Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




أدوار الصفقات العمومية بين الإطارين النظري والتطبيقي


     


هشام التزكيني

رئيس قسم تدبير الممتلكات لدى مؤسسة عمومية



أدوار الصفقات العمومية بين الإطارين النظري والتطبيقي
تتشكل الصفقات العمومية من شبكة من المفاهيم والمبادئ والمساطر المركبة داخل منظومة تشريعية وتنظيمية يتعدد فيها الفاعلون والمتدخلون. ومن أبرز خصائصها، بالإضافة إلى حدة الشكليات، سرعة تطور نظامها وتأثره بالمتغيرات والمستجدات. كما تعد الصفقات وسيلة لصرف المال العام، استجابة لحاجيات مصالح الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، وتنفيذا للسياسات والبرامج والمشاريع العمومية المتعلقة بمختلف القطاعات، وطنيا ومحليا. ولها بالتالي تأثير واضح على حياة المواطن وسير المقاولة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

على المستوى الاقتصادي، يؤثر ميدان الصفقات العمومية بشكل كبير في دعم الطلب الداخلي والنمو الاقتصادي، ويزخر بفرص حقيقية للمقاولات لرفع أرقام مبيعاتها وتطوير أعمالها سواء تعلق نشاطها بقطاع الأشغال أو الخدمات أو توريدات السلع والبضائع. بلغة الأرقام، يمثل هذا الميدان، بالنسبة للعديد من الدول، ما بين 15 و20 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وحسب آخر الإحصاءات، تطورت الصفقات العمومية المغربية لتصل قيمتها إلى 160 مليار درهم أي ما يعادل 24 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مسجلة نموا سنويا كبيرا، قُدر متوسطه ب 30 في المائة خلال السنوات الأخيرة. وهذا جهد استثماري عمومي ضخم تنتعش من خلاله قطاعات اقتصادية كالهندسة والدراسات، والبناء والأشغال العمومية، اللذين تبلغ أرقام أعمالهما القائمة على الصفقات العمومية أكثر من 70 في المائة. وبالموازاة مع تنميتها للاقتصاد وإنعاشها للمقاولة، تساهم الصفقات في ضمان الموارد الضريبية للدولة، من خلال إلزام المقاولات المتنافسة على تأكيد صحة التزاماتها الضريبية كشرط لمشاركتها في الصفقات العمومية.

و على المستوى الاجتماعي، تساهم الصفقات العمومية في محاربة البطالة وتحسين ولوج الطبقة العاملة للخدمات الاجتماعية الأساسية. فاشتغال المقاولة في بيئة اقتصادية مدعومة بالاستثمارات العمومية له تأثير إيجابي على الشغل. وإذا ما استحضرنا مثلا مساهمة قطاع البناء والأشغال العمومية في تشغيل اليد العاملة بالمغرب، يتبين جانب من الدور الاجتماعي الذي تؤديه الصفقات العمومية من خلال مناصب الشغل التي توفرها، مساهمة بذلك في القضاء على البطالة. كما يحسب للصفقات، على هذا المستوى، دورها في إنعاش ولوج الطبقة العاملة للخدمات الاجتماعية الأساسية، كالتغطية الصحية، والتعويضات العائلية والمعاشات، وذلك من خلال إلزام المقاولات المتنافسة على تأكيد صحة التزاماتها تجاه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إن هي أرادت ولوج الصفقات العمومية.

و هنا يفتح قوس للتأكيد على أن الربط بين استفادة المقاولة من الصفقات العمومية وبين صحة التزاماتها الضريبية والاجتماعية شرط موضوعي يستدعي تفعيله مزيدا من الجهود، حيث أن التهرب الضريبي أو عدم التصريح بالأجراء يخدش المنافسة ويفرغها من جوهرها. فمن السخرية أن تصبح المقاولات الملتزمة بالتصريح الضريبي والتصريح بالأجراء ممول غير مباشر لمنافسيها من الشركات التي تتهرب من إدارة الضرائب ومن صندوق الضمان الاجتماعي. بالتالي، من الإنصاف وضع جميع المقاولات على قدم المساواة أمام الأعباء العامة قبل تمتيعهم بالمساواة على مستوى ولوج ونيل الصفقات العمومية. و لا ندري في هذا الشأن هل تنبه مجلس المنافسة لهذا الأمر وتناوله في الدراسة التي أجريت لحسابه مؤخرا حول تنافسية ميدان الصفقات العمومية؟

بالمقابل، ذهبت ممارسات دولية إلى أبعد من هذه الوظائف الكلاسيكية، فاستخدمت الصفقات العمومية كوسيلة من أجل النهوض بحماية البيئية و محاربة الإقصاء والفقر والتهميش . فإذا توفرت الشروط القانونية و الإرادة والكفاءة اللازمة، يمكن للجانب التعاقدي في الصفقات العمومية أن يمكن الدولة من إلزام الشركاء الاقتصاديين بتقديم خدمات وأشغال وتوريدات تحترم البيئة، وهو ما يطلق عليه اسم المشتريات العمومية المستدامة أو الخضراء. كما يمكن في سياق رفع التحديات التي تواجه الدولة على مستوى التزاماتها المتعلقة ببعض الفئات من المواطنين، أن تقوم الإدارات والهيئات العمومية بتشجيع المقاولات المتعهدة على توظيف الفئات الأقل حظا في ولوج سوق الشغل كذوي الاحتياجات الخاصة أو بتشجيع التجارة المنصفة التي من شأنها أن تحارب الفقر وتحقق فعلا الإنصاف لبعض الصناع والحرفيين وتخلق فرص جديدة لهم و بالتالي تخلصهم من الفقر والتهميش.

أما على المستوى السياسي، فبالنظر إلى الصفقات العمومية كوسيلة لإعادة توزيع الثروة ولتنفيذ السياسات العمومية من جهة، وتعلق مخرجاتها من الخدمات العمومية ومدخلاتها من الضرائب بالمواطن والمقاولة من جهة ثانية، يمكن القول أن النظر في النتائج التي يحققها هذا الميدان للمواطن يدخل ضمنا في عملية تقييمه السياسي لأداء الحكومات والمؤسسات الدستورية، وجوانب هذه العلاقة التي تربط المواطن بالصفقات على مستوى واجبه في تمويلها وحقه في الاستفادة منها، هي التي تؤسس لشرعية المواطن الرقيب على الشأن العام وتمكنه من الـتأثير في السياسة العمومية وفي الفاعل السياسي عبر مختلف الآليات الديمقراطية كالانتخابات والاحتجاج وإبداء الرأي، أو عبر الثورات في حال انسداد آفاق العمل السياسي الحر والنزيه، كما حدث في بعض البلدان العربية. بصيغة أخرى، تعتبر الصفقات العمومية نقطة تقاطع حساسة بين ما هو مالي واقتصادي واجتماعي وسياسي، والإختلالات التي تطال هذه المجالات تؤثر بشكل مباشر على جوانب حيوية من المعيش اليومي للمواطن: فغياب العدالة الضريبية يستنزف دور المواطن كممول للصفقات؛ وضعف وقعها الاقتصادي والاجتماعي يبخس حقه في الاستفادة من الاستثمارات العمومية بشكل عادل؛ كما أن عدم ملائمة النتائج لانتظارات المواطن يتجاهل دوره كفاعل في تقييم السياسات العمومية؛ وأخيرا، تزوير الانتخابات وقمع الحريات يحرف إرادة المواطن كناخب وينتهك العقد السياسي الذي بموجبه يفوض تدبير الشأن العام للسلطات العمومية. بهذا المنطق يمكن فهم تطور الأوضاع في بلدان الربيع العربي وما اتخذته الحكومات من تدابير إصلاحية. هذا، وإن لهذه المقاربة، التي تنطلق من جوانب علاقة المواطن بالصفقات العمومية، أهميتها على مستويين اثنين : المستوى الأول يتعلق بتقدير حيز الاختلالات التي يعاني منها الميدان والذي لا يمكن اختزاله في حدود أنشطة تفويت وتنفيذ الصفقات العمومية، بل له امتدادات متعلقة بالسياسة الضريبية والمالية العمومية على سبيل المثال. أما المستوى الثاني، فيتعلق بوضع معالم النموذج الإصلاحي البديل الشامل والمندمج لمنظومة الصفقات العمومية الذي يجمع بين الإصلاح الضريبي وإصلاح المالية العمومية ودمقرطة الحياة السياسة وإشراك المواطن في تسيير الشأن العام والرقابة عليه، فضلا عن توحيد وتطوير الإطار القانوني المنظم للطلبات العمومية ، بالإضافة إلى ما يتفرع عن هذه الميادين من مجالات إصلاح داعمة كالقضاء والولوج إلى المعلومات والتكوين والوظيفة العمومية والشبه عمومية ومنظومة الأجور..

من جانب آخر، لا ينبغي للمتناول لموضوع الصفقات العمومية أن يكتفي بالإطار النظري الذي يخص أدوارها الاقتصادية والاجتماعية، بل عليه الاستناد إلى معطيات ميدانية، حتى يقَيم النتائج ويحدد الفوارق ويقترح ما يُمَكن من سد الثغرات. وبالعودة إلى المغرب، تجدر الإشارة إلى أن التقييم العلمي لأدوار الصفقات العمومية ليس عملا يسيرا، والسبب راجع بالأساس إلى عدم نشر أرقام وإحصاءات رسمية دورية ومحينة بشكل منتظم حسب معايير مختلفة : عدد الصفقات، موضوعاتها، أماكن تنفيذها، مبالغها، نائلوها، مصادر تمويلها، إلى غير ذلك من المعطيات المفيد وضعها رهن إشارة الفاعل الاقتصادي والمسير العمومي والباحث الأكاديمي، وكذلك الإعلامي والمواطن كرقيب خارجي على صرف الأموال العمومية. ومع ذلك، طفت في السنوات الأخيرة بعض التقارير الصادرة عن بعض المؤسسات الرسمية التي استطاعت أن تمد المتتبعين بصورة مدعومة بالأرقام عن جوانب مهمة من الصفقات العمومية.

في هذا الإطار، وعلى الرغم من إشادة كل من البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بجهود إصلاح الحكومات السابقة لمنظومة الصفقات في تقريريهما الصادرين تباعا سنوات 2000 و2008، إلا أنه، واستنادا إلى خلاصات مجموعة من التقارير الوطنية الصادرة بعد ذلك عن مؤسسات رسمية ومدنية، يمكن الخروج باستنتاج مفاده أن هذه الإصلاحات لم تتمكن، على أرض الواقع، من تخليص ميدان حيوي كالصفقات العمومية من الممارسات السلبية كالرشوة والزبونية أو تمكينه من المساهم الفعالة في تنمية الاقتصاد وإنعاش المقاولات الوطنية خصوصا الصغرى منها والمتوسطة. فطبقا للاستقصاء الذي قامت به الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة سنة 2010، أكد 59 في المائة من عينة المقاولات المستجوبة أن تفويت الصفقات العمومية ينتج عنه رشاوى قدرت ب 10 في المائة من قيمة العقد. وعلى نفس المنوال، سارت نتائج الدراسة التي أجريت لفائدة مجلس المنافسة والتي أعلن عنها في يونيو 2012، حيث أقر 63 في المائة من المقاولات التي شملتها الدراسة بوجود الرشوة في تفويت الصفقات العمومية، في حين أكد 54 في المائة أن المجال يعاني من المحسوبية. كما يستفاد من خلاصات تقرير المجلس الإقتصادي والإجتماعي المتعلق بالصفقات العمومية الذي أعلن عنه في 30 غشت 2012، أن الحكومات المتعاقبة عل تدبير الشأن العام بالمغرب لم تستطع، خلال العقد الأخير، أن تجعل من الطلبات العمومية رافعة حقيقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على الرغم من ارتفاع قيمتها من 39 مليار درهم سنة 2002 إلى 160 مليار سنة 2011 . كما أن الإصلاحات التي عقدتها سنة 1998 و2007 لم تستطع أن تحقق الأهداف المنشودة المتعلقة بالشفافية وتبسيط المساطر وتسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى الصفقات العمومية. بل وكان لميدان الصفقات العمومية، في تلك الفترة، بالغ الأثر على عجز الميزان التجاري، بسبب اللجوء إلى الأسواق الخارجية عوض السوق الوطنية، وبصيغة أخرى بسبب استفادة المقاولات الأجنبية من ثمار الصفقات العمومية المغربية على حساب المقاولات الوطنية.

المفارقة الواضحة في هذا الجانب، أنه في الوقت الذي تُفتح فيه الصفقات العمومية المغربية لصالح المقاولات الأجنبية، سُجل تحول نوعي ذو طابع حمائي للسياسة الدولية في هذا الميدان . فعلى إثر الأزمة الاقتصادية لسنة 2008، ركزت معظم الدول على الصفقات العمومية لدعم الطلب الداخلي وخلق فرص الشغل، وأسفر هذا الخيار عن اتخاذ بعض التدابير الحمائية من أجل توطين الصفقات واستفادة المقاولات الوطنية من ثمارها. على سبيل المثال، كانت اللجنة الأوربية قد أعدت في مارس 2012، بعد مخاض طويل دام حوالي سنتين، مقترح نص قانوني يسمح بتطبيق مبدأ "المعاملة بالمثل"، الذي يخول لدول الإتحاد إغلاق صفقاتها أمام شركات الدول التي تغلق هذا الميدان في وجه نظيرتها الأوربية.

وغير بعيد عن المغرب، تداعت مختلف الأطراف في فرنسا شهر يوليوز 2012 ضد إعلان فوز شركة، تملك مركز اتصال داخل المغرب، بصفقة فرنسية تقدر ب 15 مليون أورو لمدة ثلاث سنوات. لقد تدخل رئيس فرنسا "فرونسوا هولاند" شخصيا في هذه القضية ودعا إلى اليقظة لدعم الشغل في فرنسا. كما دعا في البداية وزير النهوض بالإنتاج "أرنو مونتبورغ" إلى مراجعة قرار تفويت الصفقة ليستطيع في النهاية أن ينتصر لقضية الشغل في فرنسا، حيث أُجبرت الشركة التي تملك مركز اتصال داخل المغرب، على تخصيص جميع مناصب الشغل التي سيوفرها المشروع للفرنسيين، وهو ما يعني مباشرة تخلي الشركة على جميع مناصب الشغل التي كان المغرب سيستفيد منها، وفق ما ذكرته جريدة المساء، والتي تناهز 80 منصبا.

على العموم، تجلت، في السنتين الأخيرتين، مجموعة من المؤشرات تدل على ارتفاع الوعي لدى جميع الأطراف في الدول العربية بأهمية الصفقات العمومية كرافعة تخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار السياسي، وتؤشر على دخول هذا الميدان في ربيع سيزهر على عدة مستويات ذات الصلة. والمغرب لا يستثنى من هذه الدينامية الإيجابية، حيث خطت الحكومة المغربية خطوة هامة من أجل تمكين المغرب مما يمكن أن يصطلح على تسميته "سياسة للشراء العمومي". حيث أصدر السيد عبد الإله ابن كيران يوم الأربعاء 22 غشت 2012 منشورا يتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2013 و الذي يمكن اعتباره مؤسسا لسياسة متطورة للشراء العمومي. و تتلخص أبرز معالم هذه السياسة في ربط الإنفاق العمومي بالحاجيات الضرورية؛ التقليص من النفقات المتعلقة بالدراسات مع الاستثمار الأمثل للموارد البشرية المتوفرة؛ تأسيس مبدأ الاستغلال المشترك للوسائل المتاحة؛ ربط اعتمادات الاستثمار بمستوى الإنجاز وبتقييم الوقع الاقتصادي والاجتماعي؛ تشجيع استهلاك المنتوج الوطني؛ تخويل المقاولات الصغرى والمتوسطة الأفضلية وتسريع صرف مستحقاتها؛ بالإضافة إلى تسهيل وتشجيع ولوج المقاولات الوطنية للصفقات العمومية، وخاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة

السبت 3 نونبر 2012
2117 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter