Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الأبعاد الفكرية والإستراتيجية لتجميد تركيا للاتفاقية العسكرية مع إسرائيل


     

الباحث الحافظ النويني

ماستر العلوم السياسية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية
سلا



الأبعاد الفكرية والإستراتيجية لتجميد تركيا للاتفاقية العسكرية مع إسرائيل

مقدمة:

تعايش العرب هم والأتراك في ظل الإمبراطورية العثمانية، ومن هنا يترك من نتائجه ذلك التشابك في كثير من المواقف السياسية ومن الإلتقاء على أسس وقيم الحضارة الإسلامية ولاشك أن للموقف المعروف للسلطان عبد الحميد الثاني من موضوع قضية فلسطين دلالات ومعاني عميقة فيما يتصل بهذا الالتقاء على قضية الدفاع عن الإسلام والدفاع عن بنيته، فقد رفض السلطان عبد الحميد الثاني الاستسلام للإغراءات اليهودية بتسهيله لهجرة اليهود إلى فلسطين وبيعه لهم لأراضيها مقابل حل مشاكله المستعصية مع أوروبا حيث قال: ''أن ننسى فكرة السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين''.[1]
من جهة أخرى، كانت تربط تركيا خلال فترة معينة علاقات وثيقة بإسرائيل، لكنها في تدهور مستمر فعلى خلاف عقد التسعينات من القرن الماضي والذي اتسم بنمو متسارع في العلاقات التركية - الإسرائيلية على كافة الأصعدة وخاصة العسكرية منها، شهد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين العددي من الأزمات بين البلدين وصلت لأوجها من نهاية 2008 وصولا إلى تهديد من جانب تركيا بقطع العلاقات نهائيا بين البلدين على خلفية حادث الهجوم الذي شنته إسرائيل على قافلة مساعدات إنسانية –أسطول الحرية- من أجل كسر الحصار الإسرائيلي على غزة، كان من ضمنها باخرة تحمل مواطنين أتراك سقط منهم تسعة قتلى في الهجوم الذي جرى في نهاية شهر مايو 2010.[2]
كل هذه العوامل تراكمت لتجعل تركيا تقوم يوم 02 أيلول 2011 بطرد السفير الإسرائيلي وتجميد جميع الاتفاقيات العسكرية.[3]
من خلال ما تقدم سوف نقوم بتحليل الموقف التركي بتجميده للاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل، خاصة من الجانب الفكري لهذه الموقف، من خلال مقالة بحثه وفقا لهذه التصميم:

الفرع الأول: خلفيات وأبعاد العلاقات التاريخية بين تركيا وإسرائيل
الفرع الثاني: أسباب ومظاهر تحول السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط
الفرع الثالث: تداعيات التحول في السياسة التركية على إسرائيل وخاصة العسكرية

 
الفرع الأول: خلفيات وأبعاد العلاقات التاريخية بين تركيا وإسرائيل

1 علاقة اليهود بتركيا:
تعود علاقة اليهود بتركيا إلى الاعتقاد اليهودي بأن سفينة نوح قد استقرت بعد الطوفان على قمة جبل أرارات في سلسلة جبال طوروس وعلى مقربة من مثلث الحدود الراهنة مع كل من أرمينيا وايران.[4]
وأيضا حدثت الهجرة اليهودية الكبرى الكبيرة باتحاد آسيا الصغرى في عهد الإمبراطورية العثمانية، فلقد أصدر السلطان بايزيد الثاني، خلف محمد الفاتح، دعوة رسمية إلى اليهود للاستقرار في بلاده على اثر حملة الاضطهاد التي تعرضوا لها في اسبانيا والبرتغال العام 1492.[5]
ولم تمنع مشاعر ''اللاسامية'' التي بدأت بعد إعلان دولة إسرائيل من استمرار العلاقات الجيدة بين الجاليات اليهودية والسلطات التركية، والتي تعززت من خلال اعتراف الحكومة التركية المبكرة بدولة إسرائيل مارس 1949، وتوسعت مجالات التعاون بين الدولة العبرية وتركيا إلى أبعد من السياسة والاقتصاد والتعاون العسكري لتشمل مجال العمل السري والإستخباري حيث يذكر بني موريس في كتابه ''حروب إسرائيل السرية'' أن الموساء الإسرائيلي كان يعمل من الأراضي التركية لتسلل إلى المناطق العراقية الكردية من أجل تغذية الشعور الكردي الاستقلالي، لإضعاف النظام العراقي ومنعه من المشاركة في جبهة شرقية بالاشتراك مع سوريا والأردن.[6]

2 تطور العلاقات التركية الإسرائيلية:

توطدت علاقات التعاون بين تركيا وإسرائيل خلال العقدين الماضيين إلى أن بلغت مستوى التحالف السياسي والاستراتيجي والعسكري.
وتعود بداية هذا التحالف بين أنقرة وتل أبيب إلى العام 1958، أي إلى عهد حكومتي عدنان مندريس ودافيد بن غوريون، ولقد رغب هذا الأخير بقوة في إقامة علاقات وثيقة مع تركيا من أجل كسر العزلة الإقليمية التي تشعر بها إسرائيل وقد كانت بحاجة إلى موازنة المقاطعة العربية من خلال الانفتاح على الجوار الأوسع، تركيا، إيران، واثيوبيا.[7]
 وقد ذكرت الباحثة الإسرائيلية عفرا بنغيو في كتاب نشرته بالانجليزية أن إسرائيل قد استخدمت في وثائقها كلمة ''تحالف'' بدلا من ''اتفاقية'' للدلالة على الأهمية التي تعطيها لهذا الاتفاق العسكري السري.
حيث تأتي أهميته من أنه كان الأول لإسرائيل مع أية دولة أخرى، وكان رئيسا الدولتين يلتقيان مرتين في السنة للتنسيق، وأعطيت إسرائيل لهذا الاتفاق مع تركيا اسما مرمزا هو ''ميركافا''.[8]
وأيضا قامت إسرائيل بتقديم مساعدات كبيرة سنة 1999 للمساعدة في عمليات الإغاثة بعد كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب مدينة ازميت، وكان المساعدة الأكبر بين المساعدات الأجنبية التي وصلت إلى تركيا.
واستمرت العلاقة التركية الإسرائيلية جيدة إلى سنة 2002، عند وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بتركيا، حيث بدأت بالتراجع، حينما بدأت العوامل التي كانت جنينية في تسعينات القرن 20 تتحول إلى أرقام ظاهرة في معادلة حسابات السياسة الخارجية التركية، الأمر الذي كان يحتم إعادة بناء هذه السياسة من جديد، بشكل بدا حادا في بعض الاتجاهات خاصة اتجاه إسرائيل.

الفرع الثاني: أسباب ومظاهر تحول السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط

كان لفوز حزب العدالة والتنمية بأكثر ساحقة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في عام 2002 وعام 2007، دور مهم في تحول السياسة الخارجية الإقليمية التركية، من خلال ما منحته له هذه الأكثرية من سيطرة شبه مطلقة على السلطتين التشريعية والتنفيذية.

1-أسباب التحول في السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط:

لا يمكن اختزال أسباب هذا التحول في صعود حزب العدالة والتنمية، رغم أهمية هذا العامل حيث توجد عوامل أخرى نقسمها إلى:

أ-الأسباب الداخلية:

أحد التفسيرات الرئيسية لتحولات السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الخالية، تتعلق بتوجهات حزب العدالة والتنمية ذاته، ورغبته في اضطلاع تركيا بدور بارز في الشرق الأوسط، وذلك في ظل تبدل إدراكات نخبة الحزب لدور تركيا الإقليمي في المنطقة ونمط التهديدات الصادرة عنها، وهي العوامل التي لعبت دورا ملموسا في تحديد طبيعة الشركاء المناسبين.[9]
يضاف إلى ذاك أن حزب العدالة يسعى من خلال ممارسة دور النشر في الشرق الأوسط إلى تعزيز موقفه على الساحة التركية الداخلية وإنعاش شعبيته التي تتراجع بين فترة وأخرى، ذلك تأسيسا من ذلك على أن السياسة الخارجية تتحرك في منطقة تقع خارج الرقابة والسيطرة من قبل المؤسسات الدستورية في تركيا، ومن جانب فإن الحزب يسعى إلى ترسيخ وضعه في المشهد السياسي التركي، وذلك في مواجهة كمال قليجدار زعيم حزب الجمهوري الجديد والذي استطاع خلال فترة وجيزة لرئاسته للحزب في ماي 2010 أن يضاعف من شعبية الحزب لدى المواطنين الأتراك.[10]
وهناك اتجاهات رائجة في الأدبيات التركية أن موقف الرأي العام التركي من إسرائيل لا يعبر عن تحول في المزاج العام التركي حيالها، بفعل سياسات حزب العدالة، بقدر ما يأتي كرد فعل طبيعي للسياسات الإسرائيلية، والتطور الديمقراطي الذي تشهده تركيا، لاسيما بعد ما أدرك الشعب التركي أن مواقفه وآراءه باتت محددا رئيسيا في تشكيل السياسة الخارجية التركية، فوفقا لاستطلاع شهري في تركيا فإن خمس الجمهور التركي يرى في إسرائيل التهديد الأكبر على بلاده، وأن نسبة 63% من الأتراك يوافقون على تجميد العلاقات مع إسرائيل.[11]

ب-الأسباب الخارجية:

لقد كشفت الحرب الأمريكية على العراق، عن تباين مصالح كل من تركيا وإسرائيل، ففي حين تتركز مصالح تركيا في وحدة العراق، فإن المصالح الإسرائيلية تتمثل في ترسيخ استقلالية الحكم الكردي في شمال العراق، ومن المعروف تقليديا أن لدى إسرائيل علاقات وثيقة مع الأحزاب الكردية الرئيسية في شمال العراق، سواء بسبب تركز اليهود العراقيين بهذا الإقليم، أو بسبب العلاقات الاقتصادية مع الأحزاب الكردية في شمال العراق، حيث تنتشر الشركات الإسرائيلية بهذا الإقليم.[12]
كما ترى أنقرة أن الاتفاق الذي توصلت إليه مع إيران بالتعاون البرازيل، والذي يقضي بمبادلة 1200 كلم من اليورانيوم المنخفض التخصيب مع يورانيوم إيراني مرتفع التخصيب،  إنما كان من الممكن –في حالة إقراره من المجتمع الدولي- أن يمثل خطوة في هذا السبيل. ولعل قناعة الأتراك بمدى رفض الإسرائيليين لهذا الاتفاق هو الذي دفع إحسان داعي، من جامعة الشرق الأوسط التقنية (ODTU)، إلى القول بأن  رد الفعل الإسرائيلي إزاء قافلة الحرية والسفن التركية، لا يتعلق وحسب بمحاولة كسر تلك القافلة للحصار المفروض على قطاع غزة، وإنما يتعلق بالأساس بالسياسات التركية إزاء إيران.[13]
وقد زاد من تداعيات ذلك على العلاقات التركية - الإسرائيلية أن أنقرة أصبح لديها قناعة بأن الرهان الشرقي خلال العقود الماضية على العلاقة مع إسرائيل لدعم الموقف التركي في قضيتي مذابح الأرمن، وعضوية الاتحاد الأوربي، لم يكن رهانا في محله، ولم يفض إلى تحقيق أية نتائج ملموسة، فقد فشلت المراهنة التركية على إسرائيل واللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الإجهاض مساعي اللوبي الأرمني بشأن قضية مذابح الأرمن، وذلك بعد تخلي اللوبي الصهيوني عن دعم الموقف التركي في هذه القضية، بما أفضى إلى صدور القرار 202 عن الكونكرس والخاص بإدانة مذابح الأرمن على يد الأتراك.[14]
كما أصبحت تركيا أكثر قناعة بأن إسرائيل لم تكن هي الضمانة الوحيدة لعلاقات قوية مستقرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك أن تركيا لديها من القدرات التي تجعل واشنطن في حاجة دائمة إليها، وذلك في ظل الموقع الجيو-استراتيجي لتركيا،[15] وحاجة واشنطن لدعم أنقرة للسياسات الأمريكية في العراق، فضلا عن دور تركيا الرئيسي داخل قوات حلف شمال الأطلس في العديد من المناطق خاصة أفغانستان، هذا بالإضافة إلى الدور المحتمل الذي يمكن أن تلعبه تركيا لفتح قنوات الحوار بين الولايات المتحدة وكل من إيران وسوريا.

2- مظاهر التحول في السياسة التركية في الرشق الأوسط :

إن سياسات الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات القليلة الخالية، خاصة من حيث الإفراط في استخدام القوة خلال الحرب الإسرائيلية على لبننا عام 2006، والعدوان على غزة عام 2008، وضعت حكومة حزب العدالة والتنمية ذات الجذور الإسلامية والتي تنزع بطبيعتها لتأييد القضايا العربية والإسلامية، وهو الأمر الذي سبب الكثير من التوتر للعلاقات بين البلدين، لاسيما في ظل أنماط التحول التي شهدتها السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة بالشرق الأوسط، والتي يمكن رصدها فيما يلي:

أ-سياسة أكثر استقلالية:

طور أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي ومهندس السياسة الخارجية التركية سياسة خارجية بناء على ''تصور جغرافي'' يضع نهاية لما أسماه ''اغتراب'' دول الجوار التركي.[16]
ويشرح داوود أوغلو في كتابه ''العمق الاستراتيجي'' أن تركيا يجب أن تقف على مسافة واحدة، من كل الدول، ومن كل الفاعلين، وأن تتجنب الدخول في أي تحالفات أو محاور إقليمية، بما يسهم في إنهاء قلق الفاعلين الإقليميين إزاء السياسات التركية. وهي إستراتيجية تركية في إشارة إلى استقلال القرار الوطني التركي، والخروج من الأحلاف التقليدية وقيودها والتزاماتها.[17]
وقد انعكست الإستراتيجية التركية الجديدة، في الموقف التركي من الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، كذلك في الموقف التركي الذي رفض عزل سوريا، وأيضا موقفه من رفض الحصار على قطاع غزة وعلى قطاع حماس، ثم حينما عارضت تركيا فرض الحصار أو استخدام القوة العسكرية لإثناء إيران عن مساعيها بامتلاك سلاح نووي.
وتعكس العوامل السابقة في مضمونها أن ثمة اتجاها جديدا في السياسة الخارجية التركية يترجم واقع القوة النسبية التي باتت تتمتع بها تركيا، سواء من حيث قوة اقتصادها أو من حيث رؤيتها لمكانتها على الساحة الإقليمية، أو الدولية كدولة قائد يمكنها من انتقادات واتهامات للدول التي لا تتوافق سياساتها مع السياسة الخارجية التركية.
ولعل ذلك يفسر النمط التصاعدي للانتقادات التركية لإسرائيل، وذلك بالتوافق مع تزايد النفوذ التركي بمنطقة الشرق الأوسط.
 
ب-تركيا كوسيط إقليمي:

اتسمت السياسة الخارجية التركية خلال السنوات القليلة، الماضية بنهج تصالحي مع كافة دول الجوار، من خلال السعي لإحلال السلام وإنهاء الصراعات في البنيات الإقليمية المحيطة بتركيا، هذه الإستراتيجية أسهمت في تحسين علاقات تركيا مع الدول المجاورة لها، وكذا الكثير من دول العالم، كما ساعدت في تهيئة تركيا لاستضافة قمم عالمية للمنظمات الدولية، مثل قمة منتدى المياه العالمي، وقمة البلدان الأقل نموا، وقمة رابطة دول الكاريبي، وأيضا قمة المؤتمر الإسلامي.
ومن الأمثلة البارزة أيضا في هذا المجال، توسط تركيا بين جورجيا وروسيا، واحتواءها لأزمة محتملة بين روسيا والناتو في البحر الأسود، وسعت لإنهاء مشكلة قضية قبرص مع الاتحاد الأوربي، حيث دعمت الوحدة بين شطري الجزيرة القبرصية، كما أولت اهتمام ملحوظا بقضية العراق من خلال دعم مشاركة السنة في العملية السياسية، وتفاعلت مع أزمة غزة، وكذلك مع الأزمات اللبنانية سواء مع إسرائيل، أو على الساحة اللبنانية الداخلية.[18]
وقامت أيضا تركيا باستضافة المفاوضات غير المباشرة بين روسيا وإسرائيل والمفاوضات المباشرة بين أفغانستان وباكستان، وكان لها دور على صعيد أزمة الغاز الأوربي...[19]

ج-التركيز على البعد الاقتصادي:

تعتمد التحولات الحاصلة في السياسة الخارجية التركية بالأساس على الاستقرار الداخلي والسياسي والاقتصادي في تركيا، فالمزاوجة بين التنمية السياسية والقدرات الاقتصادية هو ما أعطى لتركيا مكانتها الحالية، فقد نجحت في الحفاظ على معدلات نمو مستقر منذ 2002، حيث احتلت المرتبة السابعة على مستوى الدول الأوربية ووفقا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن تركيا ستغدو الدولة الأكثر نموا في أفق 2017، حيث سيبلغ معدل النمو السنوي زهاء 6.7%.[20]
وبالتالي فتركيا تسعى إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية، حيث تعمل على تأسيس مناطق صناعية داخل الأراضي الفلسطينية، وترى أن من شأن هذا التوجه أن يدفع في اتجاه السلام، كما تحضى مناطق الخليج العربي بأهمية ملحوظة، خاصة في ضوء معدلات النمو المستقرة ووجود سوق عالمية كبيرة بها، بالإضافة إلى كل من الجزائر وليبيا، ومنه فتركيا تسعى إلى استثمارات ضخمة داخل هذه الدول لتطوير اقتصادها وتقويته.

الفرع الثالث: تداعيات التحول في السياسة الخارجية التركية على إسرائيل خاصة العسكرية

تضررت العلاقات التركية الإسرائيلية من جراء الأزمات العديدة التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، حيث تعود بداية الأزمة بين تركيا وإسرائيل إلى فترة الحرب التي شنتها على قطاع غزة والانتقادات التي كانت وجهتها الحكومة التركية لإسرائيل آنذاك.[21] تلا هذا الحادثة الشهيرة في مؤتمر ''دافوس'' بين رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز والمشادة الكلامية بين الطرفين على خلفية أحداث حزب غزة ومحاولة إسرائيل تحقير أو التخفيض من قيمة السفير التركي في إسرائيل بإجلاسه على كرسي منخفض في وزارة الخارجية الإسرائيلية. كل هذه القضايا كانت بداية للأزمة الجدية بين البلدين.[22]
لكن نقطة التحول، كانت عندما قامت إسرائيل بالاعتداء على ''أسطول الحرية'' في 31 مايو 2010، ذلك أنها المرة الأولى عبر التاريخ التي تم فيها سفك دماء تركية على أيدي قوات عسكرية إسرائيلية. وقد ضاعف ذلك طبيعة التعاطي الإسرائيلي مع الحادث، حيث رفضت تقديم اعتذار رسمي للقيادة التركية، أو تقديم تعويض لضحايا الحادث، وهو الأمر الذي دفع تركيا إلى شن حرب سياسية وإعلامية على كافة الأصعدة والمستويات وخاصة العسكرية منها.[23]
فقررت السلطات التركية يوم الجمعة 02 أيلول 2011 بتجميد جميع الاتفاقيات العسكرية بين البلدين، وقد رفضت تركيا مشاركة إسرائيل في مناورات ''نسر الأناضول'' والتي كان من المقرر إجراءها في أكتوبر 2009.
كما ألغت تركيا عدد من خطط التسلح التي كان من المفترض أن تتعاون فيها مع إسرائيل.
بل وتجاوزت الأزمة مسار التعاون العسكري إلى مسار التعاون الأمني والإستخباري أيضا، وذلك بعد أن قامت السلطات التركية بمنع طائرة عسكرية إسرائيلية كانت تنقل 100 عسكري إسرائيلي إلى معسكرات لإبادة اليهودية في بولندا من استخدام المجال الجوي التركي، كما منعت طائرات مدنية أخرى.[24]
هذا في الوقت الذي أعلن فيه وزير الدفاع الإسرائيلي من تولي هافان فيدمان لمنصب رئيس المخابرات التركية، كونه شخص مقرب  من إيران، وقد يسلمها وثائق مهمة عن إسرائيل وعن التعاون التركي، الإسرائيلي. مما يهدد من أمن إسرائيل. ولعل أهم ما يقلق إسرائيل يتمثل في الخوف من قيام جهاز المخابرات التركي تحت رئاسة فيدمان بالكشف عن نشاطات جهاز المخابرات الإسرائيلي ''الموساد'' داخل الأراضي التركية.
وسعيا لتجنب الاعتماد التسليح المتزايد على إسرائيل، اتجهت تركيا لدعم الصناعات العسكرية وذلك ليس لسد حاجة الجيش التركي من الأسلحة المتطورة وحسب، وإنما أيضا للتصدير إلى الأسواق العالمية.[25]

خاتمـة:

لا يبدو في المدى المنظور احتمال كبير لتحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، كما لا يبدو سيناريو القطع الكامل للعلاقات تبين البلدين مرجحا إلا لظروف استثنائية. وذلك لأن تركيا لا تزال في حاجة إلى الولايات المتحدة وعلاقاتها معها، فهي متوترة العلاقات مع روسيا منذ عهد الاتحاد السوفياتي ثم الاتحاد الأوربي لا يزال يرفض ضمها إليه، لذلك تبقى الولايات المتحدة الحليف القوي المتبقي.
لكن إذا استمرت في سياستها الحالية المبنية أساسا على الانفتاح على عمقيها العربي والإسلامي وتوطيد العلاقات معها أكثر وتقوية الحلف تركيا سوريا إيران، فهي ستكون في حالة تكون الدول الكبرى هي من تسعى لربط علاقات معها وليس العكس.
وهذا قد يساهم في شكل كبير بتوحدي العرب من جديد بل وضم  كل من إيران وتركيا وباقي البلدان المسلمة لتكون قوة إقليمية كبرى كالاتحاد الأوربي وباقي القوى الكبرى، وترقى عن سياسة التبعية التي تعيشها في الوقت الراهن، وهذا لن يحدث إلا إذا حدث في الدول العربية ما حدث في تركيا من ديمقراطية حقيقية تسمح بتسيير الرأي العام العربي لشؤونه العامة.
 
 
 
المراجع

الكتب:
  • د أحمد داود أوغلو: العمق الاستراتيجي – موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، (بيروت، مركز الجزيرة للنشر، 2010).
  • د.جلال عبد الله معوض: صناعة القرار في تركيا والعلاقات العربية التركية، (بيروت، مركز دراست الوحدة العربية، 1998).
  • عثمان أوكبار: العلاقات العربية - التركية، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995).
المجلات:
  • نزار عبد القادر: ''العلاقات التركية الإسرائيلية بين التحالف الاستراتيجي والقطاعية''، (مجلة الدفاع الوطني اللبنانية، عدد 74، تشرين الأول 2010).
  • محمد نور الدين: ''تركيا والعدوان على غزة''، (شؤون الأوسط، عدد 131، شتاء 2009).
  • سلام الربضي: ''التآكل في العلاقات التركية الإسرائيلية واستبعاد التغير الاستراتيجي''، (المجلة العربية للعلوم السياسية، عدد 30، ربيع 2011).
  • سعيد عكاشة: ''تركيا وإسرائيل مأزق العلاقات المضطربة''، (مختارات إسرائيلية، عدد 193، يناير 2011).
  • بشير عبد الفتاح: ''حسابات أنقرة، مستجدات السياسة التركية في الشرق الأوسط''، (السياسة الدولية، عدد 186، أكتوبر 2011).
المواقع الالكترونية:
www.aljazera.net
www.france 24.com
www.bbc.co.uk
                                                                                                          
 
الهوامش

[1] - أورهان كولوغلو، العلاقات العربية التركية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995، ص 7.
[2] - يعيد عكاشة، العلاقات الإسرائيلية التركية من التحالف إلى اصطدام، مجلة كراسات إستراتيجية، مركز الدراسات السياسية الإستراتيجية، عدد 212، سنة 2010، ص 4.
[4] - ذ.نزار عبد القادر، العلاقات التركية الإسرائيلية بين التحالف الاستراتيجي والقطاعية، بيروت، مجلة الدفاع الوطني اللبنانية، عدد 74، تشرين الأول 2010، ص 2.
[5] - نزار عبد القادر، مرجع سابق.
[6] - نزار عبد القادر، مرجع سابق.
[7] - نزار عبد القادر، مرجع سابق، ص 3.
[8] - نزار عبد القادر، مرجع سابق، ص 4.
[9] - سعيد عكاشة، مرجع سابق، ص 28.
[10] - سعيد عكاشة، مرجع سابق، ص 29.
[11] - مختارات إسرائيلية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، عدد 194، فبراير 2011، ص 105.
[12] - سعيد عكاشة، مرجع سابق،  ص 31.
[13] -  سعيد عكاشة، مرجع سابق،  ص 32.
[14] - سعيد عكاشة، مرجع سابق،  ص 31.
[15] - د أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي – موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، بيروت، مركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم النشارون، 2010، ص 141.
[16] - د. أحمد داود أوغلو، مرجع سابق، ص 14.
[17] - د. أحمد داود أوغلو، مرجع سابق، ص 28-29.
[18] - سعيد عكاشة، مرجع سابق،  ص 25.
[19] - سلام الربضي، التآكل في العلاقات التركية الإسرائيلية واستبعاد التغير الاستراتيجي، بيروت، المجلة العربية للعلوم السياسية، عدد 30، ربيع 2011، ص 117.
[20] - سعيد عكاشة، مرجع سابق، ص 26.
[21] - محمد نور الدين، تركيا والعدوان على غزة: تساؤلات وإجابات، بيروت، مجلة شؤون الأوسط، عدد 131، شتاء 2009، ص 88 - 89.
[22] -GMT 18:24 . htmlبوادر-ازمة-انقرة-تل أبيب www.france 24.com/ar/…/02/09/2011
[23] - محمد نور الدين، أسطول الحرية: تركيا في مواجهة الحلف الإسرائيلي، بيروت، مجلة شؤون الأوسط، عدد 136، صيف 2010، ص 166-167.
[24] - سعيد عكاشة، مرجع سابق، ص 36.
[25] - سعيد عكاشة، مرجع سابق، ص 37.

الاحد 3 فبراير 2013


تعليق جديد
Twitter