Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




في مدى إلزامية التنصيب البرلماني للحكومة


     

الاسم: جابر لبوع
باحث بسلك الدكتوراه في القانون العام
جامعة محمد الخامس السويسي-سلا



في مدى إلزامية التنصيب البرلماني للحكومة

 
 
ربما سيصح نوعا أن نطبق المقولة التالية: قل لي ماذا يقول الدستور أقل لك من وكيف تكون الحكومة؟ فبعد انتظار طويل وبعد أخذ ورد من كل صوب وحدب، ها نحن نعاين حكومة شبه جديدة بحلة قديمة، فمنذ أن أعلن حزب الاستقلال انسحابه من حكومة ابن كيران في 8ماي 2013، وحالة من الأزمة السياسية رافقتها تحريك الأقلام والأقدام، وها هم يعلنون عن ولادة حكومة تضع حدا لأزمة الأغلبية. هذه الولادة العسيرة ربما قد تبدو سطحيا ولادة صحيحة وسليمة، لكن إذا ما عدنا إلى الأصل الذي يؤطر لكل السلوكات والتصرفات القانونية، فإن الأمر قد يستوقف لطرح يعض الملاحظات والتساؤلات:

-  إذا كان الدستور ينص في الفصل 47 منه على مسطرة إقالة واستقالة الوزراء، فما هي المسطرة والاجراءات التي اتبعت عند انسحاب الاستقلال؟ وبغض عن هذا السوال هل ينص الدستور على كيفية اجراء التعديل في الحكومة القائمة؟ إذا كان الجواب بغياب نص صريح فهل من حل دستوري؟ ربما إذا رجعنا إلى الفصل 47 سنجده ينص على أن الملك يعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وهو ما يعني أن رئيس الحكومة سيتبع نفس الإجراء أثنا التعديل الحكومي، بالقياس على الفقرة الثانية من ذات الفصل، لكن الإشكال سيطرح حول ما الذي نتحدث عنه هل نتحدث عن حكومة جديدة أم تعديل حكومي؟ فالأصل هو أننا أمام ترميم حكومي للأغلبية وهو ما يفيد التعديل جراء تفكك الأغلبية الحكومية، وليس حكومة جديدة كما يدعى(بضم الياء).
فما هي
اجراءات هذا التعديل التي يجب اتباعها؟ فالذي كان من المنتظر هو أن تبحث الحكومة عن تحالف آخر، وهو الذي فيه وفقت، وتعوض المناصب الوزارية التي أصبحت منذ أن اعلن حزب الاستقلال عن انسحابه وزارات تصريف الأعمال. لكن الأمر مختلف إذ تم إعادة هيكلة التشكيلة الحكومية السابقة كلها تقريبا، وهو الأمر الذي زاد الطين بلة لطرح بعض الأسئلة من قبيل: - هل يجوز ذلك دستوريا؟ إعادة الهيكلة يعني أن يقوم رئيس الحكومة بإعفاء الوزراء الآخرين من مهامهم عن طريق تقديم الطلب إلى الملك، كإجراء دستوري، ثم بعد ذلك يقترح لائحة جديدة للملك ليعينها . إذا كنا نتحدث عن حكومة شبه جديدة كما (يحلو لي أن اسميها،) فيجب عليها أن تتقددم بالبرنامج الحكومي أمام البرلمان لتنال تنصيبها النهائي؟ قياسا على الفصل 88 من الدستور.

أولا: المرجعية الدستورية للتعديل الحكومي

بعدما أعلن حزب الاستقلال الانسحاب من الأغلبية الحكومية، أصبح على رئيس الحكومة ومن واجبه البحث عن تحالف جديد أو عن حزب آخر ليتم على إثره ترميم أغلبيته الحكومية، وهو الأمر الذي حدث بالفعل بعد مشاورات دامت ثلاثة أشهر ليتم التوافق حول صيغة التعديل.

وبالرجوع إلى دستور المملكة فإننا لن نجد فيه أي مقتضى صريح يتحدث عن التحالف الحكومي وعن طبيعة التشكيلة الحكومية، فقد جاء الفصل 47 من الدستور واضحا، بحيث ينص على أن:"يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها؛
ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها"

 فهذا الفصل لا يفيد سوى الجهة المختصة بالتعيين ولا ينص على طبيعة التشكيلة الحكومية، وهو الأمر الذي كان المشرع الدستوري صائبا فيه إذ ترك الأمر مفتوح للسلطة التقديرية لرئيس الحكومة فإن شاء بحث عن تحالف وإن لم يشأ فله كامل الصلاحية في ذلك، فعمومية هذا النص تجد تبريرها في إمكانية حصول الحزب الفائز في الانتخابات على الأغلبية المطلقة للأصوات، وهو الأمر نفسه الذي لا يستدعي من الحزب الفائز عقد تحالفات مع الأحزاب الأخرى ما دامت الأغلبية متوفرة. إن واقع الأمر يتجاوز هذه النظرة ففي المغرب ونظرا لطبيعة النظام الحزبي والخريطة المتحكمة في الانتخابات فإنه يصعب على أي حزب أن يحصد الأغلبية المطلقة للأصوات. مما يفرض عقد تحالفات يكون أساسها التوافق على البرنامج الحكومي، وهو ما يجعل دائما من هذا التحالف مهددا بالفسخ والانهيار نظرا لعدم ثبات الحياة السياسية ونظرا لتباين المواقف حولها. وهو ما حدث بالفعل عندما أقدم حزب الاستقلال على الانسحاب من الحكومة، وفرض إجراء تعديل في التشكيلة الحكومية، لكن ما هو الأساس الدستوري لهذا للتعديل؟ فقد ثارت العديد من النقاشات في هذا السياق حول ماذا نتحدث عنه الآن هل نحن أمام حكومة جديدة أم أمام تعديل حكومي جزئي أم نحن نتحدث عن إعادة هيكلة التشكيلة الحكومية؟

إذا عدنا مرة أخرى إلى الدستور لاستخراج الاحكام التي يمكن أن تنطبق والحكومة هاته، فلا يسعنا إلا أن نرجع إلى الفصل 47 من الدستور  (الفقرة 4 و5 ) الذي ينص على ما يلي: ...ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية.

يستفاد من هاتين الفقرتين، أن الدستور أعطى لرئيس الحكومة الحق في إعفاء أعضاء الحكومة أفرادا أو جماعات بمبادرة منه بمثل ما أعطى الحق لأعضاء الحكومة الآخربن حق الاستقالة بمبادرة منهم، وهو الذي حدث عندما قدم وزراء حزب الاستقلال استقالتهم وقبلها الملك. مما يستدعي من الأمر إجراء تعويض للمناصب الوزارية الشاغرة، وما دامت الحكومة حكومة الأغلبية فإن الأمر يتطلب البحث عن حزب لترميم الأغلبية، فالدستور لا ينص إلا على الكيفية التي يتم بها إعفاء الوزراء واستقالتهم أما دون ذلك فيبقى الأمر غامضا، وأي تفسير ربما قد يكون صائبا بمثل ما يحتمل الخطأ. وعليه فإن ما يتطلبه واقع الأمر هو العودة من جديد إلى تطبيق الفقرة الثانية من الفصل 47 من الدستور، بعد استنفاذ الاجراءات الأخرى التي تكمن في قبول استقالة أعضاء الحكومة وصدور ظهير ملكي في شأنه يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، وينشر بالجريدة الرسمية وهو ما تم بالفعل بصدور الظهير الشريف رقم 1.13.105 الصادر في 14 اكتوبر 2013 بتغيير الظهير الشريف رقم 1.12.01 الصادر في 3 يناير 2012 بتعيين أعضاء الحكومة، الذي نص في  مادته الأولى على ما يلي: ابتداء من 10 اكتوبر 2013 يعفى أعضاء الحكومة الآتي بيانهم من مهامهم، والتي شملت 7 وزراء و4 وزراء منتدبين.

 وإذا حاولنا التمعن في الظهير  سيتضح أن النسخة الثانية من حكومة ابن كيران هي عبارة عن إعادة ترميم للأعلبية لتستمر في ممارسة مهامها الدستورية، لكن الأمر لم يتوقف عند الترميم وفقط بل تجاوزه إلى إعادة توزيع المناصب الوزارية من جديد، وإعادة هيكلة للتشكيلة الحكومية، وهو الأمر الذي لم نجد له سندا دستوريا،  إلا أنه يمكن القول بأن قواعد الممارسة السياسة تفرض مثل هذه النتازلات عندما يتعلق الأمر بإعادة بناء التحالف الحكومي. وهو ما سيفتح الباب لمجموعة من النقاشات والتساؤلات حول مدى دستورية هذه الحكومة؟ هل هل الحكومة يتوجب عليها أن تقدم برنامجها من جديد إلى البرلمان لنتال تنصيبها أم أنها غير ملزمة بتقديم برنامجها لأنها ليست حكومة جديدة منبثقة عن انتخابات جديدة حتى يتكلب الأمر ذلك؟

ثانيا: في مدى إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها

لقد تباينت الرؤى في مدى وجوب تقديم البرنامج الحكومي لتنال الحكومة التنصيب النهائي فهناك من ذهب في اتجاه عدم إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها أمام البرلمان وحججه في ذلك تنطلق من ظهير التعيين، حيث اعتبر هذا الاتجاه بأن أول قاعدة هنا، لمن يستوعب الأسس القانونية لظهائر التعيين، تكمن في أن ظهير التعديل الحكومي جاء معدِّلا ومغيِّرا لظهير تعيين الحكومة التي تشكلت أول الأمر في يناير 2012، لذا لو كان الأمر يتعلق الأسبوع الماضي بحكومة جديدة لكان تعيينها قد تم بظهير جديد كليا وليس بتعديل ظهير 2012، وفي ديباجة ظهير التعديل الحكومي تمت الإحالة بشكل جليّ على الفصل 47 من الدستور، الذي ينظم مسطرة التعديل الوزاري، ولم يشر بتاتا لوجود أية حكومة جديدة ولم يحل على الفصل 88 الذي يتعلق بتشكيل الحكومة من أساسها، وعلى هذا الأساس يكون أساس وجود الحكومة واضح دستوريا، فهي حكومة تشكلت يوم 3 يناير 2012، وحازت على التنصيب البرلماني آنذاك وفق أحكام الفصل 88 من الدستور، وعرفت يوم 10 أكتوبر 2013 تعديلا هم جزءا كبيرا من أعضائها لكنه لم يعطها صفة الحكومة الجديدة بأي حال من الأحوال، وذلك تأسيسا على صريح مواد ظهير التعديل الحكومي، وعلى استمرارها بشكل عادي رغم استقالة وزراء الاستقلال من بضعة أشهر.

هذا الرأي مردود عليه، لأن الوقوف على صياغة الظهير الشريف وينائه الدستوري لا يقف حائلا دون تقديم البرنامج الحكومي كما أن عدم ربط الفصل 47 من الدستور بالفصل 88 منه في الظهير الشريف لا يعني أن الحكومة منصبة، لأن الاستناد في البناء القانوني للظهير على الفصل 47 يجد سنده في ما خصه الدستور من صلاحية للملك وليس لهم الحق حتى أن يقحموا الفصل 88 في ظهير التعيين لأن هذا الفصل الأخير يدخل من صميم  الصلاحيات الممنوحة لأعضاء البرلمان، كما أن اعتبار الحكومة منصبة بأثر رجعي فيه الكثير من المغالات وإطناب في التفسير لنصوص الدستور، فالدستور عندما ربط تحمل الحكومة مسؤوليتها واستكمال تنصيبها عن طريق التصويت البرلماني على البرنامج الحكومي، لم يقم بربطه بالفصل 47 من الدستور  مباشرة بل جاء منفصلا عنه ومكملا له. وهذا لا يعني أن البرنامج الحكومي يسري أثره طيلة مدة ولاية الحكومة حتى في حالة إجراء تعديل حكومي، فالفصل 88 جاء واضحا ولم يتحدث لا عن حكومة جديدة ولا عن حكومة قديمة، إذ نص على أنه:  بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة...... ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه...،

تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي.
وما يمكن أن يستفاد من هذا التنصيص، هو أن مقياس وجود الحكومة يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الأغلبية، لأن الأمر هنا يتجاوز المفهوم الوظيفي للعلاقة بين الحكومة والبرلمان، ويصب في العلاقة السياسية بين الأغلبية البرلمانية والحكومة.

الرأي الثاني: يذهب في اتجاه الزامية الحكومة في تقديم برنامجها أمام مجلس النواب، وحجتهم في ذلك هو التعيين الملكي الذي يسستبعه التنصيب البرلماني حسب الفصل 88 من الدستور، إضافة إلى استنادهم على البلاغ الصادر من الديوان الملكي والذي يتحدث عن حكومة جديدة وليس تعديل حكومي.

ونحن بدورنا نذهب في الاتجاه الثاني، في كون التعيين الملكي يستتبعه تقديم البرنامج الحكومي امام البرلمان، وليس الأمر هنا يتوقف عن مجرد مفاهيم فقط كون الحكومة جديدة أم أن الأمر مجرد تعديل وفقط، حيث أن الحكومة في كل الأحوال ملزمة لكي نتال التصيب البرلماني بعرض برنامجها لكي يتم التصويت عليه في مجلس النواب. لأن الأمر يتعلق هنا بالأغلبية كما قلنا سابقا، ولا يمكن أن يسري البرنامج الذي طالما كان قد حظي بأغلبية الأصوات، طيلة مدة ولاية الحكومة، لأن الفصل 88 جاء مقيدا للفصل 47 من الدستور  بناء على قاعد النص الخاص يقيد النص العام ، بدون أن يضع أية شروط، لأن المشرع عندما يريد أن يقصد شيئا فهو يقصده مباشرة، فلو كان الحديث في الفصل 88 عن حكومة جديدة تنبثق عن انتخابات جديدة لكان قد أكد على ذلك بصريح النص، فالنص الدستوري ينص على أنه بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة سواء جراء انتخابات جديدة أو جراء إجراء تعديل حكومي، تتقدم الحكومة بعرض برنامجها للحصول على ثقة مجلس النواب.

في ظل التجارب الدستورية السابقة، خصوصا بعد التعديل الدستوري لسنة 1996، انقسم الرأي في الفقه الدستوري المغربي في مسألة التنصيب بمناسبة تقديم البرنامج الحكومي، إلى اتجاهين،  الاتجاه الأول وهو الذي يعتبر أن الحكومة تعتبر قائمة الذات بمجرد تعيينها من طرف الملك وهو الأساس الدستوري لمسؤولية الحكومة أمام الملك وبالتالي فالتنصيب أحادي، أما الاتجاه الثاني وهو الذي يعتبر ان الحكومة لا يمكن أن تباشر أعمالها  بعد تعيينها من طرف الملك إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالمعبر عنها بالأغلبية المطلقة، فالرفض أو الموافقة هما الأساس الدستوري لمسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، وبالتالي فتنصيب الحكومة هو تنصيب مزدوج. وإذا كان هذا النقاش شرعيا في ظل الدساتير السابقة، فإن ذلك قد أغنى الساحة الفقهية المغربية بأفكار وآراء من الممكن أن تساعد وتساهم في بلورة ممارسة دستورية وسياسية أساسها انبثاق الحكومة عن أغلبية برلمانية تدعيما وتقوية للطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، وهو ما حدث بالفعل مع دخول دستور 2011، حيز التنفيذ، بحيث سيحسم نهائيا في الأمر عن طريق التقعيد الدستوري ليجعل من مسألة التنصيب البرلماني أمر لا محيد عنه، وهو ما ينسجم و الممارسة الديمقراطية في الأنظمة البرلمانية الحديثة، التي تكون فيها الحكومة منبثقة من الأغلبية.

وعطفا على كل ما سلف، يمكننا أن نسجل النتائج التالية:

  • أن وضوح النص الدستوري يستبعد كل التأويلات السياسية له.
  • قراءة الفصل 47 لا يمكن أن نفصلها عن ما ينص عليه الفصل 88 من الدستور.
  • أن إجراء التعديل في الحكومة لا يحول دون تقديم البرنامج الحكومي، ما دام الأمر يتعلق بالأغلبية، وبالتالي يعني البحث عن سبل الاستمرارية، وهو الامر الذي يستدعي كذلك إعادة صياغة بنود البرنامج الحكومي من جديد وعرضه للتصويت داخل مجلس النواب

الاثنين 21 أكتوبر 2013
1104 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter