Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟


     

د محمد الهيني
مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط



إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟




إن قرارات المجلس الأعلى للقضاء قابلة للطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ليس استنادا للفصل 114 من الدستور وإنما استنادا للفصل 118 منه تأسيسا على قاعدة دستورية وطنية ودولية مؤداها عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن ،وهذه قاعدة بديهية ومن مسلمات وأبجديات القضاء الإداري ،ولا يحتاج الطعن لأي نصوص تنظيمية تقر الحق فيه ،لأنه من النظام العام،لكن فعالية هذا الحق وليس ممارسته يتوقف على الارتقاء بالغرفة الإدارية بمحكمة النقض إلى مصاف هرم قضائي إداري يطلق عليه مجلس الدولة أو المحكمة الإدارية العليا

وهكدا ينص الفصل118 من الدستور على أن "حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.
كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة"

هذه القاعدة استقر عليها قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والمحاكم الإدارية حتى قبل صدور الدستور ،لكون الطعن بالإلغاء من النظام العام وعنوان الشرعية وسيادة القانون .

وتتميز دعوى الإلغاء بمجموعة من الخصائص نذكر منها :

- أنها دعوى عينية و موضوعية :

لقد اعتبرت المحكمة الإدارية بوجدة في حكم لها صادر بتاريخ 24/5/2000، أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية وعامة،تستهدف مخاصمة القرار الإداري، وبالتالي لا مجال للتدخل الإرادي فيها، ما دام الحكم الصادر بشأنها سيستفيد منه كل من له علاقة به. ويقصد بالتدخل الإرادي المنصوص عليه في الفصل 111 وما بعده من قانون المسطرة المدنية،حق كل من له المصلحة في التدخل في النزاع المعروض أمام المحكمة، وهو يكون إما انضماميا أو اختصاميا.

أنها دعوى مصلحة عامة:

ذلك أن دعوى الإلغاء ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، فإلغاء القرار الإداري لا يعني إلا شيئا أساسيا، وهو محو نتائج عدم المشروعية، الشيء الذي يدفع بالإدارة المعنية إلى الاتعاظ، وعدم مخالفة القانون في مثل نفس النازلة، لذلك قيل بأن حكم الإلغاء له حجية مطلقة في مواجهة الكافة.

- أنها دعوى مشروعية:

فهي دعوى تنتمي إلى قضاء المشروعية، وهذا يعني أن دعوى الإلغاء لا ترفع إلا ضد قرار إداري غير مشروع، لمخالفته قواعد القانون، أما إذا خالفت الإدارة بقرارها اعتبارات العدالة المجردة مثلا، دون مخالفة القانون، فإن هذه المخالفة لا تكفي وحدها لرفع دعوى الإلغاء.

أنها دعوى من النظام العام:

تعتبر أيضا دعوى الإلغاء أيضا دعوى من النظام العام، وذلك نظرا للنتائج التي تترتب عنها والتي تتجلى فيما يلي :

- لا يجوز التنازل مسبقا عن رفع دعوى الإلغاء،أي قبل إقامتها، بخلاف الأمر في الدعوى الشخصية،لأنه بعد رفعها وإقامتها،يجوز لصاحب المصلحة التنازل عنها .

- كذلك لا يجوز التنازل عن حكم قضى بإلغاء قرار إداري غير مشروع، فهو قد ألغي ولا يمكن إحياؤه من جديد عن طريق التنازل، وتبقى الإدارة المحكوم عليها دائما مطالبة بتنفيذه.

- الأصل هو أن دعوى الإلغاء ترفع ضد أي قرار إداري،دون حاجة إلى النص على ذلك صراحة.

- دستورية الحق في التقاضي، لأن الحق في التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه، وعن مصالحه التي يحميها القانون طبقا للفصل 118 من الدستور المغربي الجديد.

- يعتبر الدفع بقوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء من النظام العام، يمكن للمحكمة إثارته تلقائيا على خلاف القواعد العامة.

وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 13-9-2012 "تكتسي قوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء طابع النظام العام، باعتبار أنها عنوان المشروعية وسيادة القانون، ويمكن للمحكمة بناء على ذلك تلقائيا أن تثير هذا الدفع".

- عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن، لأن كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة طبقا للفقرة الثانية من الفصل 118 أعلاه.

ولاشك أن سمو القاعدة الدستورية،على ماعداها من نصوص قانونية،يشكل تكريسا للشرعية وسيادة للقانون،باعتبارهما من مبادئ دولة الحق والقانون التي تأبى تحصين أي قرار إداري ،مهما علا شأنه،وتعددت مصادره،واختلفت مجالاته من الرقابة القضائية،لكون القضاء هو الحامي الطبيعي والحارس الأمين للحقوق والحريات .

وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بوجدة صادر بتاريخ 8-3-2000"إن الطعن بالإلغاء ضد المقررات الإدارية يهدف إلى حماية الشرعية، ولا ينفلت منه أي مقرر إداري ولو تعلق الأمر بمقرر صدر في إطار قانون،ينص على عدم قابليته للطعن، مادام أن مبدأ مراقبة الشرعية يعتبر مبدأ دستوريا".

كما جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير صادر بتاريخ 20-7-1995 "تعتبر دعوى الإلغاء بمثابة دعوى القانون العام لإلغاء القرارات الإدارية عموما، أي يمكن أن توجه ضد أي قرار إداري دونما حاجة إلى نص قانوني صريح.

وحيث إنه لا يقبل وفقا لروح قانون 41-90 تحصين أي قرار من مراقبة قاضي المشروعية وحرمان المواطن في دولة الحق والقانون ،ضمانا لحقوقه وحرياته من مراقبة أعمال الإدارة،عن طريق دعوى الإلغاء التي تمارسها هيئة مستقلة عن الإدارة،تتكون من قضاة تابعين للسلطة القضائية،ولا يخضعون للتسلسل الرآسي أو لأي نوع من الوصاية،ويستعملون اختصاصاتهم من أجل حماية المواطن والإدارة معا".

وقد طبقت محكمة النقض ذات المبدأ في "قضية وليام وول" حيث لم يقبل إدعاء الإدارة،بكون القرار غير قابل للطعن ، بعلة أن النص المستند عليه هو نص عام،لا يمكن الاحتجاج به لأن إرادة المشرع في استبعاد دعوى الإلغاء لم تكن واضحة.

نفس المبدأ أكده قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 27/12/2006 جاء فيه "إذا كان الفصل 12 من ظهير 27/04/1919 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية،قد نص على عدم قابلية مقررات مجلس الوصاية للطعن، فإن هذا المنع لا يمكن أن ينسحب أثره على دعوى الطعن بالإلغاء،الذي يمكن القضاء الإداري من بسط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية، وفحص مدى مطابقتها للقانون.

وقد توج هذا المسار القضائي الرائد للقضاء الإداري بالمغرب،في منع وحظر تحصين أي قرار الإداري من الإفلات من الرقابة القضائية،بتأكيد الدستور الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 29 يوليوز 2011،على هذا المبدأ لأول مرة في الفصل 118 منه،بأن" كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة. "

وإذا كان الدستور قد ارتقى بقاعدة عدم تحصين القرارات الإدارية من الطعن إلى مستوى القاعدة الدستورية ذات القيمة الأسمى، والتي تحتل مركزا قياديا ورئيسيا في هرم التراتبية التشريعية، فإن أي نص قانوني لا ينضبط لمفهوم القاعدة الدستورية، يكون مشوب بعيب عدم الدستورية
الحاجة لإحداث المحكمة الإدارية العليا لدعم فعالية الطعن في قرارات الوضعية الفردية الماسة بالقضاة

إن بناء صرح قضاء إداري فعال ومتخصص في البت في المنازعات الإدارية متوقفا على إحداث محكمة إدارية عليا قائمة بذاتها كما بشر بها الدستور الجديد(الفصل 118) التي ستعلو الهرم القضاء الإداري،لتحقق ازدواجية كاملة للقضاء ،تسهر على مراقبة تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا وتوحيد الاجتهاد القضائي،وبالتالي الإسهام في ضمان الأمن القضائي الذي أشار إليه الفصل 119من الدستور.

ولا شك أن معظم التغيرات الحاصلة في المنظومة الدستورية مست عمل القضاء الإداري على مستوى إقرار مبدأ دستورية الرقابة القضائية الإدارية وحظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري والقضائي،لذلك يلزم التأكيد على :

-أن القضاء الإداري خيار استراتيجي دستوري لا محيد عنه في مواصلة بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون،بتنصيص الدستور صراحة على القضاء الإداري في الفصلين 114و 118 منه،وحماية مجال اختصاص هذا القضاء.

-ملائمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد

-استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.

-دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.

-تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة ،فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملائمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في نفس الوقت وبت الطمأنينة والأمان على مصائرهم .

-تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية .

-ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.

- مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا.

- تمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية.

-تنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي.

-إحداث مؤسسة المفوض الملكي وتدعيم دورها على صعيد المحكمة الإدارية العليا

-إحداث غرفة التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري .

ومما لاشك فيه فإنه لا يعقل بعد أكثر19من سنة من عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث المحكمة الإدارية العليا لأكثر من هذا الوقت ،مادام أن إحداثها له مرجعية سامية أكدها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 حيث قال حفظه الله "ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين".وهو خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين الغيوريين على حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه،والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي تخلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائين ،وتوطد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا،وتدعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه ،وتكرس توحيد الاجتهاد القضائي وتحقيق الأمن القانوني والقضائي

وقد مكن الإصلاح الدستوري من خلق دينامية جديدة على مستوى القضاء الإداري، من خلال إرسائه لمبادئ الحكامة الجيدة، مما أصبح معه القضاء المذكور مدعوا إلى الانخراط في دعم وتكريس المبادئ المذكورة خلال بته في المنازعات المعروضة عليه، فضلا على أن المستجدات الدستورية فرضت على مؤسسة القضاء الإداري ضرورة مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات،كما استوجبت تطوير تنظيم القضاء الإداري،ذلك أن التنصيص الدستوري الصريح على دور القضاء في ضمان الأمن القضائي،يقتضي تقريب القضاء الإداري من المواطن "قرب الجودة والإنصات والشفافية "لا "قرب المسافة والطرق"، وذلك بإقرار حقيقي لازدواجية القضاء،مع إعادة النظر في الخريطة القضائية.

و بخصوص الخريطة القضائية،فإنه لا يمكن الحديث عن حماية القاضي الإداري لحقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، في ظل خريطة قضائية يشوبها عدم التوازن من حيث توزيع المحاكم الإدارية وكذا عددها،تماشيا مع التنظيم الجهوي المرتقب.

وعلى المستوى التشريعي، يتعين إفراد قانون إجرائي خاص بالقضاء الإداري يتلاءم مع خصوصية المادة الإدارية ، ويتدارك الإختلالات الإجرائية التي كشفت عنها الممارسة القضائية.

-الحفاظ على تخصص القضائين الإداري والتجاري ودعمهما بمحاكم جديدة تغطي سائر جهات المملكةوإن كنا نفضل أن يتم الإبقاء على التخصص باعتباره وسيلة وغاية للاحترافية والتمرس والكفاءة في جميع المجالات القانونية و القضائية ،لأن التعميم والوحدة يضر أكثر مما ينفع،ويؤثر على استقرار المنظومة القضائية ويخلق بلبلة في نفوس المتقاضين،مما يساهم في اهتزاز الأمن القانونية والقضائي.

-العدول عن فكرة الأقسام المتخصصة بالمحاكم العادية لأنها ستنسف جهود سنوات من التخصص والتكوين والعطاء والتميز ،وسيصبح التخصص شعار أكثر من ممارسة لأنه لا يعقل أن يوكل لقضاة عاديون ممارسة تخصصات عدة لا علاقة لها بالإطار العام للاختصاص،لاسيما وأنه لا توجد ضمانات على تكوينهم وإفرادهم بنظر هذه المنازعات ذات الطابع التخصصي دون غيرها ،ففكرة تقريب القضاء من المتقاضين لا تتعلق بنظرة تبسيطية لعنصر المسافة"القرب الجغرافي " وإنما المقصود منها مقاربة القرب التخصصي بنظرة"قرب الجودة ".

وفي الأخير نختم بالقول أن الإبقاء على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض كجهة للطعن في قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية مقترح غير دستوري وغير منصف ويخالف مبادئ الحياد والعدالة التي تقتضي تولي جهة قضائية حيادية لا ينتمي أعضائها أو رؤسائها للمجلس ،لأن القاضي في حاجة إلى قاضيه الطبيعي وهو القاضي الإداري على مستوى الدرجة العليا لإحقاق الحقوق ورفع المظالم ورد الشطط ،وبغير ذلك فمصائر القضاة واستقلالهم معلق إلى حين
؟
فكيف نحمي المتقاضي والقاضي خائف بل ومذعور عن ضبابية مستقبل يؤرخ له "المتحفظون "على القضاء المتخصص بل والغريبة قواعده عنهم ،والذي سيجعل الطعن على القرارات الماسة بالوضعية الفردية للقضاة بلا عنوان ولا طعم ولا رائحة زكية؟؟وكأني بالمشروع يقول للقاضي اطعن ،فأنت خاسر منذ البداية له؟يكفيك ربح الوقت وخسران القضية؟تحمل جرأة المشرع؟وفتوى المفتين؟فهل من مجيب؟فللتنظر جميعا قرار محكمتنا الدستورية؟


الاربعاء 19 فبراير 2014


تعليق جديد
Twitter