Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الإنابة القضائية الدولية


     

الزهري عماد
طالب باحث سلك الماستر القانون الجنائي و التعاون الجنائي الدولي
كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية مكناس



الإنابة القضائية الدولية
مقدمة:

مما لا شك فيه، أن ظاهرة  الإجرام تعتبر أشد ظواهر السلوك الإنساني تعقيدا، و يتجلى هذا التعقيد فيما يترتب على هذا السلوك من مشاكل مختلفة و ما يطرحه من صعوبات على مستوى معالجته القانونية و الاجتماعية ، فهذه الظاهرة لها انعكاسات سلبية على المجتمع، نظرا لما تلحقه من آثار خطيرة بأمن المجتمع و استقراره و تهديد اقتصاده.
و بناءا عليه، فإنه حينما يثار موضوع الإجرام في علاقته مع التغيرات التي يعرفها المجتمع على مستوى التطور الحاصل في مجال الاتصالات والمواصلات التي أسهمت في فتح باب الاتصال و انتقال الجناة سهولة و خفاء بين الدول. و في تطوير أساليب و هياكل الجريمة ،فإن تلك التعقيدات تزداد حدة خصوصا أن المنظمات الإجرامية تبسط نفوذها في جميع أرجاء العالم بفضل تلك الوسائل، بالإضافة إلى ظهور جرائم جديدة ذات التنظيم المحكم.
و هكذا،ومع ازدياد قوة التنظيمات الإجرامية و تعزيز أنشطتها و توسع نطاقها عبر الحدود الإقليمية، و سهولة تحرك العناصر الإجرامية نتيجة لتلك التغيرات ،أصبح من الصعب على أية دولة مهما  بلغت قوتها أن تتصدى لظاهرة الإجرام بمفردها.
و كان من نتائج ذلك، مبادرة المجتمع الدولي إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمجابهة المخاطر و التهديدات المتصاعدة لظاهرة الإجرام، أو إيجاد حلول لها أو الحد منها على الأقل،  في أفق  بناء مجتمع يسوده الأمن و الاستقرار و العدالة الجنائية، و ذلك بتنسيق و توحيد الجهود بين الدول في إطار التعاون، خاصة أنه و إدراكا منها بأن الجريمة العابرة للحدود ليست مشكلة فردية تهم دولة  واحدة فحسب، بل تهم المجتمع الدولي برمته ،و أن  السبيل الوحيد هو التعاون فيما بينها.
و يتجلى هذا التعاون في عقد الاتفاقيات الثنائية و المعاهدات و الاتفاقيات الدولية ، وإنشاء الكيانات التنظيمية من منظمات دولية و مؤسسات و هيئات و لجان و مراكز و معاهد و جمعيات عبر الدول، و ذلك لضبط هذه الظاهرة الإجرامية، و الحرص على دعم العمل المشترك ثنائيا و إقليميا و عالميا، و تطوير آلياته و توثيق الروابط التعاونية لتحقيق المزيد من المصالح في هذا الميدان.[1]
ووعيا من المجتمع الدولي من خطورة الجرائم ذات الطابع الدولي ،و اقتناعه باللامناصة من العمل على مواجهتها ،فقد بادر إلى إحداث آليات قانونية لمكافحتها. و منه، فإن الأهمية النظرية و العملية لموضوع التعاون القضائي الدولي في المجال الجنائي يكمن في حاجة الدول في الدخول في علاقات تعاونية مع غيرها من الدول ،و الحاجة إلى الأسلوب العملي ليحقق المصالح المشتركة بينها في ظل توازن بين المنفعة و الأعباء المتوقعة ،إضافة إلى أن نجاح عمليات التعاون القضائي الدولي هو نجاح في مجال مكافحة الجريمة نظرا لارتباطه الوثيق بكافة العمليات الإستراتيجية للتنمية و التطوير و الأمن بمفهومه الشامل.
     إذا ثبت ذلك، تجدر الإشارة إلى أن التعاون القضائي الدولي في المجال الجنائي يهدف إلى حث السلطات القضائية الدولية على تنسيق و تضافر جهودها، و اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع وقوع العمليات الإجرامية المنظمة ،و إفشال خطط منظمي تلك العمليات قبل الشروع في المحاكمة. و لن يتأتى ذلك إلا من خلال خلق آليات قانونية تعمل على تسهيل عمليات البحث و التحقيقات اللازمة من أجل الحصول على أدلة و قرائن قانونية لإدانة مرتكبيها.[2]
و في هذا الإطار، أوجد المجتمع الدولي آليات تحقق الغرض المذكور تتمثل في الشكاية الرسمية و المساعدة القضائية و القانونية المتبادلة بين الدول بالإضافة إلى التسليم المراقب و الإنابة القضائية الدولي. هاته الأخيرة، و نظرا لكونها تمثل آلية مهمة في مواجهة ما تشهده الظواهر الإجرامية من تطور، حرصت الدول على تنظيم مجموعة من الإجراءات التي تحكم الإنابة القضائية و ما يتصل بها ،إسهاما منها في إٍرساء قواعد العدالة على الصعيد الدولي مع المحافظة على استقلالها الوطني و بسط سيادتها على إقليمها .
       وعلى أساس كل هاته المعطيات ،فإن موضوع الدراسة الذي نحن بصدده،و المتعلق  ب " الإنابات القضائية الدولية " بات يطرح إشكالية رئيسية واضحة الدلالة و التي يمكن حصرها في التساؤل الآتي :
 
  1.   ما هي حدود التنظيم القانوني و القضائي للإنابة القضائية الدولية  كأحد آليات التعاون القضائي الدولي السابقة على المحاكمة في مكافحة الإجرام الدولي؟
و لأجل الإجابة عن هذا التساؤل ،فإن ذلك يقودنا إلى طرح التساؤلات التالية:
  1. ما مضمون آلية الإنابة القضائية الدولية؟ و ما شكلها؟
  2. ما هي الإجراءات المتبعة أو المسطرة القانونية الواجب سلكها في طلب الإنابة القضائية الدولية؟
  3. ما هي الإجراءات التي تسلكها مسطرة تنفيذ الإنابة القضائية الدولية؟و ما مدى التزام الدول المعنية بالاستجابة للطلبات؟

هذا ،وقد اعتمدنا للإجابة على هذه الإشكالية على المنهج الوصفي التحليلي الذي يعتمد على التشخيص و الوصف الدقيق للموضوع محل الدراسة،و كذا تحليل و دراسة مصادر المعلومات المختلفة، و سيساعدنا هذا المنهج في فهم مختلف النصوص القانونية التي بحوزتنا، حيث تعتمد هذه الدراسة أساسا على مجموعة من الاتفاقيات و الوثائق الدولية الأساسية بالإضافة إلى التشريعات الوطنية . و بالإضافة إلى ذلك ،فقد استعنا بالمنهج المقارن الذي يمكننا من مقارنة الاتفاقيات الدولية بنصوص القانون الداخلي.
و من أجل مقاربة هذا الموضوع، فقد اعتمدنا في تقسيمنا للخطة على فكرتيين محوريتين أساسيتين هما: الأولى تتمثل في ماهية الإنابة القضائية الدولية، بينما الثانية تتضمن  إجراءات الإنابة القضائية الدولية .و لذلك ،فإن تصميم خطتنا  جاء على الشكل التالي :
 
  • المطلب الأول: ماهية الإنابة القضائية الدولية
  • المطلب الثاني: إجراءات الإنابة القضائية الدولية
 
المطلب الأول: ماهية الإنابة القضائية الدولية

تقتضي الإنابة القضائية ضرورة التعاون القضائي الدولي الخروج عن مبدأ إقليمية الإجراءات الجنائية ،و ذلك لامتداد الأنشطة الإجرامية بين أقاليم متعددة ،بل أكثر من ذلك أصبح الإجرام يمارس في إطار شبكات دولية محكمة التنظيم، الأمر الذي طرح صعوبة تحصيل أدلة إثباتها، هذه الوضعية فرضت ضرورة إيجاد آلية تترجم رغبة الدول في محاربة الجريمة تتمثل في الإنابة القضائية الدولية، التي تمكن القضاء الوطني من إنجاز إجراءات البحث و التحقيق اللازمة على إقليم دولة أجنبية، مع مراعاة حقوق و حريات الإنسان، و ذلك بالاستعانة بسلطات هذا الأخيرة كلما استدعت ظروف البحث ذلك.
بيد أن الإنابة القضائية ليست بديلة عن الاختصاص القضائي الوطني، فهما صورتان مستقلتان بعضهما عن البعض، و يتضح ذلك من خلال تنفيذ السلطات القضائية للدولة المطلوب منها الإنابة طبقا لتشريعها، و لا يمكنها القيام بإجراءات غير تلك الواردة في طلب الإنابة، و مع ذلك فهما متكاملتان معا في ضمان حسن سير العدالة الجنائية.
و قد استخدمت الإنابة القضائية و تعامل بها الأقوام منذ القديم ذلك أن التشريعات الأوروبية القديمة تشير إلى أن السلطات كانت تلجأ إلى استعمالها في المناطق القريبة من الحدود بغية سماع أقوال الشهود المقيمين في أراضي الدولة الأجنبية المجاورة.[3]
و انطلاقا مما سبق، سنحاول من خلال هذا المطلب دراسة ماهية الإنابة القضائية الدولية ،حيث سنتطرق في البداية إلى تعريف هاته الآلية ،على أن نمر بعد ذلك إلى تبيان الأحكام العامة المنظمة لإنابة القضائية الدولية . و ذلك من خلال نقطتين أساسيتين هما :
الفقرة الأولى: تعريف الإنابة القضائية الدولية

الفقرة الثانية: الأحكام العامة للإنابة القضائية الدولية

 
الفقرة الأولى: تعريف الإنابة القضائية الدولية.

تشكل الإنابة القضائية الدولية مظهرا من مظاهر التعاون القضائي الدولي بين الهيئات القضائية،و يبدوا من الضروري قبل توضيح أركانها (الفقرة الثانية) تحديد معناها في هاته الفقرة.
تعتبر الإنابة القضائية المنظمة بمقتضى المسطرة الجنائية إلى جانب الاتفاقيات الدولية إحدى آليات التعاون القضائي على المستوى الدولي، تلجأ إليها الهيئات القضائية من أجل جمع الأدلة من الخارج، و التي ليس بمقدورها القيام بها في نطاق اختصاصها.
وقد تباينت مواقف الفقه الوضعي في محاولتهم لتعريف الإنابة القضائية الدولية و موقف الدول منها، إذ يطرح السؤال في هذا الشأن عن صفتها، هل تعمل بصفة أصلية؟ أم تكون وكيلة للدولة التي تطلب الإنابة؟[4]
في هذا الشأن، يحدد المعنى الاصطلاحي للإنابة القضائية بأنها نيابة،إلا أن البعض يرفض فكرة النيابة، و البعض الآخر يرى أن الإنابة القضائية و النيابة يتشابهان في كون القاضي المناب يحل محل القاضي المنيب في تنفيذ الإنابة القضائية، أما دون ذلك فهناك اختلافات جمة بينهما تتمثل أساسا في أن القاضي المناب ملزم بمباشرة إجراءات الإنابة ،بينما في النيابة ( المدنية) يتمتع النائب بصلاحية رفض النيابة أو قبولها ،كما أن محل الإنابة القضائية هو إجراء أو أكثر من إجراءات التحقيق الهدف منها الكشف عن الحقيقة، أما محل الإنابة فهو تصرفات مدنية خاصة تتم لحساب الأصيل و لمصلحته، كما أنه يجوز أن يكون محل للنيابة جميع التصرفات القانونية شريطة عدم معارضتها للنظام العام، بينما يتحدد في كونه هو إجراء محدد من إجراءات التحقيق كما أن القانون يفرض على القاضي المنيب إنابة المحكمة المختصة، و هذا على عكس الأصيل الذي لا يتقيد عند اختياره لنائبه.[5]
فضلا عن ذلك ،يستند الاتجاه الرافض لفكرة الإنابة كون هذه الأخيرة و إن كانت منظمة بمقتضى القانون المدني، إلا أنه لا يمكن إقحام هذا الاصطلاح عند تعريف الإنابة القضائية الجنائية.
و تبعا لذلك، لم يستقر أصحاب هذه الاتجاه على تعريف محدد للإنابة القضائية، فقد عرفها البعض بأنها : طلب من السلطة القضائية المنيبة إلى السلطات المنابة قضائية كانت أم دبلوماسية أساسه التعاون في اتخاذ إجراء من إجراءات التحقيق أو جمع الأدلة من الخارج و كذا أي إجراء قضائي آخر يلزم اتخاذه للفصل في المسألة المثارة آو المحتمل إثارتها في المستقبل أمام القاضي المنيب ليس مقدوره القيام به في نطاق دائرة اختصاصه.[6]
هذا، ويقصد بالإنابة القضائية التفويض الذي يصدر من سلطة قضائية لسلطة قضائية أجنبية للقيام نيابة عنها بالتحقيق في واقعة إجرامية معينة و محاولة الكشف عن أدلة ارتكابها و نسبتها إلى فاعلها.[7]
و بتعبير آخر، فإن الإنابة القضائية الدولية يمكن تعريفها بكونها "وسيلة تطلب بواسطتها سلطة قضائية لدولة ما من سلطة قضائية أجنبية القيام ببعض التحريات أو الإجراءات التي لم تتمكن من القيام بها بنفسها، سواء كان ذلك من طرف النيابة العامة خلال مرحلة البحث التمهيدي أو قاضي التحقيق خلال مرحلة التحقيق الإعدادي أو من طرف المحكمة عند إجراء تحقيق تكميلي "[8].
و قد تكون تلك الإجراءات متعلقة بتوفير الأدلة أو التحقيق بما في ذلك أخد الاستماع إلى أقوال الأشخاص أو تنفيذ عمليات التفتيش أو توفير الوثائق و السجلات بما في ذلك سجلات المصارف أو السجلات المالية أو سجلات الشركات أو الأعمال.[9]

الفقرة الثانية: الأحكام العامة للإنابة القضائية الدولية

إنه اعتبارا لكون الإنابة القضائية الدولية من أهم آليات التعاون القضائي الدولي فقل عمل المشع المغربي كغيره من التشريعات و بناءا على الاتفاقيات الدولية الأخرى على إيجاد أحكام منظمة لها، و هذا التوجه موجود سواء على المستوى القانون الداخلي أو على مستوى الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية.

أولا: مصادر الإنابة القضائية الدولية

تستمد الإنابة القضائية الدولية مصدرها من القوانين الوطنية و الاتفاقيات الدولية سواءا ثنائية أو جماعية ثم مبدأ المعاملة بالمثل.
  • الإنابة القضائية الدولية بمقتضى قانون المسطرة الجنائية
لقد نظم المشرع المغربي الإنابة القضائية الدولية بمقتضى المادتين  714 و 715 من الباب الثاني من قانون المسطرة الجنائية في القسم الثالث المتعلق بالعلاقات القضائية مع الدول الأجنبية، بيد أن مقتضيات هذا القانون لا تطبق إلا في حالة عدم وجود اتفاقيات أو في حالة خلو تلك الاتفاقيات من الأحكام الواجبة التطبيق.
إذ يمكن الرجوع إلى القانون الوطني في حالة التعاون مع دولة أجنبية  لا يجمعها و المغرب اتفاقية دولية متعلقة بهذا الشأن، إلا أن هذه الحالة تستوجب إعلان حسن النية، و المعاملة بالمثل من قبل الدولة الطالبة.[10]
هذا، و يستفاد من  المادة 714 من ق. م ج أنه يمكن للقضاة المغاربة سواء تعلق المر بقضاة النيابة العامة أو قضاة التحقيق آو الحكم إصدار إنا بات قضائية دولية بقصد القيام بإجراءات التحقيق و البحث خارج أراضي المملكة، بالمقابل نص المشرع على إمكانية تلقي إنابات قضائية واردة من الخارج كما هو وارد في المادة 715 من ق.م.ج .
هذا ما ذهب إليه أيضا قانون الإجراءات الجزائية اليمني في المادة 251 منه :"لا تطبق أحكام هذا الفصل إلى عند عدم وجود اتفاقيات مع الدول الأجنبية أو حال سكوت تلك الاتفاقيات عند إيراد حكم فيها".
كما تنص المادة 225 على انه " يجوز للنيابة العامة و المحكمة أثناء نظر الدعوى أن تنيب إحدى السلطات الأجنبية في اتخاذ إجراء أو أكثر من إجراءات التحقيق الابتدائي آو النهائي و توجه هذه الإنابة إلى وزارة الخارجية لتبليغها بالطرق الدبلوماسية  و يجوز في الأحوال الاستعجال أن توجه الإنابة مباشرة إلى السلطة القضائية الأجنبية  المطلوب منها القيام بإجراء، و في هذه الحالة يجب أن ترسل صورة من الإنابة القضائية مصحوبة بجميع الوثائق إلى وزارة الخارجية لتبليغها بالطرق الدبلوماسية".
و تنص المادة 253 على انه " تقبل النيابة العامة و المحكمة الإنابة القضائية و يجرى تنفيذها وفقا للقواعد المقررة في القانون اليمني".
يجوز إبلاغ نتيجة الإجراء إلى السلطات للأجنبية قبل وصول الطلب الرسمي بالطرق الدبلوماسية إذا كانت الإنابة قد وجهت مباشرة.[11]
و هكذا، يستنتج مما ذكر أن الصيغة التي أدرجتها كل من المشرع المغربي و اليمني في النصوص المذكورة، تفيد أن للقضاة السلطة التقديرية لقبول إنجاز الإنابة القضائية.
و بالموازاة مع ذلك، جاءت الصيغة المتعلقة بقبول الإنابة الواردة عن السلطات الأجنبية على سبيل الالتزام و من ما تم تأكيده في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب في المادة 10 منها : "تلتزم كل من الدول المتعاقدة، بتنفيذ الإنابات القضائية المتعلقة بالجرائم الإرهابية ..." [12]
و بخصوص نصوص  التشريع المصري، فيلا حظ عليها أنها خلت من أية تنظيم لمسألة الإنابة القضائية و تكتفي بالاشتراك في اتفاقيات دولية تنظم موضوع الإنابة.[13]
  • -الإنابة القضائية المنظمة بمقتضى الاتفاقيات الدولية
إن الدول رغبة منها في التعاون بينها في المجالين القانوني و القضائي،و حرصا منها على تنفيذ الإنابات القضائية فيما بينها سعت بموجب اتفاق بينها إلى إيجاد أحكام تنظمها و إدراجها في اتفاقيات قضائية تلتزم بها كل دولة طرف عند تقديم طلب الإنابة . وعليه، تستمد الإنابة القضائية كنظام قانوني أساسها من التعاون بين الدول بوصفها نوعا من التعاون القضائي تفرضه طبيعة العلاقات الخاصة الدولية.
و يتضح هذا التعاون من خلال الاتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطرافـ، غير أن أحكامها تحيل في تطبيقها إلى القانون الداخلي للدولة المطلوب منها تنفيذ الإنابة القضائية. حيث لا يجوز أن يجري تنفيذها وفق الأحكام المنصوص عليها في تشريعات الدولة التي وجهت الإنابة مع مراعاة انسجامها مع قانون الدولة المطلوب منها، و كذلك احتراما لسيادة الدولة و المحافظة على استقلالها، بالموازاة مع ذلك نجد التشريعات الوطنية تعطي أولوية تطبيق الاتفاقيات الدولية على قانونها الداخلي في حالة وجودها، و لعل ذلك ما نصت عليه المادة 713 من ق.م.ج :" تكون الأولوية للاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية فيما يخص التعاون القضائي مع الدول الأجنبية "[14].
  • عليه، فإنه يستفاد من خلال النص السالف الذكر أن الأصل في تنظيم آليات التعاون القضائي الدولي في الميدان الجنائي هو الاتفاقيات الدولية و لا يلجأ إلى تطبيق القوانين الوطنية إلى استثناءا و ذلك في حالة انعدام وجود أية اتفاقية في مجال التعاون القضائي الدولي، أو عند خلوها من الإجراءات التنظيمية المتعلقة بكيفية تطبيق آلية التعاون القضائي، و هو ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة المذكورة أعلاه " لا تطبق مقتضيات هذا الباب إلا في حالة عدم وجود اتفاقيات أو في حالة عدم خلو تلك الاتفاقيات من الأحكام الواردة به.
و في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المغرب أبرم عدة اتفاقيات في إطار التعاون القضائي في المجال الجنائي، نذكر منها : الاتفاقية المغربية الأمريكية، والتي ترمي إلى التعاون المتبادل لتنفيذ طلبات البحث و الإجراءات القضائية و الاستماع إلى الشهود و التبليغات حسب الفصل الأول من هذه الاتفاقية إلى جانب إجراءات أخرى متعلقة بهذا الشأن. و بالإضافة إلى هاته الاتفاقية، نجد الاتفاقية المغربية الإيطالية بشأن التعاون القضائي المتبادل و تنفيذ الأحكام القضائية و تسليم المجرمين ،و غيرها من الاتفاقيات التي يكون المغرب طرفا فيها كما هو الحال بالنسبة للاتفاقية المبرمة مع السينغال بشأن التعاون القضائي و تنفيذ الأحكام و تسليم المجرمين.

ثانيا: صور الإنابة القضائية و شكلها

إن الحديث عن صور الإنابة القضائية يحيلنا على مركزها، هذا الأخيريمكن أن يكون داخلي ( وطني)، كما يمكن أن يكون خارج ( أجنبي).
أ-صور الإنابة القضائية
تتخذ الإنابة القضائية صورتين : تتجلى الأولى في الإنابة القضائية الصادرة عن القضاء الوطني و تتمثل الثانية في الإنابة القضائية الواردة من الخارج.
الصورة الأولى: الإنابة القضائية الصادرة عن القضاء المغربي
 لقد أجاز المشرع بمقتضى ق. م .ج للسلطات القضائية المغربية إصدار إنابات قضائية دولية إلى السلطات القضائية الأجنبية في إطار التعاون القضائي في المجال الجنائي، ووفقا لذلك نصت المادة 714 من ق.م.ج على أنه  :"يمكن للقضاة المغاربة أن يصدروا إنابات قضائية قصد تنفيذها خارج أراضي المملكة".
    ومن خلال هذا النص، يتضح أن المشرع منح حق إصدار إنابات قضائية دولية لجميع القضاة المغاربة و من دون تحديد المرحلة التي بلغها التحقيق عكس الإنابة الداخلية التي نظمها في سياق الحديث عن التحقيق الإعدادي، إذ اعتبره اختصاصا أصليا لقاضي التحقيق حسب المادة 189 من ق .م .ج .
و الملاحظ كذلك أن المشرع منح حق إصدار إنابات قضائية دولية لجميع القضاة بما فيهم قضاة النيابة العامة و التحقيق و قضاة الحكم.
*  بالنسبة للنيابة العامة: يمكن للنيابة العامة أن تنتدب جهة قضائية، كلما تعلق الأمر بإجراء من الإجراءات التي تدخل في نطاق البحث التمهيدي بما في ذلك الاستماع للشهود أو المشتبه فيهم، أو معاينة إحدى الأماكن و ذلك وفقا للقانون الداخلي للبلاد الذي ستنفد فيه الإنابة ،و إذا تعلق الأمر بإنابة سيجرى تنفيذها بالمغرب فإن التنفيذ يتم وفقا للقانون المغربي.
*  بالنسبة للقاضي التحقيق:لقد خول المشرع المغربي لقاضي التحقيق حق إصدار إنابات قضائية للسلطات الجنبية وفقا لما نصت عليه المادة 714 من ق.م.ج بغرض استعمال التحقيق، و نشر إلى أن الإنابات القضائية الدولية فيما يتعلق بالمسائل الجنائية هي تلك الصادرة عن قاضي التحقيق، وهي الأكثر نوعا في مجال التعاون القضائي الدولي.[15]
*  بالنسبة للمحكمة: يمكن للمحكمة كذلك إصدار إنابة قضائية دولية أثناء قيامها بإجراء تحقيق نهائي في الدعوى، كالاستماع للشهود و الخبراء أو غيرها من إجراءات البحث التي قد تقتضيها المحاكمة حتى تتمكن الهيئة القضائية الحاكمة  من تكوين اقتناعها الصميم، و في هذا الإطار قضى المجلس الأعلى في إحدى قراراته أنه يمكن للقضاة المملكة أن يضعوا الإنابات قصد تنفيذها خارج تراب المملكة.
و هكذا يستخلص مما سبق، أن الإنابة القضائية الدولية يمكن أن تصدر عن جميع قضاة المغاربة بمن فيهم قضاة النيابة العامة و قضاة التحقيق و قضاة الحكم، و ذلك كلما تعلق الأمر بضرورة القيام بإجراء خارج الوطن تستوجبه ضرورة البحث.

الصورة الثانية: الإنابة القضائية الواردة من الخارج
تنص المادة 715 من ق.م.ج على أنه :" تنفذ الإنابات القضائية الدولية الواردة من الخارج بنفس الطريقة التي تنفد بها الإنابات الصادرة داخل أراضي المملكة و طبقا للتشريع المغربي.....)" .
و عليه، و في إطار التعاون القضائي الدولي و الالتزامات المتبادلة بين الدول، تتلقى السلطات القضائية المغربية طلبات الإنابة القضائية الواردة من الخارج بقصد تنفيذها وفق ما هو منظم بمقتضى الاتفاقيات الدولية و الاتفاقيات الإقليمية و الثنائية التي أبرمها المغرب مع مجموعة من الدول و التي تهدف أساسا لترسيخ القانون القضائي الدولي.[16]
و ما دام الآمر كذلك، فالمغرب يكون ملزما بتلقي طلبات الإنابة القضائية الدولية الصادرة عن السلطات القضائية الأجنبية، و ذلك مع مراعاة جميع الشروط و البيانات اللازمة لتنفيذها .وهو ما عبر عنه صريح من خلال المادة 715 من ق.م.ج التي تنص على أنه : "تنفذ الإنابات القضائية الدولية الواردة من الخارج".
  • " الإنابة القضائية لا تنفذ إذا لم تكن من اختصاص السلطات القضائية المغربية أو إذا كان من شأنه المساس بسيادة المملكة أو أمنها أو نظامها العام ،أو مصالحها الأجنبية الأخرى الأساسية...."
و في هذا الشأن، فقد تم تنفيذ إنابات قضائية واردة من الخارج ،و منها الإنابة القضائية الفرنسية التي تتعلق بالتفتيش و الاستماع إلى الشهود و حجز كل الأشياء التي يتم العثور عليها خلال التفتيش و اعتراض الخطوط الهاتفية المعنية، مع طلب حضور محققين من الشرطة عمليات تنفيذ الإنابة . كذلك تلقت السلطات المغربية إنابة قضائية بلجيكية ضد "أ" و من معه من أجل قضية غسل الأموال.[17]
و بناءا عليه، فإن المادة المذكورة أعلاه يستنتج منها حالات رفض الإنابة القضائية و تتجلى فيما يأتي:
  • إذا كان تنفيذ الإنابة القضائية لا يدخل في اختصاص السلطات القضائية المغربية.
  • إذا كان من شانها المساس بسيادة المملكة أو أمنها أو نظامها العام أو محاكمها الأجنبية الأخرى الأساسية.
 و هذا ما أكدته نصوص الاتفاقيات في مجال التعاون القضائي الدولي التي أبرمها المغرب مع كل من إيطاليا و فرنسا و السينغال و تونس.
و إلى جانب كل هذه الحالات، أضافت اتفاقية الرياض للتعاون القضائي حالة أخرى لرفض الإنابة القضائية إذا كان الطلب متعلقا بجريمة يعتبرها الظرف المتعاقد المطلوب إليه التنفيذ ذات صيغة سياسية أو عسكرية، غير أن المشرع المغربي لم ينص على هذه الحالة الأخيرة، و بالتالي يستند بخصوص هذا الشأن على ما ورد في الاتفاقيات المبرمة بينه و بين الجزائر و إيطاليا و فرنسا في هذا المجال، كما يلجأ إلى مبدأ المعاملة بالمثل في مواجهة الدول التي تربطه بينها اتفاقية التعاون القضائي الدولي.
كما يتوجب على الدولة الرافضة لتنفيذ الإنابة القضائية الدولية أن تشعر الدولة الطالبة، و أن يكون قرارها القاضي بالرفض معلل و مسببا، و هذا ما أكدته المادة 33 من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، و أضافت هذه الأخيرة بمقتضى المادة 10 : "أنه يجوز رفض الإنابة القضائية إذا كانت الجريمة موضوع الطلب محل إتهام و تحقيق أو محاكمة لدى الدولة المطلوب منها الإنابة".[18]

ثالثا: شكل و مضمون الإنابة القضائية الدولية
إنه من الملاحظة أن المشرع المغربي خص مادتين للإنابة، القضائية 714 و 715 من ق.م.ج إلا أنه لم يحدد شكل و مضمون الإنابة القضائية الدولية ،و إنما أشار إلى أن هذه الأخيرة الواردة من الخارج تنفذ وفق المسطرة المتبعة لتنفيذ الإنابات القضائية الداخلية، مما يفيد معه أن شكل و مضمون الإنابة القضائية الدولية هي نفس شكل و مضمون الإنابة القضائية الداخلية المنصوص عليها في المادة 189 من ق.م.ج، والتي تشترط أن يتضمن طلب الإنابة القضائية  على البيانات التالية :
" أنواع الجريمة  - موضوع المتابعة – تاريخ صدورها – اسم القاضي الصادر عنه و طابعه – أجل إنجاز وثائق الملف – نسخ وثائق الملف – الجهة المكلفة بتنفيذ الإنابة – تحديد موضوع الإنابة بدقة – إرفاق الإنابة بالنصوص القانونية ".
إلا أنه يضاف إلى هذه البيانات الجوهرية، بيانات أخرى اقتضتها ضرورة التعاون القضائي الدولي في المجال الجنائي ،و المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بهذا الشأن ،و من بينها : ترجمة الإنابة و الوثائق المرفقة بها إلى لغة الدولة التي ستنفذ فيها .كما هو الشأن بخصوص الاتفاقية المبرمة بين المغرب و الولايات المتحدة الأمريكي، إلا أن الاتفاقية المبرمة مع المملكة الإسبانية بشأن التعاون القضائي الدولي في المجال الجنائي أضافت للغة الدولة المطلوب إليها إمكانية استعمال اللغة الفرنسية ،إلا أنه ما يمكن ملاحظته هو أن الاتفاقية المغربية الإسبانية اشترطت أن تكون الوثائق المترجمة مصادق عليها من شخص معترف به حسب قوانين الدولة الطالبة ،لكنها تعفي الوثائق المرفقة للطلب من التصديق إذا كانت مختومة بطابع رسمي، بمعنى أن الطابع الرسمي لكل دولة له قوة و حجية أمام الجهات الأجنبية.
و إلى جانب ذلك، نصت مجموعة من الاتفاقيات المبرمة مع المغرب على بيانات أخرى غير متوفرة في القانون الداخلي، كما هو الشأن في الاتفاقية المغربية الإسبانية التي اشترطت أن يكون طلب تفتيش أو الحجز مرفقا بأمر صادر عن قاضي مختص في الدولة الطالبة. كما نجد الاتفاقية المغربية  الأمريكية قد أضافت بيان آخر لم يتم التنصيص عليه في القانون الداخلي، كالوصف لعناصر الإثبات و المعلومة المطلوبة، و أعمال المساعدة التي يجب القيام بها و كذا الغرض الذي يقصد به الحصول على عناصر الإثبات و المعلومات أو أية مساعدة.
هذا،و يجب الإشارة في طلب الإنابة القضائية الدولية إلى بنود الاتفاقية كلما تعلق الأمر بإنابة قضائية مبنية على أساس الاتفاقيات المبرمة في إطار التعاون القضائي الدولي.[19]
و هكذا ،نستخلص مما سبق أن شكل و مضمون الإنابة القضائية الدولية هو إجراء ضروري و أساسي في كل طلب إنابة قضائية دولية، إذ يجب احترام و تحرير هذا الطلب بدقة و عناية و تركيز متضمنا كل البيانات سواء المنصوص عليها في القانون الداخلي أو في الاتفاقيات المبرمة بين الدول هذا المجال، حتى تكون الجهة المطلوب منها الاستجابة إلى الإنابة عن بنية.
كما أن كل إغفال لأحد العناصر المكونة لشكل و مضمون الإنابة القضائية يؤدي إلى عدم تنفيذها، لوجود عيب في شكلها و مضمونها، و هذا ما نصت عليه جل الاتفاقيات الدولية المبرمة مع المغرب كالاتفاقية المغربية الإسبانية و الاتفاقية المغربية الأمريكية السالفتين الذكر، و نفس المقتضى أكدته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (باليرمو 2000) و التي تنص في المادة 18 على أنه : "يجوز رفض تقديم المساعدة القانونية إذا لم يقدم الطلب وفقا لأحكام هذه المادة".

المطلب الثاني: إجراءات الإنابة القضائية الدولية

قد يتوقف التحقيق في الدعوى الجزائية بخصوص جريمة من الجرائم على إجراء من الإجراءات التي تتجاوز الاختصاص الإقليمي لقضاة التحقيق الأمر الذي يتطلب معه اللجوء إلى الدولة صاحبة الاختصاص من اجل القيام بهذا الإجراء على أراضيها ،و يتمثل طلب الإنابة القضائية الوسيلة القانونية التي يمكن اللجوء إليها في هذه الحالة من اجل إتمام هذه الإجراء، حيث يتم إرسال هذا الطلب إلى الدولة المطلوب منها القيام بهذا الإجراء إما عن طريق وزير العدل لهذه الدولة أو عبر الطريق الدبلوماسي[20] أو عن طريق الشرطة الجنائية الدولية أو كذلك اعتماد نظام الاتصال المباشر بين القضاة ( قضاة الاتصال) في الدول المختلفة .
و علاوة على ما سبق ،فإن تنفيذ الإنابة القضائية الدولية  يقتضي مراعاة مجموعة من الإجراءات المتعلقة بأعمال البحث و التحقيق التي تقوم بها سلطة قضائية لدولة ما بإنجازها فوق ترابها الوطني لفائدة سلطة قضائية تابعة لدولة أخرى.
و بالتالي ،فإنه يترتب عن موافقة و قبول الدولة المطلوب منها تنفيذ طلب الإنابة مجموعة من الالتزامات يجب أن تتقيد بها كل من الدولة الطالبة و المطلوب منها ذلك.
و كل هذا سنحاول إنشاء الله دراسته في هذا المطلب، و ذلك وفق الشكل التالي:
الفقرة الأولى: تبليغ الإنابة القضائية الدولية
الفقرة الثانية: مسطرة تنفيذ الإنابة القضائية الدولية
الفقرة الثالثة: آثار الإنابة القضائية الدولية
و فيما يلي تحليل لمختلف هاته العناصر :

  الفقرة الأولى: تبليغ الإنابة القضائية الدولية

لقد نص قانون المسطرة الجنائية المغربية إلى جانب الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتعاون القضائي الدولي على مجموعة من الصيغ التي من خلالها يتم تبليغ الإنابة القضائية الدولية للدولة المطلوبة، كالطريق الدبلوماسي و الطريق المباشر في حالة الاستعجال، إذ توجه مباشرة إلى القضاة المختصين أو عن طريق الأنتروبول.
كما نظم المشرع المغربي في ق.م.ج طرق تبليغ الإنابات القضائية بموجب المادة 715 في فقرتها الثانية التي نصت على أنه : "توجه هذه الإنابات إلى وزير العدل قصد تبليغها بالطرق الدبلوماسية، ما لم توجد اتفاقية تقضي بخلاف ذلك. أو في حالة الاستعجال حيث يمكن توجيهها مباشرة للجهة المختصة بتنفيذها، و في هذه الحالة توجه نسخة من الإنابة القضائية و الوثائق في نفس الوقت إلى وزير العدل لتبليغها بالطرق الدبلوماسية".
و من خلال نص المادة السالفة الذكر، يتضح أن طرق تبليغ الإنابة القضائية تتم بطريقتين :
*  الطريقة العادية: حيث يتم ذلك بواسطة السلك الدبلوماسي، ففي هذه الحالة تلعب وزارة العدل دورا أساسيا بحيث تعتبر الوسيط بين الجهة المتلقية الطلب القضائية التي أصدرته ،إذ يرسل طلب " الإنابة" إلى وزير العدل، وهو بدوره يرسلها إلى وزارة الخارجية التي ترسلها غلى الوزارة الخارجية في الدولة المراد القيام فيها بتنفيذ النيابة وهي بدورها تقوم بإرسالها إلى وزارة العدل التي تحدد الجهة القضائية المختصة بالقيام بالإجراءات الواردة في الإنابة القضائية الدولية.[21]
و ما يؤخذ على هذه الطريقة أنها تتسم بالبطء، نظرا لطول المدة المستغرقة للوصول إلى الجهة القضائية المختصة لدى الدولة المطلوبة، فإنها رغم ذلك تسمح بمراقبة هذه الإنابة من طرف وزارة العدل (مديرية الشؤون الجنائية و العفو- قسم تنفيذ التدابير القضائية في المادة الجنائية) التي تقوم بدراسة الوثائق المرسلة و تتحقق من توفرها على جميع الشروط الشكلية و كذا الموضوعية لتنفيذها.
 و في هذا الإطار، فإن المغرب أبرم العديد من الاتفاقيات التي لها علاقة بالموضوع، و التي حددت فيها تبليغ الإنابة القضائية عبر الطريق الدبلوماسي، و منها  :الاتفاقية المغربية الفرنسية ،و ذلك في مادتها 8 والتي جاء فيها : الإنابات القضائية في الشؤون الجنائية التي ينبغي تنفيذها فوق تراب أحد الجانبين تبلغ بالطريق الدبلوماسي.... و كذا المادة 14 من الاتفاقية المغربية البلجيكية التي تنص على أنه :" توجه الإنابات القضائية المنصوص عليها في المادتين 4 و 6 من هذه الاتفاقية عبر الطريق الدبلوماسي ..."، و كذلك الفصل 10 من الاتفاقية المغربية الايطالية.
و علاوة على ما سبق، فإنه يمكن تبليغ طلب الإنابة مباشرة بين وزارتي العدل، و من الاتفاقيات التي نصت على ذلك نذكر : الاتفاقية المغربية الأمريكية في فصلها 3 و كذا المادة 13 من الاتفاقية المغربية الاسبانية، و المادة 15 من اتفاقية الرياض.
*  الطريقة الثانية: التبليغ المباشر للإنابة القضائية بين جهات قضائية للدولة الطالبة،لا يلجأ إليها إلا في حالة الاستعجال و يجب توجيه نسخة من الإنابة و الوثائق في نفس الوقت إلى وزير العدل لتبليغها بالطرق الدبلوماسي. و هذا أما أكدته الاتفاقية المغربية الإيطالية، حيث ثم التنصيص على أن تبليغ الإنابات القضائية تتم بالطرق الدبلوماسية  إلا أنها أفردت استثناءات هو إمكانية تبليغ الإنابة القضائية بشكل مباشر إلى الجهات القضائية المختصة لدى الدولة المطلوبة في حالة الاستعجال على أن تتم إرجاعها في جميع الحالات بالطرق الدبلوماسية. و من هذه الاتفاقيات، نجد الاتفاقية المغربية الفرنسية نصت على ذلك في الفقرة الأخيرة من المادة الثامنة، و كذا الفقرة الأخيرة من الفصل 10 من الاتفاقية المغربية الإيطالية.[22]
فضلا عن ذلك، أضافت اتفاقية فيينا طريقة جديدة من طرق تبليغ الإنابة القضائية،والمتمثلة في إمكانية تبليغها عن طريق الشرطة الجنائية الدولية (الأنتربول)إلى الدولة المطلوبة في الظروف المستعجلة. و ذلك بشرط موافقة الأطراف على ذلك، كما نصت المادة 18 في بندها 13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية على إمكانية تبليغ طلبات المساعدة القضائية عن طريق المنظمة الدولية للشرطة الجنائية.
كما يمكن أيضا اعتماد نظام الاتصال المباشر بين القضاة ( قضاة الاتصال)  في الدول المختلفة من أجل تبليغ طلب الإنابة القضائية بين الدول، و الذي يتسم بسرعة البث في طلبات الإنابات و المساعدات القضائية و مساهمته في تبادل المعلومات الخاصة بالأحكام القضائية و التشريعات التي تصدر بهذا الخصوص.

الفقرة الثانية: مسطرة تنفيذ الإنابة القضائية الدولية

إن تنفيذ الإنابة القضائية الدولية يقتضي مراعات مجموعة من الإجراءات المتعلقة بأعمال البحث و التحقيق التي تقوم بها سلطة قضائية لدولة ما بإنجازها فوق ترابها  الوطني لفائدة سلطة قضائية تابعة لدولة أخرى.
و بناءا عليه، فإن تنفيذ الإنابة القضائية يخضع للقانون الداخلي لكل بلد مع مراعاة الاتفاقيات و المعاهدات الدولية المبرمة في هذا الشأن، سواء كانت دولية أو ثنائية أو إقليمية. و هو ما نصت عليه المادة 18 من اتفاقية الرياض على أنه :يتم تنفيذ الإنابة القضائية وفقا للإجراءات القانونية المعمول بها في قوانين الطرف المتعاقد المطلوب إليه ذلك. و كذا الفقرة1من المادة 14 من الاتفاقية المبرمة بين المغرب و دولة الإمارات العربية بشأن التعاون القضائي و الإعلانات و الإنابات القضائية و تنفيذ الأحكام و تسليم المجرمين.

الفقرة الثالثة: آثار الإنابة القضائية الدولية

مما لا شك فيه، أن موافقة الدولة المطلوب منها تنفيذ طلب الإنابة يترتب عنه مجموعة من الالتزامات يجب أن تتقيد بها كل من الدولة الطالبة و المطلوب منها ذلك.
  1.  التزامات الدولة الطالبة لتنفيذ الإنابة القضائية
تتجلى الالتزامات المترتبة على تنفيذ الإنابة القضائية الدولية في أن يكون للإجراء الذي يتم بطريق الإنابة الأثر القانوني ذاته، كما لو تم أمام الجهة المختصة لدى الدولة طالبة الإنابة. و عليه، فمتى قبلت الدولة المطلوب منها طلب اتخاذ الإجراءات القضائية ضد الشخص المشتبه فيه بارتكاب جريمة، كان على الدولة الطالبة وقف الملاحقة القضائية مؤقتا، باستثناء التحقيقات الضرورية بما فيها تقديم المساعدة القضائية إلى الدولة المطالبة بإتخاذ إجراءات، إلى أن تخطرها هذه الأخيرة بأن القضية قد تم التصرف فيما بصفة نهائية، و على الدولة الطالبة أن تمتنع قطعيا منذ ذلك التاريخ عن المضي قدما في الملاحقة بشأن مرتكب الفعل ذاته.
كما انه لا يجوز استعمال ما نتج عن تنفيذه،ا إلا في نطاق ما صدرت بشأنه، إذ لا يجوز للدولة الطالبة استخدام المعلومات أو الأدلة لأي غرض غير مبين في الطلب المقدم و فقا لتلك المعلومات، بدون الموافقة المسبقة للدولة المطلوب منها.[23]
  1. التزامات الدولة المطلوب منها تنفيذ الإنابة القضائية
إنه عندما توافق دولة ما على طلب تنفيذ إنابة قضائية واردة عليها من دولة أخرى للقيام بإجراءات معينة، فإنه يترتب على ذلك التزامات اتجاهها و هي كالتالي:
  • خضوع الإجراءات المنقولة بناءا على اتفاق لقانون الدولة المطالبة، وعلة هذه الدولة توجيهها الاتهام بموجب قانونها إلى الشخص المشتبه فيه، أن تجري التعديل اللازم فيما يتعلق بعناصر معينة من التوصيف القانوني للفعل المرتكب.
  • إذا كانت الإنابة تتعلق بنقل إجراءات المحاكمة فإن العقوبة التي يحكم بها يجب ألا تكون أشد من العقوبة المنصوص عليها في قانون الدولة الطالبة.
  • يكون لأي إجراء قد اتخذ في الدولة الطالبة وفقا لقوانينها نفس الشرعية في الدولة المطلوب منها كما لو كان هذا الإجراء قد اتخذ في هذه الدولة أو من قبل سلطاتها ،طالما كان متفقا مع أحكام قانونها.
  • على الدولة المطلوبة منها إبلاغ الدولة الطالبة بالقرار الذي اتخذ نتيجة للإجراءات، و لهذا الغرض تحال إلى الدولة الطالبة نسخة من أي قرار نهائي تتخذه عندما يطلب منها ذلك.
و بالإضافة إلى كل هذه الآثار و المنصوص عليها في المعاهدة النموذجية بشأن نقل الإجراءات في المسائل الجنائية، فإنه لا يجوز للسلطات المختصة بالدولة المطلوب منها الإنابة القضائية القيام بإجراءات لم تطلب منها، هذا و يجوز للدولة المطلوب منها أن تؤجل تسليم الأشياء أو الملفات أو المستندات المطلوب إرسالها، إذا كانت لازمة لإجراء جنائي يباشر لديها، كما يجوز لها بعد التشاور مع الدولة الطالبة طلب إبقاء المعلومات و الأدلة المقدمة سرية إفشائها أو استخدامها وفق البنود و الشروط التي  تحددها.[24]
هذا ،و فضلا عن ذلك، يجب على الدولة المطلوب منها أن تحافظ على سرية الطلب و محتوياته و المستندات المعززة له ،فيما عدا الحالات التالية:
  • الحل الضروري لتنفيذ  الطلب.
  • إذا كان الإفشاء مصرحا به من قبل الدولة الطالبة تماشيا مع نصوص و شروط تلك الدولة.
  • إذا اضطرت الدولة المطلوب إليها إلى الإفشاء بموجب أحكام قوانينها.
 
 خاتمة:

من خلال دراستنا لموضوع الإنابة القضائية الدولية كأحد الآليات الدولية لمكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية ،نخلص إلى أن التنظيم القانوني لهذه الآلية و إن كان منسجما إلى حد ما مع النصوص الدولية، إلى أنه يحتاج إلى إعادة النظر فيه بما يضمن فعالية التطبيق ،و تبسيط الإجراءات اللجوء لمثل هذه الآليات، و إن كان تفعيل مثل هذه الإجراءات يبقى متوقفا حسب نظرنا على رغبة الدولة و السلطات السياسية في التصدي جديا لهذه الظاهرة.
و من هنا ،فإن الإنابة القضائية الدولية باتت تشكل إحدى سبل التعاون القضائي الدولي في المجال الجنائي، و التي من شأنها المساهمة في التصدي للظاهرة الإجرامية عندما تتجاوز الحدود الوطنية، كما أن التنظيم القانوني لهذه الأخيرة على مستوى التشريع الداخلي سيساهم في تبسيط إجراءات العمل، لا سيما عند غياب اتفاقية ثنائية تنظمها.
 

الهوامش
[1]- رجاء بن بوبو:" أليات التعاون القضائي في المادة الجنائية "رسالة لنيل دبلوم الماستر المتخصص في المهن القضائية و القانونية ،جامعة محمد الخامس السويسي ،كلية الحقوق، الرباط، السنة الجامعية : 2010-2011، ص1  :
[2]- رجاء بن بوبو: م س،ص 5 و6
[3]-- محمد فاضل: التعاون الدولي في مكافحة الجريمة، مديرية الكتب و المطبوعات الجامعية، 1991-1992 ،ص :216.
[4]- رجاء بن بوبو: م س، ص 27
[5]- علي الهادي( صالح الميلاد) : الإنابة القضائية دراسة مقارنة بين قانون المرافعات الليبي و قانون المسطرة المدنية المغربي ، مكتبة دار السلام ،الرباط ،الطبعة الأولى 2008، ص 32 و ما بعدها.
[6]- عكاشة ( عمل عبد العالي): الإنابة القضائية في نطاق العلاقات الخاصة الدولية ( دار المطبوعات الجماعية الإسكندرية ،1994 ص 7.
[7]- جمال ( سيف فارس): التعاون الدولي في تنفيذ الحكام الأجنبية، دراسة مقارنة بين القوانين الوضعية و القانون الدولي الجنائي، دار النهضة العربية، القاهرة ،2007 ص :48 .
[8]- شرح قانون المسطرة الجنائية :منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية و القضائية، سلسلة المعلومة للجميع ،الجزء الثالث ،وزارة العدل المملكة المغربية ،مطبعة إليت ،الرباط ، العدد 17 ،مارس 2008 ،ص : 130 .
[9]- رجاء بن بوبو: م س، ص : 29 .
[10]- رجاء بن بوبو: م  س، ص 29
[11]- رجاء بن بوبو: م،س،ص 30    .
[12]- رجاء بن بوبو: م س ،ص 30 .
[13]- عزت ( محمد العمري) : جريمة غسل الأموال دراسة مقارنة " دار النهضة العربية القاهرة الطبعة الأولى 2006 ص 419 .
[14]- رجاء بن بوبو : م س ،ص 31 و 32 .
[15]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 33 و 34 ( و بتصرف)
[16]- رجاء بن بوبو: م س، ص 34
[17]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 35
[18]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 35 و 36
[19]- رجاء بن بوبو: م س، ص 38 و 39
[20]- صالحي نجاة: الأليات الدولية لمكافحة تبييض الأموال و تكريسها في التشريع الجنائي الجزائري ،رسالة لنيل شهادة الماجستير، تخصص قانون جنائي، جامعة قاصلي مرباح ورقلة – كلية الحقوق و العلوم السياسية ،الجزائر، السنة الجامعية 2010/2011 .
[21]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 41
[22]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 43
[23]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 48 و49  .
[24]- رجاء بن بوبو: م س ، ص 49 و 50 .

الاثنين 7 سبتمبر 2015


تعليق جديد
Twitter