للشريعة الإسلامية، كأن ما اتفق عليه بالإجماع وصوت عليه من طرف مؤسسة تشريعية تمثل كل المغاربة هو خضوع لجهة معادية للإسلام، فيما الكل يعرف تكوين اللجنة الملكية الاستشارية التي عملت على التعديل وتأصيل بنوده انطلاقا من الفقه الإسلامي المتفتح الذي تجسده مرجعية هذا الكيان القانوني في المادة 400، بلبلة مفتعلة للمساس بكل المكتسبات التي عملت عليها كل الفعاليات في المجتمع المغربي بإرشاد وتوجيه من الملك محمد السادس.
إن مسؤولية المثقف ورجل الدين والعالم والحقوقي وعالم الاجتماع وفعاليات المجتمع المدني تبدو ملحة في توضيح وتحليل هذا الموضوع ومثيله من قبيل من ينادون بالحرية الجنسية وإلغاء تجريم الزنى ، تلافيا لكل بلبلة أو صدام عايشناه قبل صدور مدونة الأسرة فيما عرف بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، ونلمس بوادره حاليا فيما يثار حول هذه المواضيع الشائكة، والذي يجد فيه المجتمع المغربي نفسه أمام مواجهة بين الاتجاهين، المحافظ والحداثي، تتطلب توضيحا وحسما من طرف الجهات المختصة ...فهل سيعيد التاريخ نفسه؟
وأمام هذه التحديات، كيف يمكن للإعلام القيام بدوره في التوعية ونقل الخبر وتأطيره التأطير السليم في مواجهة الثنائية الصعبة التالية:
ـ الأفكار المغلوطة حول قانون الأسرة التي أصبحت تتناسل وتستغل سلبيا ودون مبررات مقنعة أو دلائل تأصيلية واضحة، بحيث ليس لها من هدف سوى الدفاع عن الموروث الثقافي بحمولته المسيئة للمرأة خاصة، والأسرة عامة، أو التشكيك في مرجعية هذه التعديلات واتهامها باطلا بخروجها عن الشريعة الإسلامية، واكتفاء إعلامنا الوطني بخطواته المحتشمة بالتحسيس بمضامين المدونة، سواء في الصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، والتي سرعان ما خمدت جذوتها بعد انتهاء السنة الأولى على صدورها، ما يتطلب منه في الظرفية الراهنة اتخاذ خطوات جريئة وواضحة لزعزعة جموده الإعلامي وإعادة الوهج إلى قانون الأسرة، هذا الكيان القانوني الذي أصبح مرجعا يقتدى به في الكثير من التشريعات العربية، لمزجه بين الأصالة والمعاصرة.
ـ التربية على ثقافة حقوق الإنسان وحريته الفردية، مع التمييز ما بين الحق والتجاوز في استعماله بما يمس بالنظام العام والأخلاق.. وما بين ثوابتنا والموروث الثقافي ...فهل الحرية تعني الإباحية والخروج عن الطبيعة؟ وهل من الحرية جعل إنسانية الإنسان ترجع إلى الحيوانية وقانون الغاب؟ وهل تعتبر المرأة قد حققت حريتها الفردية وحقوقها الشخصية بإباحة جسدها لكل من رضي بها باسم الحب والحب من ذلك براء؟ أليس هذا هو عينه المس بحقوقها وحرياتها التي كفلها لها الإسلام والقانون ؟؟؟؟
وهل التشبث بأصالتنا وثوابتنا يتعارض مع التفتح على الآخر ويقف بنا في زاوية مظلمة من النقل دون التعقل ؟؟؟؟
من المؤسف حقا ألا تتسلح الجهات المتعارضة في مناقشة هذه القضايا بما يلزم من استشهادات ومبررات مقنعة تزيل البلبلة والتشنج والاتهامات المتبادلة التي تطبع دائما مناقشة مثل هذه المواضيع في الدول العربية الإسلامية بصفة عامة.
ولا يخفى عن أحد دور الإعلام في تسليط الضوء على مثل هذه القضايا وغيرها والتي تهم الأسرة، انطلاقا من النظام القانوني الذي يؤطرها، وهو مدونة الأسرة لسنة 2004. وتتجلى أهمية دوره في حشد جهوده والاستعانة بكل مختص في الموضوع لتحقيق المعادلة الصعبة بين ما هو رجعي مغرق في الظلامية والعادات والتقاليد، وما بين هو حداثي ويخدم قضية الإنسان في شموليتها دون المس بالثوابت ولا بأعلى قانون في الدولة وهو الدستور الذي صوتت عليه غالبية المغاربة.
إن دين المغرب هو الإسلام، وميزة الإسلام الوسطية، فلا تعنت في الدين ولا تفسخ في الانفتاح. فكيف تتحقق المعادلة؟ ووفق أي استراتيجية إعلامية واضحة ومسؤولة؟
إن الإعلام الذي نتطلع إليه للقيام بهذا الدور التوعوي هو الإعلام الذي يتميز بالطابع التربوي والتعليمي، ويأخذ بالمنظور النقدي، ويستهدف تغيير وجهات النظر التقليدية السائدة حول قضايا المرأة وعلاقتها بالرجل بصفة عامة، وفي الإطار الأسري بصفة خاصة، وكذا التوعية بحقوق الطفل في إطار مصادقة المغرب على الاتفاقية العالمية لحقوق الطفل، ومراجعة جدية للاكتساح الإعلامي الأجنبي مقابل تهميش للإنتاج الوطني، والتخلي عن الاستمرار في نقل برامج لا تمت لمجتمعنا بصلة أو استنساخها دون دراسة أو غربلة بما يؤثر سلبا على الأسرة المغربية وعلى أطفالنا وشبابنا.
كما أن المطلوب من هذا الإعلام، طرح رؤية نقدية تصمد أمام الإعلام التجاري وتكشف مساوئه ودوره في تزييف وعي الجمهور بوضعية المرأة وأدوارها.
ولتحقيق هذه الغايات، يجب تحديد الأولويات والسياسات والبرامج التنفيذية في مجال الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، تجاه الخلية الأساسية في المجتمع، وضرورة التزام الجهات الإعلامية المسؤولة بمراعاة الوظيفة الاجتماعية والثقافية للإعلام وأدواره الحيوية في تشكيل الوعي الصحيح عن الواقع المعيش بكل ما يحويه من موروثات ثقافية وتحديات اجتماعية وطموحات إنسانية عادلة، وذلك من خلال الاهتمام بإعداد برامج تدريبية وتثقيفية وتكوينية للإعلاميين والإعلاميات وتشجيعهم على الاطلاع، وخلق المناخ الصالح للإبداع والابتكار والحرية في التعبير، وكل ذلك بغرض النهوض بمستويات الوعي والأداء الإعلامي في مجال الأسرة .
ولن يتوقف النهوض بمستوى المرأة ـ نصف المجتمع ـ بوجود إعلام واع بقضايا المرأة فحسب، وإنما انطلاقا من ترابط قضايا المرأة بقضايا الأسرة والمجتمع ككل، وذلك:

ـ بتكثيف حملات التوعية بمفهوم المساواة، من خلال الدراما التلفزيونية والبرامج المسموعة والمرئية، والتمثيليات والمسلسلات التنويرية والتحسيسية بقضايا الأسرة، عن طريق شرح أدوار الرجل والمرأة في المجتمع، وإخضاع سيناريوهاتها للمراجعة من قبل مختصين في المواضيع المطروحة حتى لا تمرر عبرها أفكار أو معلومات قانونية أو شرعية مغلوطة، وإتباع ذلك بموائد وبرامج حوارية ينشطها خبراء وأطباء وعلماء اجتماع وأطباء علم النفس وأساتذة ومحامون وقضاة وعلماء الدين والعدول، وبأسلوب ولهجة مبسطتين لتصل إلى أذهان كل شرائح المجتمع المغربي؛

ـ بمنع المسلسلات المستوردة التي تحمل في طياتها سموما وسلوكيات مهدمة لبيئتنا ومخالفة لمرجعيتنا الدينية والتي زادت ترجمتها إلى الدارجة أو لهجات دول عربية من خطورة الاستلاب الذي تحدثه في مجتمعنا، أو العمل على الأقل على اختيار أجودها وأقربها إلى مجتمعنا وبلغة عربية فصحى. إذ من غير المستساغ أن يصبح جل المغاربة يتحدثون المصرية واللبنانية بطلاقة ، و تلامذتنا وطلابنا في الجامعة يعانون نقصا فظيعا في لغتهم الأم !!!!!!!

ـ بمراجعة جدية لمحتوى البرامج الموجهة للأطفال والشباب وإعدادها وتقديمها بكيفية تبعدهم عن التأثير الغربي السطحي والتقليد الأعمى وتجنبهم مشاهد العنف التي يتسمرون أمامها في استلاب كلي يخدر حواسهم ويمنعهم من تشغيل عقولهم في الإبداع والابتكار.

وفي هذا الإطار، يجب التعامل مع الطفل ببرامج هادفة وليس عن طريق الاكتفاء بالتسلية السطحية التي لا تضيف إلى تكوينه وسلوكاته شيئا جديدا ولا أفكارا أو حكما يستفيد منها، مع اختيار مسبق لنوعية الأفلام والرسوم المتحركة الموجهة له والتي أصبحت المصدر الأهم للمعلومة لدى الطفل، وهي في وضعها الحالي وفي غالبيتها تتميز بالقدرة الاستلابية التي تزرع قيما مخالفة لمجتمعنا، بما تحمله من سلوكيات تتسم بالعنف والغلبة للأقوى والأدهى والأشر. والتخوف كبير من أن يصير جل أطفالنا نسخا من رسومهم المتحركة الغارقة في أقنعة أبطال وهميين مثيرة للاشمئزاز.
أما شبابنا جيل المستقبل وحامل المشعل، فجلهم غافلون عما يهم بلدهم وما يجري في العالم، مستلبون ببرامج سطحية لا يخرجون منها إلا بتقليد فنان أو مطرب في حركاته ولباسه، وفتياتنا غارقات في بحر التقليد للألبسة والزينة والسلوكات الأخرى المستوردة، خاصة عن طريق الإعلام المرئي، والتي لا تمت لمجتمعنا بصلة.
فإذا سألت أحدهم عن معنى الدستور أو عن مفهوم القانون أو عن تاريخ بلاده ومفهومه للمواطنة أو ماذا يعرف عن الحركة التشريعية في بلده، تفاجأ بالجهل التام المطبق.... فإلى أين نحن ذاهبون؟

ـ بالقضاء على الصورة النمطية للمرأة داخل الإعلام المغربي، والتي تتجلى في الإعلانات والخطب التي تمرر بشكل شبه يومي في أجهزة الإعلام المرئي على الخصوص.
وقد كشف التقريرالتركيبي حول صورة المرأة في الإعلام السمعي البصري والذي تم تقديمه مساء الخميس 8 مارس 2012 في لقاء تواصلي بمقر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ضمن خلاصاته:
"أن الصور الرائجة عن المرأة في البرمجة الإذاعية والتلفزية، لم تخرج في عمومها عن الإطار الإجمالي للصور المتضمنة فيما يمكن اعتباره«مرجعية ثقافية بديهية» في المفهوم المتداول في الوسط المغربي. على الرغم من اضطلاع المرأة بمسؤوليات مهنية جديدة في الفضاء الاجتماعي، فإن الصورة ما زالت ترسخ الأدوار التقليدية اللصيقة بها، ولا تفتح أمامها بما يكفي من الوضوح والعزم، إمكانية الانخراط في تدبير الشأن العام، على نحو يعزز من مشاركتها في التنمية والبناء الديمقراطي. وهذا الواقع المتعثر- حسب التقرير- يجد أحد أسبابه الرئيسية في ضعف السياسات العمومية الخاصة بالنهوض بوضعية المرأة من جهة، وغياب سياسة إعلامية تحقق هذا الهدف من جهة أخرى".

ويبقى تفعيل الميثاق الوطني لتحسين صورة المرأة في الإعلام متوقفا على بلورة استراتيجية إعلامية شاملة ومندمجة للنهوض بصورة المرأة في وسائل الإعلام السمعي البصري، سواء على مستوى مضمون الخطاب أو على مستوى الصورة.

ـ بالتعريف بالكتب في جميع التخصصات المرتبطة أساسا بالأسرة، وبالإصدارات والبحوث الجامعية القيمة في هذا المجال، وتتبع مدى مسايرة المناهج التعليمية للخطوات الجبارة التي قطعها المغرب في ميدان حقوق الإنسان وحقوق الأسرة.
لقد كانت هناك برامج مهتمة بالجانب الثقافي، كما أن بعض الصحف الملتزمة ما زالت تتابع أهم الإصدارات، لكن أمام ثراء الشبكة العنكبوتية ومنافستها لوسائل الإعلام، أصبح مجال الولوج إلى هذه المعلومات متيسرا للنخبة المثقفة فقط ، والباقي مغرق في ظلمات الجهل بما يصدر أو ينشر.
وبالفعل فقد أصبح الإعلام المرئي والنت بديلا للكتاب، والدليل على ذلك تدني الطلب على الكتب وضعف مستوى القراءة والتدهور الفظيع في مستوى الطلبة اللغوي والمعرفي. ويا ليت الأمر كان استبدال الكتاب بالنت كوسيلة بحث واطلاع، لكنه صار يستعمل غالبا لأغراض لا تخدم شبابنا في شيء فيه مصلحة، بحيث أصبح غولا يبتلع أوقاتهم الثمينة، ويساهم استخدامه الخاطئ في الزج بهم في هاوية السطحية والانفلات، إضافة إلى ما نعلمه من الدور الكبير للفضائيات في التأثير على الشباب، خاصة من ناحية التقليد والمحاكاة وبما يتعلق بالمظهر الخارجي وبالموضة الحديثة وغيرها، عوض استخلاص ما وصل إليه الآخر من تقدم فكري وعلمي جدير بالاهتمام والبحث.
ثم إن أفلام العنف الرائجة والمروجة بمختلف الطرق والوسائل، وكذا البرامج السطحية، لها بالغ التأثير في سلوك الشباب الاجتماعي والنفسي، حيث يؤدي الإدمان عليها إلى الشعور بالإحباط وتكريس صورة الحياة الاستهلاكية وتعريض مقومات شخصية شبابنا للمسخ والتشويه والاغتراب الحاد، لما في تعاطيها من هدر لوقتهم وإضاعته بدل توجيهه إلى النشاطات القيمة المختلفة وتقوية أواصر الروابط الأسرية. فأية استراتيجية إعلامية مزمع اتخاذها لتحصين شبابنا من اكتساح هذا المد التخريبي؟؟؟
إن الأسرة والإعلام يتحملان اليوم مسؤولية إعادة قيمة الكتاب إلى الواجهة، بدل المساهمة في صنع جيل آلي متسمر أمام الآيفون والآيباد منذ نعومة أظافره وفي أخطر مرحلة من مراحل تكوين شخصيته. إن الحفاظ على الكتاب كرفيق للنشء لا يتعارض مع التقدم التكنولوجي، لكنه يبقى الأصل والمصدر للمعلومة المتعمقة. فأين نحن من الخزائن الثمينة التي تركها لنا الأولون؟ وأين نحن من ارتباط العالم المتقدم بالكتاب رغم التقدم التكنولوجي الذي حققه؟ ومن منكم لم يقف مشدوها أمام علاقة الغربيين بالكتاب واصطحابه في كل مكان؟

ـ بمحاربة اللغة العرنسية بشكل جدي وحاسم. فجل البرامج المرئية تقدم بلغة هجينة تشكل تلوثا لغويا يسيء إلى الذوق العام، على غرار الإعلانات الإشهارية التي أغرقت بها مدن المغرب بلهجة هي خليط من الفرنسية والدارجة وبحروف عربية فرضت فرضا على من يقرأها وتمثل منتهى الاستخفاف بالمخاطب بها..
كما يشهد فضاؤنا الإعلامي في السنوات الأخيرة إحداث عدد من القنوات الإذاعية لا يعلم أحد كيف غزت ميدان الإعلام وفي إطار أي برامج أو استراتيجية، ومن أجل تحقيق أي أهداف وتقيدا بأي دفاتر للتحملات، وبلغة هجينة، فلأي شريحة من المستمعين هي موجهة؟ هل هو ضحك على الذقون؟ أم الاستخفاف بلغة بلدنا؟
إن استعمال الدارجة في وسائل الإعلام السمعي البصري خطر وخطأ غير مقبول، لأن دور اللغة تثقيفي وتنموي، واللغة العربية ليست لغة غريبة أو أجنبية، بل إنها اللغة الرسمية للمغرب.
والجميع يعلم ضعف المستوى العلمي بالجامعات المغربية بسبب إهمال لغتنا الأم والاعتماد على اللغة الفرنسية التي أصبحت لغة متخلفة في مجال البحث العلمي وإنتاج المعرفة، إضافة إلى نكبة العرنسية، مما يفسر الرتب الأخيرة المخجلة التي حصلت عليها الجامعات المغربية في سلم جودة التعليم بمختلف الجامعات في العالم..... فمتى سنفيق ونستفيق؟
ـ بإبراز قيم التعاون بين الرجل والمرأة لتصحيح الخلل في تصوير العلاقة بينهما، والتأكيد على أن التفاهم القائم على أساس مراعاة كلا الطرفين لحق الآخر في تحقيق ذاته، يمكن أن يساهم إيجابيا في نجاح الطرفين، وأن الحوار المعقلن هو السبيل لتقليص هوة عدم التفاهم بين الطرفين لا العبارات التي تخدش الحياء وتعمق أسلوب العنف الكلامي الذي تعكسه التمثيليات الهزيلة التي تدفع أغلب المواطنين والمواطنات إلى الهجرة إلى القنوات الفضائية الأجنبية والشرقية.
كما أن تطوير برامج المرأة في الإذاعة والتلفزة لتخاطب الأسرة ككل، من منطلق أن قضايا المرأة هي قضايا مجتمعية، سيساعد على إزالة عنصر العزلة والاجتزاء الذي يتم تناول قضايا المرأة إعلاميا على ضوئه.
ويندرج في هذا السياق كذلك، مناقشة الموروثات الثقافية والاجتماعية ونزع القدسية عن الكثير من العادات والتقاليد الموروثة التي ألصقت بهتانا بالشريعة الإسلامية، وتصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والتعريف بالشريعة والثقافة الإسلامية، بإشراك رجال الدين والعلماء والحقوقيين والقانونيين وكل فعاليات المجتمع المدني في الحديث عن القضايا التي تهم مجتمعنا المغربي، وخاصة قضايا الأسرة، بأسلوب مفهوم وبلغة عربية سليمة قدر الإمكان.
قد يقول البعض إن هناك قناة خاصة بالقرآن والبرامج الدينية وما على المتلقي إلا اختيار ما يروقه. ونرد على ذلك بأن وجود قناة مغربية دينية لا يمنع من مناقشة مشاكلنا انطلاقا من ثوابتنا ومن طرف مختصين... يجب أن يظل هذا التوجه نبراسا لنا في كل ما يتحمله الإعلام الوطني من مهمة الحفاظ على هويتنا أمام موجة الاكتساح الغربي.
لسنا ضد الانفتاح على الآخر... لكننا نتساءل: أليست هناك جهة تراقب ما يمرر أمامنا؟ ألا تتوفر على مقص لحذف ما يتعارض مع أصالتنا وانتقاء ما يشكل إضافة مفيدة و ارتقاء بمعارفنا ومداركنا؟
إن الوصول إلى تحقيق الديمواقراطية والمساواة وممارسة الحرية في إطارها الأخلاقي والحقوقي رهين برفع الوعي والتثقيف والقراءة، وهي مقومات يفتقر إليها نصف مجتمعنا الذي مازال أميا، فيما النصف الآخر إما مغرق في الظلامية أو متفتح إلى درجة التفسخ والانحلال ، فكيف وصلنا إلى هذا التشتت والاستلاب غير المعقلن ؟؟؟؟.
ويتحمل إعلامنا الوطني مكتوبا ومرئيا ومسموعا مسؤوليته في تجاوز هذه المعوقات، شريطة استعانته بالمختصين المتوفرين على الكفاءة في توضيح هذه القضايا، خاصة مناقشة وتحليل مستجدات قضايا الأسرة، وكل المستجدات في منظومتنا التشريعية، والمساهمة بأفكارهم ورؤيتهم لما يجب أن يكون.

II - واقع الإعلام المغربي، المرئي على الخصوص

يؤكد الوضع الحالي للإعلام المغربي أن هناك مواضيع لم تحظ لديه بالاهتمام اللازم، منها ما يتصل بالمرأة بصفة عامة، ومنها ما له طابع يخص مدونة الأسرة بعد مرور ثمان سنوات على صدورها، سنحاول التطرق إليها على سبيل المثال لا الحصر:

1ـ عدم إيلائه المرأة ما تستحقه من اهتمام، ويتضح ذلك من المساحة الضيقة المخصصة لها في الصحف والمجلات، والمقابلات التلفزية التي تغلب عليها السطحية واستئثار المقدمين والمقدمات لها بالحديث والتحليل أكثر من المدعوين لمناقشة مواضيعها. وكذا الاتجاه المسيطر المغرق في النظر إلى المرأة كأنثى، وذلك بحصر الموضوعات في المطبخ والتجميل والموضة، وتقزيم دورها " كأم" وأداة فاعلة في توجيه الأسرة الوجهة السليمة لتحقيق استقرارها.
وقد أدى هذا التصور الإعلامي إلى هيمنة صورها المتمثلة في المرأة الخنوعة أو المظلومة أو المستهترة أو الثرثارة أو الساحرة وخاطفة الرجال، التي ترشقنا بها القنوات المغربية، حتى التصقت صفات الضعف وقلة الحيلة والصمت والخداع والسحر والشعوذة بصورة المرأة المغربية، رغم ما عرفته مسيرتها من تقدم ملحوظ ومشرف.
ولا جدال في أن ذلك التصور انعكس سلبا على سمعة المرأة المغربية في الخارج نتيجة تمكن المشاهد من معرفة العالم وما يجري فيه عبر القنوات الفضائية. وما زاد في تكريس تلك الصور، تجاهل الموضوعات التي تعكس تطور المرأة المغربية والإنجازات التي حققتها خلال المراحل التي قطعتها للوصول إلى هذه المكانة، ودور الجمعيات النسائية وفعالية المجتمع المدني في ذلك؛ وحصر تقدم المرأة في وجوه معينة يتم تكرار مرورها في الإعلام، كالفنانات والمبدعات والسياسيات، دون الاهتمام بالقطاعات الأخرى التي قدمت فيها الكثير وبرزت فيها بصورة مشرفة تدعو إلى الافتخار بعنصرنا النسوي.
فمن سيعمل إذن، في غياب الإعلام، على تغيير تلك النظرة من خلال معاملة المرأة كانسان ومواطن ترتبط بمشكلات مجتمعها وتسهم في تنميته و تطوره؟؟؟

2 ـ فقر فظيع في إحدى وظائف الإعلام الجوهرية المتمثلة في نشر الوعي السياسي لدى المرأة والشباب، وهما شريحتان تحتاجان لمن يحثهما على المشاركة في الحياة السياسية، ويشجعهما على ممارسة النشاط الجمعوي والمساهمة في القضاء على الأمية. فلماذا لا تعد برامج تعرض على المشاهدين مباشرة يواجه فيها النساء والشباب بعض المسؤولين وممثلي الأحزاب والمجتمع المدني بأسئلة تؤرقهم، من قبيل الإحباط الذي يعيشونه وفقدانهم للثقة في الأحزاب وعدم قدرتها على احتوائهم وتأطيرهم بما ينفع مسيرة بلدهم التنموية؟؟؟

3ـ إهماله للمواضيع المتعلقة بميزانية الأسرة وكيفية تدبيرها والتشارك في تسيير شؤونها من طرف الزوجين معا بطرق علمية حديثة وانطلاقا من إطارها القانوني لتلافي المشاكل الناجمة عن هذا الموضوع، وتجسيد ذلك عن طريق تمثيليات هادفة ومصححة للتصورات الخاطئة، في ظل ما قد يبدو تناقضا قانونيا يتوجب تحليله وشرحه من طرف مختصين في الميدان، مثل الرعاية المشتركة بين الزوجين، وحرية المرأة في التصرف في أموالها، وحق الزوجة في الإنفاق عليها وآثار الامتناع عن الإنفاق، واقتسام الممتلكات بين الزوجين.

4 ـ إدمان وسائل الإعلام المرئية على استثمار غير مقبول لعاهات المجتمع، وهو اتجاه يعطي صورة سلبية عن الأسرة المغربية والمجتمع المغربي عموما. فبدل البحث عن أسباب الظواهر السلبية في مجتمعنا واستقصاء الحلول المبنية على الواقع والمنطق، نقوم بنشر غسيلنا أمام الملأ دون مراعاة لأبسط القيم الإنسانية. إننا لا ندعو إلى انتهاج سياسة النعامة، لكن هناك طرقا أخرى يمكن بها معالجة المشاكل الأسرية بطريقة علمية ومقبولة دون الإساءة إلى صورتنا.

5 ـ عدم التناول الجدي لمشاكل المرأة في العالم القروي ومعوقات التوعية بحقوقها.

6 ـ عدم تناول موضوعات الساعة بحرفية وجدية، وجعل النقاشات القانونية والاجتماعية والنفسية حول بعض القضايا التي تتسم بالحساسية أو تدخل في خانة المسكوت عنه، مناقشات سطحية إلا ما ندر منها. كما تبين من المتابعة عدم تقدير المشرفين على هذه البرامج لمسؤوليتهم في استدعاء ذوي الكفاءة والتخصص اللازمين لمناقشة مواضيعها رغم أهميتها البالغة أو تغييب هذه المواضيع نهائيا من النقاش، مثل زواج القاصرات، وزواج المغتصبة من غاصبها، وجرائم العنف الأسري، وزنا المحارم، واغتصاب الطفولة، وبعض الإشكاليات التي طفت على السطح بعد تطبيق مستجدات قانون الأسرة، من قبيل التحايل على مسطرة التعدد وشروطه، ونسبة حمل المخطوبة إلى الخطيب، والشروط الاتفاقية، واقتسام الأموال المشتركة بين الزوجين، وتهريب المحضون خارج الوطن، بل والتحايل على بعض الزوجات بتغريبهن عن بلدهن وتسخيرهن لممارسات شائنة، والإجهاض، وتداعيات الهدر المدرسي، ومناقشة الإصلاح الجامعي بعد سنوات تجربة أصبحت تفرخ أعدادا هائلة من المتخرجين تنقصهم التجربة ويتميز عطاؤهم بالنقص والضعف مقارنة مع المستوى الجامعي المطلوب، وتحديد مدى مسؤولية الأسرة والأجهزة المسؤولة عن ذلك.
إنها موضوعات شائكة أغلبها يدخل في خانة المسكوت عنه، وتثير مناقشتها ردود فعل حادة يغلب عليها الانفعال والتشبث بالرأي دون مبررات معقولة، من قبيل ما يواجه به الآن موضوع الإجهاض وتقنينه بين مؤيد ومعارض، وحرية الإفطار في رمضان، وممارسة العلاقات غير الشرعية تحت ستار حقوق الإنسان.
ولا شك في أن خطورة هذه المواضيع تتطلب أن يكون عرضها وتقديمها منوطا بإعلام واع بتلك الخطورة وكيفية معالجتها، والعمل على حث المختصين من كلا الاتجاهين على الخوض فيها بآرائهم دون قذف أو هدر دم. لكننا نلاحظ أن أغلب البرامج التي حاولت أن تتناول مثل هذه المواضيع لم يتم الإعداد لها بالقدر الكافي والجيد ولم تعتمد على آراء خبراء ومختصين في الموضوع ـ بل تم غالبا- إلا في حالات نادرة ـ الاستعانة بآراء أشخاص لا يكلفون أنفسهم عناء التعمق في الموضوع قبل مناقشته، بل أثبت الواقع المعيش من خلال تتبع بعض هذه البرامج، جهل البعض منهم بحيثيات الإشكالية موضوع النقاش، من قبيل العنف الزوجي، وزنا المحارم، وزواج المغتصبة بغاصبها، والمساكنة غير الشرعية التي تفاقمت حالاتها في المدن خاصة ومدى علاقتها بالحرية الفردية أو مدى مساسها بقيمنا وأصالتنا، مع إهمال الجانب النفسي والتربوي للضحايا والمعتدين في نفس الوقت.

7ـ استنساخ برامج تنطوي على المس بهويتنا وثوابتنا دون غربلتها مسبقا، وتمرير برامج سطحية وغير ذات فائدة يؤدي عنها المشاهد من ماله، واستغلال أوقات البث العليا من أجل عرض برامج لا تجدي نفعا. فبدل التوعية القانونية بالجرائم والجنح والمخالفات ومساطرها مثلا في قالب مشوق يساهم في الرفع من الثقافة القانونية للمشاهد، نجد برامج نعتبرها من وجهة نظر متواضعة برامج محرضة على الإجرام والجريمة بدل معالجة أسبابها وتداعياتها وطرق مواجهتها، أوبرامج "للتسلية والضحك" مبكية تعتمد حوارات دارجة سوقية تمس الذوق العام وتغيب الفن الدرامي عوض الارتقاء به.. .فهل ينهض إضحاك الناس وتسليتهم مبررا لاستعمالها؟
إضافة إلى الإصرار الأعمى على نقل صورة مشوهة عن المرأة المغربية، وأخرى "معرنسة " تزيد من توسيع الهوة بين المتلقي ولغته الأصلية ولا تراعي من يجهل الفرنسية وينتظر المذيع أو مقدم البرنامج أن يحن عليه بكلمة دارجة يفهم منها سياق الموضوع.

8 ـ تفشي الفن المتدني في بعض القنوات المغربية التي تمطرنا بسهرات تغلب على جلها السطحية والتمييع إلا النادر، ما يجعل المشاهد يرحل بضغطة زرإلى برامج ثقافية أو مسرحيات مسلية ليريح أسرته المجتمعة من حرج هذه المهازل.
ونتساءل، مادام الاقتباس والاستنساخ عملة إعلامنا الرائجة، لماذا لا تستورد برامج ثقافية ومسرحيات عالمية، أو يتم العمل على نقل محاضرات وندوات من مقرها ليستفيد الجميع، ولم لا نطمع أكثر ونطالب بقناة مغربية تربوية تعليمية ثقافية محضة، في إطار تجسيد الاهتمام الملكي السامي بالتعليم وقضاياه، كما هو الأمر في جل القنوات العربية والأجنبية، أم أن هذا الجانب وحده هو ما نجد له تبريرا في نقص التمويل؟

9 ـ غياب استفتاءات ميدانية تنبني على رصد لنبض المجتمع المغربي واتجاهاته تساعد على تلبية حاجاته واستهلاكه لوسائل الإعلام.

III - المعوقات وآليات القضاء عليها

إن تجاوز هذا الواقع رهين بتجاوز المعيقات التي يواجهها الإعلام المغربي والتي نحاول أن نورد بعضها فيما يلي:
ـ غياب آليات تفعيل المعايير الموضوعية للإعلام؛
ـ عدم القدرة على التصدي والصمود أمام الإرسال التجاري الذي ظهر وأخذ يتطور، في غياب ترتيبات وتنظيمات قانونية ورقابية على أدائه،أو على المحتوى الذي يقدمه؛
ـ الافتقار لجهاز قضائي يضمن حرية الإعلام؛
ـ الافتقار إلى مجلس إدارة تمثيلي مستقل، يمثل الجمهور المستهلك ويقوم بمراقبة أداء قطاع التليفزيون، خاصة في عصر الصورة، وأداء قطاع الصحافة التي أصبحت الآن صحافة الشبكات العنكبوتية بامتياز؛
ـ عدم وجود جهاز رقابي مستقل عن الدولة يخضع لمساءلة البرلمان، وضمان عدم ممارسة أي ضغوط سياسية في اختيار أعضائه؛
ـ عامل التمويل الذي تمثل حصة الأسد فيه حصيلة الإشهارات وحقوق الرعاية ورسوم الترخيص، مع دعم محتشم من طرف الحكومة، ما يجعل الإعلام في فوهة مدفع الإعلانات التي تمرر لخدمة أصحابها دون رقابة أو تكييف لمضامينها ومدى ملاءمتها لخصوصية المجتمع المغربي المتشبث بأصالته وثوابته.
ويمكن للمهتمين بهذا الموضوع جرد مجموع الإشهارات التي تمرر أمام الملأ واستقراء ما تخفيه من مخالفات أخلاقية واجتماعية لا تمت لنا بصلة وتمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة بصورة المرأة، و يتم من خلال بعضها استغلال الأطفال بطريقة مهينة تمس براءتهم أو تصك آذاننا بألفاظ وإيحاءات مخجلة، إضافة إلى تربعها على عرش السيطرة الإجبارية والتعسفية على الأعصاب والتحريض على الزج بالمواطن المغربي إلى هاوية الاستهلاك ،
ـ الإعلام البديل المتمثل في انتشار المواقع الإخبارية والصحف الإليكترونية والمدونات على شبكة الانترنت، والذي نجح في فرض نفسه خلال الفترة الماضية وأصبح له تأثير تجاوز في بعض الأحيان أجهزة الإعلام التقليدية وأصبح منافسا للإعلام بجميع أشكاله، فأي بديل لمواجهة هذه المنافسة؟؟؟؟؟
ـ الافتقار إلى قانون متطور للصحافة، وفراغ قانوني لتأطير الصحافة الإلكترونية وتأطير العاملين بها، في ظل حرية متنامية لنقل المعلومة قد تخضع لأهداف بعيدة عن الهدف الأساسي من وجودها وتمس بمصداقية المعلومة، بل وعدم الإشارة إلى مصادرها في أغلب الأحيان، والأخطر من ذلك انعدام سياسة واضحة لحماية الحقوق الذهنية والفكرية؛
- القيود على حرية ممارسة العمل الصحافي التي لا بد من فكها، شريطة الالتزام بأخلاقيات المهنة، ومد مظلة الحماية النقابية لتغطية كل العاملين بمهنة الصحافة، وخاصة في الصحف الخاصة والمستقلة؛
ـ الدور الذي لا يكاد يظهر والمفروض أن تضطلع به منظمات المجتمع المدني في مراقبة وتقييم أداء الوسائط الإعلامية ومدى خدمتها للأسرة، وكشف كل ما يمس بمبادئنا وأخلاقياتنا، من قبيل جعل المرأة المغربية رديفا للشعوذة والدجل، وخطف الرجال، وممارسة الدعارة، وإغفال النماذج الناجحة، والتجاء القوى الرجعية للإعلام إلى تحجيم مكانة المرأة وخلق مغالطات تؤثر على مكتسباتها عوض تقييم دورها والاعتزاز بما حققته من مكاسب لا تتعارض مع الشريعة وتتفتح على ثقافة حقوق الإنسان، وهي فلسفة المشرع التي بنى عليها تعديل مدونة الأسرة؛

ـ غياب العمل على نشر مبادئ الديمقراطية وتعزيز احترام حقوق الإنسان، ورفع القيود عن إنشاء مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات وكفالة حقها في إصدار الصحف وإحداث القنوات التلفزية والإذاعية في إطار قانوني واضح ؛
ـ غياب العلاقة بين وسائل الإعلام ومنظومة القيم الأسرية وعدم التركيز على التواصل الأسري كبديل نسبي لعلاقة الإدمان مع وسائل الإعلام الجديدة؛
ـ عدم توجيه الدراسات في مجال وسائل الإعلام لتوضيح دورها للتعبير عن الظواهر الاجتماعية والمشكلات التي تعتريها وأثرها على المدى القصير والبعيد.
إن الأجهزة الإعلامية بقدرتها على المخاطبة عن بعد بالصوت والصورة لقادرة على تجاوز الحدود الجغرافية وباستطاعتها مخاطبة جميع فئات المجتمع المختلفة في آن واحد، حتى أولئك الذين يجهلون القراءة والكتابة.
لذا يجب خلق تعامل إعلامي هادف يتواءم مع مستوى الوعي وطبيعة الشخصية التي يتوجه إليها المضمون الإعلامي بأنواعه المعروفة (مرئي، مسموع، مقروء)، لكي تترك المضامين الإعلامية أثرها المناسب على الفرد وعلى الأسرة بأكملها. و يمكن أن يتسنى تحقيق هذا الهدف من خلال تصور متواضع لبعض المقترحات نوردها كالتالي :
ـ تجسيد استراتيجية فعالة لإعادة تأهيل الصحافيين والإعلاميين والمقدمين والمنشطين وتكوينهم المستمر، ووضع برامج فعالة ومنتقاة وصائبة التوجيه للرفع من كفاءتهم المهنية بما يضمن تحقيق التراكم المعرفي لديهم، وتوفير جولات منتظمة للصحافيين للاطلاع على التجارب الناجحة للمؤسسات الإعلامية في الدول العربية والأجنبية، وابتكار محفزات تشجيعية من قبيل اختيار أحسن مقدم أو مقدمة برامج، وأحسن برنامج يخدم الأسرة؛ ذلك أن تدني معرفة أغلبهم بالثقافة القانونية والتشريعات المتعلقة بعملهم وعدم احترامهم للغة وطنهم لن يحقق الأهداف المتوخاة من مساهمة الإعلام في علاقته بالأسرة، وامتداد ذلك إلى عدم احترام بعض الصحف للمعايير المهنية في الصحافة؛
ـ عرض التجارب الأسرية الناجحة للمجتمعات المتطورة عبر وسائل الإعلام المختلفة، وفق برامج منتظمة تستهدف الوسط الأسري في مجتمعاتنا.
ـ دعم العلاقات الأسرية بين أفراد الأسرة نفسها، من خلال إعلام نشيط يصل إلى المحيط الأسري بالمعلومات والتجارب المفيدة.
ـ التعاون بين مؤسسات الإعلام والمسؤولين والمجتمع المدني، وبين الجهات الممثلة للأسر من أجل تحقيق تعاون مثمر يساعد الأسرة على التطور اجتماعيا واقتصاديا.
ـ إبراز دور الإعلام في توعية الأسرة بجناحيها الرئيسيين، الرجل والمرأة، بمفهوم تنظيم الأسرة وتعزيز الجهود لدمج المرأة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض بوضعها الثقافي والتعليمي.
ـ الاهتمام بالصحة الإنجابية وبمواضيع الوقاية من المخاطر المحدقة بالأسرة كالإيدز والإجهاض غير الآمن والسري.
ـ ضرورة اضطلاع الإعلام بجميع أشكاله ورجال الدين والفقهاء بالتصدي لتوضيح وتحليل بعض المواضيع الشائكة الماسة بكيان الأسرة وتماسكها والتي تهدد بانهيارها، كالمعاشرة الواقعية المعاقب عليها في القانون الجنائي، والتوعية بالمسؤولية الجنائية والدينية والاجتماعية لهذه الظاهرة التي أخذت تتوسع خاصة في المدن ، وساعدها في ذلك الستار القانوني الذي يشرعنها، خصوصا في وجود حمل، بالالتفاف حول ثغرات القانون واستغلال حماية الطفل لتمريرها استخفافا بالجزاءات الجنائية، ما شجع على المناداة والمطالبة بإلغاء جريمة الزنى وحرية الأفراد في علاقات جنسية غير مشروعة تحت ستار حقوق الإنسان وحقه في الاختيار. إن خلق نقاش جدي عن طريق وسائل الإعلام في غياب توضيح حاسم من طرف المسؤولين سيساهم بلا شك في خلق التدافع الفكري الذي يسمح بإنضاج التصورات وتزويد الفضاء العمومي بخلاصات قد لا يتفق عليها الجميع، إلا أنها ستساهم في توفير الظروف الملائمة لتوافق بين القوى الفاعلة في المجتمع حول مثل هذه القضايا.
إن التعارض والمواجهة بين الاتجاه المحافظ والحداثي سمة متجذرة في الدول العربية والإسلامية، وتشكل في المغرب في حد ذاتها ظاهرة صحية فرضتها مبادئ حقوق الإنسان والنهج الديموقراطي الحداثي الذي انتهجه المغرب في مسيرته الحقوقية، ما يتطلب نقاشا هادئا لمبررات الطرفين. فهل مثل هذه الدعوات ستساعد الأسرة على الحفاظ على كيانها ومقوماتها أم ستفرز ما يعيشه الغرب الآن من ضياع وانفلات ولقطاء وأمراض مستعصية؟
وهل التقدم التكنولوجي والطبي هو العائق الذي كان أمام إباحة هذه العلاقات؟
وهل الجريمة إذا استفحلت في مجتمع ما وشكلت واقعا يجب أن نشرعن هذا الواقع حتى لا يقال إننا ننافق وندفن رأسنا في الرمال؟
وكيف نوفق بين الحرية الفردية وبين النصوص قطعية الدلالة التي تضع لها حدا يجب ألا تتجاوزه لسلامة المجتمع وتماسك خليته الأساسية؟
وهل تشبثنا بقيمنا وأصالتنا يمنعنا من مناقشة هذه المواضيع بما يلزم من الحنكة والهدوء والتفتح واعتماد الأدلة وتأصيلها لتوضيح إشكالياتها، عوض نشر البلبلة وتبادل الاتهامات ؟؟؟؟
إنه لابد من انخراط المثقفين والمهتمين والمتخصصين في مناقشة هذه المواضيع وجعلهم الإعلام منبرا حرا ومحايدا لتحليلها في ظل التطورات المجتمعية والواقع المعيش، متسلحين في ذلك بالمبررات المنطقية المقنعة لكلا الاتجاهين، وهو ما نلاحظ فقدانه لهما معا في الوقت الحالي.
فإلى أين نحن سائرون في ظل هذا التعتيم ؟؟؟
ـ التركيز على محو أمية المرأة، وخاصة في المناطق الريفية والنائية، لتستطيع أن تقوم بدورها في المجتمع وتمارس حقوقها السياسية وغيرها من الحقوق، وذلك بالقيام بتكثيف التوعية الإعلامية بتنظيم الأسرة والقضية السكانية وزواج القاصرات وبأهمية التيسير في الزواج وعدم المغالاة في المهور ومتطلبات الزواج للتخفيف عن كاهل الشباب ومواجهة مقاومتهم للارتباط وغيرها من القضايا المجتمعية الهامة. و هنا يبرز دور الإعلام في التحسيس بخطورة الأمية وتعطيلها لمسيرة المرأة وتهميش دورها في المساهمة في تربية النشء تربية سليمة بل إنها تشكل عرقلة أمام التنمية في مفهومها الشامل.
ـ عرض تجارب نساء في مسيرتهن نحو الاستقلال المادي ومساهمتهن في الإنفاق على أسرهن لظروف عائلية مختلفة من قبيل المشروعات الصغيرة، وتسهيل منحهن لقروض للقيام بمشروعات منتجة تعلمهن الاعتماد على النفس والإحساس بالاستقلال المادي ونوعية الصعوبات التي صادفنها في تحقيق ذلك وكيف تجاوزنها ، بدل منحهن دعما ماليا من الحكومة يعودهن على التواكل وانتظار الإعانات.
ـ تصحيح ثقافة المجتمع تجاه دور المرأة، وخاصة في المناطق الريفية، وتفعيل دور المرأة في قضايا محو الأمية.
ـ تكريس ثقافة إعلامية تعتمد مبادئ حقوق الإنسان واحترام كرامة المرأة ومناهضة كل أشكال التمييز أو الإقصاء.
ـ تفعيل التواصل والتعاون بين وسائل الإعلام المختلفة والجمعيات النسائية وكل هيئات المجتمع المدني التي تعنى بقضايا النساء.
ـ البحث عن الوسائل الكفيلة لمواجهة اكتساح الشركات الأجنبية لفضائنا الإعلامي أو الدفع بها إلى تغيير تعاملها مع المجتمع المغربي، حيث اتضح أنها تتنافس بشكل وحشي على الإبقاء على المجتمعات النامية بصفة عامة، سوقاً مفتوحة لترويج بضاعتها واستهلاك إنتاجها من كل شيء، والإبقاء على شعوب هذه المجتمعات دائرة في حلقة التخلف، تابعة لا تتجاوز مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج، غرضها صناعة الإنسان المستهلك المترهل، الكسول المستلب، المتقبل والمعد نفسياُ وثقافياً للإنتاج الأجنبي والتكيف معه، حتى لو أدى ذلك إلى التغيير القسري للسلوك والعادات وأنماط التفكير التي اتسمت بها منظومة القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمعات النامية.
ـ التوجيه نحو استثمار الفضائيات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في نشر المعرفة العلمية لعناصر القوة العلمية الغربية من أجل الرفع من مستوى المعرفة الإنسانية بالعلم والعلوم، بدلا من الخضوع لاستلاب القنوات الفضائية التي تزخر أغلبية برامجها بأفلام العنف والجريمة والمغامرات العاطفية الجنسية والآثار الجسدية والغريزية، وبمضامين متناقضة مع الأفكار والقيم التي لا تتلاءم مع واقع مجتمعنا و مع ديننا الحنيف.

ـ تشجيع الشباب والأسر على فهم طبيعة ما يدور حولنا من قضايا معاصرة، وهذا لن يكون إلا بقيام توازن بين المعرفة المادية والمعرفة اللامادية لكي نستطيع أن نوظف هذه المعارف في خدمة الإنسان وتقدم المجتمع الإنساني.
ـ تعزيز دور الحكامة والجودة بالقطاع السمعي البصري.

وبطبيعة الحال فإن هذه الخطوات تتطلب جهودا مشتركة بين الإعلام والجهات الحكومية ذات الصلة، بالإضافة إلى ممثلي المحيط الأسري والمؤسسات التشريعية ذات الاختصاص، لكي تصبح قابلة للتطبيق والتفعيل، ومن ثم الوصول إلى نتائج مثمرة.

إن هذه المساهمة المتواضعة لتوضيح دور الإعلام في علاقته بالأسرة، نابعة من ملاحظة شبه جماعية من طرف المجتمع المغربي بعدم مواكبة الإعلام الوطني للمكتسبات التي حققها المغرب في مجال المساواة وتكريس حقوق المرأة والطفل واعتماد ثقافة حقوق الإنسان، وهي من أعظم وأخطر الأوراش التي يشتغل عليها بلدنا، الشيء الذي دفعنا إلى وضع كل تلك التساؤلات حول السياسة الإعلامية المستقبلية في بلدنا في وقت أبانت فيه للجميع عن عجزها وقصور استراتيجياتها عن مسايرة المستجدات التشريعية والتغيرات المجتمعية ومواجهة أخطار العولمة .
والنموذج الإعلامي المطلوب هو النموذج الذي يتمسك بالدين والدنيا، وبالروح والعقل، حيث الشخصية المتوازنة التي تصقل من خلال الثوابت الثقافية الروحية ومتغيرات العصر التي لا تتعارض معها وغير المتناقضة في أبعادها ومحتوياتها ومفاهيمها ومدلولاتها التطبيقية والنظرية.

وآخر صيحة نطلقها في هذا المنبر موجهة لكل مسؤول عن وضع الأسرة المغربية بأطفالها وشبابها وشيوخها.... أما آن الأوان لمراجعة جدية لملف الإعلام ودوره الأساس في حفظ المكتسبات والقيم الأسرية والهوية المغربية الأصيلة ؟

الاربعاء 12 سبتمبر 2012


تعليق جديد
Twitter