MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تقرير أطروحة حول موضوع تدبير أراضي الجموع بين العرف والقانون: - دراسة نظرية وميدانية من إنجاز الباحث ميمون بويدرى

     



نسخة للتحميل

تقرير أطروحة حول موضوع تدبير أراضي الجموع بين العرف والقانون: - دراسة نظرية وميدانية من إنجاز الباحث ميمون بويدرى


تقرير الأطروحة

تقدم بها الطالب الباحث
ميمون بويدرى

تحت عنوان:
تدبير أراضي الجموع بين العرف والقانون: - دراسة نظرية وميدانية -



بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس
ونال بها شهادة الدكتوراه في القانون الخاص
بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر.
 
 
باسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق والأنبياء المرسلين.

السادة الأساتذة، أعضاء لجنة المناقشة؛

حضرات السيدات والسادة الأفاضل، أيها الحضور الكريم؛

أتشرف اليوم بالمثول أمام صفوة فقهاء العلوم القانونية بالمغرب وخيرة من درسها وأسس لمناهجها وقيم البحث فيها على امتداد أجيال وأجيال من الطلبة يطوقونني اليوم بأمانة البوح في مجلسكم هذا عرفانا وتقديرا واحتراما لمكانكم في قلوبنا، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
فكل الشكر والتقدير لكم جميعا، للأستاذ سيدي محمد شيلح الذي آمن بهذا البحث منذ أن كان جنينا وسعى بدعمه وتحفيزه إلى استكمال قوامه وأركانه؛
الشكر موصول لأستاذي العزيز د. محمد بخنيف الذي قبل الإشراف على هذا العمل دون تردد وعلى سعة صدره وسخائه وتواصله الدائم وكلما قامت الحاجة إليه؛
الشكر والاحترام والتقدير للأستاذ العزيز عبد الحميد أخريف الذي ظل حريصا طيلة سنوات البحث على مواكبة تطور أشغاله، وعلى قبوله تقييم هذا العمل وعضوية لجنة المناقشة المحترمة رغم التزاماته الإدارية الكثيرة؛
كل الشكر والتقدير لأساتذتي ممن تحملوا مشقة السفر لتقييم هذا العمل، من مراكش الحمراء الأستاذ المحترم محمد مومن ومن عروس الشرق مدينة وجدة الأستاذ العزيز إدريس الفاخوري اللذان يؤكدان معدنهما الأصيل في نكران الذات خدمة للبحث العلمي؛
الشكر والتقدير والاحترام لأستاذي سيدي محمد علوي طاهري، على قبوله عضوية اللجنة والمساهمة في تقييم هذا العمل المتواضع، ونسال الله تعالى أن يتقبل منكم ويمتعكم جميعا بالصحة والعافية؛

أتشرف أساتذتي بالمثول أمامكم اليوم لتقييم هذا العمل المتواضع، مسترشدا بتوجيهاتكم، منصتا مستهديا بملاحظاتكم وتوصياتكم لاستكمال بناء هذا العمل والارتقاء به لمصاف الأعمال الأكاديمية التي تستحق أن تجد مكانا لها ضمن رفوف مكتبة كليتنا العزيزة.       

إن الحديث عن موضوع أراضي الجموع أو الجماعات السلالية هو حديث ذي طبيعة خاصة ما دام نظامها ومساطرها وإجراءاتها ترتهن لعدة مؤسسات وإرادات عددها المشرع في نصوص خاصة وأخرى عامة تلتقي وتتقاطع في ثلاث مفاهيم رئيسية هي: الملكية والانتفاع والوصاية، ملكية الجماعة السلالية بمقتضى قوانين أراضي الجماعات السلالية والتحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية والتحديد الإداري وانتفاع ذوي الحقوق ووصاية الدولة بمقتضى القانون المنظم لهذا النظام العقاري.

تبدأ فكرة هذا الموضوع من خلال التساؤل حول آليات ومساطر تدبير أراضي الجموع والمؤسسات الساهرة عليها، باستحضار الطبيعة الخاصة لهذا النظام العقاري الذي تمارس فيه الجماعة المالكة حق ملكيتها تحت وصاية الدولة، بينما يمارس ذوي الحقوق حقوق الانتفاع بالعقار تحت سلطة الجماعة، مع استحضار التغييرات التي طرأت على المنظومة التشريعية والتنظيمية لهذا النظام بشكل خاص وتلك التي طالت بنية الدولة بشكل عام يترجمه النزوع نحو تحديث المؤسسات ؟
هذا التساؤل الأولي يغذيه الزخم التاريخي والاجتماعي والسياسي والقانوني لأراضي الجموع  حيث تتقاطع فيه الجاذبية السكانية، القبلية الجماعية بثقل ثقافي وموروث عرفي وجاذبية الدولة ومؤسساتها الحديثة من إدارة ومحاكم وضعية وغيرها، ما قاد إلى تشكل صورة ملتبسة حولها ومن ثمة تناسل التأويلات حول الفاعلين (الفاعل الحقيقي والفاعل الوهمي ...) والعلاقة القائمة بينهم وسلطتهم في تقدير مساطر التدبير، ما يعني في النهاية أنها ليست شأنا قانونيا صرفا يخضع لمزاج الدولة من إدارة وتشريع ومحاكم وضعية (كمقابل للمحاكم العرفية)، كما أنها ليست مجالا محفوظا لسلوك الجماعات والأفراد، فهي تتوسط كل الفاعلين بدرجات متفاوتة تتناسب وحجم الاختصاصات والمهام والسلط المنوطة بهم.

هذا التساؤل الرئيسي قادنا في مرحلة أولى إلى البحث عن أسس ومرتكزات تطور أراضي الجموع من نظام اجتماعي واقتصادي مرتبط أساسا بالجماعة إلى نظام عقاري Statut foncier مرتبط أساسا بالدولة، ويبدو ذلك جليا من خلال الجهاز المفاهيمي المتداول في مختلف التطبيقات المرتبطة بأراضي الجموع والتي تسمح إلى حد بعيد بقياس مراحل تطورها من مفهوم أنتروبولوجي "جموع" لا يمكن خلاله التمييز بين الجماعة والأرض إلى مفهوم نظامي Statutaire أي تحويل الأرض الجماعية إلى ملكية قابلة للتداول، وهو ما يغذي بالموازاة موضوع تطور تدبير تلك الأراضي بين التدبير العرفي للجماعة والتدبير النظامي للإدارة.

 كما قادنا أيضا في مرحلة ثانية إلى طرح التساؤل حول طبيعة السلط المخولة للجماعات السلالية ولأعضائها من جهة وتلك المخولة للدولة من جهة أخرى ممثلة في وزير الداخلية بصفته الوصي على الجماعات السلالية. قبل أن ينتهي بنا أفق البحث إلى تجزيئ آليات ومساطر التدبير – مع تبرير ذلك - وذلك بحصرها في زاويتين اثنتين وهما العرف والقانون، متسائلين عن محددات خضوع العقار الجماعي لإحداهما على حساب الأخرى أو بجانب الأخرى والدينامية المستمرة لهذا الخضوع عبر مساءلة مسار السياسات العمومية للدولة في تدبيرها لأراضي الجموع.
كل تلكم الأسئلة انتظمت في شكل إشكالية رئيسية تمت صياغتها على النحو التالي:

الوضع التنظيمي لأراضي الجموع ومحددات خضوعها لأشكال التدبير العرفي والوضعي الحالي وآليات توجيه عملية التدبير هاته انطلاقا من دراسة حالات معينة (التدبير التعاوني للاستغلال وتدبير حقوق المرأة السلالية) طبعا قبل صدور القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها وأيضا من خلال دراسة ميدانية (المجال الجماعي للأطلس المتوسط).
وقد تفرعت عن الإشكالية الرئيسية عدة فرضيات تمت صياغتها على شكل أسئلة:
 
  • هل يمكن اعتبار تدخلات الدولة في تدبيرها لبعض الوضعيات الخاصة (حقوق المرأة السلالية والتدبير التعاوني كنموذج) بمثابة تدخلات عرضية ومؤقتة أم أنها منهج عمومي يروم تحييد الأعراف تدريجيا مقابل التمكين للقواعد الوضعية ؟
  • هل يرتبط التراجع في منسوب العرف بالسياسات العمومية الخاصة التي تهدف إلى إضعاف مستوى حضوره في مختلف مساطر التدبير والتنظيم، أم يرتبط بتطور بنية الدولة بشكل عام والتي تعرف نزوعا واضحا نحو تحديث مؤسساتها ؟
  • هل يرتبط التراجع في منسوب العرف بضعف المؤسسات المنتجة له نتيجة تدخل الدولة المباشر أم نتيجة غياب الشروط الاجتماعية لممارسته ؟
  • كيف يتأثر المستوى التنظيمي لأراضي الجموع بطبيعة المجال، حيث تقوم فرضية تأثر مساطر التدبير بالقرب أو البعد عن المركز مثلا ؟
  • هل يمكن اعتبار التبعية المفرطة للوصي بمثابة تأويل خاطئ لمفهوم الوصاية ؟

 
وقد اهتدت الدراسة بعد عدة تراكمات معرفية ومنهجية إلى صياغة هندسة نظرية وتطبيقية قادرة على استيعاب التصور العام لإشكالية الأطروحة وفرضياتها، بما سيمكن، إلى حد ما، من مقاربتها وفق آليات علمية ناجعة.

وعلى هذا الأساس تشكلت خطة الدراسة وفق محورين رئيسيين:

- محور أول هدفه بناء تصور عام ينهل من مجموع التراكمات في مجال تدبير أراضي الجموع والتي تعكسها مختلف البحوث والدراسات المنجزة: التدبير التشريعي والتنظيمي (قوانين ومساطر ومؤسسات التدبير)، والتدبير المؤسساتي من خلال جملة من المشاريع تحت إشراف مباشر للدولة (الوصاية أساسا)، وأيضا من خلال استقراء بنية الدولة حيث النزوع نحو بناء مؤسسات حديثة تحتكم إلى المرجعية الوضعية وتعتبرها الإطار الوحيد في التدبير؛
وبهذا الخصوص، تم الاشتغال على جمع أكبر قدر ممكن كما وكيفا من المساطر المعتمدة عادة في تدبير أراضي الجماعات السلالية مع تصنيفها بما ينسجم وإشكالية البحث، حيث تم تكييفها كمساطر تقليدية بمفهوم الاعتياد والتكرار وليس بمفهومها الزمني (القديم والحديث) والتي انتظمت في شكل مساطر عرفية من أعراف قبلية تسهر عليها الجماعة أو نخبها وأعيانها من ذوي الحقوق، وأحكام عرفية ذات طبيعة قضائية صدرت أساسا في زمن الحماية عن المحاكم العرفية، وأخرى ذات طبيعة إدارية يمارسها عادة الباشوات والقواد، ومساطر شرعية تمارسها المؤسسات الدينية الرسمية  وغير الرسمية من مجالس الإفتاء العلمية وفقهاء الدواوير ... إلى جانبها مساطر وضعية تمارسها الدولة عبر مؤسساتها المختلفة: الوصاية الممثلة في وزير الداخلية وتمثيلياته الإدارية اللامتمركزة جهويا، إقليميا ومحليا ثم المحاكم الوضعية عبر الاجتهاد القضائي والفقه عبر الاجتهاد الفقهي.
هاته المساطر ذات الطبيعة التقليدية تكملها مساطر أخرى لها طابع عرضي التجأت إليها الدولة بعدما ضاق بها الوعاء القانوني المنظم لأراضي الجموع والمتمثل في ظهير 27 أبريل 1919 وأيضا بعض الممارسات العرفية المحدودة في أفقها والمتناقضة أحيانا في تقدير الدولة والتي لا تتناسب مع طموحها في تحديث أساليب وأدوات تدبيرها، وهو ما دفع بها إلى البحث عن مساطر إضافية أو بديلة أو موازية أو مكملة تسمح لها بتجاوز الإكراهات الحالية المتعددة المرتبطة بالجماعات السلالية وذوي الحقوق والقانون والنصوص التنظيمية ذات الصلة به، وهي إكراهات يمليها تطور مؤسسات الدولة وتنوع أساليب الاشتغال على التنمية المرتبطة بالعقار (الاستثمار العمومي والخاص نموذجا) وتوسع مجال حقوق الإنسان ليشمل الحقوق الاقتصادية ومن بينها الحقوق العقارية عامة والعقار الجماعي بالخصوص (حقوق المرأة السلالية نموذجا) وتراجع أو ضعف الجماعات السلالية كمؤسسات تضامنية في الاستغلال ومستقلة وفاعلة، ما جعل الدولة تستعيض عنها بما أصبح يعرف بالتعاونيات السلالية، كإطار مؤسساتي جديد يحرر الدولة من قيود الانتماء السلالي الضيق ولوائح ذوي الحقوق النادرة وغير المحينة والطعينة. وهو ما يمكن اعتباره بعد تدقيقه ميدانيا نزوعا نحو التخلي التدريجي عن المساطر العرفية وتعويضها بالمساطر الوضعية المستمدة أساسا من التشريع الوضعي، الأمر الذي زكاه المشرع صراحة من خلال مقتضيات القانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.

هذا المحور له طابع تمهيدي يروم خلق أرضية معرفية صلبة ومرجعية قادرة على استقبال البحث الميداني، إلا أنه بالمقابل بدا متأثرا بشكل واضح بالتعديلات التي طرأت على القانون المنظم لأراضي الجموع من خلال القانون الجديد 62.17 الذي تم بموجبه نسخ مقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 ولا سيما ما جاء بمرسومه التطبيقي والدوريات اللاحقة وهو ما سيتم تحيينه بشكل دقيق بالموازاة مع باقي الملاحظات التي سيتم إثارتها دون شك.

- محور ثاني يروم اختبار وتقييم مساطر التدبير (الكراء، التفويت، المبادلة، إبرام اتفاقيات، الانتفاع المباشر وغير مباشر ...) ومؤسسات التدبير (الجماعة السلالية، ذوي الحقوق، الوصاية، الغير ...) على مستوى مجال جماعي محدد تم اختياره بشكل دقيق وفق معايير تسمح بتوفير الحد الأدنى من المعلومات والمعطيات القمينة بالإجابة عن إشكالية البحث وفرضياته، ويتعلق الأمر بالمجال الجماعي للأطلس المتوسط أقاليم (خنيفرة، بولمان، ميدلت، الحاجب، وافران) لأهميته (أي المجال) كخزان للعقار الجماعي بالمغرب ولضعف التماس بين ساكنته وباقي الحضارات المستوردة عبر التاريخ وانتظامه في شكل قبائل وسيادة نظام الترحال الذي تمليه طبيعة الإنسان الأطلسي وتضاريس مجاله ومناخه وتربته وهو ما ساهم بشكل كبير في الاحتفاظ بقيمه الثقافية والعرفية وسيادته الرمزية والمادية على ممتلكاته العقارية وعلى رأسها الملكية الجماعية.

وقد تم تفصيل أهم تصرفات ومساطر تدبير أراضي الجموع بالأطلس المتوسط بالباب الأول من القسم الثاني في محاولة لإبراز أهم التصرفات العرفية المرتبطة بالاستغلال المباشر للعقار الجماعي (التقسيم في إطار الاستغلال الفلاحي من خلال القسمة على وجه الإنتفاعين الدائم والمؤقت، وتنظيم الاستغلال الرعوي من خلال نظام أكدال أو أودال كما ينطقه لسان الأطلس المتوسط ونظام الرعي والانتجاع) ثم الاستغلال عن طريق الغير من خلال الكراء الجماعي والفردي لفائدة الغير، وذلك قبل تعيين أهم مساطر التعبئة الوضعية للأراضي الجماعية في الإقليم موزعة بين انجاز مشاريع عمومية واستثمارية والتعبئة لفائدة ذوي الحقوق مستدلا في ذلك بالعديد من المشاريع المهيكلة بالأطلس المتوسط وعلى رأسها مشروع نور ميدلت لإنتاج الطاقة الشمسية ومراكز تنمية الحياة الفطرية بإقليم بولمان المعروف محليا بتربية طائر الحبارى l’Outarde، ثم مشروع "الرانش أداروش" أو "ضيعة أداروش" المنجزة في إطار مبادلة عقارية بين الجماعات السلالية المنتمية لإقليم إفران والدولة (الملك الخاص) بهدف الزيادة في الطاقة الإنتاجية للدولة من اللحوم الحمراء.

ولأن الرابط مع الأرض الجماعية هو رابط حقوقي من خلال صفة ذي حق Ayant droit، فقد تم تناول وتدقيق مختلف المساطر العرفية والوضعية في تدبير سجلات ذوي الحقوق والنزاعات التي تنشأ بينهم بمناسبة الاستغلال أو الانتفاع أو القسمة أو من خلال التسجيل في لوائح ذوي الحقوق تأكيدا للانتماء السلالي وفي إطار نظام الاستخلاف.

الدراسة الميدانية هاته، مكنت من اكتساب معطيات أولية يمكن توظيفها كمؤشرات لاستشراف آفاق تدبير أراضي الجموع بالأطلس المتوسط ومعه بشكل غير مباشر أراضي الجموع بمجموع التراب الوطني.

هاته المؤشرات يمكن اختزالها في استمرار تفكك الأعراف المحلية وبالتالي تراجعها في تنظيم المجال العقاري الجماعي مقابل ظهور وتوسع عدة مقومات تتيح سيادة التشريع الوضعي الحديث في تدبير هاته الأراضي.

هذا التفكك أملته عدة أسباب ذاتية ترتبط بالجماعة السلالية ذاتها هيكلتها، تنظيمها كوحدة قانونية كما ترتبط بتراجع الأنشطة التقليدية للانتفاع كالرعي والانتجاع التي تنتظم داخلها القواعد العرفية لتدبير حقوق الرعي داخل نفس القبيلة ومع القبائل المجاورة في إطار نشاط الانتجاع، وأسباب موضوعية ترتبط بإعادة توجيه النظام القانوني لأراضي الجماعات السلالية بجعله قابلا للتداول وتحريره من القيود الجماعية وتسخيره للاستثمار الخاص مع ما يترتب عن ذلك من تحول على مستوى بنية هذا النظام العقاري.

هاته الأسباب أنتجت عدة مظاهر تقيم دليلا على تفكك النظام العرفي وعلى رأسها تكريس الجماعات السلالية تبعيتها للوصاية خارج النسق الذي أنشأه وينظمه القانون عبر عدة آليات منها احتكار الوصاية للمعلومات والوثائق والمستندات والكفاءات أيضا إلى جانب احتكار الإمكانيات ووسائل التدبير والتدخل رغم المرونة التي أبداها القانون الجديد 62.17 الذي حاول تدارك هذا الوضع بالتنصيص على تمكين الجماعات السلالية من جزء من مواردها لتغطية مصاريف التدخل المرتبطة بحماية وتثمين ممتلكاتها الجماعية.

تفكك الأعراف المحلية والنظام العرفي بشكل عام يرتبط أيضا بتشبيب الموارد البشرية المكلفة بالسهر على تدبير أراضي الجموع وذلك بصعود جيل قيادي جديد متأثر بالتحولات المؤسسية التي تعرفها الدولة على المستويين القانوني والحقوقي وتحول نظام الارتباط بالأرض من الاستغلال المباشر في إطار مسطرة الانتفاع إلى نظام الشغل أو التشغيل في إطار نظام الأجرة الذي تتيحه مسطرة التعبئة لإنجاز مشاريع استثمارية. هذا التوجه العام نحو سيادة التشريع الوضعي الحديث، تغذيه عدة مقومات يرتبط بعضها بالسياسات العمومية للدولة من خلال البحث عن تثمين أراضي الجموع في ظل ندرة العقار وتحول أنماط الاستغلال من الاجتماعي إلى الاقتصادي وبعضها الآخر يرتبط بضعف المجال الجماعي للأطلس المتوسط الذي ساهم فيه الوضع القانوني الهش للأرض الجماعية (عقارات غير محفظة أو غير محددة أو عقارات مشمولة بالنزاعات ...) ومعه الوهن الذي أصاب مؤسسة الجماعة السلالية التي أصبحت غير قادرة على تحصين أدوارها الريادية في اتخاذ القرار وتحقيق استقلاليتها عن الوصاية في الحدود التي يسمح بها الواقع والقانون.

 
 
بعدما استعرضنا وبشكل مركز أهم الاختيارات التي تقدمها الأطروحة لتناول موضوع تدبير أراضي الجموع من زاويتي العرف والقانون، أستسمحكم في تقاسم بعض العناصر الأولية كخلاصات تحتاج طبعا إلى إنضاجها بمزيد من البحث والتدقيق سيما وأن أفق هذا البحث لا يزال واسعا، وتتمثل في النقاط التالية: 
 
  • أهمية الاستثمار في المكتسبات العرفية المحلية والتي تلعب دورا هاما في تثمين أراضي الجموع كعرف "أكدال" مثلا بالنسبة للمجالات الرعوية، إذ يكفي أنها شكلت الإجابة الصريحة والمقنعة على النظرية العالمية "تراجيديا المشترك Tragédie des communaux" لكاريت هاردن، إضافة إلى اعتماد الصيغ العرفية الجاري بها العمل لفض النزاعات لا سيما الناشئة بين ذوي الحقوق والغير؛ وتطوير هذا النموذج بما يقربه من باقي الوسائل البديلة لفض النزاعات المعتمدة حاليا من طرف الدولة في العديد من المجالات.
  • اعتماد هيآت نيابية متمكنة من المعطيات الميدانية للعقار الجماعي ومتوفرة أيضا على تكوين معرفي يسمح لها بالتفاعل مع مختلف النقاشات والمعطيات المرتبطة بعقاراتها وقادرة على مواكبة المستجدات التشريعية والتنظيمية والمشاركة في النقاشات العمومية داخل مختلف المؤسسات المؤثرة (لقاءات أكاديمية ونقاشات على مستوى المؤسسة التشريعية نموذجا) وتمكينها من دورات تكوينية تأهيلية.
  • اعتماد هيآت نيابية شابة وفاعلة ومنخرطة قادرة على التفاعل مع التوجهات التنموية العامة للدولة، بما يسمح لها بتشجيع الاستفادة بشكل واسع من الأرصدة العقارية الجماعية المتوفرة في إطار مشاريع مدرة للدخل سواء لفائدة ذوي الحقوق أنفسهم أو لفائدة الغير مقابل امتيازات اجتماعية واضحة؛
  • إعادة النظر في المفهوم السلالي للجماعات بتقريبه أكثر من البعد القبلي والإداري تماشيا مع التغييرات التي طالت التنظيمات الاجتماعية والسياسية للجماعات بالمغرب والمجهود المضني للدولة لبناء مؤسسات مدنية حديثة تحتكم لقيم المواطنة في الانتماء لا على قيم الانتماء الدموي؛
  • توحيد معايير الانتماء للجماعات السلالية على الصعيد الوطني واعتماد معيار يضمن قاعدة أوسع للانتماء إلى الجماعات؛ مما سيكون له تأثير ايجابي على مساطر تعيين ذوي الحقوق التي ستخضع وفق هذا التوجه لرقابة دقيقة لمجلس الوصاية وللسلطة القضائية أيضا؛ كما سيسمح أيضا بتسهيل مسطرة تسخير العقار السلالي لفائدة الجماعات الترابية؛
  • ملاءمة بعض الأنظمة العرفية لتدبير المراعي وتنظيم الانتجاع مع النصوص التشريعية الموازية المتعلقة أساسا بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية وأيضا مع النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بتدبير أراضي الجموع.
  • إدماج المرأة السلالية ضمن سلسلة إنتاج الأراضي الجماعية عوض التركيز على الانتفاع النقدي والعيني من الممتلكات الجماعية بالشكل الذي سيتيح اندماج أوسع في دائرة الانتفاع آنا ومن خلال خلفها العام مستقبلا ذكورا وإناثا؛
 
والله المستعان
 
 
 
الخميس 1 سبتمبر 2022




تعليق جديد
Twitter