Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



إشكالية تنصيب الحكومة في ظل الدستور المغربي الجديد: دراسة قانونية دستورية


     

الدكتورعبد النبي كياس

باحث في علم السياسة والقانون الدستوري



إشكالية تنصيب الحكومة في ظل الدستور المغربي الجديد: دراسة قانونية دستورية
           يكتسي موضوع تنصيب الحكومة من طرف البرلمان أهمية دستورية بالغة في النظام السياسي المغربي ،خاصة في ظل المقتضيات الدستورية الجديدة التي رفعت من مكانة المؤسسة التشريعية ،وسعت من وراء ذلك إلى  جعلها تساهم بشكل فعلي وقوي في تنصيب الحكومة ومراقبة عملها، لتحسم مختلف النقاشات الفقهية الدستورية التي طبعت هذا الموضوع من قبل،لكن يبدو أنه رغم ما جاء به دستور 2011 من مستجدات ،لا تزال الممارسة الدستورية ببلادنا تعاني من بعض الاختلالات التي تسيء إلى مسألة التطبيق السليم للنص الدستوري، وكذا تنزيله على أرض الواقع بالشكل الذي قصده المشرع الدستوري ، كما أن النص الدستوري نفسه لا يزال يعرف بعض الخلل في اختيار المفردات الدستورية التي من شأنها أن توضح ذلك الغموض الدستوري الذي كان يعتري دستور 1996.

ونظرا لأهمية هذا الموضوع بالنسبة للحياة السياسية المغربية، فقد قررنا تناوله في شكل دراسة دستورية علمية ، سنحاول من خلالها توضيح المستجدات التي جاء بها دستور فاتح يوليوز2011،مقارنة بدستور1996،في مجال تنصيب الحكومة،وماهية الفلتات الدستورية التي وقعت في أول حكومة ينتظر تنصيبها في ظل الدستور الجديد،كما سنضع اليد على مكامن الخلل التي لا تزال تعتري النص الدستوري الحالي في مسألة تعيين الحكومة، وتنصيبها.وذلك في عنصرين أساسيين وهما:

- أولا:جديــد دستــور 2011، في مجــــــال تنصيــب الحـكـومــــــــــة.

   إذا كان الملك في المغرب يملك الحق الدستوري في تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية لمجلس النواب وعلى أساس نتائجها، كما ينص على ذلك الفصل السابع والأربعون(47) من الدستور الجديد لفاتح يوليوز2011، فانه من خصائص النظام البرلماني أن تحصل الحكومة بعد قبولها من طرف الملك،وقبل الشروع في أداء مهامها على ثقة البرلمان،فالدساتير المغربية منذ دستور 1992، لم تعد تتصف بإعطاء السلطة الكاملة و المطلقة للملك في مجال تعيين الحكومة ، حيث أن أمر تنصيب الحكومة برمتها يستدعي الحصول على تزكية البرلمان،فالحكومة أصبحت مسؤولة أمام الملك باعتباره رئيس الدولة بمقتضى الفصل 60،من دستور 1996، ومسؤولة أمام البرلمان بضرورة عرض الوزير الأول للبرنامج الذي يعتزم تطبيقه عليه بموجب الفصل نفسه،ويكون البرنامج المشار إليه أعلاه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين ويتلو مناقشته في مجلس النواب تصويت يجب أن يقع وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل 75 (أي الموافقة عليه بعدم رفضه من ظرف الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب)، والثانية من نفس الفصل(75)،المتعلقة بضرورة مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي طرح فيه البرنامج الحكومي للتصويت، ويؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية ،حسب مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفضل 75، الذي يحيل عليه الفصل الستون فيما يخص الأحكام المترتبة على عدم المصادقة على البرنامج الحكومي الذي يتم عرضه باسم الوزير الأول.

ومن الملاحظات الأساسية والمهمة في شأن تنصيب الحكومة، أن دستور 2011، لم يقم سوى بتوضيح المقتضيات الواردة في دستور1996، والتي كانت تعاب عليها ركاكتها، وإحالتها غير المبررة على الفصل 75، من نفس الدستور،حيث حمل الفصل88،من الدستور الجديد كل المقتضيات المتعلقة بتنصيب الحكومة ، ولم يعد يحيل على أي فصل فيه فيما يخص الأحكام المترتبة على عدم الموافقة على البرنامج الحكومي،كما أن المشرع الدستوري الجديد تفادى منطق السلبية فيما يتعلق بالتصويت على البرنامج الحكومي، حيث لم يعد يشترط رفضه بالأغلبية المطلقة لإسقاط الحكومة، وإنما جعل الحكومة هي المسئولة عن تمرير برنامجها بالتصويت عليه بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب.أما التصويت على البرنامج الحكومي فقد بقي مقصورا على مجلس النواب دون مجلس المستشارين، وهو نفس الأمر الذي كان عليه دستور 1996.

      و لنقل أن النص الدستوري الجديد قد استفاد من ذلك النقاش الفقهي الكبير الذي كان دائرا حول مسألة تنصيب الحكومة، هل هو أحادي: ملكي، أم مزدوج: ملكي- برلماني، والذي كاد يجزم أن الملك وحده هو الذي كان يعين الحكومة.وبالتالي أصبحت الحكومة ملزمة بعد تعيينها ،وقبل الشروع في أداء مهامها بالتوجه للبرلمان قصد أخذ الإذن من مجلس النواب للانطلاق في ممارسة عملها،حسب جديد المقتضيات الدستورية،ونشير في هذا الشأن إلى أن ما قامت به أول حكومة تمت موافقة الملك عليها في ظل الدستور الجديد ،بتاريخ 03 يناير 2012،يعتبر مجانبا للصواب،حيث سارع أعضاؤها إلى تسلم مهامهم، وتبادل السلط مع الوزراء السابقين ،حتى أن بعضهم تسلم مهامه عشية يوم الاستقبال الملكي للتشكيلة الحكومية الجديدة، وهو ما يعتبر إخلالا  واضحا بالمقتضيات الدستورية،ويطرح من جديد إشكالية التطبيق السليم للمقتضيات الدستورية، وأما عقد السيد رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران لأول مجلس حكومي، يوم الخميس 05 يناير2012، فيعتبر إخلالا بالمقتضيات الدستورية، حيث كان يستحسن أن يكون ذلك اللقاء تشاوري بين أعضاء الحكومة أو تحت أي تسمية أخرى، كاللقاء الحكومي مثلا ،لأن الحكومة لم تنصب بعد من لدن مجلس النواب،وبالتالي لم تحصل بعد على شهادة ميلادها رغم أن ولادتها  هي أمر واقعي . وحل هذه الإشكالية هو التسريع بوثيرة عرض البرنامج الحكومي على مجلسي البرلمان.        

لقد كان من حسنات النص الدستوري الجديد أنه وضح العديد من المقتضيات التي كانت مثار جدال فقهي، وكانت تجعل النص الدستوري غامضا، كما كانت تثير العديد من الإشكاليات الدستورية التي تعيق الممارسة السياسية، فقد كانت مساهمة مجلس النواب في تنصيب الحكومة غير واضحة تماما،بل تميزت بالغموض والارتباك،الذي جاء الفصل 88،من دستور2011، لتفاديه، حيث أصبح ينص على ما يلي:" بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. و يجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به، في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية.                      

يكون البرنامج المشار إليه أعلاه، موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب.                                                                    

تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي".
لقد أوضح النص الدستوري الجديد كذلك مسألة إجرائية مهمة تتعلق بطريقة تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان، حيث أصبح الأمر يقتضي جمعهما في جلسة واحدة للإنصات للبرنامج الحكومي ، بعد أن كان هذا الأمر مسكوتا عنه في دستور 1996،لكن رغم كل هذه المستجدات الدستورية نرى أن النص الدستوري المتعلق بتنصيب الحكومة لا يزال يحتاج إلى بعض الإصلاح و التوضيب على النحو الذي سنبينه في العنصر الموالي.

-ثانيا:مكامن الخلل التي لا تزال تعتري نص دستور 2011، في مجال تعيين الحكومـــة.      

    رغم المجهود الذي بذله المشرع الدستوري لضبط المقتضيات المتعلقة بمسألة تنصيب الحكومة في المغرب،فانه لم يوفق إلى حد بعيد في ضبط المفردات الدستورية التي من شأنها أن تحسم كل النقاشات الفقهية التي قد تحوم حول هذا الموضوع،والتي أسالت مداد العديد من الباحثين قي مجال القانون الدستوري،كما أن الفصل 88 من دستور 2011،لم يقم ببعض الإضافات الجوهرية التي كانت ستيسر تطبيق المقتضيات الدستورية،ولتوضيح ذلك نورد الملاحظات التالية:

1-من حيث المفردات التي تم استعمالها في الفصل 88،من دستور2011، خاصة فيما يتعلق بمصطلح "تعيين" الذي استهل به هذا الفصل من خلال عبارة: "بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة'' ،نلاحظ أن هذا المصطلح يتحدث عن تعيين الحكومة بمعنى تنصيبها النهائي من طرف جلالة الملك،في حين أن المفردة الأنسب لهذا المقام كان يجب أن تكون هي:"موافقة"،ليصبح مدخل هذا الفصل :"بعد موافقة الملك على أعضاء الحكومة"،لأن رئيس الحكومة عندما يعرض التشكيلة الحكومية على الملك،فانه ينتظر موافقته عليها، للتوجه إلى البرلمان بعد ذلك في سعي إلى تنصيب الحكومة ،لتباشر المهام التي أناطها بها الدستور، وإلا فما فائدة تعديل مقتضيات الفصل60،من دستور1996،إذا بقي دور البرلمان محصورا في مجرد مباركة التعيين الملكي للحكومة .فرغم كون الأمر مرتبطا أكثر بمسألة الأغلبية الحكومية ،فان النقاش البرلماني للبرنامج الحكومي من شأنه أن يثير انتباه الحكومة للعديد من النواقص التي يمكن أن تعتري ذلك البرنامج،كما أنه لابد من ترسيخ دور البرلمان في تنصيب الحكومة، وخاصة مجلس النواب،لأن مجلس المستشارين لا يصوت على البرنامج الحكومي ،حيث ينحصر دوره في مجرد المناقشة التي لا يعقبها تصويت.

2-الإضافة التي جاءت في الفصل 88، والتي لم تكن في محلها ، وهي أن رئيس الحكومة يتقدم بالبرنامج الذي يعتزم تطبيقه،ويعرضه على مجلسي البرلمان مجتمعين،أي انه يلقي برنامج حكومته على أنظار النواب والمستشارين في جلسة واحدة، وهو أمر فيه بعض الصعوبة في مجال التطبيق، على اعتبار أن مجلسا البرلمان سيناقشا البرنامج الحكومي، لكن التصويت عليه يبقى حكرا على مجلس النواب، مما يعني ضرورة انسحاب المستشارين أثناء عملية التصويت،وهو ما يطرح السؤال حول جدوى مناقشة مجلس المستشارين للبرنامج الحكومي دون التصويت عليه؟.

لقد كان أولى بالمشرع الدستوري- حتى تكون أجواء النقاش البرلماني ايجابية- أن يعلن عرض البرنامج الحكومي على مجلسي البرلمان منفردين،أو على الأقل أن يصرح بأن العرض يكون أمام المجلسين مجتمعين، لكن مناقشة التصريح الحكومي تكون في كل مجلس على انفراد، وبالتالي ينص على أن:يكون البرنامج المشار إليه أعلاه، موضوع مناقشة أمام كل من المجلسين،يعقبها تصويت في مجلس النواب.

3- من حيث النقص الذي لا يزال في الفصل88:

نلاحظ أن هناك بعض الإضافات التي كان من شانها أن توضح بشكل نهائي طريقة تطبيق النص الدستوري، وأن تحسم كل الترددات الدستورية، لكن واضعي الدستور الجديد لم يتطرقوا لها،فقد كانت إضافة عبارة "قبل الشروع في أداء مهامها "بعد موافقة الملك على أعضاء الحكومة،كافية لحل كل الخلافات الدستورية التي قد تنشأ بمناسبة تعيين الحكومة، وهكذا كان الفصل 88، سيستهل كالأتي:"بعد موافقة الملك على أعضاء الحكومة، وقبل الشروع في أداء مهامها،يتقدم رئيس الحكومة....".

 هذا إضافة إلى أن المشرع الدستوري قد لزم الصمت هذه المرة، ولم يمهل البرلمان أي مهلة للبدء في مناقشة التصريح الحكومي أو التصويت عليه، كما كان عليه الأمر في دستور 1996،في فصله الستين، الذي كان يحيل على الفصل75 ، الفقرة الثالثة، التي كانت تشترط أجل ثلاثة أيام للتصويت على البرنامج الحكومي، هذا مع العلم أن هذه المسألة كانت صحية لكونها كانت تعطي الفرصة  للنواب لمناقشته بشكل معقول، لأننا نعلم أن التصريح الحكومي من المفترض فيه أن يوضح التوجهات الكبرى للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف المجالات .فالفصل الجديد يطرح العديد من التساؤلات من قبيل :هل يشرع النواب والمستشارون مباشرة في مناقشة التصريح ،بعد تقديمه من طرف رئيس الحكومة؟ومتى يحق المرور للتصويت على البرنامج الحكومي؟ وهل للنواب و المستشارين القدرة العلمية والذهنية القوية والخارقة التي تمكنهم من مناقشة مضامين التصريح الحكومي مباشرة بعد إنهاء قراءته عليهم من طرف رئيس الحكومة؟.

إننا نعتقد أن كل هذه الأمور تبدوا صعبة من حيث تطبيقها، فقراءة التصريح الحكومي والإمعان فيه، وحسن تدبره يحتاج إلى وقت معقول، ذلك لأن البرنامج الحكومي يكون طويلا جدا، فمجرد قراءته تحتاج إلى ساعات طوال، فكيف الأمر بالنسبة لمناقشة مضامينه؟.

     إن الأخذ بعين الاعتبار لمجموع الملاحظات التي أسلفنا ذكرها ،من شأنه أن يعطينا نصا دستوريا واضحا ومضبوطا في شان تعيين الحكومة، وتنصيبها، وبالتالي فإجمال كل تلك الملاحظات يجعل الصيغة التي كان يستحسن أن يكون عليها النص الدستوري كالآتي:"بعد موافقة الملك على أعضاء الحكومة، وقبل الشروع في أداء مهامها ،يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه.ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية و البيئية والثقافية و الخارجية.
يكون البرنامج المشار إليه موضوع مناقشة أمام كل من المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على تقديمه.

تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي".   

تاريخ التوصل: 30 مارس 2012
تاريخ النشر:
31 مارس 2012

السبت 31 مارس 2012


تعليق جديد
Twitter