Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




اغتصاب القاصر ،أية تغطية قانونية؟!!


     

عبد الرحيم المعيطي


باحث قانوني

خريج كلية الحقوق السويسي



اغتصاب القاصر ،أية تغطية قانونية؟!!
 
مقدمة:

ثار الجدل في الآونة الأخيرة حول  قضية أمينة الفيلالي التي انتحرت تعبيرا عن سخطها من الزواج بمغتصبها  و هو ما دفع مختلف الفاعلين الوطنيين إلى مؤازرة هذه الطفلة التي راحت ضحية الفصل 475 من ق ج م ، والواقع أنه كان يجدر في البداية تقديح الفعل المشين الذي ارتكبتـــه (الانتحار) الذي جعلـــه الله  تبارك و تعالى من أقدح الأفعـــــال  و أرذلهـا ، وقد روي عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  من قتل نفسه بحديدة  فحديدته في يده يتوجـأ  بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، و من شرب سما فقتل نفسه  فهو يتحساه في في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ،   و من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداـ1ـ
وقد تم تجسيد ذلك  في ق ج م ، فليس كل من تعرض لمشكل في هذه الحياة يتخلص منه عن طريق الانتحار.
 لهذا نرجو من أي شخص تعرض لأي مشكل كان أن يضبط نفسه لأنها أمارة بالسوء. فمن الممكن أن تدلي بصاحبها إلى التهلكة عند اقترانها بعوامل أخرى كوسوسة الشيطان.
أما من جهة أخرى فالفصل 475 من القانون الجنائي المغربي يقر بأنه:"من اختطف أو غرر بقاصر تقل عن  18 سنة ،  بدون استعمال العنف و لا تهديد و لا تدليس       أو حاول ذلك ، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات و غرامة من مئتين إلى خمسمائة درهم.
ومع ذلك فإن القاصرة التي اختطفت أو غرر بها ، إذا كانت بالغة و تزوجت من  اختطفها  أو غرر بها فإنه لا يمكن متابعته إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج ، ولا يجوز الحكم بمؤاخذته إلا بعد صدور الإذن بالطلاق فعلا .
و حتى يتسنى لنا إيجاد القصور القانوني (2) ، يجب استقراء المقتضيات القانونية   التي جاء بها و تمحيصها عبر وضع مقاربة سوسيولوجية شاملة (1).و ذلك من خلال نقطتين أساسيتين:
1) أحكام زواج القاصر بمغتصبها في التشريع المغربي
2)  محدودية الجزاء الجنائي إزاء اغتصاب القاصر
 
  1. أحكام زواج القاصر بمغتصبها في التشريع المغربي
الاغتصاب هو مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، ويعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات طبقا لأحكام الفصل 486 من القانون الجنائي المغربي . غير أن ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن المشرع المغربي قد تحدث عن مواقعة الرجل لامرأة بدون رضاها فقط ،  بمعنى أنه لم يقدم على طرح  إمكانية مواقعة رجل لرجل آخر بدون رضاه.
حيث أن هذه الجرائم أصبحت تتزايد خلال هذا العصر الذي أزيح عنه غطاء احترام كرامة الانسان و بذلك يبقى التعريف الشامل الواجب توظيفه في هذا الصدد هو أن الاغتصاب يعد مواقعة شخص لآخر بدون رضاه . غير أننا لا نقترح في هذا الصدد فتح المجال أمام المواقعة بين طرفين من نفس الجنس، لأن هذا يعد أبشع جرما و أكثر دناءة من الأول.
 و يتضح بالإطلاع على الفصل 484 الذي عدل و تمم بمقتضى القانون رقم 24.03 "أنه يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات من هتك دون عنف أو حاول هتك عرض قاصر تقل سنه عن ثمان عشر  سنة" ، و هذا يعني أنه مهما اختلفت طرق هتك عرض القاصر سواء أكان ذكرا أو أنثى فإنه يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات حسب درجة خطورة الفعل المجرم ، إذ أن القانون هنا يعتد بالمعيار الشخصي للجاني      و كذلك الضحية ، بالإضافة إلى مدى خطورة الطريقة المستعملة فقد يستعمل الجاني وسائل تدليس حتى ينصب من خلالها كمينا للضحية القاصر يصعب عليها الخلاص منه.
كما يجب التنويه بمقتضى تجريم المحاولة على هتك العرض حيث أن المشرع المغربي يعتبرها بمثابة ارتكاب للجريمة، فالشخص الذي حاول القيام بهذه الجريمة الشنعاء لكنه توقف في آخر لحظة برضاه قبل علم أي شخص آخر بما فيه السلطات عند صحوة ضميره في آخر اللحظات قبل ارتكاب الفعل المجرم و الذي يقوم بالاعتراف لاحقا بهذه المحاولة فإنه يعاقب على حسب درجة المحاولة التي بلغها، فلا يمكن معاملة الجاني الذي قاد الضحية إلى مكان خال و كانت نيته هتك عرضها، لكنه توقف قبل إقدامه على المحاولة الفعلية التي هي نزع ملابس الضحية بنفس المعاملة مع الشخص الذي قاد الضحية إلى ثلث خال و نزع ملابسها ثم تراجع عن فعله في آخر اللحظات ، و تبقى السلطة التقديرية للقاضي في وضع عقوبة تناسب هذا الضرر الذي تم بلوغه، ويضيف الفصل 486 أنه "إذا كانت سن المجني عليها تقل عن 18 سنة ...، فإن الجاني يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة في الأحوال العادية".  كما أن القاصر البالغة التي اختطفت أو غرر بها و التي تزوجت مغتصبها طبقا للكيفية المنصوص عليها في المادة 20 من مدونة الأسرة التي تسمح لقاضي الأسرة المكلف بالزواج ، أن يأذن بزواج الفتى و الفتاة دون الأهلية المحددة في 18 سنة طبقا للمادة 19  من نفس  القانون بمقرر  معلل يبين فيه  المصلحــــة و الأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي و الاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي.
و هذا المقرر المستجاب لطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن، و هذا يعني أن المشرع المغربي قد منح للقاضي إمكانية تزويج القاصر بعد إمعان النظر          و الاستماع لمن يفترض فيه مراعاة مصلحة القاصر بما فيهم الأبوين أو النائب الشرعي، كما أقر الفصل السالف الذكر إمكانية الاستعانة بالخبرة الطبية و إجراء بحث اجتماعي قبل تزويج القاصر.
و نعود إلى الفصل 475 الذي يقول بأنه بعد الزواج لا يمكن متابعته –أي الشخص الذي غرر بالقاصر أو اختطفها – إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج و هم الأشخاص الذين سبق ذكرهم أي الأبوين  و النائب الشرعي، الخبير الطبي، الباحثة الإجتماعية، و لا يجوز مؤاخذته إلا بعد صدور حكم بهذا الطلاق فعلا. و هنا يقصد هذا الفصل الطلاق البائن الذي تجريه المحكمة بناء على طلب الأشخاص الذين سلف ذكرهم.
و من هنا يتضح لنا المسار الذي اتخذه المشرع المغربي في منح الصلاحية للطرفين بأن يتزوجا بطريقة حبية بداية، و ذلك بعد الاطلاع على الأشخاص الذين يفترض فيهم مراعاة مصلحة القاصر. ومع ذلك يبدو أنه لم يلم بمختلف المشاكل التي يمكن أن تطرح في هذا الزواج الذي يعد حلا مؤقتا، فما هي محدودية هذا النص القانوني؟ و ما هي الحلول الممكن الوصول إليها؟
 
 
  1. محدودية دحض جريمة اغتصاب القاصر في التشريع المغربي
بعد استقراء مختلف النصوص القانونية التي جاء بها المشرع المغربي و التي أراد من خلالها أن يبسط الحماية الفعلية للقاصر الذي يمكن أن يتعرض في أية لحظة لإحدى المعاملات المخلة بالحياء و التي تمس جوهر استقرار المعاملات الانسانية.
و قد اتضح أن المشرع المغربي يميل إلى إجراء المصالحة بين الطرفين، و تزويج القاصر بالمغتصب بعد وقوع الواقعة المجردة من استعمال وسائل العنف،حين عاقب هذا الجاني بالسجن الذي يتراوح بين سنة و 10 سنوات حسب ظروف التشديد، لكن الفصل 475 من القانون الجنائي يشير بصيغة ضمنية  إلى أن المجني عليه يكون أمام خيارين، أولهما الزواج من الجاني وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 20 من مدونة الأسرة، هذه الأخيرة  التي لم تمنح للقاصر الحـق في أن يختار بنفســه القرار الصائب بالنسبــــة له   و إنما تركت ذلك لأشخاص آخرين(الأبوين و النائب الشرعي، الخبير الطبي، الباحثة الإجتماعية )، و الحال أنه يجب مراعاة إرادة القاصر.
فكما هو معلوم يعد تحديد سن الرشد القانوني مجرد وسيلة أو حيلة قانونية استعملها المشرع المغربي لحماية حقوق القاصرين المالية بالأساس، أما فيما يخص الحقوق الشخصية كما هو الشأن بالنسبة للزواج فهي مسألة واقع تختلف من شخص لآخر و من بيئة لأخـرى و هنا يجب التنبيه إلى ضرورة مراعاة ظروف الشخص القاصر البالغ و منحه هو الآخر حرية الاختيار بين زواجه بمغتصبه أو عدم الموافقة على  هذا الزواج أساسا، مع إمكانية إتفاقه مع أبويه أو نائبه الشرعي أو الخبير أو الباحث الاجتماعي.
لكن الإرادة الحقيقية المعبر عنها يجب أن تكون هي إرادة القاصر.
و مع ذلك فهذا الرأي سيطرح عدة مشاكل أساسية خصوصا عندما يرفض القاصر المغتصب الزواج بالجاني الذي يمكن في هذه الحالة أن يتابع بناء على شكوى من الشخص الذي له الحق في طلب إبطال الزواج ،مما يسفر عن دخول المغتصب للسجن  طبقا لأحكام الفصل 475 ،غير أن هذا سيشكل إلى حد ما ظلما في حق الشخص الذي ارتكب الجريمة بناء على رغبة القاصر،هذا الاسم الذي تم خلقه كحيلة قانونية، لفك عدة مشاكل مالية تهم هذا الأخير.
لهذا ينبغي تحميل المسؤولية للطرفين معا حين ممارسة هذه المواقعة بإرادة القاص ر الأصلية ،لأنه يكون عالما بتجريم هذا الفعل ، فلا يمكن أن يكون هناك شخص يتراوح عمره بين سن التمييز و سن الرشد و ألا يكون عالما بأنه يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون إزاء موافقته الإرادية .
وبالإضافة إلى هذا فكثيرا ما يلجأ شخصين إلى هذه المواقعة مـــــــن أجل أن يرغما أبويهـــــــما و القاضي على تزويجهما ، و بالإضافة إلى هذا ينبغي القول بأن الفصل 475 من ق ج م يعد سيفا ذو حدين ، فهو من جهة يخدم الصالح العام حين يطرح إمكانية تزويج الطرفين.
و بالتالي تكون إرادته خاضعة لإكراهات المجتمع ورغبة الأبوين في التخلص من العار حيال التخلص من إبنته نحو زواج التهلكة وسيبدأ في المعاناة من حياته الزوجية التي يمارس من خلالها الطرف الجاني عدة ممارسات لاإنسانية (ضرب و إعتداء..) .
وقد أثبتت الدراسة السوسيولوجية حول هذا الموضوع أن 80 في المئة من الفتيات يقترحن دخول الجاني إلى السجن عوض إمكانية عرض تزويج القاصر على الأبوين.
وفي الأخير ينبغي القول بأن الوقاية خير من العلاج ،إذ يجب على الفتيات عدم الإختلاء بالرجال حتى يتفادين وقوع مثل هذه الآفات التي أصبحنا نسمع عنها الكثير خلال هذا العصر .وما يعد هذا إلا إحدى مظاهر الابتعاد عن الاعتصام بحبل الله و الانسياق نحو هوى النفس.
وأن الحل الناجع لمثل هذه المشاكل هو التشبت بالقيم الدينية الأخلاقية ، فلا خير في أمة لاتتبع هذه القيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ."حديث نبوي شريف رواه البخاري و مسلم و ابن ماجة و الترمذي و النسائي و الإمام أحمد.صحيح بتحقيق الألباني.





تاريخ التوصل: 16 ماي 2012
تاريخ النشر: 29 ماي 2012

الاحد 20 ماي 2012
3425 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter