رفقته نسخة متضمنة للهوامش قصد التحميل
مــــقــــدمـــــــــــــة
لما كانت الأسعار والمنافسة من ضمن الضوابط الأساسية، ذات الارتباط الأصيل بالنظام العام الذي تخضع له الأسواق؛ كان يقتضي الحال في مقابل - ودون شك في ذلك- تدخلا تشريعيا يؤسس قواعد تساهم في حياكة الخيوط وجعلها ناظمة، بما يتوافق ولا يتنافى.
تأسيسا على ذلك، صدر القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، ثم تبعه المرسوم التطبيقي له، الذي طرأ عليه تعديلين متتالين، وسواء ذا أم ذاك، فكليهما اتجه المقصد منهما، نحو ضبط السير الطبيعي لحرية الأسعار والمنافسة، وتخليصهما من المعوقات والشبهات التي قد تطالهما، خاصة أمام التفاوتات التي قد يتميز بها أحد الطرفين عن الآخر.
يراد بالسعر le prix: ما يُـقَـيَّـمُ به الشيء المتحصل عليه من الطرف المتعامل معه: أي قيمة المنتوج أو السلعة أو الخدمة؛ أما المنافسة la concurrence: فهي تلك الحالة التي يَـتَـرَبَّـعُ فيها طرفان أو أكثر على قائمة الإنتاج أو التوزيع أو الخدمات، ولا تكون فيها أية صلة اتفاقية أو تحالفية، فيما بينهم مجتمعين، قد تنفي السير الطبيعي لما يقدمونه من منتجات أو سلع أو خدمات.
من جهة أخرى، فعند إطلاق هذين الاصطلاحين: أي الأسعار والمنافسة؛ مقرونين بالحرية la liberté: فمعناه خلوهما من أية قيود Restrictions قد تؤثر في التكوين والسير الطبيعيين لهما. وبصيغة أخرى، ليس هنالك أية شروط أو ضوابط ينصاع أو يخضع لها التكوين والسير المشار لهما.
علاوة على ذلك، فطرح سؤال الشبهة La présomption، يتجه المقصد به إلى الخلل الذي يعتري السير الحقيقي لقواعد وضوابط المنافسة والأسعار: بمعنى مدى الاعتداد بكون الفعل أو العمل يتنافى مع السير المشار له من عدمه؛ وبمدى الأخذ به من دونه.
من هنا تظهر أهمية الموضوع، إذ ولا بد من الإظهار والبيان لحرية الأسعار والمنافسة، مع علاقتها بالتنظيم التشريعي لها، فالحرية ما كانت تخضع أبدا للقانون، بل كانت تخضع للنظام العام الاجتماعي L’ordre public social، الذي له سلطة مؤثرة في استنكار الأفعال La réprobation des actes من عدمه، ومتى استعصى ذلك، اقتضى حينئذ، التدخل القانوني للحد من جناحيها وكبح جماحها.
هاته الأهمية المنطلق منها، وذات الصلة الوطيدة بالتنظيم القانوني لحرية الأسعار والمنافسة، تصاغ إلى جانبها إشكالية محورية، ينطلق منها لفك خيوط الموضوع من التشابك إلى التناظم، مفادها ما يلي: ما مدى مرونة ودقة التنظيم القانوني المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة؟ وإلى أي حد يمكن اعتباره خاليا من مواطن الشبهة؟
للإجابة على روح الإشكالية المطروحة، سيعتمد على المنهج النقدي، وذلك بتوظيفه في دراسة مختلف النصوص التشريعية وكذا التنظيمية ذات العلاقة بالموضوع، وكل ذلك، سيفصل فيه من خلال تقديمه وفقا للتصميم الآتي:
الفقرة الأولى: الأصـل من الاسـتـثـنـاء فـي حـريـة الأسـعـــار والمنافسـة
الفقرة الثانية: الممارسـات الـمنافـيـة لمـبـدأ حـريـة الأسعـار والـمنافسـة
الفقرة الأولى: الأصـل من الاسـتـثـنـاء في حـريـة الأسـعـــار والـمنافسة
من المسلم به، أنّ انتقال الأسعار والمنافسة ذهابا وإيابا بين الأصل والاستثناء، يرتبط ارتباطا وثيقا، بالنظام القانوني، الذي يكبح جماحهما، ويحدد تموقعهما، فضلا عن ضبط تحركاتهما، تبعا لذلك، لا بد من البحث بشأن الأصل في حرية الأسعار والمنافسة (أولا)؛ والمستثنى مـن الأصل (ثانيا)؛ ثم شبهة التداخل بين الأصل والاستثناء (ثالثا).
أولا: الأصـل في حرية الأسعار والمنافسة
حري بالبيان، أنّ الأصل في تحديد الأسعار Détermination des prix، يخضع لقانون العرض والطلب؛ فمتى كان هنالك تزايد في الطلب ونقص في العرض، حينئذ، كان السعر مرتفعا؛ في المقابل، متى كان هنالك نقص في الطلب ووفرة في العرض، كان السعر منخفضا. ليفهم منه، أنه في حالة الطلب المتزايد، يخضع السعر للحرية التامة للعارض؛ أمّا في حالة الطلب المنخفض، يخضع السعر لحريتَـي الطالب والعارض، وقد تغلب حرية الأول على الثاني.
من البديهي جدا، أنّ الزمكانية -إن صح الاصطلاح- معيار يؤثر لا محال على تحديد الأسعار، ذلك راجع لعوامل تختلف باختلاف الحالة، بغض النظر عن الطلب من عدمه. بصيغة أخرى، فعرض الأشياء في غير معرض حاجتها، قد يجعلها تقيم بأبخس الأثمان؛ في المقابل، إذا عرضت في معرض حاجتها، فقد تقيم بأثمن الأثمان، بل وعرضها في معرض مألوف بصاروخية الأسعار أو دُنُـوِّهَـا، يجعلها تقيم بثمن قد لا يقبله لا المنطق ولا العقل.
سواء ذا أم ذاك، فكليهما يعتبران من النظام العام L’ordre public الذي يحتكم أو يستند عليه تحديد الأسعار، لذلك يصعب جدا، إعادة السعر إلى مستواه الحقيقي بشكل طبيعي، اللهم، إذ حصل تدخل بشأنه، فحينئذ، قد يتحرك السعر ارتفاعا وإلا فانخفاضا، ولربما اعتدالا، فبحسب المراد من التدخل.
بالإضافة إلى ذلك، فبالرجوع إلى قانون حرية الأسعار والمنافسة، وبالضبط إلى الفقرة الأولى من المادة الثانية منه، يستنبط أنّ الأصل في تحديد الأسعار واتخاذها، يرجع بالأساس، إلى مبدأ المنافسة الحرة Le principe de la libre concurrence، وليس هنالك ما يضاهي أو يعلو هذا المبدأ، ما عدا التنصيص بمقتضى نص خاص، على ما يقضي بخلاف المبدأ؛ إذ التنصيص بنص خاص، على تحديد سعر معين، لمنتوج ما، يعد حينئذ، استثناء من الأصل.
لا يخفى أنّ مبدأ المنافسة الحرة، لم ينص عليه قانون حرية الأسعار والمنافسة وحده دون باقي القوانين الأخرى، بل نص عليه أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ألا وهو دستور المملكة المغربية لسنة 2011، بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 35 منه، كما نص عليه أيضا، القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، بمقتضى المادة الثانية منه؛ حيث ربطت المنافسة الحرة Jeu de la libre concurrence بالشفافية La Transparence: أي أنّ المنافسة تمارس بشكل حر، لكن في إطار تملئه وتسوده الشفافية.
تبعا لذلك، فإن تحديد الأسعار يكون بالاستناد إلى مبدأ المنافسة الحرة، فيما يتعلق بأعمال الإنتاج La production أو التوزيع La distribution أو الخدمات Les services، فالمنتج أو الموزع أو الخادم، كلهم يحددون أسعار منتجاتهم أو ما يوزعونه أو خدماتهم، وفقا وبناء على إرادتهم المحضة، إلى جانب إرادة الطرف الآخر المتعامل معه.
لا يحق لباقي المنتجين أو الموزعين أو الخادمين، سواء فيما بينهم أم فيما بين بعضهم البعض، أن يتدخلوا فيما يجريه كل منهم من معاملات أو عمليات تتعلق بالموضوع محل المنافسة، إذ الإقدام على ذلك، هو دحض مباشر لمبدأ حرية المنافسة، هذا من جهة؛ ثم من جهة أخرى، فالمنافسة الحرة تقتضي استحضار الشفافية، حتى تخضع الممارسات التنافسية، لقواعد وضوابط النزاهة والعدالة.
بل أكثر من ذلك، فالمنافسة الحرة والنزيهة، تستلزم بيئة تنافسية عادلة يسودها قدر عال من الشفافية، خالية من الشبهات ونصب المكامن بين مختلف المنافسين، إذ ينشط كل من داخل موقعه وفي مجال نشاطه، دون أية ممارسات شنيعة أو دسيسة، وسبيل تحقق ذلك، هو الإفصاح عن المعلومات والأسعار وبيان مختلف الأطوار والمراحل التي تمر منها وعبرها عمليتي الانتاج والتوزيع وكذا تقديم الخدمات.
ثانيا: الــمـســتــــثــــــنـــى عــــــــن الأصـــــــــــــــــــــــل
بالرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة الثانية من قانون حرية الأسعار والمنافسة، يلاحظ، أنه قبل أن تشير إلى الأصل، قد أشارت إلى الاستثناء، وذلك بعبارة "باستثناء الحالات الخاصة التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك"، بمعنى: أنه قد يحدث أن ينص القانون في حالة معينة، بتحديد منتوج أو خدمة أو سلعة معينة وكذا سعرها، ولا تخضع في الحالة هاته، للأصل الذي تحدد فيه الأسعار عن طريق المنافسة الحرة.
في المقابل، يستشف من الفقرتين الثانية ثم الأخيرة من المادة الثانية من قانون حرية الأسعار والمنافسة، أنّ الاستثناء من الأصل، يتجلى في تحديد قائمة المنتجات والسلع والخدمات بمقتضى نص تنظيمي، أي: من لدن السلطة التي خول لها القانون ذلك، ونفس المقتضى يسري على تحديد الأسعار.
إضافة إلى ذلك، فمدلول النص التنظيمي، الذي أشارته له المادة الثانية المذكورة، يرجع بشأنه، إلى ما نصت عليه المادة الأولى من المرسوم التطبيقي لقانون حرية الأسعار والمنافسة؛ إذ يقصد به قرارين:
- فأمّا أحدهما: فهو الذي يصدر عن السيد رئيس الحكومة أو من فوض له هذا الأخير، بعد استشارة مجلس المنافسة Consultation du Conseil de la concurrence واستطلاع رأي لجنة الأسعار المشتركة بين الوزارات Sollicitation de l’avis de la Commission interministérielle des prix ، وهذا يتعلق بالقائمة، أما بالنسبة للأسعار، فيسري عليها نفس المقتضى، غير أنه لا يستشار في ذلك مجلس المنافسة بل يكتفى فقط، برأي لجنة الأسعار المشتركة؛
- وأمّا الآخر: فيتعلق حصرا بالأسعار دون القائمة؛ إذ هاته الأخيرة محددة سلفا بقرار لرئيس الحكومة أو المفوض له، ويصدر قرار تحديد السعر من السيد عامل العمالة أو الإقليم بعد استشارة اللجنة الإقليمية للأسعار La Commission provinciale et préfectorale des prix التي يترأسها السيد العامل، وتضم في عضويتها باقي رؤساء المصالح الخارجية للقطاعات المعنية، ويرجع تحديد السعر بقرار للسيد العامل، بالنسبة لنوعية المنتوجات أو السلع أو الخدمات التي تكتسي طابعا محليا Caractère local.
نتيجة لذا وذاك، فالقائمة المحددة بقرار، لنوعية المنتجات والسلع والخدمات وكذا لأسعارها، من لدن السيد رئيس الحكومة أو المفوض له من هذا الأخير، لا تخضع قطعا، لمبدأ المنافسة الحرة، بخصوص النوعية التي حددتها وأسعارها، بل تخضع لما هو مسطر عليه في القائمة بحد ذاتها؛ ونفس المقتضى يسري أيضا على قرار السيد عامل العمالة أو الإقليم، بشأن أسعار بعض المنتجات أو السلع أو الخدمات ذات الطبيعة المحلية.
علاوة على ذلك، فبالاستناد إلى المادة الثالثة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، يلاحظ بأنها قد قيدت تنظيم الأسعار: أي تحديدها؛ فيما يتعلق بالقطاعات أو المناطق الجغرافية ذات المنافسة بأسعار محدودة، بسبب من الأسباب، وذلك عن طريق الإدارة بعد استشارة مجلس المنافسة.
بالاطلاع على المادة الثانية من المرسوم التطبيقي لنفس القانون، فالمقصد من الإدارة، هو القرار الذي يصدر عن السيد رئيس الحكومة -وإلا فعن المفوض له من هذا الأخير- بعد استشارة مجلس المنافسة واستطلاع رأي لجنة لأسعار المشتركة بين الوزارات المعنية.
يرجع سبب هذا الاستثناء الذي خرج عن الأصل، إلى الخطورة التي يشكلها على النظام العام، الذي يضبط السعرية والتنافسية؛ إذ السعر أو المنافسة، قد يخضعان لممارسات استغلالية منافية ولا أخلاقية، وقد حددت المادة الثالثة من قانون حرية الأسعار والمنافسة حالات هذا الاستثناء، والتي تتجسد فيما يلي:
- الاحتكار القانوني Le Monopole de droit: يظهر هذا السبب في الحالات التي يفوض أو يمنح فيها لشخصية معنوية معينة، إنتاج منتجات أو توزيع سلع أو تقديم خدمات، فتكون هي وحدها من لها الصلاحية في ذلك، ولا يكون لها نظير أو منافس ينافسها، حتى يخضع السعر لمبدأ حرية الأسعار والمنافسة، تبعا لذك، يتدخل حينئذ لضبط الأسعار، السيد رئيس الحكومة أو من فوض له هذا الأخير، وإلا فالسيد عامل العمالة أو الإقليم؛
- دعم الإدارة لبعض القطاعات أو المواد عند الإنتاج أو التسويق: يتجلى هذا السبب في الحالات التي يحصل فيها بعض الأشخاص سواء المعنوية أم الذاتية، على دعم مادي أو معنوي أو هما معا، فتتمتع في الحالة هاته، بمرونة تنافسية قوية، فيتدخل حينئذ، المشار لهما سلفا، لضبط الأسعار؛
- صعوبة دائمة في التموين La difficultés durables d’approvisionnement: يتمثل هذا السبب في الحالات التي يحدث فيها خلل أو صعوبات أو إشكالات في توفير المنتجات أو السلع أو الخدمات، فيكون مآل ذلك لا محال، تغيير في الأسعار بشكل قد لا يتوقع، فحينئذ، يقتضي الحال، ضبط الأسعار من خلال تدخل أحد السادة المشار لهما سابقا، بحسب الاختصاص؛
- أحكام تشريعية أو تنظيمية Dispositions législatives ou réglementaires: يتمظهر هذا السبب في الحالات التي يكون فيها نص قانوني أو تنظيمي جاري به العمل، فيستغل استغلالا يتناف مع قواعد المنافسة الحرة الشريفة؛ والمقصد من ذلك، تلك الثغرات القانونية أو التنظيمية، لذلك يقتضي الحال، التدخل من لدن أحد الثلاثة المشار لهما مسبقا -كل في اختصاص- لضبط الأسعار.
فضلا عن ذلك، فهنالك استثناء يخرج ليس فقط عن الأصل، بل يخرج بدوره عن الاستثناء، ويمكن اعتباره استثناء يرتبط بالطوارئ إن صح التعبير، فبالاستناد إلى المادة الرابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، قد نصت على مكنة تحديد الأسعار كتدبير مؤقت Mesures temporaires في حالة الارتفاع أو الانخفاض الفاحش للأسعار، في الحالة هاته، يبقى الإجراء لمدة لا تتعدى ستة (6) أشهر، مع قابليتها للتجديد مرة واحدة، لتصبح بذلك أقصى أجل قد يعمرها هذا الإجراء، هي اثنتي عشر (12) شهرا.
هذا الاستثناء الذي صُـنِّـف ضمنا الطوارئ، يتمظهر في ثلاث حالات: وهي الظروف الاستثنائية Les circonstances exceptionnelles؛ والكوارث العامة Les calamités publiques؛ ثم الوضعيات غير العادية Les situations manifestement anormales. إذ كلها حالات يتخذ بشأنها تدابير مؤقتة ضد الارتفاع أو الانخفاض الفاحش للأسعار، إعمالا بالمادة الرابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة.
كل هاته التدابير، تتخذ من لدن السيد رئيس الحكومة وإلاّ فمن لدن المفوض له من هذا الأخير، على شكل قرار يتخذ بعد استشارة مجلس المنافسة واستطلاع رأي لجنة الأسعار المشتركة بين الوزارات، طبقا للفقرة الأولى من المادة الثالثة من المرسوم التطبيقي لنفس القانون.
علاوة على ذلك، فقبل اتخاذ هذا القرار، يمكن تكليف باحثين وأعوان من هيئة مراقبي الأسعار، قصد إعداد دراسات وأبحاث تتعلق بالعناصر التي يرتكز عليها تحديد الأسعار، إعمالا بالفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من المرسوم التطبيقي لقانون حرية الأسعار والمنافسة، التي تحيل على أحكام الفقرتين الثانية ثم الأخيرة من المادة الثانية من نفس المرسوم.
ثالثا: شبهة التداخل بين الأصل والاستثناء
إنّ إثارة مسائل الشبهة ليس فعل اعتباطي، بل هو نتيجة حتمية لصعوبة في قراءة وفهم النص القانوني أو التنظيمي؛ إذ غالبا ما يفهم من النص غير المقصد الذي وجد لأجله، فيستتبعه لا محال، تطبيقات وممارسات خاطئة، قد ينشأ عليها بدورها، صعوبات واقعية وعملية وسط ميدان الأسعار والمنافسة، ولعل خير تمثيل لذلك: ما جاء سابقا، بخصوص الأحكام التشريعية أو التنظيمية، كسبب يقتضي التدخل بموجب قرار لتحديد الأسعار.
على رأس هاته الشبهات، ما جاء في مضمون المادة الثانية من قانون حرية الأسعار والمنافسة، التي حددت الأصل والاستثناء؛ إذ الأسعار تحدد في الأصل وفقا للمنافسة الحرة، وفي الاستثناء وفقا للقانون أو للنص التنظيمي.
بصيغة أكثر تدقيقا، بشأن الاستثناء، فالفقرة الأولى من المادة الثانية، قد نصت على أنّ الاستثناء يكون بموجب القانون، وفي الفقرة الثانية وكذا الأخيرة من نفس المادة حددت وجوده بموجب نص تنظيمي: أي أنه ينحصر بين القانون والنص التنظيمي؛ وهذا فيه نوع من التخبط على مستوى الصياغة التشريعية؛ إذ الحال، أنّ تحديد قائمة المنتجات والسلع والخدمات وكذا أسعارها، لا يكون إلا بنص تنظيمي، ذلك إمّا بموجب مرسوم وإلاّ فبمقتضى قرار.
أيضا المادة الثالثة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، فيما يتعلق بالاستثناء الذي يخرج عن الأصل، حيث نصت بمصطلح الإدارة L’administration على مستويين: أحدهما يتعلق بالسبب الموجب لتحديد السعر؛ والآخر بالسلطة المختصة بتحديد السعر. تبعا لذلك، قد يتساءل القارئ غير المتخصص: ما المقصود من الإدارة بشأن المستوى الثاني؟ فالمادة لم تحدد ذلك، قطعا. والتساؤل بحد ذاته أيضا، قد يطرح بشأن المادة الرابعة من نفس القانون.
إجابة على ذلك: فبربط فحوى المادة المشار لها مع المرسوم التطبيقي للقانون المشار له، وبالضبط المادة الثانية منه، فيما يتعلق بالمستوى الأخير: أي السلطة المختصة بتحديد السعر؛ يفهم أنّ المقصد من الإدارة هي رئاسة الحكومة: أي القرار الذي يصدر إمّا عن السيد رئيس الحكومة؛ وإلاّ فمن المفوض له من هذا الأخير. وهذا خلل يشوب الصياغة التشريعية للمادة الثانية من القانون المشار له، فليس كل قارئ للنص القانوني، قد يعلم بوجود مرسوم تطبيقي من عدمه، وليس كل قارئ قد يتمكن من استنباط المعنى وفهمه.
لذلك، لربما كان يقتضي الحال، افتتاح قانون حرية الأسعار والمنافسة بمادة تحتوي على المفاهيم الأساسية المستعملة فيه، حتى يتسنى للقارئ، أن يفهم المعنى السليم على الأقل، ويفك الخيوط المتشابكة لديه ويجعلها ناظمة؛ أمّا فهم المغزى العميق للنص التشريعي، فذلك بعيد إلا حدّ ما؛ إذ يعد فتحا من الفتوحات التي يفتح بها على القارئ بعد أن تتراكم لديه مجموعة من المدارك والمعارف بشأن الموضوع.
استرسالا في الشبهات التي طالت الجانب القانوني لحرية الأسعار، يستنبط أخرى واردة ضمن فحوى المادة الرابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، إذ المادة جاءت بمصطلحات دقيقة جدا، ولكن لم تبين المقصد منها، من ذلك: الارتفاع والانخفاض الفاحش في الأسعار La hausse et la baisse excessive des prix ؛ فمتى يمكن إدخال الارتفاع والانخفاض ضمن السعر الفاحش من عدمه؟
غير خاف، أنه من يعتقد باعتدالية السعر Le prix raisonnable نوعا ما، لمنتوج معين داخل الأسواق، نظرا لطبقته الاجتماعية المصنفة ضمن الأغنياء، فقد يراه نظيره المصنف ضمن الطبقة العاملة، بكونه سعرا مبالغا فيه على حد كبير، والعكس صحيح أيضا. تبعا لذلك، فالتحديد المفاهيمي هو وحده من يستطيع حسم الجدل في هذا النقاش، بغض النظر عن الطبقية أو غيرها من العوامل الأخرى، التي قد تؤثر في المفهوم الدقيق للسعر بكونه فاحشا من عدمه.
أبعد من ذلك، فنفس المادة: أي المادة الرابعة؛ قد نصت على أسباب يعلل بها اتخاذ التدابير المؤقتة Les mesures provisoires للحد من السعر الفاحش ذلك بكونه منخفضا أم مرتفعا، والتي تتجسد كما جاء سلفا: في الظروف الاستثنائية؛ والكوارث العامة؛ ثم الأوضاع غير العادية. ولم تبين المقصد من هاته الأسباب الثلاث، التي يعلل بها اتخاذ التدبير المؤقت، فحتى المرسوم التطبيقي لنفس القانون، لم ينص على تعريف لها أو على حالات محصورة محددة لها على الأقل.
نتيجة لكل ذلك، يحدث نوعا من التخبط بين اعتبار الحالة هي استثناء أم أصل: فلا يتسنى تركها على حالتها، لتخضع بذلك، لمبدأ حرية الأسعار والمنافسة، ولا وجوبية إخضاعها لمسطرة اتخاذ قرار بشأنها، سواء على مستوى تحديدها بعينها أم على مستوى تحديد سعرها، إذ الفرق شتان بين ذا وذاك، يفصل بينهما خط رقيق سميك، تسير وتجول عليه حرية قد تكبل يديها بين الفينة والأخرى.
الفقرة الثانية: الـمـمارسات الـمنافية لمبدأ حرية الأسعار والـمنافسة
غير خاف أن هوسي جلب الزبناء وتحقيق الربح السريع، هو غاية كل منافس؛ في المقابل، ضالة المستهلك هو أنسب ثمن مع أجود بضاعة. تبعا لذا وذاك، كان ولا بد من وجود إطار قانوني يضبط هذين المقتضيين، تبعا له، سينصب الاهتمام على البحث في الممارسات المنافية ذات الصلتي بالاتفاق (أولا)؛ والعرض (ثانيا)؛ ثم البحث عن شبهة الأخذ بالحظر من عدمه (ثالثا).
أولا: الممارسات المنافية ذات الصلة بالاتفاق
عند الحديث عن الاتفاق بكونه منصب على الامتراس الذي يتنافى مع السير الحقيقي للأسعار والمنافسة، سواء أكانا خاضعين للأصل أم للاستثناء -المشار لهما سابقا- يذهب المنطق نحو وجود إرادة تداعب المناطق الحساسة المتحكمة في كل من السعر والمنافسة، لذلك، كان يقتضي الحال، وجود ضوابط قانونية تكبح جماحهما، كي لا يخلط الباطل بالحق أو العكس.
بالاستناد إلى المادة السادسة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، يلاحظ بأن هنالك مجموعة من الأفعال المصنفة ضمن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة Pratiques anticoncurrentielles ، بغض النظر عن شكلها أو سببها، متى ترتب عليها أو كان الغرض منها عرقلة أو حد أو تحريف سير المنافسة، وتتجلى أساسا فيما يلي:
- الأعمال المدبرة les actions concertées: يراد بها ما يفتعل ويحدث عن طريق التخطيط والتدبير قصد التلاعب في تكوين الأسعار وسير المنافسة، سواء بالنسبة للسير العادي أم المنظم بقرار، من ذلك مثلا: خفض تواجد منتوج معين داخل الأسواق عن طريق تخزينه، بهدف إنقاص العرض، وبغاية رفع الثمن؛
- الاتفاقيات Les conventions: يقصد بها ما يتعهد ويلتزم به مجموعة من الأطراف فيما بينهم، بغيت التلاعب في تكوين الأسعار وسير المنافسة، ويعمل بها على المستوى الدولي، خاصة فيما يتعلق بالتوريد؛
- الاتفاقات Les ententes: يعنى بها ما يلتزم به طرفين أو أكثر، بغرض خدش التكوين والسير الطبيعيين للأسعار والمنافسة، ويعمل بها على المستوى الوطني، خاصة فيما يتعلق بالوفرة من عدمها داخل الأسواق، للمنتجات والسلع وكذا الخدمات؛
- التحالفات Les coalitions: فإما أن تكون صريحة Expresse وإلا فضمنية Tacite، ويفهم من كليها ما يتحد ويجتمع له من لدن مختلف الأطراف، بغض النظر عن صفتهم، إذ الذي يجمعهم هدف واحد مشترك، وهو امتراس ما قد يؤثر في التكوين والسير العاديين للأسعار والمنافسة. وهذا الفعل، يعد من أخطر وأبشع ما قد يمارس للتلاعب في السعر أو المنافسة، إذ قد يصل بنظرائهم المتحالف عليهم، بالإفلاس أو الخروج من سوق المنافسة، ناهيك عن الاستغلال الذي يطال المستهلك Le Consommateur.
رغم أن المادة السادسة المشار لها، قد نصت صراحة على صرف النظر عن الشكل أو السبب اللذين يسلكا كسبيلين للتلاعب في السير الطبيعي للمنافسة، عند الإتيان بعمل مدبر أو اتفاقية أو اتفاق أو تحالف؛ فإنه في المقابل، لا ينبغي إغفال الشرطين اللذين قيدا تحقق صفة الامتراس المتنافي مع قواعد المنافسة من عدمه.
بصيغة أكثر تفصيل، فبغياب الشرطين: يفهم منه أن كل من العمل والاتفاقية والاتفاق ثم التحالف، ليسوا في دائرة الحظر، بل في دائرة المباح إتيانه. ويتمثل أحد الشرطين: في اتجاه الفعل نحو غرض العرقلة أو التحريف أو الحد من المنافسة؛ بينما يتمثل الآخر: في تحقق هاته الثلاث الأخيرة، كنتيجة مترتبة عن الأفعال المشار لها، بغض النظر عن اتجاه الغرض نحوها من عدمه.
ذلك من جهة؛ ثم من جهة أخرى، فهاته الأفعال المشار لها: أي الأعمال المدبرة والاتفاقيات والاتفاقات ثم التحالفات؛ قد حددت المادة السادسة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، بعض الأهداف الأساسية التي قد يتجه نحوها من خلال افتعالها، باعتبارها امتراس يتنافى مع تكوين الأسعار وسير والمنافسة، وتتجسد فيما يلي:
- الحد من دخول السوق Limiter l'accès au marché: بصرف النظر عن الكيفية أو الأسلوب، اللذين يسلكا بغرض التلاعب في الأسعار أو المنافسة، بل وبمجرد التمهيد فقط -ولا داع للوصول إلى تحقق النتيجة من عدمه- بأحد الأفعال المشار لها سلفا أو بغيرها، يعد ذلك حينئذ، امتراس من شأنه احتكار الأسواق وقفل الأبواب في وجه باقي المنافسين، وهذا يتنافى مع ضوابط الأسعار والمنافسة؛
- الحد من الممارسة الحرة للمنافسة Limiter le libre exercice de la concurrence: أي تكبيل يدي المنشآت الأخرى التي تتنافس إلى جانبها، عن طريق التلاعب بالسير العادي أو الطبيعي لحرية المنافسة، حتى يتسنى إبعادها من وسط الميدان التنافسي، رغم أنه قد يظل تواجدها داخل الأسواق، لكنه يبقى في الحضيض؛
- عرقلة تكوين الأسعار Faire obstacle à la formation des prix: أي دغدغة المناطق الحساسة التي يتأتى منها تكوين الأسعار، وذلك بالتلاعب فيها قصد افتعال ارتفاعها أو انخفاضها، بصرف النظر عن الآليات المستعملة لذلك، مادام أنها ترتبط بالآليات الحرة المكونة للأسعار؛
- الحصر أو المراقبة La limiter ou La contrôler: بمجرد الشروع أو الإحداث للحصرية وكذا للرقابة على مسائل الإنتاج أو التوزيع أو الخدمات، بغرض التعدي على حريتي تكوين الأسعار وسير المنافسة، يعد ذلك حينئذ، امتراس يتنافى وضوابط المنافسة؛
- التقسيم Le répartir: بمعنى الاحتكار الموزع إن صح التعبير، حيث إن ما يحدث: هو تقسيم الأسواق Répartition des marchés أو مصادر التموين Les sources d'approvisionnement أو الصفقات العمومية Les marchés publics؛ عن طريق الأعمال المدبرة أو الاتفاقيات أو الاتفاقات أو التحالفات أو بأية أسلوب آخر، بين بعض أو كلّ المنافسين في النطاق الذي تمتد فيه الأسواق.
ثانيا: الممارسات المنافية ذات الصلة بالعرض
من المسلم به، كما جاء سلفا، أنّ من ضمن ما يتحكم به في حركية الأسعار بالانخفاض أو بالارتفاع، هو وفرة العرض من عدمه، بمعنى أن نسبة تواجد المنتوج أو التوزيع أو الخدمة على نطاق امتداد الأسواق، هو الذي يحدد السعر، تبعا لذلك: فندرت العرض مآله ارتفاع الثمن؛ واعتدال العرض مآله تناسب الثمن؛ ثم وفرت العرض مآله انخفاض الثمن.
بالإضافة إلى ذلك، فحتى سعر العرض الذي لا يتوافق مع باقي أسعار العروض التي تتواجد بجانبه، بدوره يشكل خطورة على السير الطبيعي للأسعار، ناهيك عن الحالة التي يلتقي فيها ارتفاع الطلب مع وفرة العرض -وإن كان المستفيد فيها هو المستهلك، فيبقى المتأثر بها سلبا هو المنافس- إذ بخفض الثمن عن الذي يتداول به في الأسواق، يجعل الطلب يتزايد على العرض ذو الثمن المنخفض، وينخفض على العرض ذو الثمن الجاري به العمل في السوق.
لذا وذاك، ولربما للاعتبارات أخرى، يلاحظ بأن المادة الثامنة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، قد حظرت بعض أصناف العروض، ووصفتها بالتعسفية Abusive من حيث تكاليفها الإنتاجية أو التحويلية أو التسويقية، متى كان الغرض منها أو ترتب عليها ما يلي:
- الإقصاء لمنشأة أو لمنتجاتها Élimination d’un établissement ou de ses produits: يراد بذلك، إزالة المنشأة أو أحد منتجاتها من التواجد على امتداد نطاق سوق معينة، وبمعنى مجازي: فلا خيمة تنصب لها، ولا قدم تطأ بها؛
- الحيلولة دون دخول المنشأة أو منتجاتها إلى السوق Empêcher l'établissement ou ses produits d’accéder au marché: يقصد بذلك، الفصل أو الحجز بين المنشأة أو منتجاتها ودخولهما إلى سوق المنافسة أي: المنع؛ وبمعنى مجازي: فلا قدرة على نصب خيمة ولا جهد على وطء قدم.
الفرق بين الإقصاء والحيلولة للمنشأة أو لمنتجاتها، يتجلى في كون الأول (الإقصاء): ينعدم فيه التواجد على مستوى السوق؛ بينما الثاني (الحيلولة): فالتواجد محقق فيه، لكن الذي يعرقل دخوله للسوق، هو عدم القدرة على المنافسة.
أبعد من ذلك، فنظرا لما قد يحدث من التلاعبات الخطيرة، التي تستغل عن طريقها بعض الثغرات، قصد التعدي على التكوين والسير العاديين للأسعار والمنافسة، ونظرا لما يقتضيه النظام العام من حماية لكل من المنافسين والمستهلكين منها، فقد حظرت المادة السابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، قيام منشأة أو مجموعة من المنشآت بالاستغلال التعسفي Exploitation abusive، لما يلي:
- لوضع مهيمن Position dominante: يفهم به تلك الأوضاع النادرة أو الاستثنائية، التي يمس فيها الطلب والعرض، ويخضعان لاضطراب في سيريهما الطبيعي، بما يؤثر على السير الطبيعي للسوق الداخلية، وهذا الوضع هو من ضمن أكثر الأوضاع التي يستغلها المنافس قصد تحقيق الربح والكسب السريعين، وغالبا ما ترتكب فيه أبشع الممارسات، التي يمكن وصفها بغير الأخلاقية؛
- لجزء هام Partie substantielle: يقصد به الاحتكار لجزء معين يشكل قطب الراحة لنطاق امتداد السوق، فتكون حينئذ، (بتعبير مجازي) كالوقود الذي يشتغل به محرك الأسعار والمنافسة؛ ولا يخفى أنّ هذا يؤثر بشكل مباشر وخطير في الجزء الذي يشغله من السوق الداخلية، ناهيك عن مدى تأثيره غير المباشر في باقي الأجزاء منها؛
- لتبعية اقتصادية Dépendance économique: يراد بها تلك الحالة التي يكون فيها الزبون أو الممون، غير قادر على توفير أو إيجاد البديل، لما يحصل عليه من طرف المتعامل معه، وهذا بحد ذاته صور من صور الاحتكار.
رغم المحاولة للإتيان بهذا التفصيل، إلاّ أنه يبقى مجرد اجتهاد لا أكثر، فقد يجانب الخطأ كما قد يقارب الصواب، تبعا لذلك، يبقى التساؤل قائما حول ماذا تقصد المادة السابعة المشار لها من تلك الاصطلاحات: أي ماذا تقصد من الوضع المهيمن؟ وماذا تعني بالجزء الهام؟ بل وماذا يفهم من التبعية الاقتصادية؟
بالرجوع إلى صلب الموضوع، فمن ضمن الصور التي قد يأخذها الاستغلال التعسفي للوضع أو للجزء أو للتبعية المشار لهم سلفا، هنالك ما يلي:
- رفض البيع Refus de vente: أي امتناع البائع (المنشأة) عن بيع الشيء المبيع، ومن ضمن تمظهراته المألوفة: الحالة التي يَـسأل فيها المشتري عن ثمن منتوج معين، تبيعه منشأتين ثِـنـتـيـن، فتمتنع إحداها عن البيع، نظرا لكونه قد ذهب عند الأخرى، ولم يتجه مباشرة من الوهلة الأولى نحوها (الممتنعة) ليشتري منها؛
- بيع مقيد Vente liée: معناه أن يفرض البائع (المنشأة) بعض القيود على المشتري كي يبعه: كأن يقيده بألاّ يبيع في السوق الفلانية، أو ألاّ يشتري من باقي نظرائه المنافسين له، وهذا فيه تقييد مباشر للحرية المشتري؛
- شروط بيع تمييزية Conditions de vente discriminatoires: يتجلى ذلك، عندما يضع البائع شروطا تختلف من مشتر لآخر، بمعنى أن هنالك تفاوت على مستوى الشروط فيما بين المشترين، والتمييز في الحالة هاته، يرجع بالأساس، إلى الخلفيات التي يتأثر بها البائع، ومن تمظهرات هذا التمييز: أن يبيع البائع بثمن مرتفع عوض الثمن المعمول به مع باقي المشترين؛ أو أن يمنح أجلا قصيرة للأداء عوض الآجال الممنوحة للباقي والجاري بها العمل، وهكذا؛
- قطع العلاقات التجارية الثابتة Rupture des relations commerciales fixes: تتجسد هاته، عندما يقطع البائع علاقته التجارية الثابتة مع المشتري، ذلك، فقط لكونه قد رفض هذا الأخير، أن يشتري بشروط تجارية لا مبرر لها، ومثاله: أن يشترط البائع على المشتري تحمل مصاريف نقل المنتوج، رغم أن ما جرت به العادة في التعامل بينهما، أنها تنقل بتحمل من البائع وليس المشتري.
جميل أن يفتح قوس ويغلق بهاته المناسبة، ليُـتساءل فيه، هل فعلا قطع علاقة تجارية ثابتة لمجرد رفض الخضوع لشروط مفروضة، يستحق أن يعتبر تعسفا كما نصت عليه المادة؛ أم أنه يقتضي الحال، إرادة حرة لها أن تتاجر ما تشاء ومع من تشاء وكيف تشاء؟ طبعا، مع احترام النظام العام الذي يضبط ذلك. كلها تبقى تساؤلات مطروحة، تقتضي تدخلا تشريعيا للفصل بشأنها؛
- فرض حد أدنى للسعر Imposer un prix minimal: تتمظهر الصورة هاته، في الحالة التي يشتري فيها المشتري منتوجا من البائع، فيفرض عليه هذا الأخير حد أدنى من المتآلف عليه، إذا ما أراد أن يعيد بيع المنتوج أو السلعة أو أن يعيد تقديم الخدمة: أي أنه يقيده في الهامش الربحي La marge bénéficiaire، الذي يمكن أن يتحصل عليه من إعادة البيع أو تقديم الخدمة.
ثالثا: شـبــهـــة الأخــــذ بالـحـــظــــــر مــن عـدمـــــه
مما لا ريب فيه، أن وجود إطار قانوني ينظم الأسعار والمنافسة على امتداد نطاق الأسواق، شيء يخدم لا محال، المصلحة العامة بالأساس، ثم المصلحة الخاصة للأطراف بعدها.
بصيغة أخرى، فهو يضبط ويحدد النظام العام الذي تتكون وتسير في إطاره كل من الأسعار والمنافسة، حتى لا تأكل أموال الناس بالباطل، ولا يستغل فيها لا البائع ولا المشتري ولا كل منهما فيما بينهم، بل ليوضعون على كفة متوازنة تقابل بعضها البعض، كي تمكنهم من أخذ حقوقهم؛ في مقابل تنفيذ التزاماتهم بما يتناسب ولا يتناقض أو يتعارض.
لكن، ورغم ذلك كله، يصعب جدا تحقيق هذا المبتغى والمرتجى، فالخلل قد لا يكون في النص القانوني أو التنظيمي بحد ذاته، بل قد يكون وأحيانا، في التنزيل الفعلي بعينه، إذ ورغم تنصيصيهما على الحظر والمنع لأفعال معينة، وتصنيفها ضمن الامتراس المتنافي مع قواعد وضوابط تكوين الأسعار وسير المنافسة، إلاّ أنه قد لا تتحقق النتيجة من هذا الحظر والمنع، بل وأحيانا، قد لا يأخذ بالنص أصلا، بغض النظر عن مدى وضوحه وصراحته من عدمهما.
تعليل ذلك، يرجع إلى عدة شبهات قد تثار بحسب الحالة أو الوضعية، فمن ضمن ذلك مثلا: تداخل المصطلحات المعتمدة في الصياغة اللغوية أو النحوية للنص؛ بالإضافة إلى غياب تحديد مفاهيم دقيقة تجرد النص من الجهالة والغموض؛ وناهيك عن الاطلاق العام لبعض الأوصاف والمفاهيم من غير إيضاح لمعانيها ومقاصدها.
ذلك من جهة؛ ثم من جهة أخرى، فحتى الإتيان بالاستثناء من شيء يرتبط ارتباطا أصيلا بالنظام العام، قد يكون له دور يؤثر بشكل سلبي لا إيجابي. نتيجة لذا أو ذاك، تستغل هاته الشبهات فترتكب عن طريقها أبشع الممارسات. أبعد من ذلك، فالسبب المباشر وراء سقوط النظام العام، يتأتى من الاستثناء الذي يحدث له، فبمجرد تآلف الناس مع الاستثناء، يعتبرونه حينئذ ضمنيا، أنه عادة، وبمرور الزمان وتآكله عليه، يصبح شيئا عاديا ألفه الناس ودأبوا عليه، فضلا عن اعتدادهم به.
على رأس هاته الشبهات، الاستثناء الذي نصت عليه المادة التاسعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، وأكدته الفقرة الأولى من المادة السادسة من المرسوم التطبيقي لنفس القانون؛ إذ خولتا إمكانية ارتكاب الأفعال المنصوص عليه في المادتين السادسة والسابعة من نفس القانون، دون أن تعتبر من الممارسات التي تتنافى مع قواعد وضوابط المنافسة.
مردّ ذلك، كما بررته المادة التاسعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، هو المساهمة في التقدم الاقتصادي أو التقني أوهما معا، بالإضافة إلى تحسين سير المنشآت الصغرى والمتوسطة وكذا تسويق الفلاحين لمنتوجاتهم، كما ببرته أيضا، بكونها ذات أهمية أدنى لا تعرقل المنافسة بشكل ملموس. وهاته المبررات الثلاث، لا يشترط فيها أن تجتمع كلها لتحقق عدم التنافي لما هو متناف في الأصل، بل يكفي توفر إحداها، ليحصل التسليم بعدم التنافي مع قواعد وضوابط المنافسة.
المبررات هاته، لما نصت عليها المادة السادسة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، لم تفصل فيها بشكل يوضحها أكثر، حتى يتسنى ألا يحصل التداخل بين المحظور والمباح، فمثلا: المبرر المتعلق بالمساهمة في التقدم الاقتصادي أو التقني أو كلاهما معا La contribution au progrès économique ou technique, ou aux deux à la fois ، يطرح تساؤلا يرتبط بشأن وجود المساهمة من عدمه، فضلا عن المعيار الذي يمكن أن تقاس به درجة أو نسبة المساهمة.
أيضا، المبرر الثاني المتعلق بتحسين سير المنشآت الصغرى والمتوسطة أو تسويق الفلاحين لمنتوجاتهم، يطرح نفس التساؤل، الذي يتجلى فيما مدى وجود هدف التحسين من عدمه؟ وما المعيار الذي يقاس به هذا التحسين؟ فضلا عن ذلك، فارتكاب فعل يتنافى من حيث أصله مع قواعد وضوابط المنافسة، بهذا الهدف، هل فعلا يستحق ذلك أم لا؟
أما المبرر الأخير، المرتبط بالاتفاقات ذات الأهمية الدنيا التي لا تعرقل المنافسة بشكل ملموس، فيمكن وصفه، بأخطر الثغرات، تعليل ذلك، يرجع إلى تنصيص الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، على أنه يحدد بنص تنظيمي "المعيار الذي يقاس به ما لا يعد إخلالا ملموسا بالمنافسة" وبالرجوع إلى المرسوم التطبيقي لهذا القانون، يلاحظ بأن المادة السابعة منه، قد أشارت فقط إلى أن المعايير تحدد بقرار، من غير أن تنص عليها بحد ذاتها، وإلى هذا الحين، لم يصدر بعد هذا القرار الذي يحدد المعايير التي تقاس بها عرقلة المنافسة من عدمه.
من زاوية أخرى، فرغم أن المادة العاشرة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، قد نصت على البطلان بقوة القانون، لكل التزام أو اتفاقية أو بند تعاقدي، يرتبط بالممارسات المحظورة بموجب المادتين السادسة والسابعة من نفس القانون -وهذا يعد مما يحدد النظام العام في سير الأسعار والمنافسة- إلا أنه قد يعتبر هذا المقتضى فارغ من محتواه، فيكفي استحضار أحد التبريرات المشار لها سلفا أو نفي وجودها، ليصبح المحظور مباحا، والمباح محظورا.
خـــاتــــمـــة
استنادا إلى ما سبق ذكره من عناصر، وتأسيسا عليه، يتضح أنه ورغم التنصيص القانوني على ضبط حرية الأسعار والمنافسة، من خلال التقعيد التشريعي لها، إلاّ أنه لم يف بالغرض، بل لا زال الواقع، يعاني من تفاقم الأسعار، وتضارب المصالح، ناهيك عن رداءة الجودة.
ذلك من جهة؛ ومن جهة أخرى، فليس هناك لا حرية تخضع لها الأسعار والمنافسة، ولا تقييدا لها يحد من الإجحاف الذي قد يمارسه المنافسين، بل والمحتكرين بالأولى، إذ من خلال ما قد سبق نقده في معرض البيان، يتضح وبجلاء، الشبهة التي طالت النصوص القانونية محل الدراسة وهي بصدد التقعيد والضبط لتكوين الأسعار وسير المنافسة.
تعليل ذلك، يأتي من خلال استقراء مختلف التقارير السنوية الصادرة عن الجهات الرسمية، على رأسها تقرير مجلس المنافسة لسنة 2023، فقد أشار إلى أن الاقتصاد المتقدم والناشئ يواجه تحديات بارزة، سواء على المدى القصير أم البعيد، وناهيك عن هذا الأخير الذي قد لا تظهر آثاره في الحين، بالإضافة إلى ذلك، فالذي يساهم في تنمية الاقتصاد، هو تعزيز المنافسة العادلة في الأسواق، وهذا طبعا، ما لا يمكن تحقيقه في ظل التنظيم القانوني الحالي.
علاوة على ذلك، فحتى الإفلاس الذي تؤول إليه مختلف المشاريع الاستثمارية، يكون نتيجة للشبهة، سواء تلك المشار لها فيما يخص الأصل من الاستثناء، أم تلك المتعلقة بالحظر من عدمه للممارسات المنافية لقواعد الأسعار والمنافسة. وضالة ذلك، هو ما جاء في التقرير السنوي 2023 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حيث أشار إلى أنه من ضمن العوامل المسببة في ارتفاع حالات إفلاس المقاولات بالمغرب، هو المستوى المرتفع لأسعار المواد الطاقية، الذي يثقل كاهل المقاولات ويؤثر فيه سلبا من حيث قدرته التنافسية.
بعد كل ذلك، لا يبقى إلا النداء، بضرورة التدخل التشريعي لتعديل هاته الشبهات وسد الخلل الذي يعتري الجانبين القانوني والتنظيمي، والسهر الحقيقي على التنزيل الفعلي لما هو مسطر عليه من مقتضيات تشريعية وتنظيمية؛ فقطع عنق الصقر أرحم وأرأف به من حرمانه حريته بعد بتر جناحيه.



الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
الأسعار والمنافسة: سـؤال الحرية والشـبهة - دراسة فـلسـفية نقـدية -

