Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



إشكالية ولوج المرأة الموظفة مراكز القرار الإداري


     



إشكالية ولوج المرأة الموظفة مراكز القرار الإداري
ذة،التيجي بشرى*

إن البحث في إشكالية ولوج المرأة الموظفة مراكز القرار الإداري قد يقود إلى خلاصات واستنتاجات تؤكد انه على الرغم من التقدم الملحوظ الذي سُجّل في العقود الأخيرة فيما يخص مساواة الجنسين في ولوج هذه المراكز بدءا من السبعينات من القرن الماضي، فان ذلك لم يكن سببا كافيا لإلغاء بعض الصور النمطية السلبية.
ذلك أن المواقف والأحكام المسبقة اتجاه المرأة المتواجدة في إحدى المناصب العليا غالبا ما تنتج سلوكا تمييزيا ضدها يؤدي إلى بناء تصور تنظيمي يكرس هذا التمييز 1 يتجلى من خلال الآراء الرافضة لتواجدها في هذه المناصب، تتأثر بالمناخ العام السائد في المجتمع، وهي أراء قد تصدر من الرجل الموظف ( الفقرة الأولى)كما قد تصدر من المرأة الموظفة ( الفقرة الثانية)
الفقرة الأولى: نوعية علاقة الموظفة بالموظف .
إن تكريس الصور النمطية 2 السلبية حول المرأة الموظفة وربط صورتها داخل الإدارة بمعايير الانشغالات الهامشية تجعل معظم الموظفين من الرجال محكومين بالاعتقاد الذي يرى أن وضع المرأة الطبيعي هو البيت وليس الإدارة، وإن وجدت فيها فلا ينبغي أن تكون في منصب أعلى، لذا فإذا كان الرجل يشعر بالألم عند فقدانه لمنصب بسبب منافسة رجل له، فإن شعوره هذا قد يتضاعف إذا فقد ذات المنصب بسبب امرأة، وهو ما يجعله في حالة ترقب لفشلها أو إعاقة لعملها3 ، ولا يتردد في انتقاد طريقة تعاملها، وغالبا ما يتهمها بتحكيم العواطف في اتخاذ القرارات، والاهتمام بالشكليات، متأثرا في تقييمه لكفاءتها بمجموعة من الانطباعات والتمثلات الاجتماعية التي تفترض فيها عدم الكفاءة وتروج لبعض الأفكار من قبيل أنها عاطفية، وغير قادرة على حل المشاكل الكبرى وغيرها من الصفات السلبية فقط لأنها امرأة.
ان هذا الاعتقاد جعل معظم الموظفين من الرجال العاملين في الادارة المغربية يرفضون تواجد المرأة كمسؤولة عنهم، إذ عبر 58% منهم عن تفضيلهم وجود الرجل في منصب القرار، ولم يؤيد إلا 21 %منهم تواجد المرأة كرئيسة له، أما الباقون ونسبتهم 21% فقد اعتبروا ألا فرق بين الرجل والمرأة4.
وقد أرجع الرافضون لتولي المرأة الموظفة مركزا من مراكز القرار إلى اعتقادهم أن التواصل مع الرجل يكون أفضل.
ورفض البعض الآخر وجودها في هذه المراكز لأنها حسب رأيه تبالغ في الاهتمام في التدقيق في الأخطاء اللغوية، ولا تقوى على حل المشاكل الكبرى.
ان النتائج السالفة الذكر تؤكد أن اختيارات أغلب الموظفين لمسؤوليهم ما تزال ترتبط بالنوع، فانتماء المسؤول إلى جنس الإناث أو الذكور يكون حاسما في طبيعة علاقاته المهنية عند معظم المستجوبين5 الذين يصدرون احكامه عليه انطلاقا من التصورات والتمثلات الاجتماعية السائدة والتي غالبا ما تربط القدرة وحسن التدبير بالذكورة، وتجعل العجز قرينا بالنساء.
ان التصنيف الجنساني لصفات القيادة جعل من مهام الاشراف والتسيير اختصاصا من اختصاصات الرجل في حين اوكل باقي مهام التنفيذ للنساء..
لذا فان أغلب الموظفين من الرجال ما يزالون يعتقدون أن لهم الأسبقية في تولي هذه مراكز القرار، وإن وجدت النساء فيها، فإنهم لا يتعاملون معهن على أساس أنهم مسؤولات، بل لا يترددون في ممارسة أدوار التوجيه والنصح عليهن الذي لا يخلو من الرغبة في ممارسة السلطة الأبوية، وهذا ما أكدته بعض النساء المسئولات ، اللواتي اعتبرن أن المرؤوسين من الرجال لا يرون في العلاقات المهنية سوى مجالا يضمن لهم نوعا من الهيمنة على المرأة، وأنهم يستخدمون خطاب الرعاية وإسداء النصح الأبوي اتجاه المرأة الرئيسة للتعويض عن الإحساس بالإحباط لكونهم مرؤوسين من قبل امرأة 6
وحسب التقرير المنجز بعنوان 'دراسة ميدانية حول تحديات ولوج النساء الإعلاميات مواقع المسؤولية' من طرف مركز حرية الإعلام بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا7، فإن العلاقة المهنية بين الجنسين مطبوعة بحاجز العقلية الذكورية التي تتعمد في كثير من الأحيان الإساءة إلى المرأة - دون أن يذكر التقرير نوع الإساءة - على اعتبار أنها كائن قاصر وغير قادر على تحمل المسؤولية وما يستتبع هذا الإحساس بأبوية الرجل.
وهذا ما عبرت عنه مديرة الأخبار بالقناة الثانية سميرة سيطايل عندما قالت لمنجزي التقرير 'لقد لمست تعبيرا عن موقف تبنّ أبوي لهذه المرأة التي عينت على رأس مديرية الأخبار، ولا اعتقد أن نفس المعاملة والتوجيه كان سيلقاها رجل تم تعيينه في ذات المنصب .. كل تلك السلوكيات كان مردها إلى كوني امرأة '.
ولا تتوقف المشاكل التي يطرحها الرجل الموظف أمام المرأة الموظفة في العراقيل التي قد يضعها أمامها والانتقادات التي يواجهها بها، بل تعاني المرأة من مشكل آخر هو مشكل التحرش الجنسي 8.
وفي جواب عن سؤال هل سبق لك أن تعرضت للتحرش الجنسي داخل محيط العمل أجابت 59% من النساء المستجوبات أنهن عانين من التحرش الجنسي، الذي من الممكن أن يكون لفظيا أو بدنيا، ويعكس رغبة الرجل في امتلاك كل ما يحيط به، متجاوزا في أغلب الأحيان ما تفرضه العلاقات المهنية من احترام وهو ما يؤثر على نفسية بعض الموظفات9.
وإذا كان عموم الموظفين ما يزالون متشبثين بالتصور التقليدي لأدوار المرأة ويرفضون تواجدها في مراكز القرار، فهذا لا يعني عدم وجود فئة أخرى من الرجال تدافع عن هذا التواجد وتدعمه، ويظهر ذلك من خلال نتائج الاستمارة المنجزة في هذا البحث، والتي أفضت إلى وجود نسبة تصل إلى 21%من الرجال تفضل وجود المرأة في منصب المسؤولية، إضافة إلى وجود نسبة مماثلة منهم لا تعتقد بوجود فرق بين الجنسين في تولي مراكز القرار 10.
وعلى الرغم من أن هذه النسبة تبدو ضعيفة إلا أنها تعكس التطور الحاصل في المجتمع المغربي، وفي نظرة الرجل إلى المرأة كمشاركة معه في تدبير الشأن العام.
فهؤلاء المؤيدون لتواجد المرأة في مراكز القرار لا شك أنهم رسموا لها صورة ايجابية، تتجاوز الأشكال النمطية السائدة، وتعبر عن الاعتراف بما حققته بعض النساء من نجاح على الصعيد المهني فرض تغييرا في المواقف والتصورات التقليدية، وجعلها لا تقبل فقط بوجود المرأة في المراكز العليا، بل إنها تفضلها على الرجل في بعض الأحيان، كما هو الشأن بالنسبة لحالات الفئات المشمولة بالاستمارات المنجزة في هذا البحث.
وفي ذات السياق يمكن اعتبار أن أولئك الذين لم يجدوا فرقا بين الجنسين في تدبيرهما للشأن العام، يمثلون تيارا يؤمن بالمساواة بين الجنسين، ولا يجعل من الفوارق البيولوجية بينهما سببا في اختيار أحدهما لمنصب دون الأخر.
ويقرون بالقيمة المضافة لتواجد النساء في هذه المراكز، ويعترفون إن الإحساس الأنثوي كفيل بتلبية الجانب الإنساني داخل الإدارة، دون أن يغيب عنصر الكفاءة والمردودية، وهذا الطرح قد يكون موضوع اتفاق فئات كثيرة النساء المؤيدات لتواجد المرأة في مراكز القرار، كما قد يكون مثار جدل بالنسبة للرافضات منهن لهذا التواجد ( الفقرة الثانية).
الفقرة الثـانية: علاقة الموظفة المتواجدة في مراكز القرار بنظيراتها
ان المشاكل والعراقيل التي تضعها النساء أمام النساء لا تقل عن تلك التي يخلقها الرجال، ولعل هذا ما يدفع المرأة الموظفة التي تتواجد في مركز من مراكز القرار إلى بذل مجهودات مضاعفة في قيادة الموارد البشرية النسائية، وقد يرجع ذلك لكون انتظارات المرأة المرؤوسة تدفعها إلى إبداء نوع من الرغبة التلقائية في التقرب من رئيستها، مستخدمة في ذلك أسلوب الحميمية والإدلاء بالأسرار الشخصية، وتدخل هذه السلوكيات عادة في خانة التضامن النسائي في مواجهة وضعية مشتركة تعيشها النساء، وتدفع بهن نحو تلاحم أكبر، وينجم عن ذلك أن المرأة الرئيسة التي تسعى إلى إضفاء طابع مهني على علاقاتها بمرؤوساتها تجد نفسها مضطرة لعدم الاستجابة لرغباتهن، وهو الأمر الذي يولد نوعا من الإحباط لديهن، وفي أحسن الحالات ينتهي الطرفان إلى التزام موقعهما والحفاظ على علاقة مهنية وظيفية تلغي البعد الشخصي، تفضي إلى قيام المرأة المرؤوسة إلى إذكاء العداوات في محيط المرأة الرئيسة، وذلك حسب شهادة بعض المسؤولات 11.
وفي هذا الإطار فقد أبانت نتائج الاستمارات المنجزة (12) أن حضور النساء في مراكز القرار أمر لا يستساغ بسهولة من طرف نظيراتهن من النساء الزميلات والمرؤوسات، إذ أن %59 من النساء الموظفات يرفضن تواجد امرأة في منصب القرار، في حين تعتقد 30% انه لا فرق بين الجنسين في إدارتها للموارد البشرية، ولم يتجاوز عدد النساء اللواتي يفضلن امرأة مسؤولة عنهن %11 .
وقد أرجعت النساء أسباب هذا الرفض إلى عوامل أخلاقية تتعلق بالغيرة والحسد وسوء التواصل الذي يكون غالبا السمة المميزة للعلاقة بين النساء فيما بينهن، وهذا ما أكدته العديد من النساء أثناء المقابلات.
وتبقى الأسباب المؤدية إلى هذا الوضع مرتبطة بإرهاصات ثقافية ودينية، فالمرأة منذ صغرها تتردد على مسامعها كلمات محبطة مثل: "أنها خلقت من ضلع أعوج"و "ناقصة عقل ودين" إضافة إلى الكثير من الممارسات الكفيلة بزرع العقد النفسية ومختلف التمتلات السلبية عن المرأة 13، أفضت إلى سلوكيات أكدت الخلاصات التي أقرت أن المرأة لا تحب المرأة، وتجد صعوبة في إدارتها سواء كانت رئيسة أو زميلة أو مرؤوسة.
إن عداء المرأة للمرأة ليس ناتجا عن خلل في ذاتها بقدر ما هو انعكاس لواقع اجتماعي يؤسس لعلاقات مهنية مبنية على أساس النوع، وتوزع الأدوار تبعا لذلك وفقا لهذه التصورات المستمد من واقع اجتماعي متأثر بقيم ومعتقدات الثقافة الأبيسية التي تظهر ملامحها سواء في علاقة المرأة الموظفة بمحيطها الأسري أو بعلاقتها مع زملائها في العمل، والتي ترتبط بتوزيع معين للأدوار فيما بينهم حددها المجتمع وكرستها الوسائل التربوية التي نتلقاها سواء في البيت أو المدرسة أو عبر الثقافة الشفوية أو الإعلام بجميع تصنيفاته.
إلا أن هذا العداء أو الرفض النسائي – النسائي ليس مطلقا، بل إن هناك فئة أخرى من النساء تفضل وجود المرأة كرئيسة عليها، ولا تعتبر أن تم فرق بين النساء والرجال في التسيير الإداري، وفي هذا الإطار عبرت 30% من الموظفات عن عدم وجود فرق بين الجنسين، في حين فضلت 11% وجود امرأة في منصب القرار، وهو ما يجعل الاعتقاد حول توثر العلاقة بين المرأة ولمرأة ليس حقيقة مطلقة، بل إنها تعكس واقعا اجتماعيا لا يعدم من مظاهر التغيير المنسجم مع التوجهات الدولية الداعية لإنصاف النساء وتحسين صورتهن في المجتمعات ومنحهن فرصا لإدارة الشأن العام، إسهاما منهن في تكريس قيم الديمقراطية والحداثة.
إلا أن هذه المظاهر تحتاج أن تصبح قيما ثابتة وسلوكا راسخا في المجتمع، وهو ما يستلزم القيام بمجهودات في هذا الاتجاه.
-------------
الهوامش
*باحثة جامعية، مفتشة إقليمية بوزارة الإقتصاد المالية
-1- Houria ALAMI M’CHICHI « participation a la reprise de décision »édité « Femmes et Hommes au Maroc :Analyse de la situation et de l’évolution des écarts dans une perspective genre –direction de la statistique2003 p249-250
-2- هي مجموعة من التمثلات والصور الجاهزة والأحكام المسبقة التي يتم إنتاجها وترويجها في محيط ثقافي تمييزي بين الجنسين، وتتنوع هذه الصور حيث نجدها في الثقافة العالمية، وأيضا في الإنتاجات الثقافية الشعبية، وتنتشر في الشارع كما يمتد نفوذها إلى الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام المرئية والسمعية، كما تجد لها أصداء في المناهج الدراسية وفي بعض الخطابات الدينية... وتتغدى هذه الصور من واقع التمييز الذي تعاني منه النساء، لكنها تساهم أيضا في تبرير ذلك الواقع وإعادة إنتاجه، باعتبارها تشكل جزءا من متخيل الأفراد الذي يضفي المعنى على مواقفهم وسلوكاتهم: للتفاصيل انظر "الإستراتيجية الوطنية من اجل الإنصاف والمساواة بين الجنسين بإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات والبرامج التنموية " مرجع سابق ص 29
-3- هالة محمد حبيب "طبيعة المشكلات التي تعوق المديرة المصرية " مداخلة منشورة في كتاب تدعيم دور المرأة في التنمية المتواصلة 'إشراف عنايات إبراهيم حافظ بحوث المؤتمر الثاني لكلية التجارة، جامعة الأزهر 23-24شتنبر 1998مطابع الأزهر الكورنيش النيل الطبعة الاولى1999 ص 228.
-4- حسب نتائج الاستمارة المنجزة من طرف بشرى التيجي " اشكالية ولوج المراة الموظفة مراكز القرار الاداري" اطروحة لنيل الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط -اكدال -2010-2011 ص 226 -254.
-5- المرجع السابق.
-6- " التمثلات حول النساء في مراكز القرار والفاعلات السياسيات في المغرب" بحث سوسيولوجي أعده مركز تكوين القيادات النسائية /منشورات الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب 2002 بتعاون مع مؤسسة فريدريك ايبرت ص 15.
-7- التقرير يتكون من 37 صفحة – منشور في مجلة ' الصحيفة المغربية' العدد 38- لشهر يونيو 2006 انظر ص 40-41.
-8- لم يعرض قانون الوظيفة العمومية لتجريم التحرش الجنسي، على الرغم من انه ظاهرة مستفحلة في كل القطاعات الحكومية، وغالبا ما تكون ضحيته الموظفات المتواجدات في السلالم الدنيا، والحديثات العهد بولود الإدارة العمومية، يجد التحرش الجنسي إحدى دوافعه في صورة المرأة في الإعلام،حيث تساهم مختلف التمثلات الذهنية والجسدية المتداولة في تكوين صورة تمطية عنها تحصرها في الغالب في الجسد.
-9- حسب نتائج الاستمارة رقم 1 المنجزة في هذا البحث المدرجة ضمن قائمة الملاحق.
-10- حسب نتائج الاستمارة رقم 2 المنجزة في هذا البحث المدرجة ضمن قائمة الملاحق.
-11- انظر الشهادات ضمن "لتمثلات حول النساء في مراكز القرار والفاعلات السياسيات بالمغرب"بحث سوسيولوجي أعده مركز تكوين القيادات النسائية منشورات الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب 2002 بتعاون مع مؤسسة فريدريك ايبرت ص 15 .
-12- بشرى التيجي مرجع سابق
-13- حول'التمثلات حول النساء في مراكز القرار والفاعلات السياسيات بالمغرب"بحث سوسيولوجي أعده مركز تكوين القيادات النسائية /منشورات الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب 2002 بتعاون مع مؤسسة فريدريك ايبرت ص 15 .


الخميس 6 ماي 2010


تعليق جديد
Twitter