Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



مأسسة ” قاضي الاجراءات” بالمحاكم لمابعد كورونا


     



ذ.شريف الغيام 

أستاذ جامعي زائر 

مستشار لدى محكمة الإستئناف بالحسيمة

تعد الإدارة القضائية أحد المقومات الرئيسية للعدالة،  إن لم نقل أنها مشعل لإنارة درب كل راغب في صناعة قضاء ناجع 

الشئ الذي دفع مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية للانكباب نحو توفير معايير جد دقيقة  لإختيار مسؤولين قضائيين قاسمهم المشترك الكفاءة الخلاقة و إمتلاك أدوات القيادة المتطلبة في أي مرفق قضائي .

باعتباره أحد المداخل الأساسية في  التنزيل المؤسساتي للسلطة  القضائية المستقلة 

التي لا يمكن أن تتأتى بمعزل عن الاستجابة للتطلعات الملكية السامية المتمخضة عن توصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة 

فإذا كان  تموقع الإدارة القضائية يفرض الاستجابة لكل التحديات التي من شأنها أن تعرقل السير العادي للمرفق القضائي بضمان حسن أدائه ، فإنه من جهة أخرى يتطلب دون شك أن يوفر إجابات شافية لانتظارات كل مرتفقي القضاء بما يتلائم مع تطلعات القضاة أنفسهم و كل مساعدي القضاء و مدى أحقيتهم في أمن مرفقي دائم.

هذا الذي يوصلنا بشكل مباشر لمفهوم الحكامة القضائية ( يرجى مراجعة  ميثاق إصلاح منظومة العدالة؛ الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة؛ 30 يوليوز؛ ص 46)

والتي حددها الدستور المغربي  كمبادئ عامة للإدارة القضائية ودلك من خلال توافر :

1 .المساواة بين المواطنين والمواطنات في الولوج الى المرفق العمومي

.2 الانصاف في تغطية التراب الوطني

.3 الاستمرارية في اداء الخدمات

.4 الجودة والشفافية والنزاهة

.5 المراقبة والتقييم

.6 المحاسبة والمسؤولية

.7 احترام القانون والحياد

.8 المصلحة العامة.

إلا أن الإيمان الراسخ لدى مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بضرورة جعل خدمة المتقاضي خدمة لا يمكن تعطيلها إلا في الحدود الضيقة التي يسمح فيها القانون كحالة الطوارئ الصحية التي تعرفها بلادنا ،

دون التوسع فيها بضمان سيرورة استمرارية المرفق القضائي في بعض القضايا وخاصة قضايا المعتقلين مع  مواكبة ذلك بالرفع من منسوب اليقضة لحماية المعتقلين و باقي مكونات أسرة العدالة إما بإعتماد تقنية التقاضي عن بعد ببعض المحاكم أو عن طريق تأخير الملفات الغير الجاهزة في غيبتهم أو البث في القضايا الجاهز التي لا تحتمل التأخير  

باعتبارها إجراءات إحترازية  تنم عن هاجس هاته المؤسسة الدستورية في الانخراط بقوة في محاربة إنتشار هذا الوباء ( جائحة كورونا كوفيد 19 ) وتداعياته ليس بالوقت الحاضر وفقط بل وحتى مابعد زمن الجائحة.

الشئ الذي تم تجسيده من قبل الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية  بإصداره مذكرة   عدد 119/13 بتاريخ 14ابريل 2020 بشأن تهيئ الملفات لمرحلة مابعد رفع حالة الطوارئ الصحية  مع الحث على إسهام الجميع ووفق مقاربة تشاركية نحو إعداد مسبق  لتصور عملي حول التداعيات الآنية و المستقبلية لوباء فيروس كورونا 

الشئ الذي يجعل من التفاعل مع هاته المذكرة واجبا و عاتقا على الجميع تحمل مسؤوليته عن تطريق تقديم تصورات قد  تشكل حلولا مساعدة أو تدابير من شأنها تلافي ماقد تنتجه الجائحة من أثار سلبية على استقرار منسوب المرفق القضائي ،  وخاصة اذا ما استحضرنا أن الملفات الرائجة بالمحاكم قبل الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية لا تطرح أي إشكال  

بل إن مدعاة القلق لمرحلة ما بعد رفع حالة الطوارئ الصحية ، التي ستعرف فيها المحاكم لا محالة تضخما غير مسبوقا في عدد الملفات التي سيتم تسجيلها بشكل غير معهود قد يصل  لتسجيل مئات الملفات في اليوم الواحد بمختلف محاكم المملكة 

الشئ الذي  قد يؤدي لضغط  لم تعرفه العدالة المغربية من قبل .

لذلك كان التوجيه بالإعداد المسبق لهاته المرحلة صائبا وأخذه بعين الإعتبار و هاجسا سجل حضوره بقوة  بالمذكرة المشار إليها أعلاه .

الشئ الذي يدعوا لإبتكار آليات جديدة ضامنة  لقواعد السير العادي بالمحاكم  بتلك الفترة عن طريق تسريع وتيرة البث فيها داخل آجال جد معقولة تفاديا لهدر الزمن القضائي ، ودون استغراق زمن  الملفات المسجلة سالفا واستئثارها بزمن الملفات الجديدة أي أن الملفات الجديدة يجب أن تحظى بعناية معقلنة لا تؤدي لتغييبها أو تعطيل البث فيها بدعوى وجود ملفات مسجلة سابقا ودون أي مخاطرة بمصالح المتقاضين والدفاع .

اضف الى ذلك أن عملية  تجهيز الملفات كما هو معلوم ليس رهين  فقط بشخصية القاضي أو بفاعلية مؤسسة كتابة الضبط وباقي مساعدي القضاء ،بل رهين كذلك بإكراهات واقعية تارة وتشريعية تارة أخرى تصب في أغلبها في إشكالية التبليغ و التنفيذ، والتي أضحى التغلب عنها علامة تمييز لأي مسؤول قضائي ناجع باعتباره المشرف العام على منهجية سير عمل أي محكمة ووتيرة اشتغالها 

فباستحضار تام للواقع العملي واكراهاته يجب أن نعترف على أن المسؤول القضائي اليوم ليس هو نفس المسؤول القضائي المعهود سالفا في تعاطيه مع جهة واحدة ألا وهي وزارة العدل بمديرياتها كما كان معمول بها من قبل بل إن جسامة مسؤوليته اليوم  ازدادت  في ظل استقلال السلطة القضائية التي تفرض معه ضرورة  التعاطي مع مختلف الجهات الرسمية المتدخلة و المتداخلة في آن واحد بمنظومة العدالة  كوزارة العدل أو المصالح الخارجية ناهيك عن مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية كمؤسسة دستورية أصيلة في تدبير الشأن  القضائي دون إغفال باقي مهامه الإدارية و القضائية و التمثيلية و التأطيرية  التي تثقل كاهله و تجعله في محك حقيقي لكسب رهان تنزيل القضاء كسلطة مستقلة  إن لم نقل أنه يجد نفسه  في معادلة صعبة  المنال في بعض الأحيان بالرغم من وجود مؤسسة نائب الرئيس .

إلا أنه بالرغم من كل ذلك نجد على أن الإدارة القضائية بالمغرب منذ استقلالها استطاعت أن تفرض نفسها رغم كل الصعاب و أضحت  قادرة على التغلب على العقبات التي قد تعتريها بتأمين وجه مشرف للعدالة المغربية والذي سجلته لحد الآن 

والذي ما كان ليتحقق دون مجهودات جبارة في ظل عدم وجود استقلال مالي كوجه من أوجه استقلال القضاء

بالإضافة إلى نهج  قنوات عملية فعالة  بواسطة حث  السادة القضاة إلى  الإشراف المباشر على الإجراءات المأمور بها قضائيا بالشعب المكلفين بها ، وضرورة تتبعها لتطويع كل الصعاب التي تواجه جهاز كتابة الضبط في عمليتي التبليغ و التنفيذ بالتنسيق مع المسؤول القضائي 

الذي يظل الملجأ الوحيد لحل أي إشكال مرتبط بعدم نفاذ الإجراءات المأمور من قبل السادة القضاة بالشعب المسندة إليهم إلى جانب رئيس مصلحة كتابة الضبط 

مما يدفعنا اليوم للدعوة لمأسسة “قاضي الاجراءات”

كمؤسسة متخصصة في الإشراف المباشر على أقسام التبليغ و التنفيد ،والعمل على إخراجها حيز الوجود كجهة قضائية  تعمل إلى جانب مؤسسة المسؤول القضائي وتحت إشرافه المباشر عملها الاول و الأخير تيسير سبل نجاعة الإجرائية همها الاول ضمان تنفيذ الإجراءات المأمور بها من قبل قضاة الموضوع في الباب المتعلق بالتبليغ  عن طريق  السهر و الاشراف المباشر على أقسام التبليغ و التنفيذ من الناحية الإجرائية  مع تمكينها من كل أدوات الاشتغال اللوجيستيكية أو المادية 

وبه قد نكون أمام مؤسسة قضائية إجرائية  محضة ضامنة لنجاعة قضائية تخفف من أعباء المسؤول القضائي من جهة ، كما تسهل من مأمورية القاضي للتفرغ في دراسة الملفات و  البث في الملفات داخل آجال أكثر من معقولة .

بيد أن من شأن مأسسة “قاضي الاجراءات” تفادي ما يعانيه جهاز كتابة الضبط من بإكراهات يومية بسبب تعطل نفاذ الإجراءات بالرغم من استيفاء شكلياته ، بالإضافة إلى أن إجراءات تبيلغ الملفات وتنفيذها لما تعتريه من أهمية قصوى لا يمكن بوقتنا الراهن إلا  أن تكون شأنا قضائيا بامتياز شكلا ومضمونا بل وحتى مؤسساتيا 

 و مثال على ذلك أنه في أغلب الأحيان إن لم نقل كلها تأمر المحكمة باستدعاء المطلوب في الدعوى أو أن تأمر بإنجاز  أي إجراء تستكين له المحكمة في باب استيفاء عناصر الدعوى بغض النظر عن طبيعتها، ويتم في حينه تضمين ذلك بمحضر الجلسة كما يتم إخراج الاستدعاء بنفس اليوم او ليوم غد لكن مرجوعه يتعطل إن لم نقل أن ذات الإجراء  يبقى معلقا دون جواب أو أن يأتي الجواب بعد إنصرام أجله…وغيرها من الأمثلة العديدة، 

 والتي لا يمكن أن يتحمل مسؤوليتها القاضي أو كاتب الضبط لأن مسؤوليتهم القانونية والمهنية قد تمت على أكمل وجه ، مما يدفعنا  للتمييز بين شكلية الإجراء من جهة  و نفاذ ذات الإجراء المأمور به.

الشئ الذي يتطلب لا محالة ضرورة إيجاد آلية ضامنة لنفاذه لتفادي تكراره  ذلك لمرات أخرى وكذا عدم هدر مجهود القاضي المكلف بالقضية و مؤسسة كتاب الضبط بالسعي  لإيجاد حلول بديلة ومنضبطة للقانون ، لا يترك فيها اي مساحة زمنية لتكرار نفس الإجراءات أو ما يسمى بلغة العمل القضائي ب  ” يعاد بنفس الإجراء السابق ” 

 من هنا يمكم القول على أن مؤسسة “قاضي الاجراءات” بتفرغها هذا ستشكل دون شك خطا ضامنا لنفاذ الإجراءات المأمور به وقيمة مضافة للإدارة القضائية في تعاطيها كجهة قضائية موكول إليها بموجب القانون  السهر على ذلك

(اي أن يتم تعيينه بموجب الجمعية العمومية)

      حفاظا على الزمن القضائي والتقليص من العمر الافتراضي للملفات بل وحتى تفادي أي تضخم قد يطرأ  بزمن مابعد جائحة كورونا 

ولما لا إعتماده بصفة دائمة كأحد تجليات مأسسة التدخل القضائي المباشر لتنزيل مقتضى دستوري مرده البث في قضايا المواطنين داخل آجال معقولة ، دون إثقال كاهل الإدارة القضائية بأعباء مسطرية يمكن معالجتها بواسطة تدخل ذي طبيعة قضائية واجرائية تستهدف القضاء بشكل نهائي على أحد المعطلات الرئيسية التي تعترض الحكامة القضائية

 والتي من شأنها إعادة  تقويم الأقسام الداخلية للمحكمة بتوحيد البعض منها ضمن قسم أو وحدة اجراءات التبليغ و التنفيذ منكبة على تسير وضمان نفاذ تبيلغ اجراءات المفات القضائية الرائجة أو تلك التي يراد تنفيدها  في أفق تعديلات تشريعية لاعتماد وسائل بديلة عن الوسائل الورقية كالتبليغ بواسطة الاتصال الهاتفي أو البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية بكل منهما أو غيرهما من الوسائل الحديثة التي أضحت تفرض نفسها يوما عن يوم وكأنها تمهد لولادة رقمية للقضاء إلكتروني.  

الثلاثاء 28 أبريل 2020


تعليق جديد
Twitter