Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الإضراب بين القوانين الدولية والممارسة الوطنية


     


محمد العسري
حاصل على شهادة الماستر
شعبة المنازات العمومية
فاس



الإضراب بين القوانين الدولية والممارسة الوطنية

الإضراب في الإصطلاح اللغوي الكف و الإعراض,والإضراب مصدر الفعل "أضرب"أي أعرض عن القيام بعمل معين.

     وفي علاقات الشغل يعني الإضراب التوقف الجماعي للعمال عن القيام بعملهم للتنديد بظروف العمل وللمطالبة بتحسين الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية والمهنية.

     في البداية كان الإضراب ممنوعا ومجرم وذلك منذ القرن 16 وهكذا صدر في فرنسا سنة 1539 قانون يمنع الإضراب ويحظر التجمعات. وتوج هذا المشهد المانع للإضراب بصدور قانون يونيو 1791 الذي ألغى كل أشكال التكتل بين العمال ووجود أشكال التعاضديات والهيئات المهنية الوسيطة.

ففي هاته الدراسة سأحاول التطرق لموضوع الإضراب بين القانون الدولي و القانون الوطني.

     فيما يخص تعريف الإضراب إذ نجده سواء على مستوى القانون المقارن أو القانون المغربي لم تعرف حق الإضراب وذلك على الأقل في الدول التي اعترفت بحق الإضراب ومشروعيته لكن الفقه والقضاء أعطيا المبادئ والقواعد الكفيلة بتأطير وتنظيم ممارسة حق الإضراب وعدم التعسف في استعماله.

     وعرف الفقه الفرنسي الإضراب بكونه "كل توقف جماعي عن العمل من طرف الأجراء بهدف حمل المؤاجر على قبول وجهة نظرهم في المسالة التي كانت موضوع خلاف".
     واتجاه اخر في الفقه الفرنسي عرف الإضراب بكونه"توقف العمال عن العمل توقفا جماعيا ومدبرا بقصد ممارسة الضغط على صاحب العمل او السلطة العامة".

     من خلال هاته التعاريف نلاحظ ان للإضراب عناصر أساسية وهي كونه يكون جماعيا ومدبرا للضغط على صاحب العمل او السلطة لتحقيق الأهداف المطلوبة.

     والإجتهاد القضائي يعتبر مصدرا من مصادر القانون حيث له أهمية موازية لدور التشريع، فالقضاء لا يضع النصوص القانونية أو يعدلها لكن يفسر القواعد القانونية ويؤولها كما يسد الثغرات التي تعتري النصوص.

     وفي هذا المجال –الإضراب- نظرا لكون مختلف التشريعات أغفلت تعريف الإضراب فإن القضاء لعب دورا محوريا في وضع وتحديد العناصر الأساسية المرتبطة بتريف الإضراب،ففي 28يونيو 1951 نجد محكمة النقض الفرنسية عرفت الإضراب بكونه "وسيلة العمال للدفاع عن المطالب المهنية" وفي المملكة المغربية فإن القضاء يعتبر الإضراب حق مشروع لأنه مكفول بأسمى قانون وهو الدستور لكنه يمارس بكيفية مطلقة ودون شروط.وهذا ما نص عليه قرار للمجلس الأعلى في يونيو 1990 "لكن حيث من الثابت أن الإتفاق على الإضراب أو التحريض عليه أو العمل على ترويجه أمر يقره القانون دستوريا من حيث المبدأ،غير أن المشرع أحاطه بقيود تفرض حمايته وإلا استحال إلى البلبلة والفوضى".

المحور الأول: الإضراب في القانون المقارن

     تؤثر الظروف التاريخية والسياسية وذلك حسب تطور الحركة العمالية والنقابية،لذلك تتباين التحولات القانونية بسبب انعكاسات المحيط العام،وانطلاقا من هاته النصوص المنظمة لممارسة وتنظيم الإضراب يتبين أن الدول الغربية لأوربا أكثر حرية على مستوى ممارسة هذا الحق وذلك على خلاف الدول الأنجلوسكسونية التي يرتبط مال الحق في الإضراب بمآل المفاوضة الجماعية حول ظروف العمل.

الفرع الأول : الإضراب في التشريع الفرنسي

     أول قانون صدر في فرنسا ينظم الإضراب هو الذي صدر لمعاقبة كل ممارس للإضراب ومنعه، واستمرهذا الوضع إلى  سنة 1864 حيث صدر في ماي من نفس السنة قانون يزيل الطابع الجنحي على تكتلات المهنيين لتمكينهم من الدفاع عن مصالحهم المهنية.
     كما أن الدستور الصادر في 27أكتوبر 1946 تم التنصيص فيه على أن قانون الإضراب يمارس في إطار القوانين التي تنظمه، وتضمنت ديباجة الدستور كون الإضراب وسيلة أساسية للدفاع عن المصالح المهنية.
     وهكذا فالإضراب في القطاع العام ينجم عنه انعكاسات بالنسبة للمرافق وكذا المصالح العمومية خصوصا بالنسبة للمرتفقين.لذا تدخل المشرع الفرنسي لوضع شروط ومساطير في القانون الصادر في 31يوليوز1963 لتنظيم كيفية ممارسة الإضراب:
1-المادة 2512 حددت الفئات المستهدفة من مدونة الشغل الفرنسية في فئات الأعوان الخاضعة لأكام هذا القانون.
2-منع بعض أنواع الإضرابات حيث تم منع الإضرابات التي تأخذ أشكال إضرابات بالتتابع أو التناوب نظرا للأثار السلبية التي تنجم عنها والخلل الذي يصيب المرافق العامة.
3-الجهة المخول لها الدعوة لإضراب في القطاع العام هي النقابة ذات التمثيلية حسب نطاق الإضراب كما يجب على هاته النقابة توضيح سبب اللجوء إلى الإضراب.
4-يجب الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمة وذلك لإستمرار بعض الأنشطة الأساسية أو حد أدنى للسلامة في العمل.
5-يجب أن يحترم المضربون مهلة الإخطار وذلك لتفادي اللإضرابات المفاجئة التي تؤثر على الصالح العام وأمنهم،كما أن هاته المهلة تشكل مناسبة للتفاوض.
6-حرمان بعض الأعوان من ممارسة الأضراب نظرا لطبيعة المهام المنوطة بهم كرجال الأمن بمختلف تلويناتهم، رجال القضاء، المصالح الخارجية لإدارة السجون والمكلفون بالإتصالاتالسلكية والاسلكية لوزارة الداخلية.
7-كل ممارسة مخالفة للقانون والمنظمة لممارسة حق الإضراب يعرض مرتكبها إلى عقوبات تأديبية إذ تتمثل في العزل والتقهقر في الدرجة.

الفرع الثاني : الإضراب في التشريع الكندي

     الإضراب في كندا غير مدستر كما لا يمكن ممارسته إلا بعد ارتباطه بالمفاوضة الجماعية ولتحقيق أهداف مهنية تتلخص في التفاوض مع المشغل حول ظروف العمل.
     فالأحكام المنظمة لممارسة حق الإضراب مختلفة حسب الجهات في كندا حيث كل جهة لها خصائصها في ممارسة هذا الحق.
     ومدونة الشغل الكندية تعطي الحق في الإضراب بصفة صريحة لجميع الأجراء الذين تطبق عليهم باستثناء رجال الأمن ورجال المطافئ، كما أن هاته المدونة تطبق على موظفي الدولة وتعترف لهم بهذا الحق ماعدا المستثنين منها.
     ومن بين الشروط الواجب توافرها لممارسة هذا الحق هو كون أن جمعية واحدة للأجراء المعتمدة يمكنها أن تمارس الإضراب وبالتالي يمنع كل تجمع عمالي آخر القيام بذلك، في حين تبقى المرافق العمومية خاضعة لبعض الشروط منها،الإلزامية في احترام مهلة الإخطار والحفاظ على الخدمات الأساسية وذلك باحترام الحد الأدنى للخدمة.
     وعند ممارسة هذا الحق يترتب مجموعة من الآثار وذلك بحسب ما إذا مورس الإضراب بطريقة قانونية أو غير قانونية.
     ففي الحالة الأولى فإنه لا تنتج على ذلك آثار قانونية على المضربين خاصة وأن القانون يمنع معاقبة أي أجير بسبب المشاركة في إضراب قانوني.
     وإذا كان الإضراب غير قانوني فإنه يمكن للمشغل إستصدار قرار استعجالي من الجهة المختصة في قوانين الشغل أو من المحاكم بشأن هذا الموضوع أو اتخاذ إجراءات تأديبية أو المطالبة بالتعويض عن الضرر كما يمكن معاقبة الأجراء المعنيين بقانون الجزاءات.

المحور الثاني : الإضراب في الممارسة المغربية

     منذ حوالي 55 سنة تمت دسترة حق الإضراب بالمغرب وإحالته على قانون تنظيمي لتحديد شروط ممارسته، إلا أن هذا القانون لم يخرج إلى حيز الوجود بعد ولا يوجد حتى في المخطط التشريعي الذي وضعته الحكومة لمناقشته في هاته السنة.
     كما أثيرت مؤخرا إشكاليات كبيرة عندما لجأت الحكومة إلى الإقتطاع من أجور المضربين وذلك تحت علة الأجر مقابل العمل.فمن الناحية المنطقية يمكن القول أن الحكومة صائبة في هذا القرار، إلا أنه من الناحية القانونية هناك نقاش خصوصا في ظل غياب قانون تنظيمي ينظم الإضراب.
     قبل سنة 1912 لم يمارس الإضراب في المغرب نظرا لكون المهن في تلك الفترة كانت مؤطرة في تعاونيات، ومع بداية الحماية التي كان الهدف منها استنزاف الخيرات الوطنية، تم لإنشاء مؤسسات وشركات اقتصادية ساعدت في اشتغال اليد العاملة من المغاربة والأوربيين، لذا خلقت مجموعة من المشاكل وعليه بدأت تبرز بعض الحركات الإحتجاجية.

الفرع الأول : الدستور و الإضراب

     قبل دستور 1962 لم يكن هناك أي نص قانوني ينظم الإضراب، إلا أنه بعد صدور دستور 1962 وكذا الدساتير الاحقة لسنوات 1970 و 1972 و 1992 و 1996 نظم الإضراب في المادة 14 حيث نص على أن: "حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق" في حين الدستور الجديد للمملكة نص على هذا الحق في المادة 29 على أن : "حق الإضراب مضمون ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته". من خلال هاته المادة الدستورية نلاحظ أن الإضراب حق مضمون يكتسي طابعا عاما أي أن الإضراب للجميع ولا يقتصر على علاقات الشغل فقط.
     هناك مجموعة من الدول تنظم الإضراب من خلال القوانين العادية أو المراسيم، إلا أن المشرع الدستوري المغربي جعل منه حقا دستوريا ساميا وجعل لتنظيم شروط ممارسته لقانون تنظيمي.
     وفي ظل غياب هذا القانون التنظيمي الذي ينظم كيفية ممارسة الإضراب فإنه تحدث خلافات وجدالات عندما يخوض الموظفون وقفات احتجاجية أو إضرابات حيث تصر الحكومة في مختلف الحالات على التصريح بكون هذا الإضراب غير مشروع.
     وفي ظل هذا الصراع بين الأجهزة المسؤولة وموقفها من الإضراب نحاول التطرق إلى موقف القضاء تجاه هاته التصرفات في ظل غياب قانون تنظيمي منذ سنة 1962.

الفرع الثاني : الإضراب والممارسة الوطنية

     في ظل غياب نص تنظيمي يؤطر كيفية ممارسة هذا الحق،فإن الإجتهاد القضائي تبقى له مهمة تأطير هذا الحق الدستوري خصوصا في الدول التي اعترفت بهذا الحق.
     نجده عرف الإضراب بكونه: "إضراب الموظفين هو امتناعهم عن تأدية أعمالهم ووظائفهم بصفة مؤقتة تعبيرا عن عدم الرضى عن أمر معين".
     كما نجد أن الإجتهاد القضائي حدد أنواع الإضرابات بالرغم من التوجهات المختلفة بين محاكم الموضوع والمجلس الأعلى حول مشروعية الإضراب التضامني مثلا.
     كما أن الإجتهاد القضائي أقر بكون،العامل يتلقى أجره مقابل العمل وعليه فإن الإقتطاع من أجور المضربين يكون بوجه حق حسب الإجتهاد القضائي المغربي، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بفاس في حكمها الصادر سنة 2006: " من حق الإدارة الإقتطاع من الأجر طيلة المدة التي تغيب خلالها المدعي لممارسة الإضراب لأن من واجبات الموظف أداء العمل مقابل المرتب الذي يتقاضاه،إذ أن القاعدة المسلم بها أن كل حق يقابله واجب".
 
 
المراجع المعتمدة

-محمد الأعرج،المنازعات الإدارية والدستورية في تطبيقات القضاء المغربي،المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،سلسلة مواضيع الساعة،عدد 78،2012.
-الحاج الكوري،أحمد بوهرو، إشكالية تنظيم وتقنين ممارسة حق الإضراب بين القانون الدولي والتشريعات الوطنية،مطبعة المعارف الجديدة،الرباط 2012.
-الحاج الكوري،الحقوق والحريات النقابية في قوانين الدول العربية،مجلة القانون المغربي، عدد 16 سنة 2010.
-مجلة الإشعاع،عدد 16 دجنبر 1997.

الجمعة 22 مارس 2013


عناوين أخرى
< >

الاحد 26 ماي 2019 - 14:10 القاضي الإداري يحكم ولا يدير


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter