MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers




مظاهر الانحراف التشريعي عن مبدأ استقلال المحاماة في ضوء مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة

     

ذ. خالد المروني
رئيس نقابة المحامين بالمغرب



مظاهر الانحراف التشريعي عن مبدأ استقلال المحاماة في ضوء مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة
 
 
يُعدّ تنظيم مهنة المحاماة من المجالات التشريعية ذات الحساسية الدستورية البالغة، لارتباطها العضوي بضمانات المحاكمة العادلة، وبمبدأ استقلال المحاماة بوصفه أحد أعمدة دولة القانون،  و اعتبارا لكون دعم وتعزيز استقلال المحاماة يجد مبرراته القوية في طبيعة الوظائف والأدوار المنوطة بالمحامين، و التي تتطلب تمتيعهم بكل الوسائل، و بمنسوب عال من الحرية، لتمكينهم من تأمين وظائف الدفاع و الاستشارة بفعالية، و المساهمة في إقرار محاكمة عادلة و منصفة، و هو ما يضفي المشروعية على اعتبار المحامين فاعلين مركزيين في بناء مجتمع ديموقراطي تحفظ فيه حقوق الجميع، و تسود فيه دولة الحق و القانون.

ويقصد باستقلال المحاماة: " قدرة المحامين على أداء جميع وظائفهم المهنية بدون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، أو تهديد بتعريضهم للملاحقة القانونية أو العقوبات الإدارية والاقتصادية وغيرها بسبب قيامهم بمهام مهنتهم وفقا لما يوافق القانون والعرف الوطني والمعايير الدولية، وكذا قدرتهم على تشكيل والانضمام لرابطات مهنية تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، وتعهد لها مهمة تولي تدبير شؤون المهنة في استقلال تام عن اية جهة كانت".

إن استقلالية المحاماة بهذا المفهوم لا يجب أن ينظر إليها باعتبارها امتيازا للمحامين وجعلهم فوق كل مساءلة، وخارج قواعد الضبط القانوني، وإنما باعتبارها امتيازا لمهنة المحاماة التي تنبني على حق الدفاع المقدس كونيا، وبالتالي امتيازا لحقوق المتقاضين التي قد تتأثر سلبا من جراء المساس باستقلالية المحاماة من طرف السلطة التنفيذية.

وفي نفس السياق أرست المحكمة العليا الكندية مبدأً بالغ الأهمية مضمنه أن استقلال المحاماة ليس امتيازاً مهنياً، بل حقاً دستورياً غير مباشر للمتقاضي، وأن أي قانون يُقوّض استقلال المحامي، أو يُخضعه لرقابة تنفيذية أو زجرية مفرطة، يعتبر غير دستوري.

كما اعتمد المجلس الدستوري الفرنسي منطقاً ثابتاً مفاده أنه لا يجوز للمشرّع، ولو باسم المصلحة العامة، أن يمسّ الضمانات الجوهرية لحقوق الدفاع، وقد اعتبر أن أي تدخل تشريعي يفرغ الاستقلال المهني من مضمونه أو يفرض رقابة تنفيذية غير مبررة، يعد مساسا غير متناسب بحق دستوري.

والواقع أن استقلالية المحاماة لم تعد مسألة داخلية فحسب، بل أصبحت بصورة متزايدة معيارا دوليا، فعلى سبيل المثال أكد إعلان أثينا الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون سنة 1955، على استقلال مهنة المحاماة وتحررها من التدخل الخارجي لضمان احترام سيادة القانون.  وأكد الإعلان العالمي لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 على استقلال السلطة القضائية والمحامين.

 كما اقر مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاقبة المجرمين المنعقد في كوبا سنة 1990 عدة مبادئ أساسية بشأن دور المحامين تضمنت التأكيد على استقلال المحاماة واستقلال الرابطات المهنية للمحامين، كما حددت واجبات ومسؤوليات المحامين، والضمانات اللازمة لأدائهم لمهامهم بدون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق.

ومن جهته أولى الاتحاد الدولي للمحامين أهمية قصوى لاستقلال المحاماة، حيث يضم في هياكله لجنة الدفاع عن الدفاع والتي من ضمن اهتماماتها الدفاع عن استقلال المحامين، كما لعب الاتحاد الدولي دورا محوريا في المصادقة على اتفاقية محاميي العالم الموقعة بباريس بتاريخ 06/12/2008 والتي نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية وحرية ضمان الدفاع والاستشارة للموكل تعد من أولى المبادئ التي تنبني عليها المحاماة.

كما صادق الاتحاد الدولي للمحامين خلال المؤتمر 62 المنعقد بمدينة بورتو البرتغالية بتاريخ 30 أكتوبر 2018، على وثيقة المبادئ الأساسية لمهنة المحاماة، والتي نصت في مادتها الأولى على أنه: " لضمان القيام بمهام الدفاع والاستشارة، وجب أن يكون المحامي مستقلا استقلالا مهنيا وفكريا سواء تجاه القضاة، أو السلطات العمومية، أو القوى الاقتصادية، أو تجاه زملائه، أو حتى موكليه 

لكن ماذا عن استقلالية مهنة المحاماة في السياق المغرب على ضوء مشروع القانون رقم 66.23؟

ارتبط مطلب استقلال المحاماة بمسار عمل جمعية هيئات المحامين بالمغرب منذ ستينيات القرن الماضي، الى جانب باقي قوى الحركة الديموقراطية والحقوقية، ضد النظام المركزي من اجل بناء دولة القانون على قواعد فصل السلط التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.

وعلى امتداد العقود السابقة ظل هذا المطلب بعيدا عن التحقق وتراكمت مظاهر المس باستقلالية المحاماة إلى أن صدر القانون رقم 08. 28 المنظم لمهنة المحاماة، والذي تضمن بعض المقتضيات الايجابية في مجال استقلالية المهنة مقارنة مع القوانين السابقة، وان كان بدوره لا يخلو من العديد من المقتضيات التي لا زالت تشوش على استقلالية مهنة المحاماة بالمغرب.

وبعد انقضاء أزيد من 18 سنة على صدور القانون الحالي، لازالت مهنة المحاماة بالمغرب تعيش فترة التراجعات التي فرضت عليها لأسباب متعددة ومختلفة المصادر والأهداف، بعضها ناتج عن طبيعة تمثل السلطات العمومية لمهنة المحاماة و وظائفها ، و بعضها نتاج قصور التشريع الذي جعل المهنة عاجزة عن استيعاب التحولات العميقة التي تعرفها ، سواء على مستوى التطور النوعي و الكمي، ، فضلا عن  تداعيات الأزمة الاقتصادية العامة ، المؤثرة لا محالة على الممارسة المهنية للمحامين، مما  جعل  مهنة المحاماة تواجه أكبر أزمات في تاريخها: بنيوية، و هيكلية، و مؤسساتية، و وظيفية.

 في ظل هذه الأزمات المتتالية، أضحت الحاجة ملحة لإقرار تشريع مهني حديث ومتطور، يراعي بعض مستجدات دستور 2011 في مجال الحقوق والحريات، ويستلهم المبادئ الكونية المؤطرة للمهنة، وقواعد ممارستها في الأنظمة القانونية المقارنة.

لكن، وبعد طول انتظار، تم تسريب مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي يندرج، نظريا على الأقل، ضمن دينامية إصلاح منظومة العدالة، غير أن تحليل مقتضياته يثير إشكاليات دستورية عميقة، تبرّر إخضاعه لاختبار نظرية الانحراف التشريعي باعتبارها آلية فقهية كاشفة لسوء استعمال السلطة التشريعية.

تتمثل الغاية من دسترة حق الدفاع في ضمان حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه (الفصل 118 من الدستور)، وضمان حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم كشرط للمحاكمة العادلة (الفصل 120)، وتأمين التقاضي المجاني في الحالات المنصوص عليها قانونا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي (الفصل 121).

وبناءً عليه، فإن أي تدخل تشريعي في هذا المجال يجب أن يظل محافظاً على المكتسبات المرتبطة بحقوق الدفاع، وفي احترام تام وكامل لاستقلالية المهنة، وحصانة المحامي، وضمان متطلبات الاستقلال المهني بما يؤمن للمواطنين حقهم الدستوري في المحاكمة العادلة.

لكن الملاحظ من خلال بعض مقتضيات المشروع اتجاهٌ نحو توسيع تدخل السلطة التنفيذية في الشأن المهني، و تقليص مجال التنظيم الذاتي لهيئات المحامين، و لا يمكن تبرير هذا التوجه باعتبار تحقيق المناعة لمهنة المحاماة كما ورد بمذكرة تقديم المشروع، و لا باعتبارات التأهيل و التخليق و النجاعة لأنه يقود عمليا  إلى تحويل التنظيم القانوني إلى وصاية مقنّعة، مما يشكل انحرافاً بينا عن الغاية الدستورية من التشريع،  مادام المشرع قد تعمد الخروج عن روح الدستور و مخالفة مبادئه و مقاصده ، حيث استتر خلف اختصاصه التشريعي لتقييد حق الدفاع المكرس دستوريا، و يظهر ذلك جليا من خلال تضمن المشروع مقتضيات تلتف على القيم الكونية للمهنة، و تضيق على حرية المحامي في أداء مهامه، و تمس استقلاله و حصانته، و تضعف المؤسسات المهنية، و تكرس تغول السلطة التنفيذية، مما يسمح بالقول أن المشرّع استعمل القانون لا لتنظيم الحق في الدفاع، بل لتقليصه والالتفاف عليه، وهنا يبرز الانحراف التشريعي في أوضح صوره، باعتباره تحايلاً على الدستور عبر قانون عادي، و هو ما ينتج عنه اهدار القيمة الدستورية للحقوق و الحريات، و المس بالالتزامات الدستورية التي تقع على عاتق الدولة بشأن التزامها بما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ و حقوق، فضلا عن خرق مبدأ المشروعية جراء عدم الاعتراف بالحقوق و الحريات الدستورية و عدم احترامها، بل و افراغها من مضمونها الفعلي، مما يعتبر تراجعاً عن فلسفة دستور 2011 القائمة على توسيع ضمانات الحقوق والحريات، و يُفقد مشروع القانون  مشروعيته الموضوعية، ويدخله في نطاق الانحراف في استعمال السلطة التشريعية.

لأجله، ارتأينا بسط أهم الملاحظات المرتبطة بالمقتضيات الماسة باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع الواردة في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة كالتالي:

الملاحظة الأولى:بشأن تعريف المهنة:

المادة الأولى من المشروع على أن " المحاماة مهنة حرة، مستقلة...تساهم المحاماة في تحقيق المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الانسان، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء".
والملاحظ أن هذه الصيغة تراجعت عما تضمنته مسودة المشروع المعد من طرف وزارة العدل (صيغة 20 و21 يناير 2023)، التي كانت تنص على أن المحاماة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة العدالة.
واعتبارا لكون اللغة بطبعها حمالة أوجه وقابلة لكثير من الاستخدام غير النزيه، فانه من المهم أن ندرك كون لغة النص القانوني بكافة عباراتها ما هي الا تجليات لخطاب المشرع ونيته.
وتأسيسا على ذلك، واستحضارا لعدم تمثل الغاية الدستورية من دسترة حق الدفاع، نبادر الى القول إن الإصرار على استخدام عبارة " تساهم" تضمر نية في التقليل من أدوار المحاماة علما أن مفهوم المشاركة أكثر قدرة على توصيف الوضعية الحقيقية لمهنة المحاماة ضمن منظومة العدالة (وليس ضمن أسرة القضاء الواردة في المشروع).

الملاحظة الثانية: بشأن الولوج للمهنة:

نص المشروع على اعتماد نظام المباراة للولوج الى المهنة، حيث يكتسب المترشح الذي اجتاز المباراة بنجاح صفة طالب، ويقضي فترة تكوين أساسي نظري بمعهد التكوين لمدة سنة واحدة، ثم يقضي فترة تمرين لمدة 24 شهرا، يجتاز بعدها امتحان نهاية التمرين للحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة.

والواضح من المستجدات المذكورة أن المشروع تعمد تهميش دور هيئات المحامين في تدبير المسار المتعلق بالولوج للمهنة، مكتفيا بالإشارة المحتشمة الى استطلاع رأي مجلس هيئات المحامين بشأن تنظيم مباراة ولوج المعهد، وكيفية قضاء فترة التكوين و التمرين و نظام الاختبارات وامتحان نهاية التمرين( المادة 11)، و دون أن يكون لهذا الرأي أي تأثير فعلي على مسار الولوج للمهنة مادام يكتسي صبغة استشارية فقط، فضلا على ان المشروع سحب من مجالس الهيئات اختصاص تمديد فترة التمرين في حالة رسوب المحامي المتمرن في امتحان نهاية التمرين و اسنده للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ( المادة 7 )،  و هو ما يؤكد، ما سبقت الإشارة اليه، بخصوص بروز ملامح توجه ممنهج سمته البارزة توسيع تدخل السلطة التنفيذية في الشأن المهني، و تقليص مجال التنظيم الذاتي لهيئات المحامين.

وعلى سبيل المقارنة، فان مراكز التكوين المهني للمحامين في فرنسا تخضع للإشراف الفعلي لهيئات المحامين، وهي من يتولى تحديد التوجهات العامة للتكوين، ومراقبة جودته، وتعيين المحامين المؤطرين، بينما يقتصر دور وزارة العدل على وضع الإطار القانوني والتنظيمي، والمصادقة على انشاء المركز، ومراقبة احترام القوانين الوطنية.

 الملاحظة الثالثة: بشأن القسم:

ان البين من مقتضيات المادة 8 من المشروع الإبقاء على صيغة اليمين كما هي واردة في القانون 28.08 ، رغم انها كانت محل انتقادات ومؤاخذات عديدة ، مرتكزة في مجملها على كون هذه الصيغة مستوحاة من القانون الفرنسي، و كانت تسمى ب: " يمين الولاء" لارتباطها بسياق تاريخي مرتبط بفترة حكم نابوليون بونابرت، و أنها الغيت في فرنسا منذ 15/06/1982 بمقتضى قانون بادينتير، و تم الاقتصار ضمن صيغة اليمين على العبارات ذات الارتباط بالقيم الأخلاقية و المهنية من قبيل: الشرف و الضمير و الاستقلال و النزاهة و الإنسانية، و هو نفس المنحى الذي استقرت عليه معظم التشريعات المقارنة.

الملاحظة الرابعة:بشأن كيفية ممارسة المهنة:

تضمن مشروع القانون رقم 66.23 عدة مستجدات تتعلق بكيفية ممارسة المهنة، والتي ارتأينا ابداء خمس ملاحظات جوهرية بشأنها كالتالي:

1- نص المشروع في المادة 26 على أنه يمكن للمحامي أن يمارس مهنته في إطار عقد شراكة مع محام اخر مسجل بهيئة أخرى.
ويحسن التوضيح ان هذا المقتضى الجديد لم يكن مطلبا للمحامين، ولا يمكن بالتالي اعتباره استجابة مباشرة لحاجة مهنية، علما أن الممارسة المهنية مستقرة على التعامل مع هذا الوضع في إطار اختيار محل للمخابرة مع محام أو شركة مدنية مهنية في هيئة أخرى.
كما تطرح هذه المادة عدة إشكالات تتعلق بتحديد النقيب المختص في مسطرة تحديد الأتعاب، وفي تلقي الشكايات...، وكذا تحديد مجلس الهيئة المختص بمباشرة المسطرة التأديبية، خاصة وأن الأمر يتعلق بمحاميين مسجلين بهيئتين مختلفتين، وأن اسناد الاختصاص لنقيب ومجلس الهيئة المسجل بجدولها كل محام، من شأنه صدور مقررات متناقضة في نفس النازلة.

2- نصت المادة 26 من المشروع على أنه يمكن للمحامي ابرام عقد تعاون مع محام أجنبي أو شركة مهنية اجنبية للمحاماة.
ويعتبر هذا المقتضى الجديد التفاف صريح على باقي مقتضيات المشروع التي اشترطت في المترشح لمهنة المحاماة أن يكون من مواطني دولة تربطها مع المغرب اتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين بممارسة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى، مع مراعاة مبدا المعاملة بالمثل، واجتياز اختبار لتقييم معرفتهم بالقانون المغربي قبل البث في طلباتهم (المادتين 5 و12 من المشروع).
كما نصت المادة 28 من المشروع على أن عقد التعاون يعرض على النقيب المختص من اجل التأشير عليه، وهو ما يعني عمليا التراجع عن مسطرة الترخيص المكرسة في القانون ساري النفاذ، وسحب هذا الاختصاص من مجلس الهيئة، والاكتفاء بمسطرة التأشير من طرف النقيب الذي اريد له التحول الى القيام بمهام إدارية تقنية صرفة تحث اشراف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل. 

3- نصت المادة 35 من المشروع على إمكانية الاذن من طرف وزير العدل، لمكتب محاماة أجنبي لا يرتبط بلده الأصلي باتفاقية مع المغرب بممارسة مهام المهنة، شريطة ان يكون مرتبطا بعقد مع شركة أجنبية لها بالمغرب مشروع استثماري او صفقة.
ويعتبر هذا المقتضى بدوره التفافا صريحا على مقتضيات المادتين 5 و12 من المشروع وفق المبين أعلاه، وسطوا على اختصاصات النقيب ومجالس الهيئات بشأن تدبير الانخراط في المهنة، وممارسة مهامها.
كما تضمنت المادة 35 مقتضى فريدا يتعلق بكون وزير العدل هو من يأذن لمكتب المحاماة الأجنبي بممارسة مهامه بالمغرب، بينما نقيب الهيئة المسجل بدائرة نفوذها المحامي الأجنبي هو من يقع على عاتقه وجوب اشعار وزير العدل بانتهاء صلاحية الاذن الصادر عن هذا الأخير.

كما تطرح المادة المذكورة عدة إشكالات مرتبطة بقانون المحاماة الذي سيخضع له المحامي الأجنبي: هل القانون المغربي أم قانون بلده الأصلي؟

وفي حالة الاخلال بالنصوص القانونية والتنظيمية: هل يخضع المحامي الأجنبي للسلطة التأديبية للنقيب ومجلس الهيئة المسجل بلائحتها المستقلة؟
الواقع ان هذا المقتضى التشريعي يكشف عن بروز ملامح نموذج اقتصادي يعطي الأفضلية لتحرير سوق الخدمات، ومركزة الأنشطة القانونية في قبضة الشركات الكبرى، كتجسيد فعلي لفكرة "السوق الكبير للقانون"، حيث سيصبح المحامي المغربي متعاونا، أو مساعدا، أو أجيرا مقنعا فقط، بينما تصبح مكاتب المحاماة الأجنبية خارج قواعد الضبط المهني الوطني، ولا سلطة لأجهزة الهيئة عليها، بذريعة تشجيع الاستثمار الخارجي.

4- نصت المادة 38 من المشروع على عدم الزامية الاستعانة بمحام في القضايا التي تطبق بشأنها المسطرة الشفوية، لكن الملاحظ أن مشروع قانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية (صيغة النص المحال على مجلس النواب بتاريخ 16 دجنبر 2025) مستمر في توسيع نطاق المساطر الشفوية على حساب المسطرة الكتابية، وجعل إمكانية التقاضي دون الاستعانة بمحام تمتد لتشمل:

- قضايا الزواج والنفقة واعداد بيت الزوجية والرجوع لبيت الزوجية والطلاق الاتفاقي وأجرة الحضانة وزيارة المحضون، والقضايا المتعلقة بالحالة المدنية، والقضايا الاجتماعية، وقضايا استيفاء ومراجعة وجيبة الكراء (المادة 96 من المشروع).

-القضايا الاخرى التي ينص عليها القانون (المادة 96 من المشروع)، وهو قد يفتح المجال لإضافة قضايا جديدة في كل وقت وحين بمقتضى قوانين خاصة.

-إمكانية تقديم طلب تجريح قاض من قضاة محكمة النقض بدون محام (المادة 336من المشروع).
-إذا كان أحد طرفي الدعوى قاضيا أو محاميا أمكن لمن يقاضيهما الترافع شخصيا (المادة 376 من المشروع).
-السماح للطرف المعني شخصيا بسلوك مسطرة مخاصمة القضاة أمام محكمة النقض (المادة 422 من المشروع).
-امكانية تقديم طلب الاحالة من أجل التشكك المشروع من أي شخص طرف في النزاع بوصفه مدعيا او مدعى عليه او متدخلا أو مدخلا كضامن، ودون الاستعانة بمحام (المادة 409 من المشروع).

ان توسيع مجال التقاضي شخصيا ودون الاستعانة بمحام يطرح اشكالا جوهريا مرتبطا بضمان الحق في الولوج المستنير إلى العدالة، كمرتكز من مرتكزات التمكين القانوني، والذي يتطلب توفير إجراءات فعالة تتيح الاستعانة بالمحامين من خلال تطوير نظام المساعدة القضائية، ومراجعة اطاره القانوني، وتسريع إجراءاته، وتوسيع مجالاته، وإحداث نظام المساعدة القانونية المجانية.  

وفي نفس السياق اعتبر المجلس الوطني لحقوق الانسان من خلال رأيه حول مشروع قانون المسطرة المدنية، المؤرخ في فبراير 2022 أن المسودة عملت على «توسيع نطاق القضايا التي لا يلزم فيها الأطراف بضرورة تنصيب محام، دون ان تحدد معيارا واضحا للتمييز بين القضايا التي يجوز فيها للأطراف الدفاع عن أنفسهم دون مساعدة محام والقضايا التي يشترط فيها ضرورة تنصيب محام»، كما أكد المجلس على أن: «إعفاء الاطراف في بعض القضايا من شرط التمثيل القانوني لا ينبغي ان يؤثر سلبا على حق الفئات الهشة في الانتصاف الفعال».

5- نصت المادة 54 من المشروع على مقتضى جديد يوجب على المحامي التوفر على تكليف مكتوب من موكله.
لكن مذكرة تقديم المشروع لم تبين أسباب نزول هذا النص، باستثناء الإشارة لدعم اليات تعزيز ثقة المواطنين في الدفاع، و تلافي جميع الإشكالات التي تثار بشأن نيابة المحامي، و دون بيان طبيعة هذه الإشكالات و حجمها، و عدد المنازعات المثارة بشأنها، ونوعية الملفات المعنية بذلك، خاصة أن هذا المقتضى لم يكن ضمن المسودة المعدة من طرف وزارة العدل ( صيغة يناير 2023)، و التي نصت المادة 35 منها على أنه: " يتعين على المحامي أن يحتفظ بملفه بما يفيد توكيله، و ذلك للإدلاء به عند المنازعة فيه أمام النقيب أو الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف تحث طائلة سقوط الحق في الأتعاب "

وتجدر الإشارة الى أن هذا المقتضى من شأنه أن يثير العديد من الإشكالات المرتبطة بتنزيله، لعدم بيان المشروع ما إذا كان يشترط فيه أن يكون مصحح الامضاء أم لا، ومدى حجيته في الاثبات في حالة عدم تضمينه جميع البيانات المنصوص عليها في المادة 35، كما قد يتعذر الالتزام بهذا المقتضى كلما تعلق بملفات الأشخاص المعتقلين، القابعين خلف القضبان، والذين غالبا ما تتكلف عائلاتهم واصدقائهم بتكليف محام لمؤازرتهم، كما قد يبدو الأمر صعبا بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج كلما كانت ملفاتهم مدرجة بجلسات قريبة لا تسمح باستنفاذ الإجراءات المتعلقة بالتكليف المكتوب.

 كما قد تعترض هذا الاجراء صعوبات أخرى مرتبطة بارتفاع نسبة الأمية في أوساط المتقاضين خاصة في البوادي والقرى والمدن الصغرى، وضعف ثقافة توثيق التصرفات جراء غياب الوعي القانوني، وتفضيل المعاملات الشفوية، وضعف الثقة في المؤسسات بشكل عام.

الملاحظة الخامسة:بشأن حصانة الدفاع:
تنص المادة 58 من القانون الحالي رقم 28.08 على انه:"لا يمكن اعتقال المحامي بسبب ما قد ينسب له من قذف او سب او إهانة،  من  خلال اقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته المهنة او بسببها ".
لكن الملاحظ أن المادة 77 من المشروع ألغت المقتضى المتعلق بشمول الحصانة لما ينسب للمحامي بسبب ممارسته للمهنة، وقصر مفهوم الحصانة على ما ينسب له اثناء ممارستها، مع ما يعنيه ذلك من تقليص لنطاق الحصانة وحدودها.
كما وجب التنبيه الى أن هذه المادة لا تقر إلا الحصانة الجنائية، بشأن ما قد ينسب للمحامي من أقوال او كتابات، بينما لا تقر أية حصانة تأديبية، بدليل تنصيص الفقرة الثالثة من نفس المادة على أن المحكمة تحرر محضرا مستقلا بما قد يحدث من إخلال، وتحيله على النقيب، وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ المتعين قانونا.
الملاحظ كذلك أن المادة المذكورة جاءت بعبارات عامة وفضفاضة تحتمل أكثر من تأويل بشأن طبيعة الأقوال والكتابات، وكذا طبيعة الإخلالات المنسوبة للمحامي، التي قد تعتبر مخالفة مهنية، وبهذا المعنى الواسع قد تعتبر حدة المرافعة، ورفع صوت المحامي اهانة لهيئة المحكمة، وإخلالا بواجب الاعتدال، يعرض المحامي للمساءلة التأديبية.
كما نص المشروع على مقتضى جديد ألزم بموجبه النقيب باتخاذ قرار متعلق بالمحضر المحرر من طرف المحكمة بشأن ما قد ينسب لمحام من اخلال، وذلك داخل أجل 15 يوما تحث طائلة إحالة القضية من طرف الوكيل العام الى غرفة المشورة للبث فيها، وهو ما يعتبر أجلا غير معقول للقيام بالمتعين، بالنظر لما يتطلبه الامر من إجراءات تمهيدا لاتخاذ قرار منصف، علما ان هذا الأجل لا يمكن حتى للنيابات العامة بمختلف درجات المحاكم التقيد به لمعالجة الشكايات.
 ان ادراج هذا المقتضى ضمن قانون المهنة لا يمكن تبريره باعتبارات التخليق أو النجاعة، بدليل كون الأجل المذكور غير محدد في القانون الحالي، فضلا على ان هذا الأجل القصير لن   يحقق مبدأ الانتصاف الفعال.
كما تضمنت المادة 78 من المشروع تراجعات خطيرة من خلال التنصيص على أنه يجب في حالة اعتقال محام او وضعه تحث الحراسة النظرية من طرف ضابط الشرطة القضائية، اشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة ضمن الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال وذلك بجميع الوسائل المتاحة.

وتشكل المادة المذكورة تراجعا عما يتضمنه القانون الحالي الذي نص في المادة 59 منه على وجوب إشعار النقيب قبل اعتقال المحامي او وضعه تحت الحراسة النظرية، بينما أضحى ذلك الاشعار لاحقا على تنفيذ قرار الاعتقال او الوضع تحث الحراسة النظرية، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الإصرار على عدم الإبقاء على المقتضى الحالي، والذي يشكل ضمانة جوهرية، اعتبارا لكون الاشعار القبلي للنقيب من شانه تمكينه من معرفة الأسباب الموجبة لقرار سلب حرية المحامي، وما إذا كانت مرتبطة بمزاولة المهنة، و الادلاء نيابة عنه بوثائق و مستندات قد تكون حاسمة في عدم اتخاذ قرار الاعتقال او الوضع تحث الحراسة النظرية.
كما نسجل أن المشروع لم يحدد وسيلة معينة لإشعار النقيب في حالة اعتقال محام أو وضعه تحث الحراسة النظرية، او في حالة اجراء بحث معه، واكتفى بالإشارة الى إمكانية القيام بذلك بجميع الوسائل المتاحة، رغم غموض هذا العبارة، فضلا عما قد يثيره ذلك من خلاف في حالة الاشعار بإحدى الوسائل التي لا تترك دليلا بالملف كالهاتف مثلا، ولذلك نعتقد انه كان حريا بالمشرع أن يحدد بدقة طريقة اشعار النقيب.

 كما لم يقرر المشروع أي جزاء على خرق تلك المسطرة، مما يقودنا للقول إن ضمانات أداء المحامين لمهامهم لا زالت هشة، وقابلة للاعتداء عليها في كل وقت وحين كما حدث سابقا في كلميم والناظور حيث اعتقل محامين ودون احترام مسطرة إشعار النقيب.

أما بخصوص تفتيش مكتب المحامي، فقد نصت المادة 78 من المشروع على أنه لا يجري أي تفتيش لمكتب المحامي، من أجل جناية أو جنحة ذات صلة بالمهنة الا من طرف النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو قاض اخر ينتدبه، وذلك وفق المقتضيات المتعلقة باعتقال المحامي.

والبين من خلال ما تضمنته المادة المذكورة أنها لا تعطي للنقيب أي دور في عملية التفتيش، خاصة إذا كان سينجم عن التفتيش حجز لمستندات ووثائق ذات الصلة بالمهنة، مع ما قد يشكله ذلك من مس بالسر المهني.

  وقد سار المشروع في ذلك على هدي ما تضمنه قانون المسطرة الجنائية الجديد الذي نصت المادتين 59 و103 منه على أنه إذا كان التفتيش او الحجز سيجري بمكتب محام، يتولى القيام به قاض من قضاة النيابة العامة، او قاضي التحقيق أو قاض اخر ينتدبه بمحضر نقيب المحامين أو من ينوب عنه أو بعد اشعاره بأي وسيلة من الوسائل الممكنة
.
وفضلا عن ذلك تضمنت المادة 59 المذكورة مقتضى جديد يسمح بموجبه لضباط الشرطة القضائية بالولوج الى المعطيات المخزنة بالنظام المعلوماتي المتواجد بمكتب المحامي، وتخزين المعطيات التي تم الولوج اليها على اية دعامة الكترونية أو حجز هذه الدعامة.
كما ورد بالمادتين 1-116 و2-116 من قانون المسطرة الجنائية الجديد مقتضيات خطيرة تمس حصانة الدفاع، تتعلق بالإذن، من طرف الوكيل العام للملك و قاضي التحقيق، لضباط الشرطة القضائية بوضع الوسائل التقنية لتحديد مواقع المحامين المشتبه فيهم ورصد تحركاتهم، أو بالتقاط وتثبيت وبث وتسجيل العبارات المتفوه بها من طرفهم لأي أماكن، أو وسائل نقل، أو بالتقاط صورهم، أو استعمال أدوات تقنية، بهدف الولوج لجميع الأماكن، بما في ذلك المكاتب المخصصة لمزاولة المهنة، ودون علم أو موافقة المعنيين بذلك المعنيين بذلك الى المعطيات الالكترونية او البيانات المخزنة او المطلع عليها.

والمثير للاستغراب أن المشرع لم يبين طبيعة التدابير اللازم اتخاذها لضمان احترام السر المهني، علما أنه وطبقا للبند 22 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين فان الحكومات تكفل وتحترم سرية جميع الاتصالات والمشاورات التي تجري بين المحامين وموكليهم في إطار علاقاتهم المهنية.
 
الملاحظة السادسة: بشأن التأديب:

من خلال استقراء مقتضيات مواد الفرع الثاني من المشروع المتعلقة بتأديب المحامي، يتبين أنها تحبل بالعديد من التراجعات الهادفة
الى المس باستقلالية المهنة وترسيخ وصاية النيابة العامة ووزارة العدل عليها، ويمكن بسط اهم التراجعات كالتالي:


- تكريس وصاية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل على المهنة، وذلك من خلال التنصيص على نشر المقررات التأديبية الصادرة بالتوقيف والتشطيب بالموقع الالكتروني للوزارة، وكذا التنصيص على تبليغ المقررات التأديبية لوزارة العدل.
- تقليص الآجال المحددة لتقديم طلب رد الاعتبار لمجلس الهيئة، حيث تم تخفيضها من ثلاث سنوات الى سنة بالنسبة لعقوبة الإنذار أو التوبيخ علما أن القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة نص في المادة 101 منه على رد اعتبار القاضي بعد انصرام ثلاث سنوات بالنسبة لعقوبتي الإنذار والتوبيخ، كما نصت المادة 101 من القانون رقم 46.21 على رد اعتبار المفوض القضائي بعد مضي سنتين.
 وقلص المشروع أجل تقديم طلب الاعتبار من خمس سنوات الى سنتين إذا تعلق الامر بعقوبة الإيقاف عن مزاولة المهنة لمدة تقل عن سنة، بينما حدد القانون التنظيمي المذكور هذا الأجل في خمس سنوات بالنسبة لعقوبتي الدرجة الثانية (الاقصاء المؤقت عن العمل، والانزال بدرجة)، كما حددها القانون 46.21 في أربع سنوات.
كما قلص المشروع هذا الأجل من عشر سنوات الى أربع سنوات إذا كانت العقوبة بالإيقاف تفوق سنة.
ان هذه المقتضيات الجديدة تفند زيف الخطابات الرسمية بشأن تعزيز فعالية مسطرة التأديب وتحسين نجاعتها، علما أن هذه الآجال القصيرة ليس من شأنها تحقيق الردعين الخاص والعام، وضمان حسن أداء الواجبات المهنية، والالتزام بقواعد المهنة واعرافها.
- تقليص الآجال المقررة لبث النقيب ومجلس الهيئة في موضوع المتابعات التأديبية (المواد 97 و98 ).
- التنصيص على تبليغ المشتكي بقرار النقيب بشأن المتابعة أو الحفظ، وكذا حق المشتكي في الطعن في قرار النقيب بالحفظ، وقرار
مجلس الهيئة بعد المؤاخذة أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة.


ويعتبر هذا المقتضى مخالف لما هو مستقر عليه في مجال التأديب بشكل عام بخصوص حصر حق الطعن بالاستئناف على المحامي المحكوم تأديبيا والنيابة العامة فقط، أما المشتكي فلا يتمتع بهذا الحق لأنه ليس طرفا في المقرر التأديبي، وهذا ما استقر عليه معظم الفقه وكرسه الاجتهاد القضائي.
- التنصيص على أنه في حالة القرار الضمني بالحفظ، يمكن للوكيل العام المختص أن يتخذ قرارا بالمتابعة يضمنه تكييفا للوقائع الواردة في الشكاية ويحيله الى غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة، وهو ما يعتبر تراجعا عما تضمنته المادة 67 من القانون الحالي التي أعطت للوكيل العام للملك حق الطعن في قرار الحفظ أمام محكمة الاستئناف.
- خول المشروع للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف اختصاصا جديدا في مجال التأديب، يتعلق بمنحه حق المنازعة امام مجلس الهيئة في قرار الحفظ الصريح بواسطة مذكرة تتضمن تكييفه للوقائع الواردة في الشكاية، وفي حالة عدم بث المجلس داخل اجل شهرين، يحال الملف بقوة القانون الى غرفة المشورة.
- من المستجدات التي حملها المشروع حق التصدي من طرف محكمة الاستئناف وهي تنظر في القضايا التأديبية المعروضة عليها بمناسبة استئناف النيابة العامة لقرار الحفظ الصريح الصادر عن النقيب، وهو ما يعتبر تراجع عن المقتضيات الواردة في الفقرة الرابعة من المادة 67 من القانون 28.08 التي تنص على انه:" إذا ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة".
- نص المشروع في المادة 99 على مسطرة المقرر، علما ان هذا المقتضى كانت تنص عليه المادة 65 من ظهير 10/09/1993، والتي كانت تسمح للمجلس بتعيين أحد أعضائه بصفته مقررا لإجراء البحث الضروري في كل شكوى تقدم ضد محام.
- حدد المشروع لمجلس الهيئة أجلا لا يتعدى شهرين للبث في الملفات التأديبية، ابتداء من تاريخ إحالته إليه، ويعتبر عدم بث المجلس، داخل هذا الأجل، بمثابة مقرر بعدم مؤاخذة المحامي المتابع.
ان تقليص أجل البث من ستة أشهر المنصوص عليه في القانون الحالي الى شهرين سوف لن يمكن لا محالة من تحقيق فعالية ونجاعة المسطرة التأديبية، بالنظر لكون أجل الشهرين يعتبر غير كاف لاستنفاذ كافة الإجراءات المنصوص عليها قانونا في مجال التأديب، سواء تعلق الأمر بمسطرة البحث والتحري والتحقيق الحضوري والامر بالاستدعاء وتأمين حق الاطلاع وحق الدفاع للمحامي المتابع.
وللتدليل على كون هذا الأجل غير كاف ويستحيل احترامه، تكفي الإشارة الى أن الأجل الممنوح للمجلس الأعلى للسلطة القضائية للبث في الملفات التأديبية محدد في خمسة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة ولنفس المدة بقرار للرئيس المنتدب للمجلس (المادة 97 من القانون التنظيمي رقم 100.13).

الملاحظة السابعة: بشأن أجهزة المهنة:
نص المشروع لأول مرة على احداث مجلس لهيئات المحامين ويعتبر الممثل الوحيد لها امام السلطات والهيئات والإداراتالمركزية، ويتولى القيام بالمهام المتعلقة باتخاذ قرار تأسيس هيئة محامين جديدة، وانشاء وإدارة مشاريع اجتماعية لفائدة المحامين، ووضع نظام موحد لتدبير حساب ودائع وأداءات المحامين، ووضع التصورات العامة للتكوين الأساسي والمستمر، وابداء الرأي فيما يعرض عليه بشأن مزاولة المهنة ومنظومة العدالة، واعداد تقارير حول شؤونهما، ووضع مدونة لأخلاقيات المهنة.
والملاحظ أن المهام المسندة للمجلس لا تتعلق بالاختصاصات الجوهرية ذات الارتباط بتدبير الشأن المهني، كالبث في ملفات التأديب، والمنازعات المرتبطة بالأتعاب، والمشاركة في إدارة وتسيير معهد التكوين، والبث في طلبات المحامين المنتمين لإحدى الدول الأجنبية الراغبين في مزاولة مهنة المحاماة بالمغرب، ووضع نظام داخلي موحد لهيئات المحامين.
أما على مستوى هيئات المحامين تم التنصيص على انه لا تؤسس أي هيئة للمحامين لدى محكمة الاستئناف، الا إذا كان عدد المحامين الممارسين بدائرتها، خمسمائة على الأقل.
كما نص المشروع لأول مرة على سعي الهيئات لتحقيق مبدأ المناصفة خلال انتخاب أعضاء مجالسها، على ألا تقل نسبة تمثيلية أحد الجنسين عن الثلث، كما تسعى مجالس الهيئات الى تحقيق نفس الغاية عند انتخاب ممثليها في مجلس هيئات المحامين، وان كانت عبارات المادة 161 جاءت بعبارة: " السعي" التي لا تفيد الالزام، وانما تفيد العمل بجد والسعي للمناصفة فقط.  
وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن التراجع عن المكتسبات المشروعة المرتبطة بحقوق الدفاع يؤكد أن مشروع القانون رقم 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، مشوب بعيب الانحراف التشريعي لمخالفته الصريحة للدستور، وإعادة توجيه التشريع بعيداً عن مقاصده الدستورية، ومن ثمّ، فإن الدفاع عن استقلال مهنة المحاماة لا يمكن النظر اليه باعتباره مطلباً فئوياً، بل هو دفاع عن دولة القانون نفسها، وعن جوهر العدالة الدستورية. 
 



السبت 17 يناير 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter