رفقته نسخة مجهزة للتحميل بهوامش الدراسة
مقدمة
يحتاج كل نظام سياسي إلى دستور يؤسس السلطة ويحدد آليات الوصول إليها، ويضبط طرق نقلها ونظام ممارستها، وينظم التعايش السلمي بينها وبين الحرية( حقوق وحريات الأفراد والجماعات)، ولذلك كله، يكون الدستور مطلبا ملحا بعد استرجاع أي دولة لسيادتها.
ويتم تعديل الدستور جزئيا أو حتى إلغائه كليا واستبداله بدستور جديد تماشيا مع تغيير أو تجدد النظام السياسي. ومنذ استرجاع المغرب لسيادته، ظلت مسألة الدستور تغذي التوتر بين المؤسسة الملكية والقوى الديمقراطية، وتكثف الخلاف التاريخي بين الدولة والمعارضة، ذلك أن السلطة التأسيسية الأصلية (سلطة وضع الدستور) هي التي تحدد المعالم والشكل الدستوري والسياسي للدولة وفلسفة ونظام الحكم القائم .
و برغم من حداثة وقصر عمر التجربة الدستورية في المغرب، حيث أن أول دستور وضع سنة 1962، إلا أنه، في أقل من نصف قرن( 1962 ـ 2011 )، تلاحقت خمسة دساتير أخرى، أملتها الظروف غير العادية والأوضاع الاستثنائية التي عرفها المسار السياسي للمملكة ، مما ترتب عنه تضخم في الوثائق الدستورية ستة دساتير في حوالي نصف قرن) .
والالتباس اليوم في العمل السياسي المغربي يعبر عن تراجع عن المكتسبات الحقوقية والسياسية لحركة 20 فبراير ودستور 2011
أهمية الموضوع :
تطور الدساتير المغربية خلال الفترة الممتدة من 1962 إلى 2011 يعكس مسارًا تدريجيًا من التحديث السياسي والتأقلم مع متغيرات المجتمع المغربي. بدأ هذا التطور مع أول دستور سنة 1962 الذي كرس الملكية الدستورية وأسس لمؤسسات دستورية حديثة، إلا أنه منح سلطات واسعة للملك. على مر العقود، جاءت تعديلات دستورية متتالية (1970، 1972، 1992، 1996) تجاوبًا مع تحديات سياسية واجتماعية، وشهدت تغييرات تدريجية لتعزيز التعددية السياسية وتقوية دور البرلمان والحكومة.
وفي 2011 مع دستور جديد، في سياق الربيع العربي، عزز الفصل بين السلطات، وكرس دولة الحق والقانون، ووسع نطاق الحقوق والحريات. هذا المسار يبرز أهمية تطور الدستور كمرآة للتحولات السياسية والاجتماعية.
الإشكالية الرئيسية للموضوع :
كيف عكست التعديلات الدستورية التحولات السياسية و الاجتماعية في المغرب ؟
الأسئلة الفرعية :
_ ماهي الظرفية السياسية وراء بروز دستور 1962 كأول وثيقة الدستورية للمملكة ؟
_ ماهو السياق السياسي وراء انبثاق دستور 1996 ؟
_ و ماهي العوامل و الأسباب وراء الإصلاح الدستوري لسنة 2011 ؟
فرضية الدراسة :
لمعالجة الإشكالية السابقة و الإجابة عن مختلف الأسئلة الفرعية حددنا مجموعة من الفرضيات التالية :
_ توفير إطارا ً مفاهيميا ً متكاملا حول التاريخ السياسي المغربي الحديث .
_ الوقوف على تطور التاريخي للدساتير المغربية انطلاقا من دستور 1962- 1996 .
صعوبات البحث :
أثناء دراستنا لهذا الموضوع الهام ، واجهنا الصعوبات كبيرة لعلا أبرزها :
_ أولا : شساعة الموضوع و كذا ضيق الوقت .
_ ثانيا : وجود حقول معرفية أخرى متداخلة .
منهجية البحث :
لتفكيك عناصر الموضوع و الإحاطة بالإشكالية أعلاه ، سنحاول الاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي حيث يقوم هذا الأسلوب على أحد أبرز المناهج المستخدمة في البحث العلمي .
وكذا اعتماد المنهج التاريخي الذي يركز بدوره على تدوين للوقائع الماضية والقيام بدراستها وتحليلها بناء على أسس منهجية علمية حتى يتم الوصول إلى حقائق وتعميمات تساهم في فهم الحاضر وتوقع المستقبل، وهو فن تسجيل حقائق الماضي وتفسيرها للاعتماد عليها في الحاضر والمستقبل .
المبحث الأول : دستور 1962 ـ 1996
في هذا المبحث سنتطرق إلى : " دستوري 1962 ـ 1996 ، بحيث سنعالج فيه مطلبين يتضمنان أهم العناصر التالية :
• دستور 1962 كنموذج للملكية التنفيذية .
• دستور 1996 تعزيز الثنائية البرلمانية .
المطلب الأول : دستور 1962 كنموذج للملكية التنفيذية
الفقرة الاولى : مرحلة الصراع حول وضع الدستور وتحديد التوجهات الدستورية والسياسية للمملكة (1962/1956)
مثلت الفترة الممتدة ما بين سنة 1956 وسنة 1962 مرحلة البحث عن تحديد من هي السلطة التأسيسية التي يجب أن تضع الدستور، وتحدد الشكل الدستوري والسياسي للدولة وفلسفة نظام الحكم لمغرب الاستقلال.
لذلك طرحت مسألة السلطة وبناء نظام دستوري وسياسي في بداية الاستقلال بحدة، ذلك أن الصراع في البداية كان يدور حول من يملك السلطة . وليس كيف يجب توزيعها بين الفاعلين؟ وانحصر الصراع في هذه المرحلة بين قوتان أساسيتان، هما : المؤسسة الملكية بمشروعياتها التاريخية والدينية والنضالية، مما أهلها لتصبح فاعلا وطرفا أساسيا في ممارسة السلطة، وبالتالي تتجسم في الملك الذي هو الأمين عليها والحفيظ لها”، تصبح” سيادة البلاد وحزب الاستقلال بقوته النضالية والسياسية، باعتباره متزعما للحركة الوطنية وبتمثيله للأغلبية، وبالتالي المعارضة الحزبية.
ولذلك مثلت مسألة من يضع الدستور أعقد القضايا وأكثرها إثارة للاختلاف والجدل بعد سنة 1956 سبب أهميتها المركزية في صياغة ” مفاتيح تنظيم السلطة وتوزيعها”، بين القوتان الرئيسيتان في البلاد.
فالمؤسسة الملكية تريد وضع نظام دستوري محبوك بطريقة تقليدية يسود فيه الملك ويحكم، وحزب الاستقلال كان يسعى من أجل ملكية دستورية مقيدة.
ومن خلال ما سبق، كان من الطبيعي أن يكون الصراع بين القوتين على امتلاك السلطة التأسيسية صراعا وجوديا. ودفعت محاولة حزب الاستقلال الهيمنة على الحياة السياسية الملكية للتدخل والسماح بتعددية حزبية مراقبة، مما أضعف الحركة الوطنية عامة وحزب الاستقلال بصفة خاصة.
كما استفادت المؤسسة الملكية من صراعات الحركة الوطنية، واعتبرت أن بناء نظام سياسي ديمقراطي يتطلب التريث والتدرج. وبدأت تحسم الصراع لصالحها، وذلك بتحديد المعالم الأساسية للحياة السياسية التي ترغب فيها في وثيقة العهد الملكي الصادرة سنة 1958.
وعلى المستوى القانوني والحقوقي، دعمت الملكية إستراتيجيتها بإصدار ظهير الحريات العامة(1958)، وقانون التنظيم الجماعي( 1959) ، وقانون الانتخابات، وأعادت بناء شبكة النخب المحلية.
وبعد تولي الحسن الثاني السلطة، وضع القانون الأساسي للمملكة في يونيو 1961، والذي اعتبر إعلانا عن” ممارسة الملكية للسلطة التأسيسية في انتظار وضع الملك لدستور جديد ..
الفقرة الثانية : مرحلة تثبيت الملكية المهيمنة والتنفيذية ( 1992/1962(
بعد سنتين من اعتلائه العرش، أعلن الملك الحسن الثاني عن وضع أول دستور واضعا بذلك حلا لمسألة السلطة التأسيسية بنفسه، ثم عرضه على الاستفتاء قبل أن يصدر أمره بتنفيذه، وبذلك تكون الطريقة التي اعتمدت في وضع أول دستور قد أنشأت نوعا من العلاقة التعاقدية المباشرة بين الملك والشعب. .
وأدى الحسم في مسألة السلطة التأسيسية إلى وضع حد لطموحات المعارضة التي كانت تطالب بالحل الشعبي لمسألة وضع الدستور عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة، واستوعبت أغلب أحزاب المعارضة، بصفة نهائية، فكرة أن الملك هو صاحب السلطة التأسيسية الأصلية.
ساندت دستور 1962 كل الأحزاب السياسية باستثناء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المحظور. وبعد الانتخابات التشريعية والبلدية لسنة 1963، دخل المغرب في أزمات متلاحقة أدت إلى انتفاضة مارس 1965، وانتهت هذه الأحداث بإعلان الملك حالة الاستثناء وفقا للفصل 35 من الدستور، ليتسنى له التحكم في مجرى الأحداث.
وزادت حالة الاستثناء من حدث التباعد والتناقض بين السلطة والمعارضة، وتهيأت الظروف للسلطة لترسيخ أسلوب الحكم الفردي وبناء الجيش وتأسيس هياكل الإدارة، وتنحية القوى الوطنية والتقدمية المعارضة من أجهزة الدولة ومن المراكز الإدارية الحساسة .
وبعد تفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية، تدخل الملك في خطاب عيد العرش لسنة 1970 وأعلن عن انتهاء حالة الاستثناء والعودة إلى الحياة الدستورية بدستور جديد( دستور 1970)، غير أن المعارضة رفضت الدستور الجديد، معتبرة إياه تراجعا عن أهم المقتضيات التي جاء بها دستور 1962، وأعلنت مقاطعة الانتخابات التشريعية لسنة 1970.
وبالرغم من انتخاب مجلس النواب بنسبة مشاركة لغت 85 في المائة- حسب البيانات الرسمية- وبالرغم كذلك من السياسة القمعية وتهميش المعارضة،” فإن الملك م يحصل على النتائج التي كان يتوخاها، وبعد سنة من هذه” الاستفتاءات” الشعبية المغشوشة، كشف الانقلاب العسكري للصخيرات( يوليوز 1971) عن سلطة ضعيفة ومنعزلة عن القوى الشعبية والسياسية، وأدى الانقلاب الجديد في غشت 1972 بالملك إلى إحداث تغيير في توجهاته، تجسدت بوادرها في الدستور الجديد لشهر مارس من نفس السنة . .
ساهمت حدة التناقضات بين الملكية والمعارضة، وعمق الأزمة، وفشل حالة الاستثناء، وسياسة خنق الحريات في ظهور الجيش كطرف جديد في الصراع حول المشروعية والسلطة(المحاولتان الانقلابيتان)
وبالتالي أدى غياب التوازن بين المؤسسات الدستورية، سواء في دستور1970 أو دستور 1972، إلى تعميق القطيعة بين المؤسسة الملكية والمعارضة، ذلك أن النصوص الدستورية وسعت وقوت سلطات الملك حتى أصبحت السلطة التنظيمية من اختصاصه بدل الوزير الأول، وقلصت وأضعفت سلطات البرلمان سواء
من حيث الهيكلة، أو المكانة، أو الاختصاصات .
ويظهر اختلال توازن المؤسسات الدستورية والسياسية في هذه الفترة في فشل التجربتين البرلمانيتين: برلمان (1965/1963) وبرلمان (1971/1970)، وانسحاب النواب البرلمانيين الاتحاديين من برلمان 1977 سنة1981.
كذلك ساهمت القضية الوطنية( مسالة الصحراء) ف فتح مسرات جديدة في العلاقة بين الملكية وأحزاب المعارضة، ونتج عن ذلك توسيع هامش حرية النشاط السياسي والعودة إلى الحياة التمثيلية، كما دفعت قضية الصحراء بعض مكونات المعارضة إلى مراجعة اختياراتهم وقناعاتهم السياسية لتتأقلم مع المعطيات الجديدة، وبالتالي المشاركة في الحياة السياسية.
فدخلت حقبة النضال من أجل الانتقال السلمي والهادئ نحو الديمقراطية. غير أن المعطيات الجديدة( قضية الصحراء، الانفتاح السياسي، والمسلسل الديمقراطي) تمنع السلطة من القيام باعتقالات ومحاكمات في صفوف المعارضة بعد إضرابات أبريل 1979، يونيو 1981، وأحداث يناير 1984، وإضراب دجنبر 1990 ولكن أحزاب المعارضة تتخلى عن إستراتيجية العمل السلمي الديمقراطي والضغط على السلطة لخلق توازن بينهما يمكنها من المشاركة في ممارسة السلطة وتحمل المسؤولية الحكومية.
ومن خلال ما سبق، يلاحظ أن مرحلة 1992/1962 تميزت بتثبيت الملكية كفاعل مركزي، متحكم ومهيمن على الفضاء السياسي من جهة وتزايد شعور الأحزاب السياسية والمواطنون (الفاعلون الثانويون) بالحيرة والعجز عن الفعل.
المطلب الثاني : دستور 1996 تعزيز الثنائية البرلمانية
أتى الدستور المراجع لسنة 1996 كامتداد للمراجعة الدستورية لسنة 1992، غير أن ما يميزه عن سابقه أنه ربط بين المعطى السياسي والمعطى الإقتصادي .
الفقرة الأولى : مواقف الفاعلين السياسين من دستور 1996
أولا : موقف المؤسسة الملكية
أتى الدستور المعدل لسنة 1996 كتكملة للإصلاح الدستوري لسنة 1992 وتمهيدا لتدشين مسلسل التناوب التوافقي، خصوصا بعدما ولج المغرب مرحلة «الأزمة القلبية» على حد قول العاهل المغربي الحسن الثاني، لذلك سعت المؤسسة الملكية إلى سن جملة من الإصلاحات الإقتصادية والإدارية بهدف تقويم الإدارة والإقتصاد إلى جانب التصدي لقضية التعليم.
ثانيا : موقف أحزاب الكتلة الديمقراطية
تباينت مواقف الفاعلين السياسيين من الدستور المعدل لسنة 1996، إذ تراوحت بين القبول الشبه تام والإرتياح النسبي والرفض المطلق.
لقد سجل عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول آنذاك لحزب الإتحاد الإشتراكي أمام اللجنة المركزية للحزب أنه : «يجب أن نسجل بارتياح وأن نعترف بإخلاص أنه لم تمر على اعتماد دستور 1992 إلا ما يقرب من ثلاث سنوات، بل لم يمر على مطالبنا إلا ما يقرب من سنتين حتى أعلن جلالته مساء 20 غشت قراره بتنظيم استفتاء»، بيد أن نفس الزعيم سيبدي تخوفات واضحة بخصوص السلطات التقريرية الممنوحة للغرفة الثانية.
نفس الموقف سنرصده لدى الأمين العام لحزب الإستقلال د. محمد بوسته حينما طالب بمنح صلاحيات أوسع للغرفة الأولى على حساب الغرفة الثانية، بيد أن كلا الحزبين سيصدران بلاغا مشتركا أعلنا فيه عن تصويتهما بنعم على مشروع دستور 1996، هذ في الوقت الذي دعت فيه «منظمة العمل الديمقراطي الشعبي» إلى مقاطعة التصويت على هذا الدستور، بينما سانده حزب التقدم والإشتراكية.
الفقرة الثانية : الدستور المعدل لسنة 1996 ( التجربة الثنائية البرلمانية )
أولا : إقرار نظام الإزدواج البرلماني
انصب الدستور المعدل لسنة 1996 بالأساس على إحداث غرفة ثانية، خصوصا إذا ما استحضرنا النقاش الذي دار حول هذه الغرفة سواء قبل المراجعة الدستورية لصيف 1992 أو بعد إجراء الإنتخابات التشريعية لسنة 1993 وما نجم عنه من مواقف إثر إعلان نتائج الانتخابات غير المباشرة بانتخاب ثلث أعضاء مجلس النواب في شتنبر 1993.
توخى المشرع المغربي من وراء تبني نظام الإزدواج البرلماني تحقيق أربعة أهداف
- توسيع قاعدة المشاركة الشعبية حتى يحقق النظام السياسي المغربي أكبر تمثيلية ممكنة ؛ وهذا أمر فرضته زيادة النمو الديمغرافي ؛
- إيجاد تمثيل عادل للنخبة الإقتصادية المغربية ؛
- تحقيق الإنسجام بين البرلمان المغربي ومؤسسة الجهة،
- تعزيز الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة ؛ فعوض أن يراقبها مجلس واحد ستصبح أمام مراقبة مزدوجة إلى جانب مراقبتها من قبل جلالة الملك.
أولا : توسيع قاعدة المشاركة السياسية.. ونظام الغرفتين : بدَا هذا العامل حاضر بقوة، إذ استهدف توسيع مجال المشاركة السياسية، فالتعقيد الذي تتسم به التحولات الجارية اليوم سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي يطرح العديد من التحديات التي لا يمكن مواجهتها بضمان تمثيلية النخب الجهوية والمحلية فقط.
- ثانيا : إيجاد تمثيل عادل لكافة الشرائح المجتمعية داخل نظام الغرفتين : كان الملك الحسن الثاني من أنصار تبني نظام الغرفتين ؛ ففي رده على كلمة رئيس وقد مجلس الشيوخ الفرنسي في 5 يناير 1993 عبر جلالته عن الدور المحوري الذي تلعبه الغرفة الثانية قائلا :
(أعتقد أن مجلس الشيوخ يعتبر أفضل مدرسة للإنجازات ؛ ولكن ليس للإنجازات الكمالية وغير الضرورية ؛ بل الإنجازات اللاصقة بواقع حاجيات السكان وهذا ما أكرره دائما لمنتخبينا المحليين ؛ إذ أقول لهم : إنه لو كان القانون يسمح لي بأن أتقدم كمرشح للانتخابات فإنني لن اختار الانتخابات التشريعية ؛ بل كنت سأختار الانتخابات المحلية والجهوية لأن الهيئات المنتخبة المحلية والجهوية تمكن من صياغة سياسة للحاضر، وبالتالي تحديد ملامح المستقبل» ، لذلك نجد بأن الثلث غير المباشر الذي كان متواجدا في نظام الأحادية المجلسية (مجلس النواب) لم يكن يجسد تمثيلا عادلا لباقي الشرائح المجتمعية،خصوصا النخبة الاقتصادية المغربية، وهو الأمر الذي سيدافع عنه الأستاذ محد جلال السعيد رئيس مجلس المستشارين آنذاك بالقول : «لماذا نظام الغرفتين ؟ سؤال لا زال يغذي مناقشات الفقه السياسي ويستقطب اهتمام الرأي العام حتى في بعض البلدان ذات الممارسة العريقة لنظام الغرفتين، ورغم أن عدد البرلمانات المكونة من غرفتين على الصعيد العالمي يعرف تزايدا مطردا وأنه تضاعف تقريبا خلال العقود الأربعة الأخيرة من هذا القرن ليصل إلى ما يفوق 70 في سنة 2000.
أكيد لا أحد يجهل أن كل شعب يتشكل لديه تمثل لمؤسساته مرتبط بشكل وثيق بتقاليده التاريخية وبقيم هويته وبمزاجه الخاص، وأن بعض الخاصيات التي تتفاوت أهميتها، تطبع تجربة نظام الغرفتين لكل بلد، كما أنه لا أحد يجهل أن فلسفة نظام الغرفتين تتوخى بناء منظومة تمثيلية تؤمن توازنا أفضل في ممارسة السلط ومراقبة أوسع للنشاط الحكومة ونجاعة أكثر في الوظيفة التشريعية .
ثانيا : في هيكلة مجلسي البرلمان المغربي
بالرغم من عودة نظام المجلسين الذي سبق للمغرب أن عرفه مع دستور 1962 إلا أنه مع الدستور المعدل لسنة 1996 عرف متغيرات هامة على مستوى هيكلة كل من مجلسي النواب والمستشارين.
- أولا : إعادة هيكلة وتنظيم مجلس النواب : لم يشر دستور 1996 إلى عدد أعضاء مجلس النواب ولا إلى شروط القابلية للانتخاب وموانعها، إذ أفرد كل ذلك في قانون تنظيمي، محددا عدد أعضاء مجلس النواب في 325 عضوا، وولايته التشريعية في خمس سنوات، وقد احتفظت هذه الغرفة بأسلوب الإقتراع الأحادي الإسمي المباشر كالأسلوب لانتخاب مجلس النواب مع تغيير في سن الترشيح، إذ حدد سن الترشيح لهذا المجلس في 23 سنة شمسية كاملة.
- ثانيا : إعادة هيكلة وتنظيم مجلس المستشارين : يتشكل هذا المجلس من 5/3 من الأعضاء تنتخبهم كل جهة من جهات المملكة هيئة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات المحلية، ويتكون5/2 المتبقية من أعضاء تنتخبهم أيضا في كل جهة هيئة ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني هيئة ناخبة تتألف من ممثلي المأجورين. وبالرجوع إلى القانون التنظيمي المنظم لمجلس المستشارين نجد أن عددهم قد وصل إلى 270 عضوا ينتخبون لمدة تسع سنوات، على أساس أن يتجدد ثلثهم كل ثلاث سنوات.
ثالثا : تفرد نظام الازدواج البرلماني
إن تبني نظام الإزدواج البرلماني في الدستور المراجع لسنة 1996 ليس مسألة جديدة، إذ سبق وأن عرف المغرب هذا النظام مع دستور 1962، بيد أن هناك بونا كبيرا بين المقتضيات التي جاء بها أول دستور في المغرب المستقل في هذا الباب وتلك التي حملها في الدستور المراجع لسنة 1996، حيث تعامل المشرع الدستوري المغربي بكيفية متساوية عند إعطائه اختصاصات تشريعية ورقابية شبه متساوية للغرفتين معا .
- أولا : السلطات التشريعية بين الغرفتين : تتمتع الغرفة الثانية بنفس الصلاحيات التشريعية الممنوجة للغرفة الأولى، فكلاهما له حق عرض مقترحات القوانين الصلاحيات عليها، وكذا النظر في مشاريع القوانين والمصادقة عليها.
- ثانيا : السلطات الرقابية بين الغرفتين : منح المشرع الدستوري المغربي لمجلس المستشارين سلطات رقابية شبه متساوية مع تلك الممنوحة لمجلس النواب، فالغرفة الثانية تتوفر كذلك على إمكانية تشكيل لجن تقصي الحقائق وطرح الأسئلة بشقيها الشفهي والكتابي : بل إنها تنفرد بتقنية جديدة لا يحظى بها مجلس النواب ألا وهي «توجيه التنبيه»، الأمر الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الغرفة ليست استشارية ؛ بل غرفة تقريرية.
إن منح هذا التوازن في السلطات بين غرفتي البرلمان المغربي لا نجد له نظيرا في جل الأنظمة السياسية المعاصرة ؛ فغالبا ما يجنح المشرع الدستوري إلى إعطاء تفوق محوظ للمجلس الأدنى المنتخب بالإقتراع العام غير المباشر ؛ ويجسد النظام السياسي الألماني هذا التوجه أفضل تجسيد ؛ حيث يعطي صلاحيات واسعة للبوندستاغ (المجلس الأدنى) على حساب البوندسرات (المجلس الأعلى) ؛ إذ حصر مهام هذا الأخير في المجال المالي فقط.
المبحث الثاني : الدستور المغربي 2011 و الاستجابة لحراك 20 فبراير
في هذا المبحث سنتطرق إلى : " الدستور المغربي 2011 و الاستجابة لحراك 20 فبراير " بحيث سنعالج فيه مطلبين يتضمنان العناصر التالية :
• حركة 20 فبراير و التجاوب الملكي مع مطلب الإصلاح الدستوري
• المقاربة التشاركية في الاصلاح الدستوري لسنة 2011
المطلب الأول : حركة 20 فبراير و التجاوب الملكي مع مطلب الإصلاح الدستوري شهدت المنطقة العربية أواخر سنة 2010، احتجاجات غير مسبوقة للإطاحة بالأنظمة غير الديمقراطية، حيث خلفت هذه الدينامية الاحتجاجية العديد من الأسئلة المرتبطة بتوقيت هذه الاحتجاجات، وبالأساليب التي اعتمدتها وبالفاعل الرئيسي داخل هذا الحراك المفاجئ .
الفقرة الأولى : ظهور حركة 20 فبراير
المغرب، كباقي الدول العربية"، عرف مسيرات واحتجاجات، تطالب بإصلاحات دستورية واقتصادية و اجتماعية ، حيث رفعت العديد من مسيرات حركة 20 فبراير ، شعارات سياسية قوية وواضحة ، من قبيل الشعب يريد دستورا جديدا ، " الشعب يريد ملكية برلمانية " .
وتميزت الدينامية الاحتجاجية بتحالف التنظيمات السياسية غير المتجانسة من حيث المرجعية السياسية مع حضورلجيل من الشباب المستقل ، حيث انضم آلاف الشباب غير المنتمين إلى الحراك الاحتجاجي وأصبحوا ناشطين فيما يعرف بحركة 20 فبراير.
وتجدر الإشارة، إلى أن حركة 20 فبراير استفادت من تقنيات التواصل الاجتماعي لترويج مطالبها ولكسب المزيد من الدعم والتأييد، بالإضافة إلى حضور العديد من الهيئات والمكونات السياسية، لعل أهمها حزب النهج الديمقراطي، وحزب الطليعة الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، بالإضافة إلى جماعة العدل والإحسان، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان .
و بالرغم من اصطفاف حزب العدالة والتنمية في المعارضة الذي عارض بشكل رسمي الحدوج هيراهر مر مع حركة 20 فبرابر. إلا أنه لوحظ خروج بعض قياديه بصفة شخصية و تضامنهم مع حركة 20 .
و تميزت هذه الفترة التي عرفت إعلاميا بالربيع العربي بقوة الطلب الإجتماعي ، المطبوع بتسارع الأحداث و بتجاوز هيئات الوساطة التقايدية (من أحزاب سياسية ونقابات مهنية)، وتراجع ملحوظ للزعامات السياسية ولدور الايديولوجيا في عملية التأطير الاحتجاجي.
واتسمت أيضا الدينامية الاحتجاجية بقوة المطالب التي تم رفعها، وهي شبهة نسبيا بالأحداث الكبرى التي عرفها الوطن العربي، وتلك المتعلقة بمعركة الخروج من الاستعمار .
ولقد رفعت حركة 20 فبراير شعارات سياسية قوبة وواضحة، ترفض الدستور القديم وتطالب بملكية برلمانية وتندد بالجمع بين السلطة والثروة، كما طالبت حركة 20 فبراير بالعديد من المطالب، لعل أهمها: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي السلفية المتابعين والمدانين على خلفية أحداث 16 ماي 2003 ، وشعارات اقتصادية واجتماعية متعلقة بالمساواة والتشغيل خرج آلاف المواطنين للتظاهر يوم 20 فبراير في العديد من المدن المغربية، حيث لم يسجل أي تدخل قمعي مقصود من لدن الدولة. وهذا ما يعني أن سياسة الدولة كانت مبنية على مواجية الاحتجاجات بأجوبة سياسية بعيدة عن الخيارات التي سلكتها بعض الأنظمة العربية غير الديمقراطية؟
الجواب السياسي السريع الذي قدمه النظام السياسي المغربي، تمثل في خطاب 9مارس 2011 الذي عبر فيه الملك على تبني مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مقدمتها الإعلان عن إصلاح دستوري شامل يستجيب للتطورات التي يشهدها المغرب داخليا وفي علاقته مع الخارج.
الفقرة الثانية : دعوة ملكية إلى تعديل دستوري
شكل خطاب ل 9 مارس 2011" دعوة ملكية إلى "إجراء تعديل دستوري شامل. و ذلك انطلاقا من سبعة مرتكزات أساسية ، شملت التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية ، و ترسيخ دولة الحق و المؤسسات ، و الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة ، و توطيد مبدأ فصل السلط و توازنها ، وتوسيع مجال القانون و تعزيز الاليات الدستورية لتأطير المواطنين ، و تقوية اليات تخليق الحياة العامة ،ثم دسترة هيآت الحكامة الجيدة.
لقد نال الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 بإشادة من لدن الدول الغربية التي اعتبرت مبادرة الملك بداية للانتقال الديمقراطي ، مما قوى وزاد من شبه الإجماع الوطني من لدن أغلب الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، غير أن حركة 20 فبراير اعتبرت أن خطاب 9 مارس 2011 مجرد التفاف على مطالب الشارع المغربي.
يلاحظ، أن الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011. اختار استحضار المسار الإصلاحي للجهوية كمدخل رئيسي للإعلان عن فتح ورش الاصلاح الدستوري، دون أن يشير الخطاب الملكي إلى أن الإعلان عن الإصلاح الدستوري جاء كرد فعل عن احتجاجات 20 فبراير.
السياق الزمني لخطاب 9 مارس 2011، يبرز بشكل جلي أن المسار الاحتجاجي ل 20 فبراير كان سببا رئيسيا للقيام بإصلاح دستوري شامل، الذي تجاوب بشكل مباشر مع الحراك الشابي والمجتمعي ، عكس الإصلاحات الدستورية السابقة التي كانت مؤطرة بملتمسات وبمذكرات مرفوعة من لدن الأحزاب السياسية إلى الملك، وهو ما يؤثر على بروز استراتيجيات وأساليب جديدة، تنتقل من معادلة المحاورة الثنائية للإصلاح الدستودي التي كانت أسيرة لمذكرات الأحزاب السياسية" إلى معادلة المحاورة المجتمعية المرتبطة بمطالب الشارع والمجتمع المدني .
المطلب الثاني : المقاربة التشاركية في الاصلاح الدستوري لسنة 2011
الفقرة الأولى : ربط الإصلاح الدستوري بالمؤسسة الملكية
بعد سقوط نظام بن على في 14 ينابر 2011 و مغادرته تونس متوجها إلى المملكة العربية السعودية "
وخروج حركة 20 فبراير في المغرب مطالبة بالإصلاحات السياسية والديمقراطية وبمحاربة الفساد . مما عجل بخطاب ملكي في التاسع مارس من سنة 2011، برهن على التفاعل السريع مع احتجاجات الشارع
المغربي، وفتح المجال للإصلاح الدستوري المنتظر.
وجبت الإشارة في هذا السياق، إلى أن بعض الدراسات التي لامست تحليل ودراسة سياق بروز الوثيقة الدستورية ل 29 يوليوز 2011، بالرغم من تباين مناهجها وتنوع مشاريها، نزعت صفة المقارية التشاركية على مسطرة إصلاح دستور 29 يوليوز 2011، متجاهلة المبادئ الأولوية التي تصنف مساطر وضع الوثيقة الدستورية إلى طرق ديمقراطية وطرق غير ديمقراطية.
فبعضها ذهب إلى أن تعالي وتكبر المؤسسة الملكية رافق وضع دستور 2011، حيث أن الملك ربط الإصلاح الدستوري لسنة 2011، باستكمال المسلسل الإصلاحي ولم يعتبره استجابة لمطالب حركة 20 فبراير وبعض التنظيمات السياسية.
وأضافت هذه الدراسات أن الملك حصر الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن تزيح عنها اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بإعداد مشروع الدستور، معتبرة هذه الأخيرة مجرد آلية لإضفاء وإطباع الشرعية من خلال توظيف تعدد الاقتراح الدستوري الذي يوحي بوجود نوعا من الشراكة الدستورية .
و اتجهت بعض الدراسات إلى أن المؤسسة الملكية احتكرت المبادرة الدستورية من خلال تحديد تاريخ إعلان المراجعة وتحديد تاريخ بدء عمل وانتهاء عمل اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد المراجعة وتحديد تاريخ نشر مشروع الدستور وتحديد مدة الحملة الاستفتائية وتحديد تاريخ يوم الاقتراع، بالإضافة إلى تجنيد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي وزعت على الأئمة خطبة نموذجية تقضي بوجوب المشاركة فى العملية الاستفتائية والتصوبت بنعم على مشروع الدستور.
وذهبت بعض الدراسات. إلى أن اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور، عينت من لدن القصر الملكي . وتشتغل في إطار قيود محددة بهيكليا وداخل خريطة رسمتها الخطب الملكية ، كما أن المقترحات المقدمة إلى اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور ظلت مفتوحة لإعادة الصياعة قبل عرض مشروع الدستور على الاستفتاء .
وخلصت هذه الدراسات إلى أن منهجية إعداد دستور 2011، خرجت عن اللجنة التأسيسية الأمر الذي جعل الملك غير ملزم بقبول المسودة التي وضعتها اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور"، ليضيف الأستاذ محمد المدني ".. وبما أنها ليست لجنة تأسيسية، فإن الملك لم يكن ملزما بتبني المسودة التي تضعها.
ويمكنه تعديلها كيفما شاء دون قيد أو شرط، أما منهجية العمل التي اعتمدتها اللجنة فهي لم تكن شفافة رغم أنها قدمت للرأي العام كمنهجية تشاركية، فهي لم تكن تسمح للمواطنين بتتبع النقاش الدائر داخلها. ولا طبيعة الخلافات بين أعضائها، وكل ما تتوفر عليه الآن هو روايات بعض الأعضاء من داخلها يدعون على أنهم اعترضوا على هذا المقتضى أو ذلك ، أو اقترحوا هذه الصيغة أو تلك ، الشئء الذي لا يسمح بتحديد المسؤوليات بشكل واضح.. لتخلص بعض الدراسات أن مهمة أعضاء اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور انحصرت في صياغة مشروع دستور يتجاوب ورغبات الملك .
الفقرة الثانية : مسار ولادة الدستور المغربي 2011
تثير الآراء الواردة في الدراسات اأعلاه ، مناقشة من عدة زوايا، فبالتمعن في مضمون الخطب الملكية التي اعتبرت أرضية للإصلاح الدستوري، والتي دعت إلى فتح نقاش وحوار بشأن الإصلاح الدستوري، وهو ما حاول شرحه الأستاذ حسن طارق، حيث جلأ وفسر كيف تطورت المسألة الدستورية على مستوى الشكل، من خلال مرورها من مرحلة التنازع المسطري المطالب بانتخاب مجلس تأسيسي، مرورا بمرحلة الحوار الدستوري (رفع المذكرات إلى الملك الحسن الثاني)، انتهاء بمرحلة مأسسة الحوار والتشاور حول ملامح الوثيقة الدستورية .
و بالعودة إلى الخطب الملكية، نجد أن روحها يرمي إلى اعتماد مقاربة تشاركية تشرك جميع الفاعلين في اقتراح التعديلات حول الوثيقة الدستورية من خلال توسيع حجم النقاش والمشاركة . حيث دعا الملك في خطاب 9 مارس 2011 مكونات اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور إلى الإصغاء والتشاور مع المنظمات الحزبية والجمعوية والفكرية والعلمية المؤهلة، وتلقي تصوراتها في هذا الشأن.
وشدد خطاب 10 مارس 2011 على ضرورة اعتماد منهجية للإصغاء والتشاور مع جميع الهيئات والفعاليات المؤهلة بدون استثناء"، كما أشاد خطاب 17 يونيو 2011 بالعمل البناء للآلية التي اعتمدت على المقاربة التشاركية. لقد حظيت المبادرة الملكية المعلنة في خطاب 9 مارس 2011 بشبه إجماع من لدن العديد من الأحزاب السياسية والنقابات المبنية وجمعيات المجتمع المدني، التي قدمت مذكراتها ومقترحاتها إلى اللجنة
الاستشارية لمراجعة الدستور.
وفي المقابل من ذلك، اعترضت بعض الأحزاب السياسية وجزء كبير من فعاليات حركة 20 فبراير على مقاربة الإصلاح الدستوري، حيث قاطع الحزب الاشتراكي الموحد وحزب النهج الديمقراطي وجماعة العدل والإحسان وجزء من حركة 20 فبرابر أشغال اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور، معتبرين ذلك التفافا ومناورة من أجل امتصاص الغضب الشعبي.
تحليل خطب الملك، يفيد أن الوظائف المعلنة والظاهرة تتجلى في إقرار مقاربة تشاركية، كما أن خطاب 10 مارس 2011 أشار إلى مفهوم "التشاور مع جميع الهيئات والفعاليات المؤهلة بدون استثناء". وكأن عقلانية المؤسسة الملكية تدعو بطريقة ضمنية "حركة 20 فبراير" إلى الانخراط في الورش الإصلاحي الذي دعت إليه المؤسسة الملكية، إلا أن اختيارات وتصورات جزء عريض من فعاليات "حركة 20 فبراير" جعلها تقاطع أشغال اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور.
و عن النتائج الرسمية للاستفتاء الدستوري الذي أجري يوم الجمعة فاتح يوليوز 2011، حيث استند المجلس الدستوري في بداية قراره على الدستور وخصوصا الفصل 81 منه، وكان عليه بالإضافة إلى ذلك'. الاستناد على الفصول 70 و105، لتصبح الصياغة النهائية على الشكل التالي: "بناء على الدستور ولا سيما الفصول 70و81 و105"، عوض صياغة المجلس الدستوري التي اقتصرت على ما يلي: "بناء على الدستور خصوصا الفصل 81 منه".
واستنادا على ما تقدم، يمكن الإشارة إلى أن الإصلاح الدستوري لسنة 2011 يدخل في إطار مسطرة المراجعة بمفهومها العام، حيث مارس الملك السلطة التأسيسية الفرعية التي تعطيه حق مراجعة الدستور من خلال عرض مشروع الدستور على الاستفتاء.
ويمكن اعتبار المبادرة التي قام بها الملك من خلال خطاب 9 مارس 2011 بكونها تدخل ضمن ما يعرف "بالوضعية القصوى" حيث يكون كيان الدولة مهددا، مما يستدعي على السلطة التنفيذية في الدولة إعمال التدابير اللازمة لمراجعة "الوضع الدستوري القائم".
خاتمة
بقي أن نشير في الأخير إلا أنه من خلال هذا البحث والتمعن في الممارسة السياسية وروح ومنطوق كل الوثائق الدستورية التي حاولت تأطير المسار السياسي لأكثر من نصف قرن من الحياة السياسية المغربية، يلاحظ أن النظام الدستوري والسياسي المغري يتأرجح بيـن مؤشرات الحركة والتحول والدمقرطة ومؤشرات الجمود والثبات والاستبداد، وبالتالي فالبلاد تعيش سيرورة يصعب التكهن بمآلها.
و تعكس قيمة هذه الإصلاحات السياسية التي دشنها المغرب خلال فترة حكم الملك محمد السادس، وحتى قبل مرحلة التجديد والتعزيز لهذه الإصلاحات على المستوى الدستوري، زمن احتجاجات الانتفاضات العربية وبروز حركة عشرين فبراير 2011، لم تكن لتحدث القطيعة في موضوع السلطة وصناعة القرار فضلًا عن تجديد النخب وضمان قدر كبير من المشاركة في الحياة السياسية بالنسبة لفئات وتعبيرات عريضة من المجتمع، بعد أن ظلت في حدود نطاق السيطرة على متغيرات الوضع وضمان الاستمرارية، وبما ينسجم مع رغبات وتصورات النظام السياسي.
هذه النتيجة والتي تناولنا فيها التجربة المغربية من الناحية السياسية بالدرجة الأولى، تماشيًا مع الهدف المعلن من الدراسة، ربما لا تعكس حجم المجهودات المبذولة من قبل الدولة في إدخال عديد الإصلاحات، التي تهم مستوى الحقوق والحريات الفردية والجماعية، قبل أن تشهد سنوات ما بعد 2016 وحراك الريف تراجعًا في الالتزام بها. كما أن مستوى الشك والقلق من انحدار البلاد في اتجاه مزيد من التراجعات والعودة إلى الماضي المثقل بانتهاك حقوق الناس وحرياتهم، قد لا يرضي تطلعات وأمال أجيال من المغاربة ونظرتها إلى المستقبل، خاصةً أمام الفرص والإمكانات المجتمعية التي تسمح للمغرب بإحداث إصلاح وتغيير سياسي حقيقي، في حالة توفر الإرادة السياسية والقطع مع أنماط الحكم السلطوية.
لائحة المراجع
الكتب باللغة العربية
محمد العابد : " الإصلاح ، التنمية الديمقراطية بالوطن العربي ، مدخل لقراءة ربيع الثورات العربية مطبعة دار السلام للطباعة و النشر و التوزيع ـ الرباط ـ الطبعة الأولى .
عبد الرحمن علال : " دستور 2011 تأملات وإشكالات، من يحكم المغرب..؟ " ، الدستور وحقيقة التغيير، مسالك الفكر والسياسة والاقتصاد، عدد مزدوج 2012/20 .
محمد الساسي: "الملك يقدم النستور قراءة في العلاقة بين نص الخطاب الملكي ل- 17 يونيو 2011 ونص الدستور الجديد"، الدستور الجديد ووهم التغيير، تنسيق عمر بندورو، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، سنة 2011 .
محمد رحماني " تطور الدستور المغربي : من دستور 1962 إلى دستور 2011 " - دار النشر المغربية، طبعة 2012 .
رسائل و أطروحات جامعية
معاد الملياني : " النسق السيامي المغربي دراسة في تحديث االممارسة السياسية 2014 - 1999، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، تحت إشراف الأستاذ امحد الداسر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية - أكدال – الرباط ، السنة الجامعية : 2015 –2016 .
التهامي فضيل ، " التغيير السياسي في العالم العربي ، دراسة تحليلية للثورة اتونسية " ـ رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام ـ تحت إشراف الأستاذ عادل موساوي ـ كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الاجتماعية سلا الجديدة ـ 2011 ـ 2012 .
عمر بن الغازي، إشكالية اليمين واليسار في الثقافة السياسية المغربية، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، كلية الحقوق، مراكش 2005-2004 ، محمد الطوزي، الملكية والإسلام في المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء .
دراسة علمية موثقة، ترجمة بديعة الخرازي، منشورات الزمن، سلسلة ضفاف، الطبعة الأولى ـ لسنة 2007 .
المقالات و مجلات
عبد الصادق توفيق ، واقع و مستقبل الإصلاحات بالمغرب( 2011 ـ 2021 ) دراسة حول موضوع السلطة ، رواق عربي 2021 .
لبنة اشقيف: "الدستور الجديد بين إشكالية المرجعية ومتطلبات التحول الديمقراطي"، الدستور الجديد 2011: وثيقة جوهرية للانتقال الديمقراطي في المغرب؟ أعمال الندوة الوطنية المنظمة يوم 29 نونبر 2012 ، من طرف مجموعة البحث حول الإدارة والسياسات العمومية (GRAPP)، المنسقون: مصطفى جاري - فؤاد ادريسي آيت الوالي - عبد العزيز الراضي، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش ، سلسلة المؤتمرات والندوات، المطبعة والوراقة الوطنية، العدد 40، الطبعة الأولى، 2013 .
حسن طارق وعبد العلي حامي الدين: دستور 2011 بين السلطوية والديمقراطية قراءات متقاطعة .
محمد باسك منار: "دستور 2011 في المغرب أي سياق؟ لأي مضمون"، دراسة منشورة بالموقع الالكتروني للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بتاريخ 20 يناير 2014 .
محمد بن سعيد أيت يدر، جريدة العلم، 11 مارس 2011، (أورده ممد سعيد بناني)، دستور 2011 قراءة تركيبية من خلال بعض الصحف مارس 1 - 2011 يوليوز 2011، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى .
عبد اللطيف مسني: "حركة 20 فبراير بالمغرب، الجذور - المسار - الأفاق"، مجلة وجهة نظر، خريف 2011، السنة الخامسة عشر، العدد 50 .
محمد زين الدين : " المراجعة الدستورية لسنة 1996 ، ... و عملية الإنتقال الديمقراطي في المغرب الراهن ، جريدة الاتحاد الاشتراكي ـ ع 6065 ـ بتاريخ 19 مارس 2000 .
محمد جلال السعيد : «ضمن المؤلف الجماعي» : «التجربة الثنائية البرلمانية - موقع مجلس المستشارين المغرب ومجلس الشيوخ فرنسا في المشهد المؤسساتي» أعمال الندوة العلمية التي نظمها مجلس المستشارين بمشاركة مجلس الشيوخ الفرنسي - - دار النشر المغربية -البيضاء 2000
الخطب الملكية
خطاب 17 يونيو 2011، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية .
نص الكلمة الملكية لجلالة الملك الحسن الثاني واردة في كتاب : «انبعاث أمة» - مطبوعات القصر الملكي الرباط 1994 .
النصوص القانونية
الدستور المغربي لسنة 1962 .
الدستور المغربي لسنة 1996 .
الدستور المغربي لسنة 2011 .
المواقع الإلكترونية
موقع المركز wwwdohainstirure.org) .) .
الفهرس
مقدمة 2
المبحث الأول : دستوري 1962 ـ 1996 5
المطلب الأول : دستور 1962 كنموذج للملكية التنفيذية 5
الفقرة الأولى : مرحلة الصراع حول وضع الدستور و تحديد توجهات الدستورية و السياسية للمملكة 5
الفقرة الثانية: مرحلة تثبيت الملكية المهيمنة و التنفيذية 7
المطلب الثاني : دستور 1996 تعزيز الثنائية البرلمانية 10
الفقرة الأولى : مواقف الفاعلين السياسين من دستور 2011 10
الفقرة الثانية: الدستور المعدل لسنة 1996 ( التجربة الثنائية البرلمانية ) .................................... ............... 11
المبحث الثاني : الدستور المغربي 2011 و الاستجابة لحراك 20 فبراير............................. 16
المطلب الثاني : حركة 20 فبراير و التجاوب الملكي مع مطلب الإصلاح الدستوري 16
الفقرة الأولى : ظهور حركة 20 فبراير 16
الفقرة الثانية: دعوة ملكية إلى تعديل دستوري .......................................... 18
المطلب الثاني : المقاربة التشاركية في الإصلاح الدستوري لسنة 2011 .........................20
الفقرة الأولى : ربط الإصلاح الدستوري بالمؤسسة الملكية 20
الفقرة الثانية: مسار ولادة دستور المغربي 2011 ..................................................... 22
خاتمة 26
قائمة المراجع و النصوص القانونية و المواقع الإلكترونية : 28
نبذة مختصرة حول الكاتب
من إعداد : مراد علوي ـ MOURAD ALLIOUI
باحث في الدراسات السياسية و المؤسساتية ـ برحاب كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية أكدال – جامعة محمد الخامس بالرباط .
البريد الإلكتروني : Mouradallioui99@gmail.com



الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
تطور الدساتير المغربية ( 1962 ـ 2011 )


