Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




أهمية الدور الاستشاري الذي يضطلع به المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي


     


عمرو تيشوت
باحث في القانون الخاص



أهمية الدور الاستشاري الذي يضطلع به  المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
 
     تعتبر مؤسسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هيئة استشارية وتمثيلية لمختلف المصالح الاقتصادية والاجتماعية، تتولى تقديم آراء استشارية للسلطات العمومية في المجالات التي تدخل ضمن اختصاصاتها. وليس للمجلس سلطة اتخاذ القرار، فهو مجرد مستشار للحكومة والبرلمان في المجال الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والرأي الاستشاري يشكل مجرد وثيقة إضافية إلى ملف القرار النهائي، بعد ذلك تتولى السلطة وحدها دراسة الملف والفصل فيه.

   وعليه، يمكن القول أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يساهم بحكم مهامه الاستشارية في تقييم السياسات العمومية والاقتصادية والاجتماعية (الفقرة الأولى) كما يعمل على المشاركة في صناعة القرارات السياسية (الفقرة الثانية).
 
 
 
   الفقرة الأولى: تقييم السياسات العمومية والاقتصادية والاجتماعية

إن وظائف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تعتبر أكثر أهمية من أي مجلس استشاري آخر، ذلك لأنه يقود إلى معرفة مجموعة من الإشكالات التي تهم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
لابد من الإشارة، إلى أن معظم الدول التي أخذت بمفهوم المجلس الاقتصادي والاجتماعي اعتمدت أكثر من صيغة لتعميق دور المؤسسة وزيادة فعاليته، ونذكر على الأخص:
 
  • النص على وجوب نشر الآراء التي يعدها المجلس والتقارير التي يضعها في الجريدة الرسمية، كما هو الوضع في تجارب فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، وذلك بهدف جعل الآراء والتقارير وثائق ضمن المحفوظات الوطنية، وإعطائها طابعا رسميا، يمكن الرجوع إليه في كل وقت لتبين التوجهات الوطنية العامة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
  • النص على أن تقوم السلطة السياسية في كل مرة لا تأخد فيها برأي المجلس في موضوع يطلب إليه إبداء الرأي فيه، بتعليل أسباب عدم الأخذ بالرأي المقترح من لدن المجلس، من ذلك مثلا مقتضى الفصل 4 من أمر 29 دجنبر 1958 بمثابة قانون تنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي، الذي ألزم الحكومة بأخد أشغال المجلس بعين الاعتبار
وتقديم تقرير سنوي يتضمن مآل ومصير آرائه.
 
   والحق، أنه على الرغم من أن وظيفة المجلس استشارية صرفة، فإن ذلك لن يمنع من أن تكون نتائجه ملزمة بالنسبة لتصورات وخطط العمل الحكومي وكذا لتشريعات مجلسي البرلمان، والتوجهات الكبرى للبلاد.
   ومادام أن النتائج والدراسات التي توصل وسيتوصل لها المجلس قائمة على رأي خبراء وباحثين وفاعلين خمنوا ودبروا بحوثهم بدراسات معمقة، لذلك فإن تفعيل أي سياسة حكومية لن تتم ما لم تتعزز مقترحاتها وخططها بمصداقية وشرعية نتائج المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي ليس بالتقني المختص في مجال محدد، فهو بحكم تركيبته، جهاز استشاري يقدم آراء استشارية دقيقة ومتكاملة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي فإن مقاربته للمشاكل ليست مقاربة تكنوقراطية.
ومن جانب آخر، نستنج من خلال النصوص القانونية المنظمة للوظيفة الاستشارية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي، أن المجلس يساهم بشكل فعال في تقييم السياسات العمومية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك عن طريق إصدار تقارير دورية وسنوية حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي للدولة. ونعني بالتقييم هنا، تحليل الفعل والشروط الذي تنتج فيها السلطات تصورات وممارسات من أجل معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
 

                       الفقرة الثانية: المساهمة في صناعة القرار

   تجدر الاشارة إلى أن أهمية استشارة المجلس الاقتصادي والاجتماعي لا تكمن في الرأي الاستشاري الذي يصدره، وإنما حاجة الحكومة والبرلمان بمجلسيه للخبرة حول مواضيع معينة، وردود الجسم الاجتماعي corps social) ( وذلك لتجنب اتخاذ القرارات السيئة أو غير المناسبة.
وفي هذا الإطار يعتقد Jean pierre Beurier أن الآراء تعكس إما وجهة نظر مهنيين مؤهلين، أو الشعور العام لمقومات الجسم الاجتماعي، وتمثل مصدر لا يستهان به للمعلومات من شأنه التأثير أحيانا بشكل مباشر وعلى المدى البعيد على وجهة نظر صاحب القرار.
فهو بمثابة مقياس يمكن الحكومة من معرفة مواقف ممثلي القوى الاقتصادية والاجتماعية من المسألة المعروضة والحل المقترح، وبالتالي يسمح بتقييم أوجه التقارب والاختلاف، انطلاقا من مختلف وجهات النظر المتبادلة بين الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين.
فإذا كانت هذه الصيغة من الاستشارة بعيدة عن عملية اتخاذ اقرار، فإنها قريبة من المشاركة فيه.
و يستشف من خلال التقارير الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي في التطبيقات المختلفة، أن العديد من الأفكار والمقترحات التي تقدمها المؤسسة تدرجها السلطات العمومية كلا أو جزءا، إما في إطار الأنظمة المختلفة أو ضمن مشاريع القوانين والمقترحات التي تعرض على البرلمان، فتأثير آراء وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي في النشاط التشريعي يمكن أن يتم خلال المرحلة التحضيرية للنصوص التشريعية. فالسلطة الحكومية لما تراجع المؤسسة من أجل استصدار رأي استشاري حول مشروع قانون معين إنما تود بذلك إشراك الهيئة الاستشارية في العملية التشريعية، وفي هذا الإطار توجد العديد من الأمثلة في التجارب المقارنة، تبرز بلورة مقترحات المجلس الاقتصادي والاجتماعي في إغناء العديد من النصوص.
   كما يمكن لآراء وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن تؤثر على النشاط التشريعي بشكل غير مباشر، فبمناسبة مناقشة مشروع أو مقترح أمام البرلمان، وفي إطار أشغال اللجن البرلمانية يمكن لأعضاء المؤسسة التشريعية اعتماد مقترحات وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي كمرجعية لأو أرضية لاستلهام مجموعة من الأفكار وتطويرها في تعديلات من النصوص القانونية المعروضة للمناقشة.
   كما يمكن للحكومة أيضا أن تسترشد بمقترحات الهيئة الاستشارية وتقدم تعديلات على النصوص. ومن هنا تتبين أهمية العمل الاستشاري في تطوير العمل التشريعي.
   ولاشك أن تقارير وآراء المجلس الاقتصادي والاجتماعي وإن كانت لا تحظى دائما بالتطبيق من لدن السلطات العمومية، بحيث أن استشارة المجلس لا تعدو أن تكون وثيقة من وثائق الملف المتعلق بالقرار السياسي، وبالتالي فالسلطة ليست ملزمة بالتقيد بآراء المؤسسة الاستشارية، إلا أنه مع ذلك تشكل تلك الوثيقة مصدر معلومات ومعطيات وأفكار مهمة تسترشد بها السلطات في مختلف مراحل مسلسل اتخاذ  وتنفيذ القرار. ويبدو ذلك جليا في مجال التخطيط، الأمر الذي يعتبر داخلا ضمن التأثير غير المباشر للمؤسسة على الصعيد التشريعي، يضاف إلى ما سبق أن المنظومة القانونية في التجارب المقارنة جعلت من استشارة المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلزامية في العديد من المسائل والقضايا التي تدخل ضمن اختصاص المؤسسة.
وعلى الرغم من المكانة الهامة التي يحتلها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في النظام القانوني المغربي، فإنه يأخذ على هذا المجلس أن قراراته غير ملزمة للحكومة، كما أنه يغلب على تشكيلته الطابع السياسي، وهو ما قد يفقد المجلس لمصداقيته وموضوعيته، كما أن بعض المواضيع استبعدت من ضمن اختصاصاته، وبالتالي لا مجال لاستشارته في ذلك، كحقه في إبداء الرأي حول قانون المالية قبل المصادقة عليه.
وعليه، يتحدد دور المجلس في صناعة القرار السياسي، من خلال جملة من الأدوار والعمليات والمبادرات، التي تجسد تفاعل المجلس مع القضايا والمشاكل المطروحة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المغربي أو ضمن محيطه الخارجي.
بعد تناولنا للوظيفة الاستشارية للمجلس من حيث مضمونها وتمظهراتها ومن حيث أهميتها العملية، يبقى من الضروري معرفة كيفية ممارسة هذه الوظيفة من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي.
 
 
المراجع المعتمدة:
 
  • عبد القادر باينة:  الهيئات الاستشارية بالمغرب، مطبعة دار النشر المغربية، الدارالبيضاء )دون ذكر الطبعة) 1991.
  • منصف السليمي: الوظيفة الاستشارية والتغيير في المغرب - تجربة المجلس الوطني للشباب والمستقبل – دار توبقال للنشر 1999.
  • عبد النبي الصاغير: المجالس الاقتصادية والاجتماعية، دراسة مقارنة من خلال بعض النماذج، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس –أكدال- الرباط، 2006-
  • محمد زين الدين: أضواء على المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، منشورات المجلة المغربية للسياسات العمومية، ت إ 2010، دون ذكر العدد.
 
  • Dominique – jean chertier : pour une reforme du conseil economique et social et envirommental , rapport au président de la republique du France ; 15 janvier 2009.
 
  • Beurier (J.P) «  le role du conseil économique et social ».revue de droit public ;1982 ; p 1647.

الاثنين 30 مارس 2015
1540 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter