Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



ضوابط إستعمال المحامي لوسائل التواصل الإجتماعي والإعلام


     

ذ/ سعد بوجناني محام متمرن بهيئة تطوان



ضوابط إستعمال المحامي لوسائل التواصل الإجتماعي والإعلام
مقدمة:

قد تنتقد العولة من قبل البعض[1]وقد يعتبرها البعض ظاهرة من الصعب تجنبها، وهي في النهاية لا يمكن أن تمر دون أن يكون لها أثر على المحامي، فالعولمة التي قادتها منظمة التجارة العالمية تمس بصورة خاصة مهنة المحاماة، فمختلف الاتفاقيات ومنها اتفاقية مراكش بتاريخ  15 أبريل 1994 بمناسبة مرور 12 عام على جولة أوروغواي وإنشاء منظمة التجارة العالمية في 1يناير 1995 وما سبقها من نقاشات كان من أهدافها الكبرى إدخال قواعد جديدة وحديثة في مجال تبادل الخدمات ومنها الخدمات القانونية والقضائية[2].
كل هذا حمل موجة من التطورات المتسارعة في ميدان العلم و المعرفة وبالأخص عالم تكنولوجيا المعلومات[3] ووسائط التواصل المتعددة والمنصات الإعلامية الرقمية والتي شملت كل جوانب الحياة المعاصرة علمية واقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية، وحتى القانونية القضائية، كل هذه التحديثات الجديدة جعلت البعض[4]يرى أنه يصعب على المحامين تحديد الأخلاقيات والمبادئ  وبشكل أدق الحفاظ على مرتكزات وثوابت هذه المهنة النبيلة تقاليدا وأعرافا متجذرة وضاربة منذ القدم، في ظل الممارسات الإلكترونية الافتراضية للمحامي في نشاطه المهني .    
    ولا يختلف اثنان أن هذه الوسائط التواصلية الاجتماعية فرضت نفسها في حياة المحامي المهنية[5] والتي حملت معها عاصفة من متغيرات في مهنة المحاماة قد تأثر سلبا وبشكل كبير على تقاليدها وأعرافها، تجعل معها العديد من الإشكالات تطفو من خلال ممارسته لمهنة المحاماة المعاصرة، إشكالات سوف نحاول تبيانها والخوص فيها في مثن هذا الموضوع.
 وعليه فإن كل ما سبق ذكره يستفزنا لنطرح عدة تساؤلات سنستقر على أبرزه كالتالي:
ما هي حدود تعاطي المحامي مع وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام؟
وللإجابة عن هذا التسائل المحوري نقترح تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين:
مبحث أول سوف نناقش فيه "تقيد المحامي بالسر المهني في استعماله لوسائط التواصل الاجتماعي" وفي المبحث الثاني سنحاول أن نبين فيه "أهيمة تشبت المحامي بواجب التحفظ أثناء تعاطيه مع وسائط التواصل الإجتماعي وحتى الإعلام نظرا لترابطهما .
 
 
المبحث الأول: تقيد المحامي بالسر المهني في وسائط التواصل الاجتماعي و الإعلام                           
 تطرح في هذا الصدد مجموعة من الاشكالات في مواجهة المحامي من خلال استعماله لوسائط التواصل الاجتماعي الحديثة وكذا تعاطيه مع الإعلام، والتي بدون شك فإن عدم التحوط منها والتحفظ في التعاطي معها قد يشكل خطرا على المحافظة على مبدأ شبه مقدس تقوم عليه مهنة محاماة وهو السر المهني (مطلب أول) والذي يعتبر من المسؤوليات الأساسية للمحامي في ممارسته المهنية (مطلب ثاني).
المطلب الأول: خطورة إفشاء السر المهني في استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي
لقد أصبح استخدام المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي جزء لا يتجزأ من ممارسته المهنية اليومية وأصبت بشكل متزايد في الآونة الأخيرة[6]، لكن في المقابل فإن هناك عدة مخاطر محاطة بهذا النشاط تتعلق أساسا بالأمن الرقمي والمتمثلة في القرصة والاختراق غير المشروع للرسائل النصية والصوتية وكذا الوثائق المصورة لملفات، وغير ذلك من خصوصيات التي قد تكون بين المحامي والمتداخلين معه موكلين وزملاء ومؤسسات ومجتمع ككل، والتي قد تضعه في المحظور بإفشائه للسر المهني كأهم التزام على عاتقه وأقدس مبدأ من مبادئ مهنة المحاماة.
فمبدئ المحافظة على السر المهني كمفهوم فقد اكتفى المشرع المغربي فقط في المادة 36 من القانون المنظم للمهنة 28.08 بتأكيد "منع  المحامي من إفشاء أي سر مهني في جميع القضايا و بالخصوص في القضايا الزجرية كما يتعين عليه أن يحترم سرية التحقيقات وبأن لا يبلغ معلومات مستخرجة من الملف ولا ينشر مستندات أو وثائق أو رسائل لها علاقة ببحث ما زال جاريا"، وهو ما تأكده جميع الأنظمة الأساسية لهيئات المحامين بالمغرب، لكن يبقى هذا المقتضى مفتقرا لما واصلت إليه وضعية السر المهني في ظل وسائط التواصل الاجتماعي، ومن خلال تفحصنا الدقيق للنظام الداخلي الوطني الفرنسي بإصداره الموحد شتنبر 2019 طبقا لمقتضيات المادة 21-1 من قانون المحاماة 1130-71 نجده هو الآخر لم يعط تعريفا للسر المهني لكن برجوعنا للمادة 2.2 من نفس القانون والمعنونة بنطاق السرية المهنية[7] نجدها قد استفاضت في التطرق لنطاق السر المهني والتي نصت على أنه: "السرية المهنية تشمل العديد من الأمور، من بينها الطرق الإلكترونية..." التي يستعملها المحامي في ممارسته المهنية.
وإذا كان بعض الباحثين[8] قد عرف السر المهني "بأنه أمر عهد به الموكل لمحاميه لكتمه" إلا أن هذا التعريف حتما يبقى ناقصا بسبب تطور ممارسة مهنة المحاماة نتيجة تأثرها بالعولمة وما صاحبها كما أسلفنا من ثورة رقمية تمثلت في خلق وسائط التواصل الاجتماعي الالكترونية والتي يتردد إليها المحامي كأي فرد، لكن في استعمال المحامي لهذه الوسائط فالوضع مغاير، لكون المحامي ملزم بالمحافظة على السر المهني، وفي هذا الصدد قام الموقع الرسمي للموارد القانونية بالولايات المتحدة الأمريكية بدراسة خلصت الى أن إمكانية الحفاظ على السر المهني في ظل استخدام المحامي لمنصات التواصل الاجتماعي تنخفض إلى درجات لا متناهية تقريبا، بحيث في سنة 2017 وصل عدد محامين جميع الولايات الأمريكية الذين استعملوا وسائط التواصل الاجتماعي لأغراض مهنية ب81 بالمائة وقد استدعت نقابات المحامين 4 بالمائة منهم لخرقهم القاعدة رقم 1.6 المتعلقة بسرية المعلومات النصوص عليها بالقواعد الأخلاقية المتعلقة بالوسائط الاجتماعية للولايات المتحدة الأمريكية[9]، بالرغم من أن نظام المحاماة النقابي الأمريكي مفتح في مجال التسويق الإعلامي والوسائط الاجتماعية.
والتالي فوسائط التواصل الاجتماعي أضحت ساحة لإفشاء الأسرار المهنية للأسف وذلك من شأنه أن يضر كثيرا مصالح الأفراد وإساءة لمهنة المحاماة تقاليدا وأعرافا، تجعل المحامي في موضع مسائلة على المستوى الاخلاقي والمهني والجنائي، وتجعله مضطرا للتطبيع مع ثقافة تأمين خصوصية إعداداته بوسائط التواصل الاجتماعي[10]في كل مرة يستعملها بهاتفه المحمول أو حاسوبه خاصة البريد الإلكتروني كمفعل رئيسي لكل هاته الوسائط.
المطلب الثاني : مسؤولية المحامي عن السر المهني في استعماله لوسائط التواصل ووسائل الإعلام                                   
 إن التزام المحامي بالسر المهني وحماية أسرار موكليه هو التزام مطلق وعام في جميع أنشطته سواء المهنية أو الشخصية وحتى السياسية لا يقبل أي استثناءات ولا يعلو عليه أي اعتبار كيف ما كان ومهما كانت ظروفه، فالمحامي يستمد قوته من الأمانة والإخلاص للسر المهني[11]، وإذا كان سلاح الجندي في ساحة المعركة يساوي حياته فالأمر ينطق أيضا على المحامي في مقاومته للحفاظ على السر المهني، ويأتي هذا التعبير المزاجي نظرا لما وصلت اليه مواقع التواصل الاجتماعي من تطور رهيب، إذ في اعتقادي تبقى الخطر الأكبر على السر المهني، إذ بنقرة بسيطة سواء عن قصد أو عن غير قصد قد تجعل من السر المهني للمحامي علنا للعموم، ونحن نعلم في هذه الآونة الأخيرة كيف أصبحت سرعة انتشار أخبار وأسرار الأفراد والموكلين بالخصوص وكم أصبحت ثمينة عند صفحات التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية، إذ يبقى على المحامي بنشاطه في مواقع للوسائط الاجتماعية سوى الحذر الشديد والعقلنة في استعمال هذه الوسائط وذلك في عدم النشر فيها أو مشاركة أي معلومات وأخبار أو تلميحات تخص زملائه وموكليه، وليس ذلك فحسب بل حتى بمجريات اللقاءات والزيارات في إطار الممارسة المهنية، وما يحز في النفس أن هذه الممارسات الغير الأخلاقية تجدها فعلا واقع بين زملاء المهنة عبر دردشات التواصل الاجتماعي وكذا خروجهم الإعلامي اللاأخلاقي والمسيء حقا لهذه المهنة النبيلة، ذلك ما سنحاول رصده لاحقا.
وأعتقد أنه إذ كان للموكل الحق مسائلة محاميه عن إفشاء أسراره، فإنه لا حق له في المطالبة محاميه أن يمكنه من مراسلات تداولها زملائه، إلا إذا رأى في ذلك ضرورة ملحة فيمكن حينئذ أن يحيطه بها فقط بمضمونها وخلاصتها دون أن يمنحه إياها عينا، وحبذا أن تكون بشكل شفهي ومباشر دون إرسالها عبر الوسائط الإلكترونية، والعلة في ذلك هو أن المحامي له الحق وبقوة القانون في احتكار السر المهني لنفسه سواء في علاقته مع موكليه وحتى مع زملائه المحامين. وقد اعتبر العمل القضائي المغربي في العديد من أحكامه و قرارته أن السر المهني يشكل كل ما يروج و كل ما يسمع، كما ذهب البعض[12] إلى أن السر المهني يشمل أيضا حيثيات زيارة الموكل للمحامي بمكتبه.                                               
   كما أن محكمة النقض اعتبرت أيضا في قرار لها بملف إداري عدد 2003.1.4.3077 بتاريخ 16.2.2005 أيضأا ثتىتنh"أنه يكون إفشاء للسر المهني كلما استعمل المحامي معلومات موكله القديم ضده في ملف آخر كان خصما له"[13]،كما أن الاجتهاد القضائي والفقه المقارن أقر بالتزام المحامي بكتمان أسرار موكليه حتى ولو كان الأمر سيؤدي إلى إظهار الحقيقة[14].    
  وإذا كان إفشاء المحامي للسر المهني يعتبر مخالفة مهنية تستوجب العقوبة التأديبية طبقا للمادة 62 من قانون المحاماة 28.08[15]والتي تصدر عن مؤسسة النقيب والمجلس، فإن ذلك يكون أيضا تحت طائلة المسؤولية الجنائية المنصوص عليها بمقتضيات الفصل 446 من القانون الجنائي والتي تعاقب بالزجر حبسا على إفشاء السر المهني بحكم المهنة من شهر إلى ستة أشهر مع غرامة ألف ومائتين إلى عشرين ألف درهم.
 وعموما فإن المحامي في مراعاته بالحفاظ على السر المهني وعدم إفشائه هو التزام لا يجد مصدره في العلاقات التعاقدية التي تربط بينه وبين موكله فحسب، وإنما يتعدى هذا الإطار ذلك أنه ملزم بموجب أحكام المادة 12 من قانون المهنة المتعلقة بأداء قسم بالله العظيم[16]، والذي يتضمن الحفاظ على السر المهني وهو أول الكلمات التي يبدأ بها المحامي في ممارسته لهذه المهنة النبيلة، وبالتالي تبقى المسائلة الإلاهية أعظم وأجل من المسائلة الدنيوية.
ولأننا كمحامون فرسالتنا الأسمى هي الائتمان على حقوق الناس، وكحماة للعدالة أيضا يفترض فينا أن ندافع باستماتة قوية على هذه الحقوق وذلك بالإخلاص للسر المهني وإخلاصا لهذه المهنة الشريفة .
المبحث الثاني : تشبت المحامي بواجب التحفظ أثناء التعاطي مع وسائل الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي.
مر معنا أن المحامي ملزم بالحفاظ على السر المهني باستقلاليته في علاقاته خاصة مع موكليه وزملاء والمجتمع أيضا، إلا أن هناك مبدأ آخر يتعين عليه أن يتقيد به وهو واجب التحفظ والتشبث بوقار أخلاقيات المهنة، مقاربة مع أصول وجذور مهنة المحاماة تقاليدا وأعرافا.   
 ولقد أبانت الممارسة اليومية لمهنة المحاماة في الفترة الأخيرة، أن أكبر خطر يعرض التقاليد والأعراف وكرامة هذه المهنة النبيلة من التلاشي والاندثار هو تخلي المحامي عن مبدأ التحفظ والوقار في تعاطيه مع وسائل الإعلام (مطلب أول) وفي استعماله أيضا لوسائط التواصل الاجتماعي وذلك تجاه زملائه والمجتمع ككل (مطلب ثاني).
ولنتحدث بشكل واضح وواقعي كوافدين جدد على أسرة المحاماة المجيدة، مبرزين أبرز تجليات واقع الممارسات اللاأخلاقية على أرض واقع ممارسة مهنة المحاماة.
المطلب الأول: إلزامية التحفظ والتشبث بالوقار في تعاطي المحامي مع الإعلام
فلأصل أن المحامي له الحصانة يمارس مهنته بكل حرية أثناء الجلسة وخارجها[17]وله سلطة التعبير  بكل حرية عن أرائه وأفكاره سواء تعلقت بالمهنة ومشاكلها وإكراهاتها ومستقبلها، أو بتكليفه بنقل معلومات حول ملف ذي رأي عام، وأيضا التعبير في الشأن السياسي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي ببلدنا الحبيب، وذلك راجع لطبيعة هذه المهنة التي تفترض الحرية والاستقلالية من أي تأثير داخلي أو خارجي، وذلك ما يؤكده قانون مهنة المحاماة المغربي 28.08 في مادته الأولى والتي اعتبرت المحاماة مهنة حرة مستقلة، نفس الأمر نص عليه المشرع الفرنسي في الفقرة الأولى من المادة 1من القانون المنظم لمهنة المحاماة 1130-71 في إصداره الأخير[18].
لكن في المقابل فإن سلطة رجل الدفاع في حرية التعبير وأبداء رأيه وتصاريحه لها ضوابط و خصوصيات وكما لهذه السلطة خطوط حمراء يراعاها فيها الأعراف والتقاليد والقانون، ومرد ذلك جاء في المادة 3 من قانون المحاماة 28.08 والتي ألزمت المحامي في سلوكه المهني بمبدأ التجرد والنزاهة والكرامة والشرف، لكن رغم ذلك أصبح بعض الزملاء وهو قلة للأمانة يمارسون سلوكات مشينة للمهنة بتصريحاتهم اللامسؤولة عبر المنابر الإعلامية، وصلت لحد تراشق الاتهامات بينهم والسب والقدف وبأسماء الزملاء داخل قاعات المحاكم وخارجها، هذه الخرقات تجد صداها بملفات الرأي العام، إذ كان آخرها في صيف سنة 2018 بمحاكمة الصحفي توفيق بوعشرين والذي لقبها البعض بمحاكمة القرن، وأمام مرأى جميع أفراد المجتمع والرأي العام في مشاهد لا تليق بتاتا بمهنة المحاماة في انتهاك صارخ لقواعد وأصول الدفاع وسمو مهن المحاماة، حيث قام بعض الزملاء أطراف هذا الملف ومنهم لا علاقة له بالملف أصلا، بخرجات إعلامية لا تعدو إلا أن تكون في خدمة أجندة ما تتربص بحرية المهنة وتريد لها السوء والضعف، وهو ما قض مضاجع السادة المحامون الأحرار الغيورين على هذه المهنة الشريفة في استنكارهم لهذه الممارسات، والتي لا تمت بصلة لمهنة المحاماة النبيلة يجب أن يضرب بها بيد من حديد، ذلك أن واجب التحفظ يلزم المحامي أن لا ينعت ولا يقدف أي طرف من أطراف التقاضي سواء الموكل أو الزملاء أو السادة القضاة عبر وسائل الإعلام، وذلك تحت طائلة مسائلة السيد النقيب والمجلس، ولأننا كمحامون نعتبر صناع اللغة وذلك بالتعبير الدقيق عند الكلام بلباقة واحترام للمخاطب، وقد جاء في إحدى حيثيات قرار لمحكمة الاستئناف بمراكش في ملف رقم 1509 عدد 2007.537.12، بتاريخ 14.07.2009 بأنه: "نعت المحامي الخصم بأقوال نابية يجعلها متجاوزة حدود الأخلاق الحميدة لأن مهنة المحاماة مهنة شريفة يجب تنزيهها عن تجاوز حدود اللياقة والأدب والأخلاق الحميدة"[19].
وفي خضم ما صدر من تجاوزات للسادة المحامون قامت مؤسسة النقيب بهيئة الدار البيضاء بتاريخ 20 فبراير2018 بإصدار منعت فيه المحامين من تقديم أي تصريحات لوسائل الإعلام دون الحصول على إذن منه، وذلك لما يشكل نوعا من أنواع الدعاية والإشهار والتي تتنافى والقانون المنظم للمهنة في مادته 35، وإذ نتطلع أن تحدو كل الهيئات الأخرى حدو إصدار نفس القرار، والذي يبقى الغاية منه الحفاظ على قوة ومكانة مهنة المحاماة بين أفراد المجتمع وجميع المؤسسات، ولنطمئن نحن كوافدين جدد للمهنة النبيلة أن المؤسسات النقابية بخير وجاهزة لحمايتنا في كل مكان وزمان وأنها حازمة في التصدي وردع المظاهر المشينة للمحاماة الشريفة.
المطلب الثاني: ضرورة التحفظ والتشبث بالوقار في إستعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي
 كما أشرنا آنفا أن المحامي ملزم في استعماله لوسائط التواصل الاجتماعي بواجب التحفظ والوقار، وإذا كانت مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 35 من القانون المنظم للمهنة تجيز للمحامي أن يتوفر على موقع من مواقع الاتصال الإلكترونية يشير فيها إلى سيرته الذاتية وجميع معلوماته بإذن مسبق من النقيب بمضمون ذلك، فإن نفس المقتضى بفقرته الأولى منع على المحامي القيام بأي إشهار كيف ما كانت وسيلته.
وللأسف الشديد تجد بعض الزملاء في ممارسات غير محمودة يعرضون مذكراتهم عبر وسائط التواصل الاجتماعي وما يصاحبه من ردود وتعقيبات عبر خانات التعاليق بينهم في استعراض للعضلات وأمام العموم تصل إلى حد المشادات الكلامية، والذي من المفترض أن يكون هذا الإستعراض للقضاء أو أمامه بمنصة الدفاع وليس للعموم، والمحامي بعرضه مذكراته ومراسلاته عبر مختلف الوسائط في ذلك تشهيرا للمحامي[20]وما يتنافى مع المقتضيات أعلاه، والتي تمنع على المحامي الإشهار والدعاية، كما أن في ذلك إفشاء للسر المهني والذي كما سبقنا القول أن السر المهني محتكر من قبل المحامي نفسه.
إضافة تجد أحيانا زملاء يتحدثون عبر وسائط التواصل الاجتماعي في ملف لزميهم له النيابة فيه، بشكل من التطاول بمناقشة معلومات ومعطيات ملف زميلهم وباسمهم الشخصي، في حين أن هذا الأخير هو الأجدر بالتصريح بشأن الملف إن اقتضى الحال، لأن له الصفة من خلال النيابة فيه والمؤهل والأدرى بتفاصيل وقائع ملفه، وأعتقد أنه لا يحق لأي محامي أن يناقش ملف زميله ليست له أي نيابة فيه، غير أن هذا لا يمنع سائر الزملاء من مناقشة واقعة قانونية  عبر وسائط التواصل الإجتماعي بذلك الملف قد تكون موضوع إشكال وجدل لكن بشكل مجرد وبمعزل عن الملف وذلك حفاظا على  نخوة المحامي وكذا التزامه بأعرافه وتقاليده النبيلة.
ومما لا شك فيه أن تقديم الاستشارات القانونية تشكل الأدوار الطلائعية والأبرز في مهام المحامي المنصوص عليها في قانون المحاماة وذلك في المادة 30 بفقرتها الخامسة من قانون 28.08 والتي أناطت بالمحامي "إعداد الدراسات والأبحاث وتقديم الاستشارات وإعطاء الفتاوى والإرشادات في الميدان القانوني"، وأن ووأن تقديم هذه الاستشارات هي موكولة حكرا على السادة المحامون وبقوة القانون.
لكن برجوعنا إلى المادة 35 من نفس القانون نجدها لا تجيز للمحامي أن يمارس أي عمل يستهدف جلب الأشخاص واستمالتهم ولا أن يقوم بأي إشهار كيفما كانت وسيلته" لكن ما تشهده الممارسة الواقعية لمهنة المحاماة أن وسائط التواصل الاجتماعي بمختلفها أصبحت ملاذا للجوء بعض الزملاء المحامون لتقديم استشارات قانونية للعموم وإن كانت عبر خانة الخاص، ولما فيه من إشهار ودعاية لجلب الموكلين تخالف المقتضيات أعلاه وتستوجب المسائلة من قبل النقيب، والأكثر من هذا أن القيام بإعطاء الاستشارات يمكن أن تترتب عنها نتائج وخيمة بمصالح وحقوق الأفراد، ذلك أن الاستشارة أو الفتوى التي يقدمها المحامي قد تكون خاطئة أو لا تنطبق على النازلة المعروضة عليه، وليس بالضروري أن يكون ذلك راجع لعدم كفاءة المحامي أو قلة خبرته، بل أن طبيعة إعطاء الاستشارة تكون في أغلب الأحيان فورية  إما برسالة نصية أو بمقطع صوتي وهو الأخطر دون الاطلاع على النازلة ودراسة وثائقها والتي تفترض أن تكون بالمكتب وبزيارة، وهذا فيه انتهاك لواجب السر المهني ومخالفة لقواعد المهنة وأنظمتها الداخلية[21]، وقد نصت عليه المادة 2.2 من قانون المحاماة الفرنسي[22] بشكل صريح بأن نطاق السرية يشمل أيضا إعطاء الاستشارات للعموم، فإعطاء الاستشارة بهذه الشاكلة فهو يجانب التقاليد و الأعراف ذلك أن المحامي أيضا حينما يمارس الاستشارة في ملف قد صدر فيه حكم أو قررا معين وهو ما من شأنه أن يحدث ارتباكا للمحامي ومتلقي الاستشارة، ذلك في ونفس الإطار  فالمحامي عند قيامه بتقديم هذه الاستشارة أو الفتوى في ملف ما قد يكون لزميله النيابة فيه، وقد سبق أن تحدثنا في هذه المسألة وهي في الحقيقة شائعة بين الزملاء، وغيرها من الممارسات المنتشرة عبر وسائط التواصل الاجتماعي وحتى في الإعلام.
وإذا كنا قد نوهنا في ما سبق بالقرار الحكيم للسيد النقيب بهيئة الدار البيضاء والذي منع فيه الخروج الإعلامي للسادة المحامون إلا بإذنه، فإننا ننوه كذلك بقرار السيد النقيب هيئة الرباط بتاريخ 11 أكتوبر 2019 بمنع السادة المحامون من تقديم الاستشارات القانونية للعموم، ولم يبالغ البعض حين وصف إعطاء الاستشارات مجانية وللعموم بأنها "كالكنز الضائع"[23]، وأعتقد أن هذه القرار الصادرة عن السادة النقباء هي ليس كمن يراها البعض حجر وتضييق على المحامي في ممارسته المهنية وحريته في التعبير، بل فيها حماية للمحامي بالدرجة الأولى وتطبيق للقانون وتكريس للتقاليد والأعراف ورفع من مؤسسة النقيب، كما أن قرارات وطلبات السادة النقباء هي أوامر لا تعقيب عليها، وهذا ما عرف به السلف الصالح عبر عصور مهنة المحاماة الشريفة.
وصفوة القول أن المحامي بإعطائه للاستشارات القانونية عبر الفضاءات العمومية إلكترونية أو إعلامية يجب أن يستحضر مع نفسه القسم القانوني الذي أداه والمنصوص عليه في المادة 12 بإلزام المحامي أن يمارس الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
خاتمة:
نخلص مما سبق أن استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي وكذا تفاعله مع وسائل الإعلام والصحافة ينبغي أن يكون تعاملا مقيدا بضوابط أخلاقية لا يفرضها القانون فحسب بل يفرضها أيضا الضمير المهني باعتباره حاملا لرسالة الدفاع عن الحقوق و الحريات ومناصرة ومآزرة المستضعفين، فالمحامي لا ينبغي له أن يستعمل وسائل التواصل الاجتماعي كما يستعملها العوام، لأن المحامون هم إحدى أجنحة العدالة التي لا تقوم للعدالة قائمة بدونها، فإذا ما أخل المحامي بواجب التحفظ والسر المهني ومبدأ التعاطي الحذر والمقنن مع هذه الوسائط، فإنه من حيث لا يدري يمس بمنظومة العدالة، إذ أن المحامي ومنظومة العدالة لا ينفكان عن بعضهما البعض.
بناء على هذا الاستنتاج نقترح أن تصدر جمعية هيئات المحامون بالمغرب مدونة أخلاقية لسلوك المحامي في تعاطيه مع وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تنكب على إنجازها وتتوافق عليها كل الهيئات الوطنية ببلدنا الحبيب، ميثاق أخلاقي أرى أنه سيعيد الاعتبار للأعراف والتقاليد في ظل الممارسة المهنية للمحاماة المعاصرة.
وعاشت المحاماة شامخة، حرة ومستقلة.
 
[1] هانس بيتر مارتين وشومان، فخ العولمة، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، عدد 238، الكويت 1998، ص7 .
[2] العولمة وآثارها على مهنة المحاماة، مقال منشور بمجلة المواضيع المعروضة على المؤتمر العام السادس و العشرين لجمعية هيئات المحامين  بالمغرب، الجزء الأول، طنجة أيام 17.16.15 ماي 2007، ص 169.
[3]  نحو مجتمع المعرفة، منظمة التجارة العالمية،  دراسات المركز الإعلامي لجامعة عبد العزيز، الإصدار الرابع عشر، دون ذكر المطبعة، 1428ه 2007م، ص5.
 [4] kristen marquiq dennis, Ethics social media and lawyers ; 8 tips to stay in line with the ABA
 https://webpresenceesq.com/ethics/ethics-social-media-and-lawyers-8-tips-to-stay-in-line-with-the-aba/?fbclid=IwAR1z3jm5WdDXIv1fmza3tklEoxFht5UtaGAC6_6AUzb9hpwh3tgH8sB1AmU.
تم الاطلاع عليه  بتاريخ2.05.2020 على الساعة 19.09.
[5] Social media networking for lawyers, LAWR PRACTICE , january/february 2012, https://www.americanbar.org/groups/law_practice/publications/law_practice_magazine/?fbclid=IwAR06D-W6is3S9KZo9sYhyXk9WOUQ4v6SQfkJYneBM1uxHPSD2j1zvjtrY6U
تم الإطلاع عليه بتاريخ 04.5.2020 على الساعة 18.00
[6]- للتفصيل أكثر تفحص مقال Social media, Marketing and personal Use
تاريخ النشر نوفنبر 2016، تم الإطلاع عليه بتاريخ 02-5- 2020 على الساعة 02.40
 https://www.dcbar.org/bar-resources/legal-ethics/opinions/Ethics-Opinion-370.cfm?fbclid=IwAR2pfYjl0ggcUw3IYR0hvQ3ztW5rYCbFgZFWihpz7NHQEmfh_ReNjreUoOE
[7]- Article 2.2 de Règlement intérieur national de la profession d’avocat (RIN), version consolidéé au 12 septembre 2019.
[8]- الأستاذ عبد الجليل أبو سلهام، المحاماة بالمغرب، ،الشركة المغربية للطباعة  والنشر-الرباط  الطبعة الأولى لسنة 1993،ص 52.
[9]-.https://www.hg.org/legal-articles/confidentiality-problems-with-lawyers-on-social-media-sites-52595منشور بموقع الموارد القانونية الأمريكي، تم الإطلاع عليه بتاريخ 02-5- 2020 على الساعة 01.44    مقال
[10]-Michael E.lackey JR, Joseph P.Minta, Lawyers and Social Media, volume 28 Number Article 7, July 2012 P 11.
[11]- أورده النقيب الطيب بن لمقدم  بهيئة الرباط سابقا، المحاماة في أقوال فقهية و نماذج تطبيقية، دار السلام للطبع والنشر والتوزيع. الرباط ، الطبعة الأولى 2005، ص 42 و43.
[12] - R.Brazier,la tradition du barreau Bordeau,Edition 1910, p157.
[13] - د عمر أزوغار، المحاماة من خلال العمل القضائي، رصد لأكثر من 200 قرار لمحكمة النقض وقضاء الموضوع، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012، ص 101 و102.
[14] - محمد عبد الظاهر حنين، المسؤولية المدنية للمحامي تجاه العميل، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1993 ص 144.
[15] - نصت المادة 62 من ظهير شريف رقم 1.08.101 صادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) بتنفيذ القانون رقم
28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة. بأن العقوبات التأديبية هي:
·  الإنذار؛
·   التوبيخ؛
·   الإيقاف عن ممارسة المهنة لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات .لتشطيب من الجدول أو من لائحة التمرين، أو سحب الصفة الشرفية.
[16] - لا يقيد المترشح المقبول في لائحة التمرين ، ولا يشرع في ممارسته ، إلا بعد أن يؤدي القسم الآتي :
"
أقسم بالله العظيم أن أمارس مهام الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية ، وأن لا أحيد عن الاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة التي أنتمي إليها وأن أحافظ على السر المهني ، وأن لا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة ، وأمن الدولة ، والسلم العمومي".
يؤدى هذا القسم أمام محكمة الاستئناف في جلسة خاصة يرأسها الرئيس الأول ويحضرها الوكيل العام ، وكذا نقيب الهيئة الذي يتولى تقديم المترشحين المقبولين
[17] -  حصانة الدفاع، مقال منشور بمجلة رسالة المحامي، العدد 10، لسنة 1994، ص 9.
[18]- Loi n° 71-1130 DU 31 décembre 1971 portant réformez de certaines professions judicaire et juridiques, version consolidée au 14 mai 2020.
[19] - د عمر أزوغار، المحاماة من خلال العمل القضائي، مرجع سابق، ص من 359 إلى 365.
[20]- Article 3.1du  de Règlement intérieur national de la profession d’avocat (RIN), version consolidée au 12 septembre 2019Principes : Tous les échanges entre avocats, verbaux ou écrits quel qu'en soit le support (papier, télécopie, voie électronique …), sont par nature confidentiels.
 
 
 
[21] - المحامي و المحامية بين ثالوث القانون والعرف والأخلاق المهنية، مقال منشور بالمواضيع المعروضة على المؤتمر التاسع والعشرين، الجديدة أيام 5 و6 و7 ماي 2016 ص 133.
[22]- Article 2.2 du  de Règlement intérieur national de la profession d’avocat (RIN), version consolidée au 12 septembre 2019Principes :  les consultations adressées par un avocat à son client ou destinées à celui-ci.
[23] - للتوسع أكثر شاهد  د. وليد صالح، الاستشارات القانونية الكنز الضائع، قناة المحامي و الحكيم، محاضرة على موقع يوتوب.
https://www.youtube.com/watch?v=TBOs0qzKo5g&t=542s

الخميس 28 ماي 2020


تعليق جديد
Twitter