MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers



مقترحات القوانين البرلمانية بين "الضعف التقني" والحاجة للتشريع الوطني

     



مقترحات القوانين تحت المجهر .. مبادرة البرلمان وحائط الحكومة (1/3)

يتناول نائب برلماني الكلمة من الصفوف الأمامية بقاعة الجلسات العامة في الغرفة الأولى للمؤسسة التشريعية. وسط صمتٍ مطبق، تعلو “نبرة حادة” استند إليهما النائب للتنبيه إلى أن الفصل 82 من الدستور ينص على تخصيص يوم واحد في الشهر على الأقل لدراسة مقترحات القوانين ومناقشتها؛ غير أنها “راكمت عددا هائلا دون تحرك جدي يتولى برمجتها أو البتّ فيها”.

يظهر مسؤول حكومي يخاطب المستشارين قائلا: “إذا كانت الحكومة عاجزة عن الإتيان بقانون، فأنتم بصفتكم مستشارين بإمكانكم التقدم بمقترح قانون يتجاوب مع إشكالات المساس بالحياة الخاصة في الفضاء الرقمي، ونحن سندافع عنه وسنطبقه”، معتبرا أن “نقطة ضعف الحكومة تكمن في عدم تقديمها قانونا يرقى فعليا إلى مقتضيات الوثيقة الدستورية في هذا المجال”.

المشهدان، الأول الذي جسّده إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، في “بيت النواب” يوم الاثنين 26 يناير 2026، والثاني الذي جسّده عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، تحت قبة “المستشارين” يوم الثلاثاء 23 دجنبر 2025، يفتحان سجالا واسعا حول “عقيدة التشريع” بالمغرب؛ أو كيف تتحول مقترحات القوانين من آلية للمبادرة البرلمانية إلى “تراكم” أو “تفاوض متوتّر” بين سلطتين.

 

توتّر حصيلة

لاختبار هذا النقاش أساسا داخل “ورشة البيانات”، أوضحت المعطيات التي تولت هسبريس تجميعها وتدقيقها وتحيينها أن الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026) سجلت، إلى غاية فبراير الجاري، “طفرة رقمية” بإيداع 469 مقترح قانون؛ وهو ما يمثل قفزة كبيرة مقارنة بالولاية العاشرة (2016-2021) التي سجلت 275 مقترحا، والولاية التاسعة (2011-2016) التي توقفت حصيلتها عند 242 مقترحا.


ويبدو أن المعارضة البرلمانية تُهيمن على حصيلة المبادرات التشريعية في الولاية الحالية؛ حيث يوجد الفريق الحركي في المرتبة الأولى بـ143 مقترحا، ويليه الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بـ108 مقترحات. فيما استقرت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عند 67 مقترحا، بينما سجل فريق التقدم والاشتراكية 36 مقترحا.

أما على ضفة الأغلبية الحكومية، فقد قدم فريق الأصالة والمعاصرة 41 مقترحا، في حين رفع فريق التجمع الوطني للأحرار حصيلته إلى 30 مقترحا، بينما استقرت مساهمة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية عند 22 مقترحا.

وفي ما يخص الجلسات العامة المخصصة لمقترحات القوانين، كشفت بيانات هسبريس أن الولاية الحالية سجلت، حتى الآن، انعقاد 17 جلسة فقط؛ وهو الرقم ذاته الذي استقرت عنده حصيلة الولاية العاشرة (2016-2021). ومع وجود دورة ربيعية كاملة ستنطلق في أبريل المقبل، يظل الباب مفتوحا لرفع هذه الحصيلة وتجاوز عتبة الولاية التاسعة (2011-2016) التي عرفت انعقاد 19 جلسة.


هذه الحصيلة العددية “غزيرة” بالنظر إلى تلك التي تمت المصادقة عليها فعلا؛ فمن أصل 469 نصا أودع لدى مكتب المجلس، صادقت الغرفة البرلمانية الأولى، خلال هذه الولاية الحالية، على 19 مقترحا فقط، مقابل تمرير 202 مشروع قانون تقدمت بها الحكومة.

يبلغ مجموع النصوص المصادق عليها، إذن، 221 نصا، سواء ذات المصدر الحكومي أو البرلماني. وتمثل الأخيرة 8.60 في المائة مقابل 91.40 في المائة للنصوص الحكومية. وحين نعود إلى الولاية التشريعية (1997-2001) في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي، نجد أنه صودق على 20 مقترح قانون إلى جانب 176 مشروع قانون، أي بنسبة 10.20 في المائة للمقترحات مقابل 89.80 في المائة تهم “نصوص الحكومة”.


وبيّن محمد الحجوي، الأمين العام للحكومة، في وقت سابق، أن الحكومة تحترم “النسبة المتعارف عليها دوليا” بخصوص مقترحات القوانين؛ لكن رشيد المدور، الخبير في القانون البرلماني، أكد أن “حجم الهوة لا يُقاس بعدد المقترحات المودعة أو المصادق عليها فحسب”، معتبرا أن “الصواب إسقاط المقترحات المسحوبة من أصحابها، وعدم الاقتصار على المصادق منها؛ ففي الحالتين لا تتحمل الحكومة مسؤولية”.

وزاد المدور: “الإنصاف يقتضي مقارنة عدد المقترحات المبرمجة فقط، بغض النظر عن قبولها أو رفضها، بعدد مشاريع القوانين”.

قلق في التشريع

مع أن حصة ولاية التناوب التوافقي تصدرت الربع قرن الأخير، صرّحت الحكومة الحالية على لسان مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسمها الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، بأن “موقفها من مقترحات القوانين التي يتقدم بها أعضاء البرلمان يخضع لمجموعة من الاعتبارات التي تتعلق أساسا بضرورة توفر الانسجام بين المقترحات المقدمة وبين البرنامج الحكومي المتعاقد حوله مع هذه المؤسسة”.


بايتاس تطرق، في حديثه إلى جريدة هسبريس الإلكترونية، إلى عنصر “الأثر المالي والالتزامات المترتبة عليه”؛ فضلا عن “ضرورة تحقيق الانسجام التشريعي، خاصة مع المشاريع التي تنخرط فيها بلادنا”.

وأورد الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان ـ الناطق الرسمي باسم الحكومة أن “المواقف التي تعبر عنها الحكومة بخصوص مقترحات القوانين تتعلق برغبة الحكومة في تجويد النصوص التشريعية”؛ وهو ما يجعل تفاعل السلطة التنفيذية مع مقترحات القوانين البرلمانية مبنيا على المسؤولية والتوازن”.

وشدد المسؤول الحكومي على أن “الحكومة منفتحة على كل المبادرات التشريعية التي يتقدم بها أعضاء البرلمان من الأغلبية والمعارضة، كما أنها ملتزمة بتطبيق برنامجها الذي على أساسه نالت ثقة البرلمان، بما فيه الجانب التشريعي”، مردفا أنها “تظل حريصة على التفاعل مع المقترحات التي تنسجم مع البرنامج الحكومي المتعاقد حوله”.

وتابع الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان: “في الوقت نفسه يجب أن تندرج هذه النصوص ضمن مجال القانون، أو أن لا يكون لها انعكاس مالي على ميزانية الدولة، أو أن موضوعها يندرج ضمن التشريعات التي التزمت الحكومة بمراجعتها”، منبها إلى أن بعضها أحيانا “يرتبط بإصلاحات شمولية تقتضي القيام بمشاورات موسعة مع مختلف المتدخلين في هذا المجال”.

في السياق ذاته، أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة أن هذه الأخيرة “حريصة على التفاعل السريع مع مقترحات القوانين”، كاشفا أنها “عقدت ما مجموعه 41 اجتماعا إلى غاية 11 فبراير 2026، عبرت خلالها عن موقفها من 484 مقترح قانون؛ مما يعكس الجهود المبذولة في إطار تسريع التفاعل مع مقترحات القوانين”.


الملاحظ هو أن ما تعتبره الحكومة “تعاطيا متوازنا ومسؤولا”، تعتبره معارضة البرلمان “تغولا وهيمنة” يفضي، وفق قول عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، إلى “ضعف واضح في التفاعل السلطة التنفيذية مع مبادرات النواب؛ رغم أهمية عدد من المقترحات المطروحة، ورغم ما تحمله من حلول عملية وإصلاحات ممكنة”.

شهيد قال، خلال نقاشه مع هسبريس، إن “المبادرة التشريعية البرلمانية ليست مجرد حق شكلي؛ بل آلية أساسية لتجديد السياسات العمومية وإغنائها، خاصة حين تصدر عن المعارضة البرلمانية التي يفترض فيها أن تلتقط الاختلالات وتقترح البدائل”.

وأورد أن “ضعف التفاعل الحكومي مع هذه المبادرات لا يمس فقط بحقوق الفرق النيابية؛ بل ينعكس سلبا على جودة التشريع وعلى ثقة المواطنين في جدوى العمل البرلماني”.

وتابع رئيس أول مكونات المعارضة بالغرفة البرلمانية الأولى شارحا: “سجلنا في العديد من المناسبات هذه الاختلالات البنيوية في تدبير الزمن التشريعي وهيمنة منطق الأغلبية الحكومية على مسار التشريع”، معتبرا أن هذا “الواقع” يؤكد “الحاجة الملحة إلى إصلاح حقيقي لمساطر التعامل مع مقترحات القوانين، بما يضمن لها النقاش الجدي والتفاعل المسؤول والإنصاف المؤسساتي”.

الحق في التحرك

في تحليله للفجوة الهائلة بين عدد مشاريع القوانين الحكومية وبين مقترحات القوانين البرلمانية، رفض رشيد المدور، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني، التصنيف السائد الذي يعتبر البرلمان “مشرّعا فرعيا”.

وأوضح المدور، في إفادته لهسبريس، أن “البعض يستند إلى الفجوة العددية ليصف الحكومة بـ’المشرع الأصلي’ والبرلمان بـ’المشرع الفرعي’؛ وهو توصيف مجحف في حق البرلمان”.

وشدد الخبير في القانون البرلماني على أن “البرلمان يظل، دستوريا وعمليا، محور العملية التشريعية”، لافتا إلى أنه “هو الذي يدرس القوانين، يناقشها، يعدلها، ويصوت عليها بالقبول أو الرفض”.

وتابع المتحدث عينه: “معيار قياس هذا الدور المركزي ليس عدد المشاريع مقابل المقترحات المصادق عليها؛ بل المقارنة بين الصيغة الأولية لمشاريع ومقترحات القوانين، عند إيداعها لدى مكتب المجلس، وبين الصيغة النهائية المصادق عليها”.


كما اعتبر العضو السابق في المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية) أن “هذه المقارنة تكشف حقيقة الجهد التشريعي البرلماني من خلال حجم التعديلات التي يدخلها، بغض النظر عن مصدر المبادرة”، مشيرا إلى أن “البرلمان يبقى مجسدا للسلطة التشريعية، ولا يصح التنقيص من دوره لمجرد فارق عددي يتعلق بالمبادرة بالتشريع”.

وقرأ المدور “الهوة” بين عدد مشاريع القوانين وبين مقترحاتها البرلمانية كبيرة باعتبارها “طبيعية”، مفيدا بأن “الحكومة لها برنامج وسياسات عمومية تُنفَّذ عبر القوانين، من خلال مخطط تشريعي تضعه، فهي المعنية أساسا بالمبادرة”.

وزاد المتحدث عينه: “أما البرلمان، فليس له مثل هذا البرنامج، ودوره المركزي هو الدراسة والمناقشة وإدخال التعديلات والتصويت، مع وقوع عبء المبادرة على الحكومة، وهذا واقع كل برلمانات العالم”.

بناء عليه، ذكر الخبير القانوني أنه “ينبغي أن تكون المبادرة التشريعية حكومية في الغالب، والإمكانية أمام البرلمانيين للاقتراحات تهدف إلى تجويد القوانين الجاري بها العمل أو سد النقص في مجالات غير أولوية عند الحكومة”، مبرزا أن “هذا الدور يقع على عاتق المعارضة البرلمانية بشكل أساسي. ولذلك، أكد المشرع الدستوري في الفصل العاشر على حق المعارضة في المشاركة الفعلية في التشريع، خاصة عبر تسجيل مقترحات القوانين التي تبادر بها في جدول أعمال المجلسين”.

وهكذا، وجد صاحب كتاب “إشكالية النظام الداخلي للبرلمان.. دراسة دستورية تحليلية” أنه “من الطبيعي، إذن، أن تكثر مبادرات المعارضة مقارنة بتلك للأغلبية، وحتى بين البرلمانيين أنفسهم، حيث يقل إنتاجهم عندما يكونون في الأغلبية ويزداد في المعارضة”؛ وهو التوصيف الذي ينطبق مثلا على الفريق الحركي أثناء تغيير موقعه من الأغلبية نحو المعارضة.


ومع ذلك، تصطدم القراءة الأكاديمية الصرفة مع القراءة السياسية. ولذلك، اعتبر إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، أن “تفاعل الحكومة في الغالب الأعم مع مقترحات القوانين شكلي أو متحفظ”.

وأورد السنتسي، ضمن تداوله في الموضوع مع هسبريس، أنه “أحيانا يتم التعامل مع المبادرة البرلمانية بمنطق المنافسة بدل التكامل؛ وهو منطق لا يخدم الديمقراطية ولا صورة العمل المؤسساتي”، مشددا على أن “المطلوب هو اعتبار البرلمان شريكا حقيقيا في صناعة التشريع، لا مجرد غرفة تسجيل”.

وسجل رئيس الفريق الحركي بالغرفة الأولى من المؤسسة التشريعية أن “ثمة إكراهات متعددة؛ منها ما هو سياسي مرتبط بحسابات الأغلبية، أو بتخوف الحكومة من فقدان المبادرة”، مضيفا كذلك أن “غياب آليات إلزامية لبرمجة مقترحات القوانين داخل اللجان يفرغ الحق الدستوري من مضمونه”. كما أن “غياب الحكومة عن النقاش البرلماني، باستثناء الموقف المتمثل في القبول أو الرفض بدون تعليل الذي قد يوجب السحب بعد الاقتناع”.

أما رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، فقد اختار أن يستفسر عن “العيب في أن تتبنى الحكومة مقترح قانون أتى من المعارضة مثلا ويتعلق بموضوعٍ مجتمعي مطروح بحدة، وبصياغةٍ تنسجم مع أجندة البرنامج الحكومي؟”.

وتابع حموني: “وما العيبُ في أن تنضم فرق الأغلبية لمساندة مقترح قانون للمعارضة إذا كان فيه ما يخدم الصالح العام؟”.


أثناء بحثه عن “الجواب”، دفع رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب بمثال يراه “حيا”، وقال: “في إحدى الجلسات العامة المخصصة لدراسة مقترحات قوانين، في سنة 2025، كل تدخلات ممثلي فرق الأغلبية قالت بأنها تساند مبدئيا مقترح قانون تقدمنا به كفريق لتشديد العقوبات عن التدخين في الأماكن العامة وتوسيع نطاق منع هذه الظاهرة… لكن في الوقت نفسه صوتت فرق الأغلبية نفسها ضد هذا المقترح”.

إن هذا المثال، وفق ما يبديه النائب البرلماني لهسبريس، “يعطينا صورة واضحة على أن التعامل مع المبادرة التشريعية من الحكومة وأغلبيتها لا ينطلق من مدى وجاهة النص؛ بل فقط من منطق الرفض الممنهج”.

وأبرز رشيد حموني أن “مجموعة من مقترحات القوانين المودعة من لدن بعض مكونات الأغلبية تتمُّ المسارعة إلى سحبها، حيثُ نتساءل لماذا تم تقديمها أصلا إذا كانت
 

لكن لماذا الزج بالأغلبية النيابية في هذا النقاش؟الحكومة هي المتحكِّمة في زمام المبادرة التشريعية للأغلبية البرلمانية؟”.






الاربعاء 4 مارس 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter