Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية

   
الأكثر قراءة


الصكوك المالية وفق الرؤية الشرعية من خلال قانون 33.06 و دورها في تحقيق التنمية – دراسة مقارنة -


     

تقرير حول أطروحة دكتوراه في موضوع الصكوك المالية وفق الرؤية الشرعية من خلال قانون 33.06 و دورها في تحقيق التنمية – دراسة مقارنة – من إنجاز الباحثة سعاد البدري والتي تمت مناقشتها بكلية الحقوق بطنجة.




المــــــقـــــــدمـــــــة

تعتبر تجربة المعاملات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية عموما حديثة العهد قياسا بنظيرتها الغربية التي بلغت مرحلة الترهل والهرم الفكري والمؤسساتي؛ فهي لا تزال في مقتبل العمر والنمو والعنفوان في الأقطار التي نشأت فيها. ثم انتشرت من خلالها لتصل إلى ما يزيد عن 75 دولة عبر العالمين الإسلامي والغربي، فقد عرفت العقود الثلاثة الأخيرة اهتماما أكبر بالاقتصاد الإسلامي بداية من المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد سنة 1976، ثم بالمؤتمرات التي أعقبته، وأيضا، من خلال الدراسات والبحوث التي قام بها جمع من العلماء بفقه المعاملات، إلا أن الملاحظ هو أن هذا المسار عرف  تطورا بطيئا.
لكن الأوضاع في هذا المجال قد تغيرت بشكل جذري في السنوات العشر الماضية؛ إذ  شهدت  المالية الإسلامية، وما زالت تشهد،  نموا سريعا، واهتماما متزايدا، على الصعيد العالمي، حتى أضحى الاهتمام بالاقتصاد والتمويل الإسلامي بشكل عام ظاهرة تكاد تكون كونية؛ وذلك تزامنا مع اتساع الاهتمام بالإسلام سلبا وإيجابا، ومع تأثيره المتسارع في الساحة الدولية على جميع الأصعدة السياسية والثقافية والاقتصادية. ولم يعد تدخل الدين في الاقتصاد وعالم المال والأعمال من المسائل المحظورة، أو المثيرة للتساؤل والاستغراب حتى في أعرق النظم العلمانية التي لا تعير اهتماما للدين والقيم الدينية، وترفض ربط التشريعات الدينية بالقوانين في المجتمعات، وعلى سبيل المثال الدول الأوربية، التي عرفت في السنوات الست الماضية، على وجه الخصوص، تسابقا ملحوظا نحو الصيرفة الإسلامية التي  زادت  وثيرتها مع  حدة الأزمة المالية الأخيرة؛ الأزمة التي أدت بالعديد من عمالقة البنوك الرأسمالية إلى الانهيار والإفلاس، في حين لم تطل هذه الأزمة  المؤسسات المتعاملة وفق النظام المالي الخاص بالشريعة الإسلامية؛ وهو الأمر الذي  عزز التنافس الغربي على هذه المؤسسات ومنتجاتها المالية التي أثبتت نجاعتها وكفاءتها في جذب الأموال واستقطاب المستثمرين.
 وقد استطاعت المالية الإسلامية أن تنمو وأن تحقق هذا الرهان بحكمة وحنكة الهندسة المالية الإسلامية[1] التي كانت لها المقدرة على  مسايرة الواقع زمانا ومكانا؛ إذ عملت على دراسة كل ما يتعلق بالحياة الاقتصادية وتطهيرها من كل ما يتنافى وأحكام الشريعة في هذا المجال، كما سعت إلى تكثيف الجهود لإيجاد البدائل الشرعية، وذلك بالرجوع إلى مصادر الاقتصاد الإسلامي، من قرآن وسنة واجتهاد فقهي.
وقد أصبح التطوير والابتكار في الأدوات المالية الإسلامية ضرورة حتمية خاصة في ظل الطلب المتزايد على هذه المنتجات، في سياق التوجه العالمي المتنامي نحو الاستثمار الأخلاقي المتوافق مع المعاملات المالية الإسلامية التي تستبعد الربا، والغرر، والتعدي على أموال الناس، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008 التي بينت مدى هشاشة الاقتصاد الرأسمالي الربوي؛ الاقتصاد الذي جعل  الدول الإسلامية، وغير الإسلامية على حد سواء تتجه نحو الاستثمار في الأدوات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، مثل البنوك الإسلامية: " البنوك التشاركية  في المغرب"، التأمين التكافلي والصكوك ...إلخ.
وما إن ظهرت الصكوك حتى اشتهرت وانتشرت كأداة معاصرة يقبل عليها المسلمون، وغير المسلمين، في كل أنحاء العالم، بوتيرة سريعة. وعلى هذا الأساس، جاءت هذه الدراسة لتحاول اختبار ودراسة فعالية الصكوك الإسلامية على أداء الأسواق المالية.
ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الانتشار والاكتساح، أن الصكوك هي إحدى الوسائل المرموقة لتحقيق التنمية بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية...إلخ؛ إذ تتماشى بشكل كبير مع مفهوم التنمية بصيغتيها الحاضرة والشمولية؛ كما أنها  تفتح الباب على مصراعيه للمشاركة الشعبية لدعم احتياجات الناس ومتطلباتهم التنموية، بصورة تجعل المواطنين يشعرون بالانتماء الكامل في تنمية اقتصاد وطنهم، وذلك من خلال توجيه الأموال التي تم جمعها بواسطة الصكوك نحو الاستثمار المباشر والتمويل في القطاعات الاقتصادية.
ومن جانب آخر، فإنه من المعروف أنّ عملية التنمية في أيّة دولة تتطلّب تجميعًا كبيرًا، وطويل المدى، لرؤوس الأموال. ونظرا لأن أغلب الدول لا تستطيع القيام بمفردها بتمويل الاستثمارات المتوسطة، والطويلة الأجل، بسبب قلّة الإيرادات المتاحة لديها، وازدياد نفقاتها، فإن الصكوك اليوم تعتبر أهم بديل من حيث هي مصدر داخلي للتمويل، يجعلها  تنأى عن التدخل الخارجي والتبعية؛ وهو الأمر الذي يسمح لها بتحقيق الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية، والاستقلالية السياسية...، وذلك من خلال قيامها بتجميع وتعبئة المدخرات الحقيقية  من المستثمرين أصحاب الفائض التمويلي، سواء كانوا أفرادا، أو شركات، أو حكومات،  لتوجيهها نحو أصحاب العجز التمويلي وتحويلها إلى استثمارات مختلفة، ومشاريع منتجة وحيوية، تسهم في عملية التنمية، وتمكن المصدرين والمستثمرين بالمشاركة في نتائج المشروع،  سواء أكان ربحا أو خسارة.
وتتم هيكلة الصكوك وفق مختلف صيغ الاستثمار، ووفق الضوابط الشرعية المختلفة. فالصكوك تحقق بصدق مفهوم اقتصاد المشاركة الذي يعكس الفلسفة التي يقوم عليها "الاقتصاد الإسلامي". فالاقتصاد المغربي في سياق هذه الفلسفة الاقتصادية الإسلامية يعرف ورشا كبيرا جدا في المجال التنموي، ويتمثل ذلك في ما اصطلح عليه بـ"المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" التي  أرساها صاحب الجلالة [2].
بناء على ذلك، يحق لنا أن نعتبر إصدار قانون الصكوك وسيلة أخرى من وسائل استكمال المغرب  ورشه الكبير، ورهانا من الرهانات الكبرى التي يطمح المغرب تحقيقها و الوصول إليها.
غير أن الملاحظ هو أن المغرب، على الرغم من اعتباره دولة إسلامية[3]، إلا أنه من الدول المتأخرة في مجال المصرفية الإسلامية، حيث ظل بعيدا على المستوى الرسمي عن تحقيق ذلك،  لأسباب متداخلة، منها ما هو اقتصادي مرتبط بنظام الريع المهيمن على القطاع البنكي بالمغرب، ومنها ما هو سياسي مرتبط بغياب الإرادة السياسية والتوجس من انتصار أطروحة الإسلاميين. فضلا عن الأسباب الأخرى المرتبطة بعدم ملائمة الإطار القانوني للمصرفية الإسلامية واقتصاره على استيعاب التمويلات التقليدية القائمة على الربا. وعلى الرغم من ذلك،  لم يكن للمغرب أن يبقى بمعزل عن مختلف التطورات التي يشهدها العالم وكذا المتطلبات الداخلية.
 إلا أن المشرع المغربي قرر دخول غمار هذه المعاملات مع ظهور الملامح الأولى لهذا التوجه من خلال "التعاملات البنكية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية "، وذلك  بمحاولة بنك الوفاء - في بداية التسعينيات - تسويق ثلاث منتجات بنكية موافقة للشريعة، ثم عرفت توقفا وتماطلا من بنك المغرب لعشرين سنة لدراسة جدوى هذه المنتجات. وبعد ذلك، وفي سنة 2007، أصدرت السلطات المالية – بنك المغرب - الدورية رقم: 2007/G/33  المنظمة لتسويق ثلاث منتجات ،وهي المرابحة والمشاركة والإجارة.
إلى أن تم تقديم مشروع قانون البنوك التشاركية في المغرب؛ وهو القانون الذي عرف جدالا  مؤسساتيا واسعا، وانشغالا شعبيا كبيرا، بخصوص مدى كفاءة هذه البنوك وشرعيتها، الأمر الذي نتج عنه، في الأخير، صدور قانون 103.12 /2015[4]. وفي خضم هذا الانشغال الكبير، كان هناك مشروع قانون آخر في مجال المعاملات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية أو المالية التشاركية -  التسمية التي اختارها المغرب - ، ألا وهو قانون الصكوك القائم على تعديل قانون تسنيد الديون الرهنية.

أولا: تحديد نطاق البحث.

انطلاقا من عنوان الأطروحة: " الصكوك المالية وفق الرؤية الشرعية من خلال قانون 33.06  ودورها في تحقيق التنمية، دراسة مقارنة"، يمكننا القول إن معالجة هذا الموضوع قد انصبت على تحليل الصكوك ودراستها من الناحية القانونية، وأيضا، من الناحية الشرعية، وكذا علاقتها بالجانب التنموي الذي تؤديه في مختلف المجالات  نظرا لخصوصيتها.
ذلك لأن الإطار القانوني لعملية  التسنيد - التصكيك -  هو أحد المقومات الأساسية التي تؤدي دورا حيويا في نجاح عمليات إصدار الصكوك. ومما يحقق ذلك الدور، قيام السلطات التشريعية بإيجاد الإطار القانوني المناسب، والبيئة القانونية الملائمة والحاكمة لعملية التصكيك، وذلك من خلال إصدار تشريعات قانونية ترعى عمليات التصكيك بمختلف جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، بل وحتى الشرعية  منها بشكل عملي.
والمغرب، إدراكاً منه لأهمية المعاملات المالية الإسلامية على الساحتين "العربية-الإسلامية" والدولية، ودور هذه الصناعة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيزاً لمكانته المالية والاقتصادية، قام بتعديل للقانون رقم: 33.06، وهو قانون الأصول الذي كان يطلق عليه قانون تسنيد الديون الرهنية.
إن هذا القانون هو ما يهم موضوع الأطروحة  هاته ، بحيث ثم الاقتصار فيه على بعض المواد منه المتعلقة بالصكوك، سعيا إلى دراستها دراسة تفصيلية مبنية على مقارنة بينها وبين بعض التشريعات المعمول بها في بعض الدول.
أما الجانب الشرعي للبحث، فيكمن في رصد الضوابط والأحكام الشرعية المستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء، ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك الكثير من الباحثين والمهتمين بهذا المجال، بل وحتى العموم منهم، الذين أعابوا على المشرع المغربي أنه لم يذكر صراحة عبارة الصكوك "الإسلامية " كما هو منصوص عليه في عدة تشريعات، كما هو عند المشرع التونسي  على سبيل المثال؛ إذ اعتبروه مراوغة  من قبله في ذلك، كونه ابتعد صراحة عن كل ما هو مرتبط "بمشروع الأسلمة" وفق ما هو متداول، كما فعل الأمر نفسه بالنسبة إلى البنوك التي أسماها "البنوك التشاركية" ولم يطلق عليها مصطلح البنوك "الإسلامية".

ثانيا : أهمية الموضوع.

يكتسب موضوع الدراسة أهميته من أهمية الصكوك نفسها، خاصة مع تطور المصرفية الإسلامية، وذلك لما تقدمه من ميزات مالية واستثمارية فريدة، وأيضا، نظرا لما يكتسبه الموضوع في المغرب في هذه الظرفية بالخصوص، حيث جاءت في وقت تشهد فيه الصناعة المالية الإسلامية عامة، والصكوك خاصة، رواجا غير مسبوق في أسواق المال المحلية والإقليمية. وتتمظهر أهميته هذه من خلال عدة زوايا يمكن إجمالها فيما يلي:
 
  • الأهمية  على مستوى البحث العلمي والأكاديمي:
نظرا للتحولات التي يعرفها المغرب على صعيد تطوير الاقتصاد الوطني وانفتاحه على استقطاب المعاملات المالية المبنية على الشريعة الإسلامية، لم يكن للبحث العلمي أن يبقى بمعزل عن هذه التحولات والتطورات، وذلك بدراسة مجموعة من المواضيع ذات الصلة. ولأنني سجلت عدم التطرق لهذه الموضوع بَعْدُ في الجامعة المغربية، فإن أهمية هذه الأطروحة تكمن، بالنظر إلى جانبها الأكاديمي والعلمي، في كونها عبارة عن توطئة وتمهيد للبحث الأكاديمي الذي لا يزال في حاجة إلى دراسات أخرى تعمل على الزيادة في تفصيل نقاط متعددة في هذا الموضوع، على اعتبار أن البحث فيه ما زال في بداياته الأولى. ولعل الأهمية التي يكتسيها البحث من جانب آخر، هو تشعبه وانفتاحه على عدة  مجالات؛ إذ إنه، وإن كان الموضوع قانونيَ التخصص، إلا أن له ارتباطات متنوعة بتخصصات أخرى. فالدراسات القانونية لا تكون بمعزل عن العلوم الأخرى، أو عن محيطها. وإذا كان موضوعنا هذا له علاقة مباشرة بالدراسات الشرعية، فإنه كان لزاما علينا الخوض في هذا المجال؛ إذ لا يمكن، في غياب تصور واضح عن هذا الموضوع من الناحية الشرعية، الحكم عليه من الناحية القانونية. وكما هو معروف فإن الحكم على الشيء هو فرع عن تصوره. وبالإضافة إلى المجال الشرعي، فإن للموضوع ارتباطا بالمجال الاقتصادي، ناهيك على أنه موضوع يجمع بين شقي القانون العام والقانون الخاص.
 
  • الأهمية الفقهية والشرعية.
إن ما تتميز به الصكوك، هو أنها من المواضيع المميزة؛ إذ تجمع بين الأصالة والمعاصرة  في الفقه الإسلامي، في باب المعاملات المالية. كما أنها موضوع ذو أبعاد عصرية وحديثة تتماشى ومتطلبات العصر في مجال المعاملات، ما يجعلها منفتحة على المجال الاجتهاد بأنواعه المختلفة، الأمر الذي يتيح الفرصة لاختراع واستحداث صور مختلفة للعقود والمعاملات المالية.
    وهذا الأمر من شأنه أن يشكل دافعا كبيرا يحرك علماء المغرب الذين لهم باع طويل وعريق في فقه المعاملات المالية، من أجل التفطن إلى عقود ومؤسسات أخرى لازالت في طي  التهميش. ومع  أن هذه التجارب مازالت تجارب حديثة، فهي في حاجة إلى دراسة شرعية مؤصلة، خاصة وأن الاستمداد من نصوص وأصول وقواعد الشريعة الإسلامية، كاف لحـــل الكثير من المشكلات  المستجدة في الحياة المعاصرة.
 
  • الأهمية القانونية
إن أهمية هذا البحث من الناحية القانونية، تكمن في تفعيل وتنشيط التعامل بالصكوك؛ إذ يعتبر وجود الإطار التشريعي في غاية الأهمية، لأنه يمثل الاعتراف الرسمي من الدولة، كما يعد الحامي الشرعي لها، وبالتالي فالموضوع يعتبر إضافة جديدة للساحة القانونية المغربية، وعملا مواكبا لمنظومتها. وهذا يعود لطبيعة الصكوك التي تختلف عن المنتجات المالية الإسلامية الأخرى من حيث إنها أكثر احتكاكا بالقانون. كما تعتبر هذه الدراسة جولة في عدد من القوانين في التشريع المغربي، سواء  القوانين المدنية، أو التجارية، أو البنكية، وأيضا التطرق لبعض القوانين المقارنة التي تعمل على ضبط  سائر الجوانب القانونية  المتعلقة بالصكوك. وبذلك، تضمن  لها  السلامة وحسن  السير  وسهولة  الإجراءات.
 
  • الأهمية الاجتماعية.
تتمثل أهمية البحث من الناحية الاجتماعية في مقدرة الصكوك على النهوض بقطاعات  اجتماعية مهمة  عن  طريق  الاهتمام بها  والعمل  على تطويرها؛ وبالتالي،  مساعدة  قطاعات  وفئات اجتماعية عن طريق تحريك عجلة العمل، والنقص من  البطالة، وخروج  فئات  من  العزلة، والنهوض بقطاعات  خيرية، و تمويل المشاريع الاقتصادية الصغرى والمتوسطة.
 
  • الأهمية الاقتصادية
تنبع الأهمية الاقتصادية لهذه  الدراسة، مما  تتميز به الصكوك من  خصائص كالتنوع والتجدد، وانتشارها المتسارع؛ إذ يعتبر منتَج الصكوك كواحدة من ابتكارات الصناعة المالية الإسلامية؛ فهي أداة تمويلية شرعية تستوعب القدرات الاقتصادية الكبيرة التي استطاعت أن تجد لها حيزا في الأسواق المالية الدولية؛ الأسواق التي عرفت بمرونتها وجمعها بين أمرين، بين تمويل المشاريع والمؤسسات التي بحاجة إلى تمويل، وبين حاجة المستثمرين أصحاب رؤوس الأموال إلى تنمية أموالهم وبطريقة شرعية.
وتتجلى هذه الأهمية أيضا، في إظهار مدى صمود الصكوك في وجه التقلبات التي شهدها ويشهدها الاقتصاد العالمي، والأسواق المالية خاصة، مع الانهيار الكبير الذي شهدته الرأسمالية، و تزامنًا مع أزمة الرهونات العقارية التي تسببت في أكبر ركود عالمي منذ الكساد الأعظم لسنة 1929، ووصول التضخم إلى أعلى مستوياته، وانهيار الدولار الأمريكي أمام العُملات الأخرى، إلى جانب المؤسسات المالية العملاقة التي أغلقت أبوابها مُعلنة إفلاسها.
كما تستمد هذه الدراسة أهميتها من إمكانية الكشف عن مساهمة الصكوك في السياسة المالية والمتمثلة أساسا في تمويل عجز الميزانية العامة للدولة، بعيدا عن الأساليب التقليدية وانعكاساتها الخطيرة على اقتصاديات الدول وماليتها العامة. فغالبا ما كرست هذه الأساليب العجز في الميزانيات بسبب ارتفاع تكلفة استخدامها، وجعلت الكثير من الدول التي عجزت عن خدمة مديونيتها تخضع لشروط وإملاءات المنظمات الدولية على غرار صندوق النقد الدولي.
ذلك لأن ارتباط الصكوك بالاقتصاد الحقيقي يجعلها تعمل على تعبئة الموارد المالية اللازمة لتمويل عجز الموازنة العامة اعتمادا على مصادر تمويلية حقيقية ومحلية، بعيدا عن الانعكاسات الخطيرة للمديونية والإصدار النقدي.
وأيضا تبرز أهميتها في محاولتها تسليط الضوء على قدرة الصكوك على تحسين ومعالجة السياسة النقدية بتطوير السوق المالية ومحاولة خلق سوق مالية وفق منظور إسلامي، وأيضا، تطوير وتوفير السيولة للأبناك، ودعم تواجد هذه  المؤسسات، و زيادة قدرتها التنافسية، خاصة مع تطوير مشروعات حكومية.

ثالثا: دوافع اختيار الموضوع.

 بالإضافة إلى الأهمية المذكورة للموضوع، والتي تعتبر في حد ذاتها دافعا مهما للبحث فيه، فإننا نشير إلى أن هناك دوافع أخرى حفزتني على اختيار هذا  الموضوع؛ وهي الدوافع التي تصنيفها  إلى دوافع موضوعية وأخرى ذاتية:

ـ الدوافع الموضوعية.

محاولة مسايرة الواقع الذي أصبح يعرف اهتماما كبيرا بمجال الاقتصاد والمعاملات المالية الإسلامية بصفة عامة، والصكوك بصفة خاصة؛ كون هذا النوع من المعاملات أصبح أحد موضوعات الصناعة المالية الإسلامية التي يراهن المغرب على نجاحها في أفق التطبيق العملي، انطلاقا من هذه السنة 2016؛ وبالتالي، فإن عناصر هذا الموضوع  تعتبر مسايرة لسياسة المغرب في التطبيق العملي لقوانين المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية هذا من جهة.  ومن جهة أخرى، فإذا كان قانون البنوك التشاركية، أو ما يعرف بقانون مؤسسات الائتمان، والهيئات المعتبرة في حكمها، قد نال القسط الكبير جدا في الدراسة، فذلك لأن القانون المنظم للصكوك: 33.06، لم يتطرق إليه أحد، حسب معرفتي، وإلى حدود كتابة هذه الأسطر.
إضافة إلى ذلك، فإن  الكثير من الدراسات السابقة لموضوع الصكوك في الدول الأخرى، اقتصرت على الجانب الاقتصادي والشرعي دون القانوني منها؛ وكان مرد ذلك  إلى عدم وجود نصوص قانونية. كما أن رغبتنا في تقديم رؤية معالجتيه قانونية واضحة للصكوك، دفعتني إلى  تحرى كل جوانبها قدر المستطاع، مع مراعات للمقاصد الشرعية.

ـ الدوافع الذاتية.

ميلي  الشخصي للبحث  في هذا النوع من المواضيع التي تكون لها علاقة بمجال المال والأعمال، فإن من بين أهم الدوافع التي حفزتني على التشبث بهذا الموضوع ـ رغم الصعوبات الكثيرة التي كانت  تعترضني وجعلتني أفكر في التخلي عنه وتغييره ـ ، هي رغبتي الكبيرة في تسجيل السبق العلمي  في كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب بصفة عامة، وفي شعبة القانون بصفة خاصة؛ فهذه الصعوبات  كانت  بمثابة الطاقة التي تمدني وتحركني للعمل الجاد ، وتحمل عناء البحث المضني ومواجهة صعابه والسير فيه قدما.
كل هذا شكل هاجسا مهما، شجعني على اختيار هذا الموضوع وشجعني على الاستمرار في البحث فيه، وذلك للمساهمة بقسط متواضع في إغناء المكتبة القانونية المغربية، ولما لا العربية والاسلامية بل والعالمية ، بموضوع هام وحيوي  للغاية، من الناحية العملية والعلمية، موضوع قد يرجع إليه الباحث والممارِس والمهتم.

رابعا : صعوبات البحث.

رغم إيماني بأن ركوب غمار البحث العلمي، يعتبر في حد ذاته مغامرة وصعوبة لا تشفع لراكبها، بأي شكل من الأشكال، بأن يتذرع بصعوبة موضوع بحث معين على حساب موضوع آخر، فإن تلك الصعوبات، التي اعترضني، لم تكن  لتثنيني عن بلوغ هدفي، ولا أن تمنعني من الإقرار بوجود بعض الصعوبات الخاصة التي واجهتني في سياق دراسة هذا الموضوع، سواء ما هو خاص بالموضوع ذاته، أو ما يرتبط منه بالمواضيع الأخرى، ولعل أهم هذه الصعوبات:
ندرة الكتب المتخصصة في المكتبات المغربية بما يخص المالية الإسلامية، وخاصة تلك المتعقلة بالصكوك، تحديدا في المرحلة الأولى من إعداد هذه الأطروحة.
وفي محاولة  دعم  هذا البحث النظري ببعض ما هو تطبيقي، وباعتبار المغرب لم يصل بعد إلى مرحلة التقييم لكونه لم يعرف تطبيقا رسميا لهذا النوع من المعاملات، فإن كل المحاولات  الدؤوبة والمتكررة للوصول إلى ما هو تطبيقي، من خلال الحصول على بعض الأحكام القضائية التي عرفتها المحاكم بخصوص الصكوك، غير أن كل هذه المحاولات، التي قمت بها في سبيل ذلك،  قد باء أغلبها  بالفشل، للأسف؛ إذ كنت دائما أقابَل برد لا هو بكاف ولا هو بشاف[5].
علاقة الموضوع بالجانب الفقهي الذي يحتاج إلى معرفة المصادر الأساسية التي يجب اعتمادها، وإلى معرفة كتب المذاهب الفقهية، ونظرا لعدم تخصصي في هذا الجانب، فإنني قد وجدت صعوبة في فك شفرة لغة الفقه أحيانا، مع وجود صعوبات وعراقيل، تتمثل في كثرة الفتاوى وعدم اتحادها في الحكم الواحد، بالإضافة إلى وجود أراء متباينة ومختلف فيها، من حيث المذاهب الأربعة؛ وهذا ما يبين أن هذا موضوع فقهيا، دقيق وشائك وواسع النطاق، تكثر فيه السجالات الفقهية، ما يجعلها متضمنا بالضرورة صعوبة الترجيح.
بالإضافة إلى أن الموضوع متشعب وله علاقة مع تخصصات أخرى، ويتضمن قضايا متباعدة ومتشابكة جدا، وبالتالي نسجل صعوبة حصر وجمع شتات هذا الموضوع.

خامسا: تحديد الإشكالية.

تعتبر الملائمة بين التشريعات القانونية والقواعد الشرعية إطاراً مؤسسياً لضبط عمليات "التصكيك": التسنيد، ودوراً محورياً في نجاح الفرص، وتسهيل وصول المؤسسات لموارد الجمهور بصورة تمكنها من تحقيق أهدافها. وكلما كانت النصوص القانونية المختلفة ذات العلاقة بعمليات التصكيك  واضحة، وغير متعارضة مع الضوابط الشرعية، ولا يؤدي تطبيقها إلى تكاليف و عرقلة، زاد ذلك من سهولة عمليات التسنيد ومرونتها. أما غياب القوانين ذات العلاقة، أو ضعفها، يؤدي إلى وضع عراقيل جمة تصطدم بها عملية التسنيد.
لذلك فقد أضحى هاجس التقنين مهما جدا، خاصة وأن عملية التسنيد أداة مالية مستحدثة، وبذلك يصبح  توفير البيئة القانونية المناسبة والمشجعة لعمليات الاستثمار، أحد الركائز الأساسية لمشروع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. في المقابل، يكون غياب الإطار القانوني والتشريعي الذي ينظم العمل بالصكوك يعد من أكبر العوائق التي تعترض انتشارها ونجاحها بصفة خاصة، ونجاح المالية الإسلامية بصفة عامة؛ وهو ما يلاحظ في بعض دول الخليج العربي رغم اعتمادها على العمل بالصكوك  في معاملاتها وسياساتها الاقتصادية.
والمغرب، وعلى الرغم من تأخره الكبير عن ركب الدول المتعاملة بالمعاملات المالية المتوافقة مع الشرعية الإسلامية، إلا أنه أحسن صنعا، وذلك بقلب الصورة لمصلحته، فهو اختار أن يمهد الأرضية القانونية والتشريعية قبل أن يقرها في سياساته الاقتصادية على أرض الواقع، وهو السبيل  ذاته الذي انتهجته بعض الدول الأوربية.
وقد اختار المشرع المغربي، أسوة بالعديد من الدول، أن يضمن المقتضيات القانونية التي تنظم الصكوك ضمن قانون مسبق، وألا يعمد إلى خلق قانون خاص بها، فضمنها في إطار قانون: 33.06. إذن، فإقرار المغرب هذا التنظيم وهذا الإصدار، هو أمر لازم وضروري خاصة في ظل الأوراش الكبرى التي يعرفها المغرب بهدف تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
على ضوء هذا العرض يمكن صياغة وتحديد الإشكالية الرئيسة كما يلي:
إلى أي حدا استطاع المشرع المغربي في إطار قانون: 33.06، أن يكون موفقا في خلق الضمانات القانونية الملائمة للخصوصيات الشرعية للصكوك، وذلك لمأسسة وجودها على أرض الواقع، وتمكينها من القيام بالدور المنوط بها وجعلها آلية فعالة في مسلسل التنمية الشاملة والمستدامة، مقارنة مع ما حققته هذه العملية في الدول الأخرى؟
 
سادسا: المنهج المتبع.

 نظرا لطبيعة الموضوع  وتعدد أدوات الدراسة والتحليل فيه، ومن أجل اختبار فروض البحث وتحقيق أهداف الدراسة والإحاطة بمختلف جوانبها ،فإنني اعتمدت على مناهج البحث التالية:
فقد اعتمدت المنهج الوصفي التحليلي القائم على الملاحظة عند تناولي الجوانب التأصيلية لموضوع الصكوك، وقد استعملت هذا المنهج في معظم أجزاء الباب الأول الذي يمثل تقديمًا عاما  للمفاهيم والمعطيات.
كما حاولت الجمع ما أمكن بين المنهج الاستقرائي والاستنباطي أثناء إيراد آراء المجامع الفقهية وآراء وفتاوى العلماء
بالإضافة إلى الاعتماد على المنهج المقارن والذي يقوم على مقارنة الجوانب المختلفة لمفهوم الصكوك .وبذلك فقد اعتمدت على مقارنة الأحكام والضوابط الشرعية مع النصوص القانونية، وأيضا مقارنة هذه الأخيرة مع بعضها البعض، مع الاعتماد في سياق ضيق على المنهج التاريخي والمنهج الجدلي بين الفينة والأخرى.

سابعا: تصميم البحث.

من خلال كل ما تقدم معنا، تقتضي طبيعة الموضوع أن نستهله بالوقوف على ماهية الصكوك وتمييزها عن غيرها من المؤسسات المشابهة، وأنواعها، وكذا التطرق لأهم التجارب العالمية في الإقرار والتنظيم القانوني لها. وهذا كله شكل (الفصل الأول) من هذا البحث. وفي (الفصل الثاني) حاولت إبراز أهم الضوابط القانونية والشرعية  المتعلقة بالصكوك في ما قبل الإصدار، مرورا بالتداول، ووصولا إلى استردادها،وأيضا التعرف على ضوابط الرقابة والضمانات التي تمنحها الصكوك؛ ويشكل هذان الفصلان معا (الباب الأول) من البحث.
فيما خصصت (الباب الثاني) لإبراز الدور التنموي الذي تحققه الصكوك على عدة مستويات وقطاعات؛ بحيث خصصت (الفصل الأول) لدور الصكوك في تقوية السياسة المالية، فيما جاء (الفصل الثاني) منه، لتبيان دور الصكوك في إنعاش المعاملات المالية بالنسبة للأبناك والأسواق المالية، والتعرف المخاطر التي تعترض الصكوك وآليات إدارتها ومعالجتها.
       بناء على ذلك،  فإن تقسيم هذه الاطروحة جاء كما يلي:


الباب الأول: الصكوك بين المرتكزات الشرعية والمقتضيات القانونية.
الباب الثاني: دور الصكوك في تحقيق التنمية
 
[1]_  الهندسة المالية الإسلامية هي" مجموعة الأنشطة التي تتضمن التصميم التطوير والتنفيذ لكل من الأدوات المالية المبتكرة، إضافة إلى صياغة حلول إبداعية لمشاكل التمويل و كل ذلك في إطار توجيهات الشرع الإسلامي."
[2] _ نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة، الرباط في 18- 5 – 2005.
[3] _ جاء في تصدير دستور المملكة المغربية لسنة 2011 : " المملكة المغربية دولة إسلامية...كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها. كد وتلتزم بما يلي:- تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية.."
كما ينص الفصل 3 منه على أن " الإسلام دين الدولة.." وينص الفصل 41 على أن " الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين...".
[4] _ القانون رقم: 103.12، المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المماثلة، ظهير شريف رقم: 1.14.193، صادر في فاتح ربيع الأول 1436 (24 ديسمبر 2014) بتنفيذ القانون رقم: 103.12، المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، الجريدة الرسمية عدد: 6328، بتاريخ فاتح ربيع الثاني 1436  ( 22 يناير 2015).
[5] _ حيث كان الرد دائما  بالعبارة التالية: "إننا ولله الحمد، منذ أن بدأنا نتعامل بالصكوك لم تواجهنا أي إشكاليات قانونية، ولم يحدث أن تعرض أحد إصداراتنا إلى مشاكل قانونية، أو وقفنا على ثغرات".

السبت 10 ديسمبر 2016
1971 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter